الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الثقافة » سيكولوجية الخداع اليهودي – د. محمد احمد النابلسي

سيكولوجية الخداع اليهودي – د. محمد احمد النابلسي


سيكولوجية الخداع اليهودي

د. محمد احمد النابلسي

الأمين العام لإتحاد علماء النفس

بعض العرب يقيمون علاقات من نوع ما مع " إسرائيل" وبعضهم مدعو لإقامة مثل هذه العلاقات، أما البقية من العرب فهي مدعوة لتسوية مشروطة لإقامة مثل هذه العلاقات.

على المستوى الأكاديمي لا توجد خانات خاصة بتسجيل المواقف السياسية الشخصية فهذا التسجيل ينتمي إلى المستوى السياسي.

لذلك فان التناول الأكاديمي لهذه العلاقات يقتصر على مجالات تحليلها ومحاولة استقرائها على ضوء التجارب التاريخية وأيضا التبصر بدينامية هذه العلاقات ومحاولة استبصار مستقبلها.

انطلاقا من هذا الالتزام نجد أن بداية التحليل يجب أن تستند إلى نظرية الاستقراء التاريخي لعلاقة اليهود بالآخر وتبين السمات السلوكية والشخصية الجمعية ـ اليهوديةـ التي قادت هذه العلاقة وتحكمت فيها عبر التاريخ وعبر الأمكنة حيث نجد أن الذل والخنوع هما الطابع الأساسي المميز للشخصية اليهودية عبر قرون، ثم جاءت المذابح النازية لتعلن أن الأرض لا تتسع لليهود حتى ولو قبلوا عشية الخنوع والذل وذلك بسبب ميلهم الفطري للتآمر والخيانة والاحتيال حتى أنك لتتساءل كيف أتيح لهذا (الشعب) الذليل أن يتحول من وضعية الضحية إلى وضعية الجلاد وممارسته لوظيفة الجلاد دون أدنى رحمة؟(2)

البعض يعتبر ذلك نوعا من قيام الضحية بتقليد جلادها، والبعض يعتقد أنها محاولة انتقام تعويضية تجعل الضحية عاجزة عن امتلاك مشاعر الأمان ما لم تمارس العدوان ومهما يكن فأننا وباختصار شديد يمكننا تحديد النمط السلوكي اليهودي ومتغيراته عبر مراحل محددة نشرحها في هذه الدراسة.

1 ـ النمط السلوكي اليهودي

أن المتابعة التاريخية لعلاقة اليهود مع الأمم الأخرى تقودنا إلى تقسيم هذه العلاقات إلى مراحل زمنية لها طابع التكرار القهري(compulsive) وهذه المراحل هي:

أ ـ المرحلة الأولى: وخلالها يحسن اليهود عرض خدماتهم وإبراز المكاسب التي يمكنهم مساعدة الآخر على تحقيقها، مع التلميح لاحتكارهم للفرص ولملكيتهم لأفضلها وفي هذا التصرف سلوك غواية وإغراء ملحوظ بوضوح حتى في إطار العلاقات الشخصية لليهودي، وبطبيعة الحال فان الآخر إذا قبل الأغراء فانه سيقبل معه تسديد بدل هذا الإغراء والخدمات المرافقة له.(3)

وأسلوب الصد والرفض غالبا ما يفشل لان اليهودي لا ييأس من تكرار المحاولة ولا يعتمد سلوك الحرد (الاحتجاجي) لأنه يدرك أن هذه هي وسيلته لإقامة علاقة مع الآخر. فإقامة علاقة طبيعية، وغير إغمائية وتآمري مع الآخر يعني الاعتراف به أي بالغيار وهذا يخالف النواميس اليهودية. كما أن التجربة اليهودية تشير إلى أن إقامة علاقة طبيعية مع الآخر تفقد اليهودي مناعته العنصرية وتدفعه للذوبان بالآخر. وبناء عليه فان العلاقة الطبيعية مع الآخر مرفوضة بصورة مبدئية ومستبدلة حكما بعلاقة تواطؤ ـ تآمر.(4)

والموضوعية التاريخية هنا تفرض علينا تبيان واقعية ذوبان معظم اليهود في علاقات طبيعية مما يعني خروج معظم اليهود من اليهودية إلى أديان ومعتقدات أخرى. ولهذا السبب فان الأعداد الباقية من يهود العالم هي أعداد ضئيلة بالمقارنة مع الأعداد المفترضة لولا الذوبان اليهودي.(راجع موسوعة عبدالوهاب المسيري بهذا الشأن).

ب ـ المرحلة الثانية: وهي مرحلة الالتفاف حيث يدخل اليهود في مساومة مستمرة مع الآخرين بهدف زيادة حصتهم وتحسين مكاسبهم. وتتحول هذه المساومة بصورة تدريجية إلي الابتزاز. ويكشف اليهود قناعهم ليبدأوا بممارسة لعبة السيد والعبد (انطلاقا من قناعتهم بكونهم شعب الله المختار) وتتكشف للآخر الحقيقة غير الطبيعية للعلاقة. في حين يمنعه التورط من وضع الحدود لها. لكن ذلك لا يمنع انتظاره للحظة المناسبة للخلاص من هذه العلاقة ـ الورطة.

ج ـ المرحلة الثالثة: وهي مرحلة انتهاء العلاقة، ونهايات علاقات اليهود مع الآخر، على اختلاف سيناريوهاتها، هي نهايات غير طبيعية تثبت عدم طبيعية العلاقة بمختلف مراحلها. وهذا النمط السلوكي لا ينطبق فقط على الجماعات اليهودية بل هو ينطبق على الأفراد (بما يدعم هذا التشخيص ويجعله غير قابل للنقاش) وحسبنا التذكير في هذا المجال بصورة المرابي وهي صورة شديدة الواقعية للشخصية اليهودية عبر تاريخها.

وعليه يمكننا أن نقترح هذا النمط السلوكي كهيكلية للعصاب اليهودي الجماعي وهو عصاب يقدم التفسير المنطقي (يعقل) للمذابح اليهودية المتتالية عبر التاريخ اليهودي.

2 ـ شائعة اسمها "التطبيع"

تعتمد نظرية الاستقراء التاريخي، لدى تطبيقها في مجال المستقبليات. على مبدأ الرهنية، الذي يقتضي اخذ متغيرات الراهن في الحسبان للوصول إلى توقع اكثر دقة حول الطريقة أو النمط الذي سيتكرر الحدث عبره. ولعل ابرز المتغيرات الراهنة هي أن اليهود لم يعودوا اقليات تحتجز نفسها في حارة اليهود (الغيتو) بحيث تتوزع مصالحها بحسب أجواء وظروف المجتمعات التي تقع فيها الحارة. فقد تجمعت هذه الاقليات في دولة دعيت “إسرائيل". وبالتالي فان الراهن مختلف عن الماضي في نواح عديدة، أهمها أن يهود "إسرائيل" باتوا يملكون قوة عملية لمواجهة عقدة المذبحة. فتطور هذه العقدة وامراضيتها الخطرة جعلتا اليهود لا يكتفون بملكية لقوة، والمبالغة في أدواتها، بل تخطو ذلك إلى سلوك عدواني قهري يجعلهم عاجزين عن الشعور بالأمان ما لم يؤكدوا قدرتهم على الاعتداء على الآخر.

من هنا كانت القيادة “الإسرائيلية مجبرة على ارتكاب أخطاء استراتيجية عديدة تحت ضغط الجمهور المذعور الذي لا تكمن طمأنته إلا عبر إثبات القدرة “الإسرائيلية" على العدوان. حتى بات بالإمكان الحديث عن تطور عقدة المذابح إلى جنون الاضطهاد ونتوقف هنا للاستشهاد بأقوال مؤسس التحليل النفسي (وهو فرويد اليهودي) الداعمة لتشخيص جنون الاضطهاد والمؤكد بان هذا الجنون، مع ما يصاحبه من هذاء العظمة المرضي موجود في صلب الشخصية اليهودية. بما يجعل من المذابح اليهودية والاعتداءات “الإسرائيلية نتيجة لهذا الجنون وليس سببا له. إذ يقول فرويد في كتابه "موسى والتوحيد" والنص الحرفي ما يلي:

… انه لما يبعث على دهشة اكبر أيضا أن نرى الإله اليهودي (يختار) لنفسه على حين بغتة شعبا من الشعوب ليجعله "شعبنا المختار" ويعلن انه ألهه، وهذه واقعة غريبة في تاريخ الأديان الإنسانية…(ص61).

… لقد كانت الشروط السياسية تتنافى مع تحول الإله القومي (اليهودي) إلى اله كوني (لكل البشر) فمن أين تأتي لهذا الشعب الصغير البائس والعاجز صلف الادعاء بأنه الابن الحبيب للرب؟ … (ص 92).

… لقد كان لنسبة دين يهوه الجديد إلى الأباء الأوائل هدف انتحال هؤلاء الأباء الذين عاشوا في كنعان وارتبطت ذكراها ببعض الأمكنة في البلاد. ولعلهم كانوا أبطالا كنعانين أو آلهة محليين انتحلهم اليهود المهاجرون ليدمجوهم بتاريخهم القديم، بما يعادل إشهار ارتباط اليهود بالأرض (زورا) واتقاء للكراهية التي تلاحق المستعمرين. وبفضل هذه المناورة البارعة (أي الاحتيال التاريخي) ساد الادعاء القائل بان كل ما فعله يهوه هو انه أعاد إلى اليهود ما كان ذات يوم ملكا لأسلافهم!…(ص 63).

