الرئيسية » موسوهة دهشة » الدين » التصوف و الأخلاق » المنجيات » التوكل على الله وحده. الشيخ- فؤاد أبو سعيد حفظه الله تعالى

التوكل على الله وحده. الشيخ- فؤاد أبو سعيد حفظه الله تعالى


التوكل على الله وحده
لاعلى الأموال والأولاد والمناصب والأولياء

الحمدلله
كثير منالناس من يعتمد على قوته وأعوانه، وكثرة ممتلكاته، كفرعون الذي قال الله عنه: {ونادى فرعونُ في قومه قال يا قوم أليس لي مُلكُ مصروهذه الأنهارُ تجري من تحتي أفلا تُبصرُون * أم أنا خيرٌمن هذا الّذي هُو مهينٌ ولا يكادُ يُبينُ * فلولا أُلقيعليه أسورةٌ من ذهب أو جاء معهُ الملائكةُ مُقترنين * فاستخفّ قومهُ فأطاعُوهُ إنّهُم كانُوا قومًا فاسقين * فلمّا آسفُونا انتقمنا منهُم فأغرقناهُم أجمعين * فجعلناهُم سلفًا ومثلاً للآخرين}.(الزخرف 51-56).
فلم تنفعهأموالٌ ولا ممتلكات، ولم ينصره أعوانٌ ولا أتباع، {ودمّرنا ما كانيصنعُ فرعونُ وقومُهُ وما كانُوا يعرشُون}(الأعراف: 137).
أو يعتمدعلى أمواله وكثرة ثرواته، كقارون الذي أخبر الله عنه: {قال إنّما أُوتيتُهُعلى علم عندي أولم يعلم أنّ اللّه قد أهلك من قبلهمن القُرُون من هُو أشدُّ منهُ قُوّةً وأكثرُ جمعًا ولايُسألُ عن ذُنُوبهمُ المُجرمُون}.(القصص: 78).
وتمنّىكثيرٌ من قومه الجهلاء أن يكونوا أثرياء مثله: {فخرج على قومه فيزينته قال الّذين يُريدُون الحياة الدُّنيا يا ليت لنامثل ما أُوتي قارُونُ إنّهُ لذُو حظّ عظيم}.(القصص: 79).
فما كانمصيرُه، ومصيرُ ثرواته التي اعتمد عليها، وخزنها في قصر وداره؟ قال سبحانه: {فخسفنا به وبداره الأرض فما كان لهُ من فئةينصُرُونهُ من دُون اللّه وما كان من المُنتصرين * وأصبحالّذين تمنّوا مكانهُ بالأمس يقُولُون ويكأنّ اللّهيبسُطُ الرّزق لمن يشاءُ من عباده ويقدرُ لولا أن منّاللّهُ علينا لخسف بنا ويكأنّهُ لا يُفلحُ الكافرُون}.(القصص: 81، 82).