وهكذا فأننا إذ نقبل ربط جنون الاضطهاد (البارانويا) اليهودي بالمذابح اليهودية فإننا نقدم تنازلا لا يقبل به فرويد اليهودي، ومع ذلك نقبل هذا الربط حتى نتجنب ثقل الراهن الذي يجعل تهمة "معاداة اليهود" جاهزة لكل من يحاول رد الحوار مع اليهود إلى العقلانية(5). وبطبيعة الحال فأننا لا نخشى هذه التهمة إلا أننا نريد تجنب الجدل الجاهز الذي يحيد بأية مناقشة من هذا النوع عن العقلانية. مهما يكن فان تكرار دورة التاريخ اليهودي راهنا لا بد لها من أن تأخذ في حسبانها أن اليهودي لم يعد يقيم علاقته مع الآخر انطلاقا من الغيتو ومن موقع الانتماء لاقلية.(وهو يفرض عليه التنازلات ويجعله اقل تهورا واكثر تحسبا للمستقبل. وهي أمور تجعله اقل عدوانية ظاهرية وبالتالي فأنها تجعله اكثر ميلاد لاعتماد السلوك الاحتيالي). فاليهودي المعاصر يتعامل مع الآخر انطلاقا من انتمائه لدولة تحظى باعتراف المجتمع الدولي. وهذه الدولة جاهزة لاحتضانه متى يشاء لمجرد كونه يهوديا. بل أن هذه الدولة تعرض للملاحقة القانونية في أي بلد من بلدان العالمي. حتى لو كان هذا البلد هو الولايات المتحدة نفسها. وهكذا فان تحول اليهودي إلى “إسرائيلي (سواء حمل الهوية “ الإسرائيلية ” أم لا) جعله يطلق العنان لعدوانيته المكبوتة واصبح اقل ميلا لاعتماد السلوك الاحتيالي واستعاض عنه بالسلوك العدواني سواء على الصعيد الفردي او الجماعي. وهذه الجرعة الإضافية من العدوانية تجعل اليهودي عازفا ومتمنعا عن التنازل أمام الاغيار (الغوييم) لدرجة معاملتهم بصورة طبيعية (أي كأنداد). وهذا يعني أن ما اصطلح على تسميته بالتطبيع هو مجرد شائعة كاذبة لا سند لها سوى أحابيل الاحتيال “الإسرائيلي. لكن ماذا عن النمط السلوكي “الإسرائيلي ؟

3ـ النمط السلوكي “الاسرائيلي”

وفي عودة إلى "التطبيع" نجد انه يمثل النمط السلوكي “ الإسرائيلي (بديل النمط اليهودي). وبمطابقته مع الراهن السياسي (تحول اليهود من مجموعة اقليات إلى دولة) نجد تبدلا في بعض تفاصيل مراحله، بحيث تصبح هذه المراحل كالتالي:

أ ـ المرحلة الأولى: تركز “إسرائيل محاولاتها لإغواء العرب بالدعوة إلى الجمع بين التكنولوجيا والعصرنة “الإسرائيلية وبين رؤوس أموال العرب الأغنياء وبين الأيدي العاملة الرخيصة للعرب الفقراء.

وفي هذه الصيغة تطرح "إسرائيل" اتحادا شرق أوسطيا (تختلف التسميات باختلاف السيناريوهات) بينها وبين العرب. وتؤكد بالإيحاء وبالطرق المباشرة على المكاسب التي سيجنيها العرب من مثل هذا الاتحاد. الذي يؤمن استثمارات مربحة للعرب الأغنياء وحياة اكثر رفاهية للعرب الفقراء. أما حصة “إسرائيل فأنها ستكون (بحسب هذا الطرح الاغوائي) اقل بما لا يقاس مع ما يدفعه العرب حاليا كثمن لاستيراد الخبرات التكنولوجية والتكنولوجيا من مصادر أخري!. بعض العرب وقع في هذا الأغراء لدرجة اقتنع معها بان “إسرائيل تقدم للعرب فرصة النهوض وهي فرصة غير قابلة للتعويض! بل ربما كانت الصيغة الاتحادية “الإسرائيلية هي الصيغة المنطقية الوحيدة لتحقيق تعاون عربي فعلي يتخطى التناقضات العربية الراهنة! ولا داعي للتذكير بان إمبراطورية الإعلام الأميركي (واليهودي منه خاصة) تدعم هذه الإيحاءات وتغذيها.

ولكننا نقف لنسأل: هل تعني هذه الصيغة اعترافا بالعرب كآخر؟ وبمعنى أدق هل “إسرائيل ويهودها مستعدون للتعامل مع العرب كبشر متساوين معهم في الحقوق والواجبات؟ فهذا الاستعداد شرط لا يمكن تجاوزه لاعتبار العلاقة طبيعية. وإسرائيل عاجزة عن تحقيق هذا الشرط لأنه يتناقض مع مبادئ الديانة اليهودية. فتطبيقه يعني التخلي عن أسطورة "شعب الله المختار". ومن حقنا التأكيد على عجز أي زعيم أو حزب أو جماعة “إسرائيلية عن تنفيذ هذا الشرط. وذلك بشهادة التاريخ اليهودي وبدليل اغتيال رابين وهو على بعد عقود زمنية من الخضوع لمثل هذا الشرط.

وبهذا يتأكد لنا أن مصطلح "التطبيع" هو مجرد شائعة “إسرائيلية الصنع وأميركية التسويق. والواقع إن لهذا المصطلح مفهوما ما خلف لغوي (Meta Linguististique) وهو إقامة شراكة مصالح بين “الاسرائيليين” والعرب، وهي شراكة لا يمكنها أن تختلف عن مبادئ الشراكة في النمط السلوكي اليهودي المشروح أعلاه. ولكن ماذا عن المرحلة التالية؟ أو بمعنى اليهودي المشروح أعلاه. ولكن ماذا عن المرحلة التالية؟ أو بمعنى أخر ما هي التصورات “الإسرائيلية للمرحلة التالية لما تسميه بالتطبيع؟

ب ـ المرحلة الثانية: وتمثل دينامية التطور المستقبلية للشراكة العربية “الإسرائيلية. وفيها أن تفوق العرب من حيث الثروة والعدد يجعل “إسرائيل في وضعية الشريك الأضعف الذي يطالب بضمان حقوقه، حيث بدأت ملامح هذه المرحلة بإعلان “اسرائيل” الرسمي (عممته وسائل الإعلام العالمية) عن خوفها من التحول إلى مجرد سوبر ماركت عربي!. وعلى هذا الأساس فأنها تطالب بجملة ضمانات أهمها الإصرار الحفاظ على التفوق العسكري “الإسرائيلي والاستمرار في رفضها التوقيع على معاهدة الأسلحة النووية ونكرانها ملكية أسلحة الدمار الشامل. كما أن ادعاء الخوف هذا يتيح لـ”اسرائيل” أن تظهر مرونة (كاذبة) أثناء المفاوضات ثم تتراجع عنها تحت ضغط الرأي العام “الاسرائيلي” المذعور! وهكذا تتمكن “اسرائيل” من تحويل أية مفاوضات تخوضها إلى مجرد عملية احتيال قوامها إطلاق وعود خيالية لا تلتزم بتنفيذها ولكنها تلتزم بالاستفادة من التنازلات العربية التي تقدم مقابل تلك الوعود!

ومع ذلك نجد أن الولايات المتحدة تضغط على كافة الأطراف العربية، وتضعها تحت وطأة الحصار الاقتصادي متعدد الدرجات، للموافقة على الشروط “الإسرائيلية اللامعقولة، وبعض العرب استجاب لهذه الضغوطات فماذا كانت النتيجة؟

النتيجة كانت متابعة “إسرائيل لمراحل النمط السلوكي اليهودي. وهي متابعة سجلت في نطاقها الخطوات التالية:

1ـ مطالبة “إسرائيل بحقوق اليهود في الدول العربية مع تجاهل كلي للعدوانية المجرمة التي مارسها هؤلاء اليهود بحق مجتمعاتهم ولصالح الدولة اليهودية، وذلك بحجة أن الصراع العربي ـ “الاسرائيلي” يبرر هذه العدوانية!(6)

2ـ إعادة إحياء حارات اليهود في الدول العربية لاعادة تصدير بعضهم لخلق مواقع نفوذ “اسرائيلي” متقدمة داخل هذه الدول، وأيضا للخلاص من بعض اليهود الشرقيين المطالبين بحقوقهم.

3ـ محاولة “إسرائيل لعب دور الوسيط ـ الحكم في التناقضات والخلافات العربية ـ العربية وهذا ما أعلنه رابين صراحة عندما دعا إلى استبدال تسمية الجامعة العربية بالشرق أوسطية والى قبول “اسرائيل” عضوا فيها. ومن مراحل هذا الدور:

أ ـ الوساطة بين العرب الاغنياء واولئك الفقراء(7). عن طريق أغراء الأغنياء بتمهيد الطريق لهم لدخول نادي الدول الرأسمالية (يقوم اليمين “الاسرائيلي” بهذا الدور)، وذلك مقابل احتضان وتحريض العرب الفقراء (يقوم بها اليسار “الاسرائيلي”). وتوزيع الأدوار هذا يقدم الإجابة على الفرضية الساذجة القائلة بان السلام مع العرب يؤدي بإسرائيل إلى فقدان العدو بما يفتح أبواب الصراع اليهودي ـ اليهودي ويفجر تناقضات الداخل “الإسرائيلي.

ب ـ إقامة علاقات منفردة مع كل قطر عربي على حدة، وتقديم خدمات تواطؤية ـ تآمرية خاصة لكل قطر من هذه الأقطار وابتزازها كل على حدة. حيث لم تنتظر “إسرائيل نهاية المفاوضات لممارسة هذه السياسية الاستفرادية، بل هي أصرت على استفراد العرب أثناء المفاوضات. إذ رفضت الاستمرار فيها إلا بعد تحقيق هذا الاستفراد الذي تدفع ثمنه حاليا الجهات العربية التي تسابقت للحصول على جنة الشراكة مع “اسرائيل” فحصدت الأوهام والابتزاز(8).

ج ـ تفجير مشاكل الاقليات العربية وإدخالها في متاهات التجاذب مع الأقطار التي تنتمي إليها. بحيث تتحول هذه الاقليات إلى أوراق ضغط “إسرائيلية. وذلك بحيث تمنع “إسرائيل هذه الاقليات من التكامل في تجمعاتها (بتغذية نعراتها) وكذلك بعدم تقديم الدعم الكافي لها كي تصل لأهدافها او لحلول مقبولة مع سلطات بلادها. ولعل مراجعة بسيطة للمسألة الكردية من شانها أن تفضح أمامنا إمكانيات استغلال الاقليات والتضحية بها عند الضرورة بحيث تصبح عاجزة عن اعتناق المواطنية الكاملة وعن التمسك بخصوصيتها، وهذا ما يحول شعوب هذه الاقليات إلى لاجئين ومهاجرين عاجزين عن العيش في ظروف طبيعية في أرضهم.

وقد يتساءل سائل ماذا عن المرحلة الثالثة (أي نهاية العلاقات العربية ـ “الاسرائيلية”)؟. في رأينا الشخصي أننا لن نصل إلى هذه المرحلة لان شعوبا أخرى سوف تبلغ هذه المرحلة قبل العرب. وهذه الشعوب هي التي ستتولى حل المعضلة “الإسرائيلية. وحسبنا هنا التذكير بمثال الميليشيات الأميركية البيضاء، المسؤولة عن انفجار اوكلاهوما، التي فضحت وسائل الاستغلال اليهودي ـ “الاسرائيلي” للولايات المتحدة. وتدعو هذه الميليشيات للخلاص من اليهود وتنظيف البلاد منهم، بل أنها ترى في تساهل الحكومة الفيدرالية مع اليهود نوعا من الخيانة الذي يدفع بهذه الميليشيات إلى معارضة الحكومة بالقوة المسلحة(9).

4ـ التطبيع والمطبعين

إن حلم الزواج بين القدرات العربية والتكنولوجيا “الاسرائيلية” هو حلم الزواج بدراكولا او بالساحرة العجوز الشريرة (بعد ان سحرت نفسها فتنكرت بشكل فتاة جميلة). إلا أن من يستوعب النمط السلوكي اليهودي (ومن يملك القدرة على طرح السؤال عن سبب ذبح اليهود عبر التاريخ وأيضا من تعامل مع تجمعات يهودية يمكنه أن يكتشف خداع هذا الحلم وعدم مصداقيته.

أما الذين ينساقون وراء حلم التطبيع (ويقعون ضحية السيناريوهات المصنعة له)، ويحتاجون إلى الوقت الكافي لاكتشاف كونه كابوسا مزعجا. إلى هؤلاء نجد من الضروري أن نوجه لهم هذه التحذيرات:

1ـ لقد نجحنا في تعطيل مشروع “إسرائيل الحلم بالتحول إلى دولة اقتصادية كبرى ومؤثرة، وبالرغم من هزائمنا المتكررة فقد كسبنا معركة إبقاء “اسرائيل” دولة تعتمد على المساعدات. فهل نمكنها من تحقيق حلمها عن طريق التطبيع بحيث تحصل عبره على ما لم تستطع الحصول عليه عبر عدوانيتها وحروبها؟

2ـ أن الاتحاد الشرق أوسطي المطروح (كتكتل اقتصادي) يتخذ من الاتحاد الأوربي نموذجا له. فهلا لاحظ المطبعون أن هذا الاتحاد قد دفن في حلف الناتو (تعد تغييرات استراتيجية الحلف متناقضة تماما مع مبادئ الاتحاد، وكانت حرب كوسوفو المثال العملي ـ التجريبي السابق لإقرار هذه التغييرات). لذلك على المطبيعن أن يدركوا أن تكتلهم هو بدوره وهم من الأوهام.

3ـ تمتد “إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، أي في منطقة فقراء العرب. وهي منطقة الشامل التاريخي التي تم إفقارها بصورة اصطناعية ـ كاريكاتورية مضحكة باكية. إذ تكللت عمليات الإفقار هذه بالحصار الاقتصادي المفروض على دول هذه المنطقة. عداك عن الإحباط المعنوي الناجم عن الضغوطات الأميركية على سكان الشام لدفعهم قهرا لركوب قطار السلام الأميركي. وهي تعمل منذ فترة على تعميق التناقضات بين فقراء العرب وأغنيائهم. فهل يكون هذا الجهد “الإسرائيلي باتجاه إقناع العرب الواقعين خارج حدود “اسرائيل” الكبرى بالحياد وترك هذه الدول كي تلقى مصيرها؟

أن هذا الإيحاء “الإسرائيلي سيكون مكلفا لمن يقبله لان له ثمنا تاريخيا مكلفا وممتدا لاتصاله بمسؤولية القدس الشريف وهي مسألة لا يمكن للزمن سوى أن يزيدها تعقيدا(11).

4ـ أن “إسرائيل ترفض السلام رفضا قاطعا ونهائيا وجل ما يمكن قبولها به هو تسوية سلمية مؤقتة. وهذا الرفض هو من صميم الديانة اليهودية ومن أساسيات معتقداتها. وعليه فإذا تجاوز المطبعون مبدأ اعتبارهم اغيارا (واحتقارهم على هذا الأساس) فانهم لن يستطيعوا تجاوز احتمالات نقض “اسرائيل” للتسوية ومعاودتها العدوان. ويكفي أن يتصور المطبعون الثمن الذي يتوجب عليهم أن يدفعوه لو تمكنت “إسرائيل من الإفلات من السيطرة الأمريكية؟. عندها ستتحول من قاعدة استراتيجية ـ أمريكية إلى دولة ذات نفوذ وصاحبة مصالح. وليجرب المطبعون دعوة “إسرائيل لتوقيع معاهدة عدم اعتداء لحمايتهم في حال نجاتهم من غول التطبيع “الاسرائيلي”.

على شعوب هذه المنطقة أن تدرك عجز اليهودي عن الاعتراف بالآخر ورفضه العيش بسلام معه، ناهيك عن إقامة علاقات إنسانية (طبيعية) معه، وهذا العجز مرده إلى تعاليم الديانة اليهودية. ولك ما عدا ذلك أوهام.

بعد ما عرضناه أعلاه حول خدعة التطبيع “الاسرائيلية” من الوجهة السيكولوجية لا بد لنا من إعطاء بعض أل أمثلة على الأسلوب “الاسرائيلي” المتبع لتمرير هذه الخدعة. وهذا العرض وان كان عاجزا عن الإحاطة بكافة جوانب أسلوب الخداع التطبيعي فحسبه انه ينير بعضا من جوانبه.

أول هذه الجوانب هو العمل على إعادة تصدير اليهود العرب مع المطالبة بتعويضات باسم من يرفض منهم هذه العودة. وكنا قد حذرنا من هذه الخدعة في كتابنا "سيكولوجية السياسة العربية". فاليهود الأوروبيون (الاشكيناز) لم يستوردوا اليهود العرب ليشاركوهم في “اسرائيل”. بل استوردوهم بصفتهم يد عاملة رخيصة وآمنة. لكن تنامي نفوذهم مع الوقت جعل منهم عبئا على “اسرائيل”. ونظرا للثقة في عدائهم للعرب فان “إسرائيل تجد في إعادة تصديرهم إلى البلدان العربية والشرقية التي قدموا منها حلا مقبولا لازمة الهوية الضاغطة على الدولة العبرية. من جهتنا فأننا لا نشك لحدة بان عودة هؤلاء هي استئناف لدورهم المخرب الذي لعبوه ضد العرب وخدمة للصهيونية قبل قيام “إسرائيل. مما يتطلب منا مراجعة تفاصيل هذا التخريب وأساليبه. وأيضا ضرورة توثيقه لمواجهة مطالب التعويضات “الإسرائيلية.

في المقابل نجد رؤية مخالفة لدى بعض المثقفين العرب ممن يرون بان نفاد الخزان البشري اليهودي يجعل “اسرائيل” حساسة أمام أية هجرة إلى خارجها مهما كان أصول المهاجرين. إلا أننا نصر على معارضة هذه النظرة مع التنبيه إلى أن خطر الهجرة الحقيقي هو الهجرة باتجاه الولايات المتحدة وليس باتجاه الدول العربية.