أو يعتمدعلى كثرة أولاده مع أمواله كمن قال الله عنهم: {وقالُوا نحنُ أكثرُ أموالاًوأولادًا وما نحنُ بمُعذّبين}.(سبأ: 35).
فماذا كانتنتيجةُ اعتمادهم هذا؟ يقال لهم يوم القيامة: {فاليوم لا يملكُ بعضُكُملبعض نفعًا ولا ضرًّا ونقُولُ للّذين ظلمُوا ذُوقُوا عذابالنّار الّتي كُنتُم بها تُكذّبُون}.(سبأ: 42).
أو يعتمدعلى صحته وعافيته، وقوة عضلاته، مثل قوم عاد؛ {فأمّا عادٌ فاستكبرُوا فيالأرض بغير الحقّ وقالُوا من أشدُّ منّا قُوّةً أولميروا أنّ اللّه الّذي خلقهُم هُو أشدُّ منهُم قُوّةً وكانُوابآياتنا يجحدُون}.(فصلت: 15)، والنتيجة؛ {فأرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا في أيّامنحسات لنُذيقهُم عذاب الخزي في الحياة الدُّنيا ولعذابُالآخرة أخزى وهُم لا يُنصرُون}.(فصلت: 16).
ومنهم منيعتمد على حسبه ونسبه شرفه، ومنصبه وجاهه وهو لا يساوي عند الله شيئا! (… مرّ رجُلٌ على رسُول اللّه صلّى اللّهُ عليه وسلّم فقاللرجُل عندهُ جالس: “ما رأيُك في هذا؟”فقال: رجُلٌ من أشراف النّاس؛ هذا واللّه! حريٌّ إن خطب أنيُنكح، وإن شفع أن يُشفّع. قال: فسكت رسُولُ اللّه صلّىاللّهُ عليه وسلّم، ثُمّ مرّ رجُلٌ آخرُ، فقال لهُ رسُولُاللّه صلّى اللّهُ عليه وسلّم: “ما رأيُك فيهذا؟” فقال: يا رسُول اللّه! هذا رجُلٌ من فُقراءالمُسلمين، هذا حريٌّ إن خطب أن لا يُنكح، وإن شفع أنلا يُشفّع، وإن قال أن لا يُسمع لقوله. فقال رسول الله صلىالله عليه وسلم: “هذا خيرٌ من ملء الأرض مثلهذا”.البخاري مع شرحه فتح الباري (11/ 273) (6447) عن سهل بن سعد السّاعديّ.
ومن الناسمن يعتمد على عدوه من شياطين الجن ويلجأ إليهم كالسحرة والمشعوذين {وأنه كان رجالمن الإنس يعوذون فزادوهم رهقا}. الجن
ومنهم منيعتمد على شياطين الإنس؛ كالجواسيس والعملاء، ومن باعوا دينهم وأوطانهم وأعراضهملأعدائهم.
والقليل منالناس من يتوكل على الله جلّ جلاله، ويتقيه في اكتساب أمواله، وحفظ أهله وأولاده،والنصر على أعدائه.
فبالتقوىوالتوكل ينال المؤمنُ ما يريد من هدوء البال، وراحة النفس، وجلاء الصدر، قالسبحانه: {… ومن يتّق اللّه يجعل لهُ مخرجًا * ويرزُقهُ منحيثُ لا يحتسبُ ومن يتوكّل على اللّه فهُو حسبُهُ إنّاللّه بالغُ أمره قد جعل اللّهُ لكُلّ شيء قدرًا}.(الطلاق: 2، 3).
وإذا خفناعلى أولادنا وأهلينا وأموالنا من الحسد؛ فما علينا إلا أن نأخذ بالأسباب ونتوكل علىالله سبحانه، اقتداء بنبي الله يعقوب عليه السلام: {وقال يا بنيّ لاتدخُلُوا من باب واحد وادخُلُوا من أبواب مُتفرّقة وماأُغني عنكُم من اللّه من شيء إن الحُكمُ إلاّ للّه عليهتوكّلتُ وعليه فليتوكّل المُتوكّلُون}.(يوسف: 67).
والنصر علىالأعداء نطلبه بالأخذ أسباب القوة المادية، والعددية والمعنوية، بعد التوكل علىالله سبحانه، قال سبحانه: {إن ينصُركُمُ اللّهُ فلا غالب لكُم وإنيخذُلكُم فمن ذا الّذي ينصُرُكُم من بعده وعلى اللّهفليتوكّل المُؤمنُون}. (آل عمران: 160).
وفي حالالضعف الماديّ والعدديّ لا بد من التوكل على الله سبحانه، وذلك اقتداءً برسل اللهسبحانه، الذي آذاهم قومهم فماذا قالوا لهم: {قالت لهُم رُسُلُهُم إن نحنُإلا بشرٌ مثلُكُم ولكنّ اللّه يمُنُّ على من يشاءُ منعباده وما كان لنا أن نأتيكُم بسُلطان إلاّ بإذناللّه وعلى اللّه فليتوكّل المُؤمنُون * وما لنا ألاّنتوكّل على اللّه وقد هدانا سُبُلنا ولنصبرنّ على ماآذيتُمُونا وعلى اللّه فليتوكّل المُتوكّلُون}.إبراهيم: 11، 12).