أما ثانية الخدع التطبيعية التي نعرض لها فتمكن في تزوير الدراسات الاجتماعية التي نعطي عليها مثالا دراسة أجرتها صحيفة "يديعوت احرونوت" التي وجدت اتفاقا على النفور من المستوطنين بين التلامذة العرب واليهود. وكأن هذا الاتفاق هو البرهان على التكامل والانصهار في البوتقة “الإسرائيلية!. وهذه مجرد مثال على المخالفات الصريحة للمنطق التي ترتكبها “إسرائيل لتمرير خداعها.

أما ثالثة الأثافي فهي الشروط المبطنة التي تطرحها “إسرائيل تحت شعار تعويض قصورها الاقتصادي كونها تعتمد على المعونات. وهي تجد تعويض ذلك في الحصول على إذن خاص وغض نظر أميركي ودولي يسمح لها بالقرصنة. حيث نستشهد بكتاب من تأليف مسؤول سابق في الموساد "جواسيس جدعون" يبين فيه المؤلف مظاهر القرصنة “الاسرائيلية”.

ونأتي إلى الحيلة الرابعة وهي عمل “إسرائيل على استغلال الاقليات. وهو استغلال مدعوم بقانون الاقليات الأميركي وبالحملات الأميركية الشرسة لتحريك الاقليات. والغريب أن الأقلية الكردية التي كانت من أوائل ضحايا المطالبة بحقوق الاقليات لم تستوعب لغاية الآن الأضرار اللاحقة بها من جراء هذه اللعبة الأميركية! فكيف لنا أن نطلب من الاقليات الأخرى وعي هذا الفخ والانتباه إلى عواقبه الوخيمة. حيث توجت الولايات المتحدة دعمها للأكراد بتسليمها لاوجلان إلى الحكومة التركية!. وذلك بعد نجاحها في تفجير التناقضات الكردية. والتأسيس لحرب أهلية كردية تنتظر الأوامر الأميركية كي تندلع. وكانت حصة “اسرائيل” من هذه الصفقة بعض اليهود الأكراد الذين تخلوا عن قوميتهم مقابل يهوديتهم. دون أن يثير هذا التخلي انتباه بقية الأكراد إلى تفاصيل اللعبة التي يدفعون ثمنها من أرواحهم.

ولقد اخترنا من محاولات اختراق الاقليات من قبل “إسرائيل تلك التي تهدف لاستقطاب الشواذ إلى “إسرائيل بوصفها الدولة الأكثر تسامحا معهم. وهكذا نجد أن “اسرائيل” اختارت أن تبدأ اختراقها للمجتمع العربي عبر الفئات المرشحة لعدائه. وهي فئة الشواذ وفئة المدمنين على المخدرات. إذ بدأت بزراعتها في الكيبوتزات ودخلت شريكا في تجارتها الشرق أوسطية.

في ما يلي نعرض لهذه المحاولات الاختراقية عبر الفقرات التالية:

1ـ التطبيع يبدأ بإعادة تصدير اليهود العرب.

2ـ "يديعوت احرونوت" ومخطط التطبيع.

3ـ التطبيع بـ "البانجو".

4ـ هل تصبح “إسرائيل مكانا لتجمع الشواذ؟.

1ـ التطبيع يبدأ بإعادة تصدير اليهود العرب(12)

خبر وارد من صنعاء لا يمكنه أن يكون عابرا ونورده بالصيغة المختصرة وبالنص الذي أوردته فيه جريدة "الاتحاد الظبيانية" في عددها الصادر يوم السبت في 16/9/2000 يقول الخبر: وصلت اسرة يهودية مكونة من خمسة أفراد إلى عدن بعد غياب عنها استمر لمدة 33 سنة ولتستقر في ما كان يسمى "حارة اليهود" في منطقة "كريتر" والتي اضطروا إلى مغادرتها بعد استقلال ما يعرف باليمن الجنوبي العام 1967.

وأوضحت مصادر صحفية بان الأسرة اليهودية التي تربطها قرابة بتاجر يهودي يعمل في تجارة القات ببريطانيا تتفاوض لشراء أحد الفنادق في عدن وقد كلفت أحد المحامين للتفاوض مع ملاك الفندق. إضافة إلى نيتها شراء عقارات واراضي. وقالت الأسرة أنها أجرت اتصالات واسعة مع مسؤولين حكوميين وبعض أصحاب الشركات التجارية للترويج لبضائع “إسرائيلية في اليمن، (انتهى الخبر) وكانت "الاتحاد" قد نشرت هذا الخبر تحت عنوان "أسرة يهودية تعود إلى اليمن لشراء عقارات".

وتجيء هذه الزيارة كترجمة عملية لحملة “إسرائيلية مدروسة ظهرت إلى العلن في العام 2000، بصورة مكثفة حيث تناقلت أوساط أوروبية معنية بمسار العملية السلمية في الشرق الأوسط أخبارا، تسربت منذ بداية أيلول (سبتمبر) 2000، عن حملة تعبوية دولية شنتها قبل أسابيع جهات سياسية “إسرائيلية بالتنسيق مع جمعيات يهودية عالمية نافذة. وتتمحور الحملة حول موضوع اليهود العرب الذين غادروا البلاد العربية بدءا من العام 1948، وتتضمن الحملة عرض لوائح مفصلة بأسماء وأعداد هؤلاء اليهود وأملاكهم في كل دولة عربية. وتقول الجهات الأوروبية أن هذه الحملة “الإسرائيلية تختلف عن سابقاتها الاستعراضية من حيث تقديمها للتفصيلات ولتقديرات التعويضات بالأرقام. بحيث تقدر الجهات “الإسرائيلية هذه التعويضات في حدود العشرة مليارات دولار. ولفتت هذه الجهات الأوروبية إلى محاولة “إسرائيل طرح هذه الموضوعات بموازاة مطلب العودة الفلسطيني وتعويضاته، وصولا إلى الإصرار على إعادة اليهود العرب إلى الدول التي أتوا منها!

وهكذا تطرح هذه الأوساط الموقف “الإسرائيلي على انه مساومة تكتيكية للتوظيف في المفاوضات. لكن الأمر يبدو مختلفا من الناحية المادية، فقد تبلغت العواصم الأوروبية المرشحة للإسهام في تعويض الفلسطينيين بأنها مدعوة أيضا لتعويض اليهود العرب ودعم توطينهم في “إسرائيل.

ومرة أخرى نشكو قصورنا الإعلامي وضيق ذات يدنا المعلوماتية، لان توضيح الموقف الابتزازي “الإسرائيلي يحتاج إلى إيصال الحقائق الآتية إلى الرأي العام العالمي:

1ـ أن ما تمارسه “إسرائيل من إثارة للقلائل وللاشكالات القانونية في ما يتعلق بما تدعيه "أملاك اليهود في مصر" يصل إلى حدود التدخل في الشؤون الداخلية المصرية، وهو وضع سوف يعم ليشمل عموم الدول العربية.

2ـ أن إصرار “إسرائيل على لعب دور محامي مصالح اليهود في العالم يشدد على يهوديتها وعلى عنصريتها وينزع عنها قناع الديمقراطية الليبرالية الذي تصر على ارتدائه بعد أن تعرض للتمزق والهتك.

3ـ القصور العربي في إبراز الدور المعادي للمجتمع وللقانون الذي لعبه اليهود العرب قبل مغادرتهم للدول العربية، مستغلين أجواء التسامح التي عاشوا فيها طوال قرون.

4ـ قصور الدراسات المقارنة بين ما فعله اليهود العرب قبل هجرتهم إلى “إسرائيل وبين ما يتعرض له العرب الموجودون تحت سلطة “إسرائيل لارتكابهم مخالفات لا تذكر بالمقارنة مع تخريب اليهود العرب قبل هجرتهم. فقد مارس هؤلاء التجسس والإرهاب والنصب والاحتيال والعمليات الجرمية السياسية.

5ـ على الدول العربية أن تستجيب للتهديد اليهودي بإعادة تصدير اليهود العرب إليها بتجهيز ملفاتهم الجرمية تمهيدا لمحاكمات عادلة لهم في حال عودتهم، وتجنب مأزق مرور المدة على الجرم الاحتيال مثلا وبقاء الحق بالمطالبة بالأملاك!

6ـ مما تقدم نسأل عما إذا كانت هذه العائلة اليهودية اليمنية قد خالفت التعاليم اليهودية فتركت حارة اليهود في عدن العام 1967 دون الأضرار بالناس وبالمجتمع، والفترة الماضية ليست بعيدة ويمكن تحري طريقة الضرر الذي اعتمدته هذه العائلة قبل هجرتها.

7ـ أن عودة هذه العائلة ومحاولتها التأسيس لعمل يبرر أقامتها في دولة عربية. هي عودة ذات مغزى رمزي، فالمبدأ اليهودي هو "تسجيل السوابق" و "امتحان المستحيلات"، خصوصا أن “إسرائيل تريد بصدق وبأمانة غير معهودة فيها التخلص من اليهود العرب وإعادة تصديرهم من حيث أتوا.

8 ـ واحدة من النكات “الإسرائيلية الشائعة أن أحدهم سأل إسرائيليا: قل لي بحق لماذا تكرهون العرب إلى هذا الحد؟ فأجاب “الإسرائيلي لانهم يشبهون اليهود العرب! ولكن الدراسات الديموغرافية ـ السياسية “الإسرائيلية تشير إلى أن الأحزاب اليهودية المتشددة والأكثر عداء للعرب هي أحزاب اليهود العرب والشرقيين أجمالا، وهذا يعني استحالة المراهنة على أي إمكانية تخلي هؤلاء من عدائهم المتطرف للعرب ولمجتمعاتهم.

9ـ أن نظرة اليهود للاغيار، وللعرب خصوصا، بجعلهم يتحررون من أية قيود إنسانية وأخلاقية تجاه الاغيار، وعليه فان لهم أن يستبيحوا هؤلاء الاغيار وخصوصا عندما يكونون عربا! وعليه يصبح من الطبيعي أن تكون لعودتهم أهداف تتمحور حول تخريب هذه المجتمعات والإضرار بها على مختلف المستويات والصعد الممكنة.

10ـ لقد اظهر وزير العدل “الإسرائيلي "يوسي بيلين" نوبة من الهلع المرضي وهو يعلن نهاية الخزان البشري اليهودي، بحيث لم يعد هناك يهود متوافرون للاستيراد “الإسرائيلي. لذلك تساهلوا في استقدام مليون مهاجر روسي (65% منهم غير يهود) وكذلك يهود الفالاشا مع ذلك لم يعد هناك يهود للاستيراد، فهل تكون هذه العائلة اليهودية باحثة عن اليمنيين ذوي الأصول اليهودية من اجل تصديرهم إلى “إسرائيل؟!.

11ـ النقطة السابقة تبدو مناقضة لتوجه إعادة تصدير اليهود العرب، ولكنه تناقض ظاهري فقط. فاليهود الاشكيناز وحدهم يستحقون العيش والتمتع بالرفه الاقتصادي “الإسرائيلي. أما الفالاشا والسفارديم والروس وغيرهم فان لهم دورا وظيفيا ـ ديموغرفيا هو مواجهة الازدياد السكاني الفلسطيني. فإذا ما اصبحوا مواطنين “إسرائيليين موازين للزيادة العربية السكانية فبإمكانهم العودة من حيث أتوا. وان كان بقاؤهم يشكل دعما ديموغرفيا اعمق للحضور اليهودي. وصحيح أن هنالك ستة ملايين يهودي يحملون الجنسية “الإسرائيلية ولكن لا أحد يعرف تحديدا كم نسبة الذين يعيشون في “إسرائيل فعليا من بين هؤلاء؟ ونرجو أن لا ينساق القارئ وراء فكرة مشككة قوامها أن اليهود العرب لا يعاملون جيدا في “إسرائيل. وعليه فلا داعي لتحويل محاولة أسرة يهودية العودة إلى اليمن إلى قضية! وللإجابة عن هذا التشكيك نقول بان الأمر لا يتعلق بحالة فردية منفصلة، فقد اجتمع زعيم يهود سوريا بالرئيس السوري في 13/9/2000 وطلب منه الإذن بان يعود اليهود السوريون للاستمثار في سوريا، وهذا الطلب يعني أن إعادة تصدير اليهود العرب هي خطة مبرمجة ومدروسة على نطاق واسع.

وكنا قد آثرنا هذا الموضع في كتابنا "سيكولوجية السياسة العربية ـ العرب والمستقبلية" (ص 165-171). كما في مقالة منشورة في جريدة "الكفاح العربي" بتاريخ 22/5/1998 ودعونا في حينه للاستعداد لهذه الهجرة المضادة ومواجهتها بالدراسات والمعطيات العلمية التي تتصدى للادعاءات “الاسرائيلية” المحتملة. وأيضا لمحاولات “إسرائيل نسج واختلاق تاريخ مصطنع لليهود العرب، ونختصر دعوتنا السابقة بالنقاط الاتية:

1ـ إذا كان اليهودي العربي يفكر بالعودة إلى بلده العربي فان عليه أن لا يوكل “إسرائيل كمحامي دفاع عن حقوقه. وهو لن يعود في حال تخليه عن هذا المحامي لأنه يدرك مدى الإساءة التي وجهها إلى مواطنيه ووطنه خدمة لـ”اسرائيل”. أما أن يحاول العودة تحت ضغط الوحش الإعلامي “الإسرائيلي وأنيابه الحادة فان هذا العودة لن تكون في مصلحته. فما يجري لا يتعدى كونه مجرد تسويات سلمية وليس سلما حقيقيا، حتى أن بعض قادة الرأي في “إسرائيل يؤكدون هاجسا مفاده أن السلام يعني نهاية “اسرائيل”.

2ـ عند التصدي لأي محاولة استقراء تاريخية يجب أولا العودة إلى الزمن التاريخي للحدث. فانسياق وراء قراءة هذا الحدث بمعزل عن زمنه التاريخي يؤدي إلى فهم مشوه للحدث وللحقيقة.

3ـ فهرسة الدراسات العربية المتعلقة بتاريخ اليهود في المنطقة ومراجعة مدى احترامها للزمن التاريخي ومستوى موضوعيتها. وكذلك تحري إمكانات التوظيف والاختراق “الإسرائيليين لهذه الدراسات.

4ـ إقامة مشروع بحثي على مستوى الجامعات العربية تشارك فيه أقسام التاريخ واللغات الشرقية والاجتماع. يبدأ بتصوير المخطوطات وتحقيقها ودراستها وفهرستها، مع محاولة تطبيق ذلك على المخطوطات المتسربة إلى البلاد الأجنبية حول الموضوع. حيث لا يجوز ترك هذه المخطوطات تحت رحمة التأويل “الإسرائيلي للتاريخ.

5ـ ضرورة أجراء الدراسات لسد الثغرات التاريخية وتحديدا خلال العهد العثماني، ثم خلال بداية القرن وبعد قيام “اسرائيل”. وهذا الفترة الأخيرة هي الأكثر إهمالا من قبلنا والأكثر توظيفا من قبل “إسرائيل.

6ـ ضرورة توثيق عداء اليهود العرب لمجتمعاتهم بعد قيام “إسرائيل وتصوير هذا العداء بصور أدبية وفنية تساعد على نشر الوعي العام بهذا السلوك المعادي للمجتمع. بما يشكل وقاية للمجهور من الوقوع مرة أخرى ضحية لهذا السلوك.

7ـ العمل على التصدي لمحاولات اقتطاع الحلقات اليهودية من التراث العربي. والتشديد على أن اليهود العرب كانوا جزءا من الأمة. وكانت بلادنا ملاذا لم من الاضطهاد الأوروبي كما انهم لم يتعرضوا في أية دولة عربية للتمييز العنصري الذي يتعرضون له راهنا في داخل “اسرائيل”.

في 22/5/98 عندما نشرنا المقالة في "الكفاح العربي" كنا نرى أن هذه الخطوات كفيلة بتلقيح جمهورنا ضد محاولات إعادة التصدير “الإسرائيلية. أما اليوم وقد بدأ التمهيد الفعلي لهذه العملية فأننا نرى أن التذكير بهذه الخطوات (التي لم يعمل بأي منها لغاية الآن) غير كاف. من هنا دعوتنا إلى جمعيات ومنظمات مناهضة التطبيع لتبني هذه النقاط وملحقاتها وتحديد خطواتها العملية، ليكون هذا الموضوع واحدا من المشروعات المنظمة لمواجهة أخطار السلوك “الإسرائيلي المستقبلي. مع الإشارة إلى معارضتنا لمصطلح "التطبيع" نفسه. فاليهود لا يفكرون أصلا بالمساواة الطبيعية مع الاغيار (خصوصا مع أبناء إسماعيل العرب) وبالتالي فانهم لا يريدون التطبيع ولا يفكرون به. عداك عن أن العلاقة بين العرب وبين اليهود غير العرب لم تكن يوما قائمة إلا عبر قفازات الاستعمار بالتالي فأنها لم تكن طبيعية يوما ما.

ونظرا لانعدام فاعلية دعوتنا السابقة (الكتاب ومقالة "الكفاح العربي") وعدم استثارتها لانتباه أحد فأننا نحاول أن نطرح اقتراحا اسهل واكثر قابلية للتنفيذ. وهو كناية عن كتابة قصص قصيرة من ذكريات المعاصرين للأذى اليهودي ـ العربي ـ بعد قيام “إسرائيل. على هذه القصص تستطيع حمل تجربة ذلك الجيل إلى أجيالنا العربية المعاصرة وتجنبها الوقوع في ذات الأخطاء السابقة. فليستكتب مناهضوا التطبيع العرب هذه القصص وليخصصوا لها الجوائز ولينشروها. فقد يكون لنشرها فاعلية اجرائية غير متوقعة.