ويقوى توكلالمؤمنين عند الأمراض، والتحسب من وقوع الأذى والأضرار: {قُل لن يُصيبناإلاّ ما كتب اللّهُ لنا هُو مولانا وعلى اللّه فليتوكّلالمُؤمنُون}.(التوبة: 51).
ولا يتوكلونعلى سواه سبحانه، لأن ما سواه لا يملك شيئا، {ولئن سألتهُم من خلق السّماوات والأرض ليقُولُنّ اللّهُ قُل أفرأيتُم ما تدعُونمن دُون اللّه إن أرادني اللّهُ بضُرّ هل هُنّ كاشفاتُضُرّه أو أرادني برحمة هل هُنّ مُمسكاتُ رحمته قُلحسبي اللّهُ عليه يتوكّلُ المُتوكّلُون}.(الزمر: 38).
فالمؤمنالموحد يعلم أن الأمور كلّها من عند الله وبإذنه ومشيئته، {ما أصاب منمُصيبة إلاّ بإذن اللّه ومن يُؤمن باللّه يهد قلبهُواللّهُ بكُلّ شيء عليمٌ * وأطيعُوا اللّه وأطيعُوا الرّسُولفإن تولّيتُم فإنّما على رسُولنا البلاغُ المُبينُ * اللّهُلا إله إلاّ هُو وعلى اللّه فليتوكّل المُؤمنُون}.(التغابن: 11- 13).
يا عبد اللهأيها المؤمن! وعند التناجي، وعندما يتركك خلانك وأصحابك، يتحدثون بأمر لا يريدونكتعلمه أو تسمعه؛ فلا تحزن وتوكل على الله، قال سبحانه: {يا أيُّها الّذينآمنُوا إذا تناجيتُم فلا تتناجوا بالإثم والعُدوانومعصيت الرّسُول وتناجوا بالبرّ والتّقوى واتّقُوا اللّهالّذي إليه تُحشرُون * إنّما النّجوى من الشّيطان ليحزُنالّذين آمنُوا وليس بضارّهم شيئًا إلاّ بإذن اللّه وعلىاللّه فليتوكّل المُؤمنُون}.(المجادلة: 9،10).
توكل علىالله سبحانه عند فشوّ الأمراض؛ فلا تخش العدوى، فكلما قوي التوكل قل الخوف منوقوع الأذى، فقد قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: “لا عدوى،ولا صفر ولا هامة”. فقال أعرابيٌّ: يا رسُول الله! فما بالُ إبلي تكُونُ في الرّمل كأنّها الظّباءُ؛ فيأتيالبعيرُ الأجربُ فيدخُلُ بينها فيُجربُها؟! فقال: “فمن أعدى الأوّل؟!”. البخاريفي: 76 كتاب الطب: 25 باب لا صفر وهو داء يأخذ البطن عن أبي هُريرة رضي اللهعنه
العدوى: ما يُعدي من جرب وغيره.
الطّيرةُ: التّشاؤُمُ، يُقالُ: تطيّرت منالشّيء وبالشّيء تشاءمت به.
والصّفرُ: دوابُّ البطن تُؤذي الإنسانإذا جاع، فيما تزعُمُ العربُ، ومنهُ لا صفر.
والهامّةُ: واحدةُ الهوامّ؛ وهي دوابُّ الأرضالمُؤذية، وهي فاعلةٌ من همّ إذاقصد.
فإذا قويالإيمان والتوكل؛ فلا بأس من المخالطة بين المرضى وغيرهم، فإن هذه المخالطة تحدث فيالمستشفيات والبيوت والمدارس وغيرها، فلا يصاب إلا من كتب الله عليهذلك.
أمّا إنخفّ التوكلوضعف؛ فيكون احتمال وقوع الأذى والضرر أكبر، ولهذاعلاجه عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “لا يُوردنّ مُمرضٌ علىمُصحّ”.أخرجه البخاري في: 76 كتاب الطب: 53باب لا هامة عن أبي هُريرة.
وعندما يخافالمؤمنون الموحدون من أذىأعدائهم من الجن والشياطينفإنهميستعيذون بالله، ويتوكلون عليه وحده، قال سبحانه: {فإذا قرأت القُرآنفاستعذ باللّه من الشّيطان الرّجيم * إنّهُ ليس لهُسُلطانٌ على الّذين آمنُوا وعلى ربّهم يتوكّلُون * إنّماسُلطانُهُ على الّذين يتولّونهُ والّذين هُم به مُشركُون}. (النحل: 98- 100).