2ـ "يديعوت احرونوت" ومخطط التطبيع

تحولت الإحصاءات إلى منافس خطر للمنطق. ولما كان يسمى حتى الأمس القريب بالحس السليم. ومع سقوط المحاكمة المنطقية للنتائج، مع سقوط الايديولوجيات، بات بالامكان فبركة نتائج احصائية حسب اهواء ومصالح المستفيدين. وهنا تتحول ثورة الاتصالات إلى كارثة، فهي تعرض الناس العاديين إلى فيضانات إحصائية ومعلوماتية متضاربة لدرجة التناقض الكلي. الأمر الذي يسبب ارتباك هؤلاء الناس وعجزهم عن الإفادة من ثورات الاتصالات الإحصائيات والمعلومات وغيرها من الثورات!. مثال ذلك التناقض بين إحصائيات الأمم المتحدة والبنك الدولي حول فوائد العولمة للدول النامية. فقد نشرت هيئة الأمم المتحدة تقريرا بخسائر الدول النامية من العولمة ووجدت أنها بلغت 500 مليار دولار حيث باتت الشركات العملاقة تسيطر على 50% من الاقتصاد العالمي. وذلك أدي إلى استئثار 8 دول بنسبة 66% من التجارة العالمية بينما يلغت حصة 20% من سكان العالم 1.1% فقط من هذه التجارة. وهذا يعني أن الشركات العملاقة في طريقها لالتهام اقتصاديات الدول النامية وهذا ما يحصل فعلا اليوم. وفي الفترة عينها، نشر البنك الدولي إحصاءات تشير إلى أن اقتصاديات الدول النامية قد حققت فائدة قصوى من العولمة (انظر كتابنا سيكولوجية السياسة العربية ص 118-124).

وليس الغرض من هذه المقدمة الحديث عن تظاهرات سياتل ودافوس ومالبورن المعادية للعولمة ولا عن قمم اتحاد الدول الخمس عشرة المتضررة من العولمة. ولا الغرض تكرار عرض فكرة "الرياضيات مثلث الشواذ"، المعروضة في كتابنا الانف الذكر، بل الغرض هو عرض أسلوب “اسرائيلي” جديد لتوظيف صهيوني للثقافة الحديثة. فـ”اسرائيل” لا تكتفي بتفوقها في مجال الإعلام التقليدي وهو التفوق الذي يتابع خنق الحقوق العربية حتى تكاد تسلم الروح والقدس معا. والمثال الاحدث على هذا التوظيف “الاسرائيلي” كناية عن دراسة استطلاعية أجرتها جريدة "يديعوت احرنوت".

دراسة استطلاعية “اسرائيلية”

أجرى هذه الدراسة باحثون يعملون لمصلحة صحيفة "يديعوت احرونوت" “الاسرائيلية”. الذين اعتمدوا عينات (عرب 48 واسرائيليين يهودا) من جامعتي "تل ابيب"و بيرزيت". وبلغ عدد المشاركين في الاستطلاع 6800 طالب ونشرت الجريدة نتائج الاستطلاع على الأسئلة الآتية:

1ـ هل تكره مستوطني الضفة الغربية اليهود؟ 5% أجابوا "نعم".

2ـ هل تكره العرب؟ 47 % أجابوا "نعم".

3ـ هل تكره نتنياهو؟ 47 أجابوا "نعم".

4ـ هل تكره باراك؟ 27% أجابوا "نعم".

5ـ هل تكره بيريز ؟ 24% أجابوا "نعم".

6ـ هل تكره حركة السلام؟ 35% أجابوا "نعم".

7ـ هل تكره حزب العمل؟ 24% أجابوا "نعم".

8ـ هل تكره حزب الليكود؟ 35% أجابوا "نعم".

وخلصت الدراسة إلى أن الشباب “الاسرائيلي” يكره المستوطنين اليهود في الضفة الغربية (باعتبار أن عرب 48 يحملون الجنسية “الاسرائيلية”) ولكن ماذا عن مصداقية هذه الدراسة، وشبيهاتها، طالما أن الحكومة “الاسرائيلية” توظف أموال المساعدات الأميركية لبناء المستوطنات التي تابعها باراك متفوقا على سابقه نتنياهو؟

ولعلنا ندخل في عبثية لا طائل تحتها إن استمرينا في طرح مثل هذه الأسئلة! فاختيار العينة ينطوي على مخالفات صريحة للمنطق. وهي مخالفات تبلغ حدود الاستهتار بالمنطق وبالعلم وبكافة القراء ومستقبلي المعلومات. فهل يعقل ان نسأل عربيا عما إذا كان يكره العرب؟ وهل يعقل أن يحب عربي المستوطنين اليهود في الضفة الغربية؟ وبذلك يمكننا الاستنتاج من نتائج هذا الاستطلاع ان 50% من العينة كانت عربية والنصف الاخر يهوديا فماذا عن التفصيلات؟

ـ الطلاب الاشكينازيون

يشير الاستطلاع إلى نتائجهم الآتية:

56% منهم يكرهون المستوطنين.

50% منهم يكرهون المتدينين اليهود المتزمتين.

38% منهم يكرهون العرب.

ـ الطلاب السفارديون (اليهود الشرقيون)

ويشير الاستطلاع إلى نتائجهم الآتية:

36% منهم يكرهون العرب ثم يأتي كرهم لبقية الموضوعات بعد كرهم للعرب.

ـ الطلاب العرب

وأشارت نتائجهم إلى:

85% منهم يكرهون اليهود المتشددين.

73% منهم يكرهون المستوطنين.

مراجعة إحصائية

أن التنافر الواضح في أجوبة طوائف العينة يشير إلى فقدانها للشروط الضابطة للعينات، ما يلغي أي احتمال لاستخراج نتائج موضوعية من هذه الدراسة. وهي بالتالي تتحول إلى العبثية وتطرح الأسئلة عن المنطق لها؟ بحيث لا يبقى سوى المنطق الاستخباراتي الذي يسخر مثل هذه الدراسات للحصول على معلومات إضافية او لتأكيد معلومات أخرى.

ولقد عقبت الدكتورة دالاي مور، المشرفة على هذا البحث، بالقول بان النتائج تشير إلي وجود هوة اجتماعية بين يهود “اسرائيل” وبينهم وبين المستوطنين الذين ينظر “الاسرائيلي” إليهم على انهم يبتزون الدولة ويعرقلون سياساتها. والمقارنة الإحصائية بين أجوبة الاشكيناز والسفارديم إنما تشير الى تحويل المنافسة بينهم إلى نوع من الشيزوفرانيا الثقافية المؤدية الى تفكك الهوية وضياع مفهوم الانتماء.

فالسفارديون الذين يشكلون ما يقرب من نصف سكان “اسرائيل”، والميالون بغالبيتهم إلى التشدد الديني، مكروهون من قبل 50% من الاشكيناز و 85% من العرب. والعكس بالعكس تتبادل الطوائف حاملة الجنسية “الاسرائيلية” الكراهية. بما يشكل حرب طوائف غير معلنة وأطرافها:

1ـ الاشكيناز (اليهود الغربيون ـ معظمهم علمانيون).

2ـ السفارديم (اليهود الشرقيون ـ معظمهم متشددون).

3ـ اليهود الروس (مليون شخص 65% منهم غير يهود).

4ـ العرب (اقلية تعيش كل أنواع التمييز).

5ـ المستوطنون (اقلية ذات ميول إرهابية ـ معادية للمجتمع).

التوظيف الاستخباراتي للدراسة

لا شك في أن الموساد يجني فائدة مهمة من اطلاعه على أسلوب تفكير حوالي الثلاثة آلاف شاب عربي من طلاب جامعة "بيرزيت". وخصوصا لجهة استعدادهم لمعاودة رشق بدلاء "جوسبان" بالحجارة.

كما لا يخفى أن هذه الدراسة تحاول إيجاد نقاط مشتركة بين العرب والاسرائيليين عن طريق طرحها موضوع المستوطنين. وذلك بغض النظر عن دوافع الكراهية فهم. فصحيح أن العرب يكرهون المستوطنين لاحتلالهم أراضى يمكن أعادتها عربية وان اليهود يكرهونهم لاسباب مخالفة كونهم يبتزون الدولة ويعوقون سياساتها. إلا أن الطرفان يلتقيان على كره المستوطنين. بما يجعل من الممكن طرح هذه الأسئلة ذاتها على طلاب جامعات عربية في الدول التي تقيم علاقات مع “اسرائيل”، بل يمكن طرحها عن طريق مراكز الدراسات العربية الممولة أجنبيا والمتعاونة في هذا الاتجاه. وفي هذه الحالة علينا أن نستعد لمواجهة هذا الاحتمال التطبيعي. ولربما كان من الواجب الالتفاف عليه قبل وقوعه عن طريق وضع استمارة أسئلة واضحة ومباشرة تتضمن أسئلة من نوع: ـ هل تكره اليهود؟ وهو سؤال مقابل لسؤال: هل تكره العرب؟، هل تعترف شخصيا بدولة “اسرائيل”؟ هل تعتقد بجدية “اسرائيل” في شعاراها المعلنة…"الخ.

ومهما يكن فان هذه الدراسة نموذج من أهم نماذج تسخير العلوم الإنسانية لخدمة فئة في استغلالها لفئات أخرى. وهذا النموذج يسخر علم الإحصاء والعلوم الإنسانية ونتائج الاستطلاعات والمعلومات والإعلام من اجل خلق إيحاءات قابلة للاستغلال السياسي وصالحة للتوظيف في خدمة التطبيع على الطريقة “الاسرائيلية” وقاعدتها الذهبية: "يمكننا أن نحقق لكم فوائد كثيرة ولكنكم تبقون غير مساوين لنا". وهذا ما يبرر صرخة إدوارد سعيد في كتابه "أما المساواة أما لا".

3ـ التطبيع بالبانجو

في كتابه "جواسيس جدعون… التاريخ السري للموساد" يقول ضابط الموساد السابق غوردون توماس بان طائرة البان ام، التي تفجرت فوق لوكربي، كانت تضم بين ركابها ضباطا من وكالة الاستخبارات الأميركية. حيث وجدت إحدى حقائبهم فارغة تماما وبين فيما بعد أن الموساد وبمساعدة المخابرات الانكليزية قامت بسرقة محتويات هذه الحقيبة. وكانت عبارة عن مستندات تؤكد تورط “اسرائيل” في تجارة المخدرات في الشرق الأوسط وأخرى تتعلق بصفقات أسلحة “اسرائيلية” سرية.

وتأتي هذه المعلومات لتضاف إلى أخري شبيهة تراكم الدلائل على السبل التي تعتمدها “اسرائيل” في محاولاتها للاستغناء عن الدعم الأميركي لاقتصادها. وذلك تحسبا لمحاولات تقنين هذا الدعم بعد نهاية الحرب الباردة، حيث ارتفعت أصوات أميركية تطالب بوضع استراتيجية ملائمة للمصالح الأميركية لما بعد هذه الحرب. ومنها تقليص الدعم الأميركي الموجه أساسا لمواجهة الشيوعية والذي لم يعد مبررا بعد سقوطها.

ولقد تبين لغاية الآن عجز “اسرائيل” عن تحقيق استقلاليتها الاقتصادية بالأساليب المشروعة، خصوصا عندما نأخذ في الاعتبار ان متوسط الدخل الفردي في “اسرائيل” يصل إلى حدود 16 ألف دولار سنويا. وهو يعادل مثيله في بعض الدول الأوروبية الكبرى. من أمثلة الكسب “الاسرائيلي” اللامشروع المدعومة بالأدلة نذكر:

ـ التورط في تجارة المخدرات في المنطقة وفي العالم ولكن مع التركيز على اختراق الدول العربية المجاورة بهذه التجارة. وهو اختراق يجمع بين الكسب المادي وبين التخريب المعنوي والإنساني لهذه الدول.

ـ صفقات الأسلحة السرية مع جهات متعددة.

ـ بيع الأسرار التكنولوجية ـ العسكرية (أميركية في اغلبها وتحصل عليها “اسرائيل” عن طريق التجسس والعلماء اليهود الأميركيين). وبرزت من هذه الصفقات في العام 1999 تلك التي أبرمتها “اسرائيل” مع الصين. وظهرت شكوك جديدة في نيسان 2000 حول صفقة “اسرائيلية” لبيع طائرات الاواكس إلى الصين.

ـ حماية أثرياء اليهود المطلوبين من العدالة الدولية واستقطاب ثرواتهم، وهؤلاء المجرمون يتحولون إلى مواطنين “اسرائيليين” فور وصولهم إلى “اسرائيل”. وذلك وفق قانون العودة اليهودي.

ـ العلاقات مع الجريمة العالمية المنظمة. وهي علاقات متعددة الصعد. وقد تكشفت من أساليبها الآتية.

أـ المشاركة اليهودية في الجريمة المنظمة، حيث تحول بعضهم إلى الصفوف الأولى فيها. ومنهم المافياوي الروسي بيريزينوفيسكي الذي تحكم بالكرملين طوال عهد يلتسين والذي لا يزال نافذا في عهد خلفه بوتين. والأمثلة عصية على الحصر.

ب ـ مشاركة “اسرائيلية” عن طريق ضباط متقاعدين يقومون بأدوار تدريبية واستشارية لتجار المخدرات (في كولومبيا خصوصا).

ج ـ التسهيلات التي تقدمها “اسرائيل” بصورة مموهة لزعماء الجريمة المنظمة ولمصالحهم.

د ـ المشاركة “الاسرائيلية” النشطة في تجارة الأسلحة وتهريبها. حيث نجد بصمات “اسرائيلية” في مناطق الفوضى الديموغرافية في العالم كافة.

هـ ـ تهريب البضائع “الاسرائيلية” إلى الدول العربية بكل الوسائل الاحتيالية المتاحة. بما في ذلك تزوير شهادات المنشأ وإعادة التصدير عبر قبرص او عبر الدول العربية المتاخمة لـ”اسرائيل”.

و ـ المشاركة في عمليات تبييض (غسيل) الأموال القذرة. ومنها ما تبين عن دور الموساد في فضيحة غسيل الأموال الروسية في الولايات المتحدة (1999) والتي تسبب بأزمة دبلوماسية أميركية ـ روسية. حتى أن بعضهم ربط بينها وبين استقالة يلتسين في 1/1/2000.

زـ دفن النفايات النووية والكيميائية في أراضى عربية محتلة أو متاخمة لحدود الدول العربية.

ح ـ وجود أصابع يهودية في الكوارث الاقتصادية العالمية كافة. فقد كان اليهودي بيريزينوفيسكي مسؤولا عن الانهيار الاقتصادي الروسي واليهودي جورج شوروش كان مسؤولا عن انهيار النمور الأسيوية… الخ.

ط ـ بيع المعلومات الجاسوسية. وما خفي منها اكثر مما هو معلن. والأمر يحتاج إلى بضع سنوات كي تتضح هذه الأسرار.

ك ـ ابتزاز العالم تحت ستار الهولوكوست وصولا لابتزاز الفاتيكان نفسه (تبدى في زيارة البابا الأخيرة لـ”اسرائيل”) وصولا إلى مطالبة المصارف السويسرية بكميات هائلة من الذهب بحجة أنها مسروقات نازية من أموال اليهود.

ل ـ التدخل في الشؤون الداخلية للعديد من الدول ومحاولة ابتزازها بصورة مختلفة. واحدث الأمثلة على ذلك، تلك الضجة التي أثارتها “اسرائيل” حول النمسا بعد انتخاب هايدر اليميني. حيث لا تزال “اسرائيل” تحاول تحقيق مكاسب مقابل تخفيف الضغوطات على النمسا.

هذه هي النماذج التي تحاول “اسرائيل” عبرها تحقيق كفايتها الاقتصادية ومع ذلك فهي تحافظ على وضعية دولية مثالية إذا تتمتع بـ :

أ ـ أعلى نسبة من المساعدات الخارجية الأميركية.

ب ـ اعتبارها دولة نظيفة من الإرهاب ومن دعمه بالرغم من تحديها المتكرر للقرارات الدولية.

ج ـ اعتبارها واحة ديمقراطية في المنطقة. بما في ذلك من تجاهل كونها مجتمعا عسكريا يحكمه جنرالات ويقررون مصيره.

د ـ دولة تحترم مبادئ حقوق الإنسان (بالرغم من التقارير المخالفة).

هـ ـ تحتكر تمثيل المصالح الأميركية والغربية في المنطقة حتى بعد زوال الخطر الشيوعي.

لهذه الأسباب مجتمعة يتهيب الإعلاميون والمفكرون الغربيون التعامل الواقعي مع حقائق الشرق الأوسط والتجاوزات “الاسرائيلية”. حتى لا يلقوا النبذ والعقاب اللذين لاقاهما زملاء لهم تجرؤا على ذلك. وعوملوا وفق المبادئ الرومانية (الصهيونية) الجاهزة لتجاهل الليبرالية في مثل هذه الحالات.

أما عن مناسبة استحضار هذه المعطيات فهي متشعبة ومنها مأزق المسار اللبناني ـ السوري الذي تحاول “اسرائيل” اختراقه على طريقة الكوزانوسترا (المافيا). حيث تقوم بتهديد وابتزاز الأطراف كافة وتصر على وجود طرف يقدم لها مكاسب مالية (الولايات المتحدة في هذه الحالة). لكن مناسبة مميزة من جملة مناسبات دعتنا لاستحضار هذه الحقائق وهي تتعلق بالمستقبل. والمناسبة هي دراسة قدمتها باحثة من جامعة بن غوريون “الاسرائيلية” تشير إلى نمو طبقة من ميلونيرات المخدرات “الاسرائيليين”. والى وجود علاقات وثيقة بينهم وبين بعض كبار ضباط الشرطة “الاسرائيليين” الذين يحصلون، نتيجة هذه العلاقة، على مبالغ طائلة تحول الى حساباتهم المصرفية في الولايات المتحدة. كما تشير هذه الدراسة إلى أن هؤلاء التجار بدأوا يلجأون إلى حلول عملية تخفض تكلفة بضاعتهم. وخصوصا البانجو (مخدر رخيص ورائج). حيث تفتق ذهنهم عن تصدير شتول هذا المخدر إلى الدول العربية، التي تقيم علاقات مع “اسرائيل” لزراعتها هناك. وفي ذلك توفير مهم في التكاليف واعتماد عصري لمبدأ الشركة العملاقة. حيث يطاول التوفير عناصر عديدة. منها رخص الأراضي واليد العاملة وتوفير تكاليف ومخاطر التهريب. ثم وهذا هو الأهم، هنالك مكسب السبق الذي يحققه التجار “الاسرائيليون” في ما يتعلق بمستقبل تجارة المخدرات في المنطقة. وهكذا فانهم يفكرون دائما في المستقبل ويحسبون الحسابات لمختلف الاحتمالات!.