ورد في المطالبالعالية للحافظ ابن حجر العسقلاني قال: وقال أبو يعلى: حدثنا محمد بن بكار، حدثنا ابن أبي الزناد، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه أم علقمةمولاة عائشة، قالت: أتيت عائشة بغلام صبي تدعو له، فرفعوا وسادةً كان عليها الصبي،فرأت عائشة رضي الله عنها تحتها موسى، فقالت: (ما هذه؟!) قال: نجعلها من الجنوالفزع، قال: فأخذتها عائشة رضي الله عنها فرمت بها، وقالت: (إن رسول الله صلى اللهعليه وسلم كان يبغض ([1]) الطيرة ([2]) ويكرهها).
أيهاالمؤمن! التوكل على تعالى يجعلك قويًّا، تعيش في دنياك مطمئنا إلى قدر الله تعالى،راضيا بما قسم لك وإن كان قليلا، المصائب تستقبلها بصبر وانشراح صدر، والنعم عندكتحتاج إلى الحمد والشكر.
هذا فيالحياة الدنيا؛ أما في الآخرة فأنت عند ربك مرضيًّا، ومن بين خلقه إليه مقرباً،ترى الثواب والعقاب، والجنة والنار؛ وكأنه لا شيء جديد على معلوماتك، فأنت مؤمنمصدق بالله الذي أخبرك عن ذلك في كتابه، ومصدق برسوله صلى الله عليه وسلم الذيأخبرك فيما ثبت في أخباره، فما أُخبرت عنه، وتوكلت على الله أن يكون معك؛ ها أنتتراه في يومك هذا، فما الغريب عليك أيها المتوكل على ربك؟! وما هو الجديد عليك أيهاالمؤمن بخالقك؟! فهذا هو اليوم الذي كنت ترجوه، وهذه هي اللحظة التي تنتظرها، {قال اللّهُ هذا يومُ ينفعُ الصّادقين صدقُهُم لهُم جنّاتٌتجري من تحتها الأنهارُ خالدين فيها أبدًا رضي اللّهُعنهُم ورضُوا عنهُ ذلك الفوزُ العظيمُ} إنك كنت تعلم بأن {للّهمُلكُ السّماوات والأرض وما فيهنّ وهُو على كُلّ شيءقديرٌ}.(المائدة: 119، 120).
عن ابنعبّاس قال: خرج علينا النّبيُّ صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: “عُرضت عليّ الأُممُ فجعل يمُرُّ النّبيُّ معهُ الرّجُلُ،والنّبيُّ معهُ الرّجُلان، والنّبيُّ معهُ الرّهطُ، والنّبيُّليس معهُ أحدٌ، ورأيتُ سوادًا كثيرًا سدّ الأُفُق، فرجوتُأن تكُون أُمّتي، فقيل هذا مُوسى وقومُهُ؛ ثُمّ قيل لي انظُر،فرأيتُ سوادًا كثيرًا سدّ الأُفُق، فقيل لي انظُر هكذاوهكذا، فرأيتُ سوادًا كثيرًا سدّ الأُفُق، فقيل هؤُلاءأُمّتُك، ومع هؤُلاء سبعُون ألفًا يدخُلُون الجنّة بغيرحساب، فتفرّق النّاسُ ولم يُبيّن لهُم؛ فتذاكرأصحابُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالُوا: أمّا نحنُ فوُلدنا فيالشّرك، ولكنّا آمنّا بالله ورسُوله، ولكنّ هؤُلاء هُمأبناؤُنا فبلغ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: “هُمُالّذين لا يتطيّرُون، ولا يسترقُون، ولا يكتوُون، وعلىربّهم يتوكّلُون”. فقام عُكّاشةُ بنُ محصن، فقال: أمنهُم أنا يا رسُول الله؟! قال: “نعم!” فقامآخرُ فقال: أمنهُم أنا؟ فقال: “سبقك بهاعُكّاشةُ”. أخرجه البخاري في 76 كتاب الطب 42 باب من لم يرق ج1ص86.
أبو المنذر فؤاد
الزعفران غزة فلسطين
25 محرم 1432 هجرية
وفق آخر يوم من سنة 2010رومية

ملاحظة: تابعوا كافة مقالات ومؤلفات وخطب الشيخ: فؤاد أبو سعيد عبر موقعه الرسمي تحفة الزعفران.

([1]) البغض: عكس الحب وهو الكُرهُ والمقت.

([2]) الطيرة: التشاؤم بالطير، فقد كان أحدهم إذا كان له أمر فرأى طيرا طار يمنة استبشر واستمربأمره، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع، وتطلق على التشاؤممطلقا.

المصدر

كلمات البحث الموفِدة:

  • حًرف النون في صورة (1)
64 Views

عن

إلى الأعلى