ولقد وصلت القضية إلى الكنيست “الاسرائيلي” حيث أثارها عضو ينتمي إلى حزب العمل الحاكم، مؤكدا انه يملك الوثائق التي تدين التجار وضباط الشرطة معا. إلا أننا نتساءل عما إذا كان يمكن للجهتين معا أن يعملا بعيدا عن أعين أجهزة الاستخبارات “الاسرائيلية” والأميركية معا؟ وعن مدى تورط هذه الأجهزة مع هؤلاء؟ وعن إمكانية التدخل الفاعل لمنع هذا المدخول الإضافي للخزينة “الاسرائيلية”؟ وعن هذا السؤال الأخير أجابنا مؤلف "جواسيس جدعون" المدعو "غوردون توماس". ولكن من يجيبنا عن سؤال منع هذه الزراعات في لبنان بهدف إتمام حصاره الاقتصادي الضاغط وليس لأسباب أخلاقية أو إنسانية؟ وكيف تصنع هذه الأخلاقيات والإنسانيات وتطبق على الجميع لتستثنى منها “اسرائيل”؟ وهل يعني ذلك ان من شروط السلام احتكار “اسرائيل” لتجارة المخدرات حتى تكفل لنفسها دخلا يعوضها من خفض المساعدات الأميركية لها ويؤمن لها مستقبلها؟ أم أنها سياسة التطبيع عن طريق البانجو (وغيره من مواد الإدمان) بأسعار في متناول الأيدي الفقيرة؟. لقد يئست “اسرائيل” من كل أساليب التطبيع (الهادفة لتحويل الاغيار من أبناء إسماعيل ـ العرب إلى مجرد اسماك ملونة في حوض يتفرج عليه “الاسرائيليين” ويتحكمون بمياهه ونظافته وغذائه) وهاهي تلجأ إلى أسلوب التطبيع البانجو. فهل يتحرك مكتب المخدرات في الأمم المتحدة. وهل يمكن لاحد أن يخبرنا بالحصة “الاسرائيلية” في سوق المخدرات العالمي المسموح بها أميركيا ؟ وكلها أسئلة فرعية لان السؤال الرئيسي يبقى: من يحمينا من الإرهاب “الاسرائيلي” في صورته هذه كما في صوره الأخرى؟.

4ـ هل تصبح “اسرائيل” مكانا لتجميع الشواذ

أعلن مؤسس التحليل النفسي سيغموند فرويد إلحاده في كتابه المعنون "موسى والتوحيد"، لكن هذا الإلحاد لم يمنع اليهود من دعم فرويد ونظريته. حتى بدت جماعة التحليل النمسوية، وكأنها جمعية من الجمعيات اليهودية السرية. ولقد فشلت محاولات فرويد تطعيم جماعته بأعضاء من ديانات أخرى. وكانت قطيعته مع يونغ في العام 1912 تكريسا للهوية اليهودية للتحليل. وهو تكريس لم يتم اختراقه إلا في مطلع الستينيات عندما تمكن الكاثوليكي ـ الفرنسي جاك لاكان من إجراء مراجعة عامة للنظرية التحليلية، تحت شعار "العودة إلى فرويد". في مجالنا هذا لا تهمنا التفصيلات الاختصاصية، بل يهمنا السؤال عن سبب استمرار قبول فرويد، والتفاخر اليهودي بانتمائه إلى اليهود، على الرغم من إلحاده ؟ والجواب عن هذا السؤال متشعب وممكن التلخيص بالنقاط الآتية:

1ـ نعمة الولادة اليهودية حيث ينظر اليهود إلى الاغيار على انهم لا يرقون إلى مستوى البشر (أي اليهود). وبهذا فان المولود لأبوين يهوديين هو إنسان أرقى حتى ولو كان ملحدا.

2ـ قد يكون فرويد ملحدا، لكن إلحاده لم يستطع تخليصه من اثر التربية اليهودية التي تلقاها، ولا من اثر الانتماء اليهودي في تكوين لا وعيه، وبالتالي فكره الإلحادي. وبمعنى آخر فلقد كان فرويد يهوديا ملحدا. وتتبدى يهوديته في العديد من منطلقاته النظرية، ولعل أهمها بطريركية التحليل. والاهم من ذلك التركيز المكثف على الجنس وأثره، وعلى الأساطير الجنسية، بدءا من أسطورة أوديب، مرورا بأسطورة جوكاست (الام التي تهوى ابنها) وصولا إلى أسطورة ديان (تعشق بنات جنسها).

3ـ أوديب وجوكاست وديان، ومعها الجنس محور السلوك ومحركه، بدت وكأنها محاولات إقناع حديثة بالأساطير الجنسية اليهودية.

واكتفى بهذا القدر حتى لا نغرق في التفصيلات. مع الإشارة إلى أن يهودية التحليل لا تلغي علميته خصوصا بعد أن تمت مراجعته على يد لاكان وغيره. على أي حال فان مناسبة الحديث هي إصدار المحللة “الاسرائيلية” "مادلين بالوم" كتابا بعنوان "تاريخ الثدي"، وفيه الثدي رمز جنسي بالطبع، وفي الكتاب محاولة لتوظيف ثدي المرأة في كتابة التاريخ السياسي، بتمرير العديد من الإيحاءات الجنسية مع استغلال الثدي في الدعاية لتجارة جنس يهودية جديدة.

بادئ ذي بدء، وقبل التطرق إلى محتويات الكتاب، فان “اسرائيل” تسعى جاهدة لتوظيف إمكاناتها العلمية في المجال الطبي، حيث تسعى لاجتذاب مرضى العالم الثالث للعلاج فيها. وتحاول إغراء المرضى العرب للقدوم إليها من اجل العلاج. ومن فنونها في ذلك الإعلانات المكثفة عن مراكز طبية في المجالات ذات الجاذبية الخاصة مثل: إزالة السمنة ومعالجة العقم والصلع، وأخيرا عمليات تجميل الصدر (الثدي) الذي يصب الكتاب في مجال الترويج له، وهذا الترويج بات موضوع اهتمام الصحافة “الاسرائيلية”.

أن “اسرائيل” تطرح نفسها كجنة للشواذ في أوساط تجمعات الشواذ في العالم، ومن ذلك دفاع عضو الكنيست "ياعيل دايان" عن الشذوذ (إمام المتعصبين اليهود) بقولها: "لقد تعلم هؤلاء الشذوذ من ملككم".

ويدعم الموقف السابق جملة أساطير “اسرائيلية” شاذة من سدوم الى عمورة بما يعطي لـ”اسرائيل” طابع ارض ميعاد الشواذ ولو عارض ذلك المتشددين. اذ تشير المعلومات الى انتشار الشذوذ بين المتشددين أنفسهم.

والأخطر أن الحملات “الاسرائيلية” لجلب الشواذ كانت قد بدأت قبل أعوام، ووصلت إلى حد الدعاية المكشوفة، وعندها دافع الأعلام “الاسرائيلي” عن التهمة بروايات عن الشذوذ. الذي يمارس في الحمامات التركية المنتشرة في الدول العربية.

———————

هوامش ومراجع

1ـ محمد احمد النابلسي: محاضرة في ندوة اتحاد الكتاب العرب باللاذقية ـ منشورة في مجلة فكر، العدد 73 ـ يوليو 2000.

2ـ مصطفى زيور: أضواء على المجتمع “الاسرائيلي” ـ دراسة في التحليل النفسي ـ منشورة في مجلة الثقافة النفسية المتخصصة العدد السادس، 1991.

3ـ من هنا اتفاق الباحثين على ان اليهود لعبوا دورا وظيفيا هاما في إرساء أسس الرأسمالية. حيث كان ذلك يتطلب عدوانية المرابي التي تترفع عنها الشعوب الأوروبية. خصوصا في تلك الحقبة.

4ـ هذه الواقعة يؤكدها الاستراتيجيون " الإسرائيليون ”، وعلى رأسهم يوسي بيلين (وزير العدل في حكومة رابين) إذ يحذر في كتابه "موت العم الأميركي" من خطر ذوبان اليهود خارج “اسرائيل” ويعتبر هذا الذوبان كارثة ومقدمة لنهاية “اسرائيل” ـ انظر فصل "نهاية “اسرائيل”" في هذا الكتاب.

5ـ انظر فصل "نشأة معاداة السامية" في هذا الكتاب.

6ـ انظر فقرة: "إعادة تصدير اليهود العرب" في هذا الفصل.

7ـ هذا الدور الذي بدا يتكرس عمليا منذ قمة شرم الشيخ (وزراء الداخلية العرب ـ 1996) وبعدها بقمة شرم الشيخ أيضا (2000) السابقة لمؤتمر القمة العربي المنعقد بعدها بأيام (21-22/10/2000).

8ـ ترسخت هذه العلاقات الإستفرادية لدرجة تريث مؤتمر القمة العربي (أكتوبر ـ 2000) في اتخاذ قرار بوقف هذه العلاقات.

9 ـ محمد احمد النابلسي: سيكولوجية السياسة العربية ـ العرب والمستقبليات ـ فقرة "الميليشيات الأميركية البيضاء"، دار النهضة العربية 1999.

10ـ انظر فصل "نهاية “اسرائيل”" في هذا الكتاب.

11ـ تجدر الإشارة إلى أن هذه الورقة قد نشرت بتاريخ 1 تموز (يوليو) 2000 أي قبل ثلاثة اشهر من زيارة شارون للأقصى (28/9/2000).

12ـ محمد احمد النابلسي: منشورة في جريدة "الكفاح العربي" بتاريخ 21/9/2000. سطر المعرفة

18 Views

عن

إلى الأعلى