الرئيسية » موسوهة دهشة » الدين » القسم الإسلامي العام » دعوة وجهاد » كتاب- الإسلاميون الجدد في تركيا – البدايات المكونات التحولات المعادلات – إدريس بووانو

كتاب- الإسلاميون الجدد في تركيا – البدايات المكونات التحولات المعادلات – إدريس بووانو


الإسلاميون الجدد في تركيا: البدايات، المكونات، التحولات، المعادلات

د. ادريس بووانو – باحث أكاديمي مغربي

[email protected]

لتحميل الكتاب في ملف وورد:

http://www.dahsha.com/uploads/IslamistsTurkya.doc

بين يدي البحث:

طفا شأن الاهتمام بالمسألة التركية داخليا وخارجيا – منذ سقوط الخلافة، وقيام الجمهورية التركية سنة 1924 – عربيا ودوليا، ولا يزال هذا الاهتمام بارزا وحاضرا إلى وقتنا الحالي، ويرجع هذا الحضور المكثف للمسألة التركية لما تثيره من تساؤلات، في ظل مناخ بالغ الحساسية، شديد التعقيد، سريع التقلب، ملبد بالغيوم والحجب، في مجتمع تتجاذبه منظومات، وتتصارع فيه ثقافات مختلفة.

يعتبر شعب تركيا من أكثر شعوب العالم تمرسا على فنون الحرب – هكذا يوصف – إضافة إلى كونه شعبا محاربا، يصعب جدا اختراق جداره. لكن زياراتنا المتكررة التي قمنا بها لهذا البلد مكنتنا من اختراق هذا الجدار، متجاوزين الرؤية من منظار بعيد.

قمنا بعملية رصد لأحد أبرز طرف في الحياة السياسية في هذا البلد قام بأدوار كبيرة على مسرح الحياة السياسية والاجتماعية، وطبعها بتغيرات هامة، ويتعلق الأمر بالتيار الإسلامي.

ولجنا باحة بيته الداخلي، اطلعنا على أوراقه، زرنا بعض قياداته، استمعنا لأبرز مكوناته، أرهفنا السمع لمعاناته القديمة والحديثة، أنصتنا لساعات طوال لشبابه وهم يحكون عن بطولات بعض كوادره بمختلف مكوناتهم، وسواء التي قضت نحبها أو التي تنتظر، رأينا الإنجازات الكبرى التي حققها أطره أثناء تسييرهم لكبرى البلديات.

التقطنا أهم التحولات التي شهدتها بعض مكونات هذا التيار في علاقتها ببعضها البعض أو في علاقاتها بمحيطها الداخلي، بالتيار العلماني بلونيه العسكري والمدني، أو في علاقاتها بالمحيط الخارجي، بالمؤسسات الاقتصادية وبالدول الكبرى.

حقائق ومعلومات، سجلناها من خلال لقاءات وجلسات مطولة مع قياديي هذا التيار، ومع بعض المتتبعين لمسيرته داخل تركيا وخارجها من باحثين وصحفيين. وبطلب من بعض الإخوة – حيث ألحوا علي أن أمكنهم من أخذ صورة عامة عن هذا التيار – قمت بنسج خيوط ما توافر لدينا من المعلومات في هذا الكتاب، جمعت فيه بين الوصف والتحليل لعناصر هذا التيار ولبعض القضايا التي اعترضته.

وإذ أقدم هذه المعلومات – التي حصلت عليها حول التيار الإسلامي بتركيا – بين دفتي هذا الكتاب فاني آمل أن أكون قد وفقت في إيصالها في أحسن صورة، أرجو من الله العلي القدير ذلك، مع أصدق التحية لكل من ساهم من قريب أو من بعيد في تحقيق هذا الأمر، والله ولي التوفيق.

د. إدريس بووانو

ديسمبر2004

فهرس الموضوعات

تقديم

مقدمة

المحاور الكبرى للبحث:

المحور الأول: البدايات الأولى للتيار الإسلامي بتركيا

أ- استهلال تاريخي

ب- ملامح العلمانية في ظل الإمبراطورية العثمانية

ج- مراحل تسرب الأفكار العلمانية داخل الإمبراطورية العثمانية

ح- مظاهر العلمنة في ظل "الإصلاحات " الكمالية

المحور الثاني: مكونات التيار الإسلامي بتركيا

أ- ملاحظات أولية

ب- مكونات وعناصر التيار الإسلامي:

1- الطرق الصوفية

- الطرق الصوفية و"الإصلاحات " الكمالية.

- الطريقة النقشبندية اعرق طريقة في تركيا.

2- الجماعات الإسلامية ذات البعد التربوي والفكري.

- أولا: جماعة النور

- ثانيا: الجماعة السليمانية

- ثالثا: الجماعة الاشيكشيكية

3- الجماعات الإسلامية ذات البعد الحركي

أ- لمحة عامة عن حركة الرأي الوطني

ب- محاولات تكوين أحزاب ذات مرجعية إسلامية

ج- احتضان الأحزاب السياسية للكتلة الإسلامية

د- حركة الرأي الوطني والممارسة السياسية

1- حركة المستقلين بداية التجربة السياسية الإسلامية

2- تجربة حركة الرأي الوطني السياسية في ظل أحزاب مستقلة

أ- أحزاب التوجه القديم للتجربة السياسية الإسلامية

- حزب النظام الوطني

- حزب السلامة الوطني

- حزب الرفاه

- حزب الفضيلة

- حزب السعادة

ب- أحزاب التوجه الجديد للتجربة السياسية الإسلامية

- حزب العدالة والتنمية

المحور الثالث: تحولات في مسيرة التيار الإسلامي بتركيا

أ- على مستوى تجربة الطرق الصوفية والجماعات الإسلامية ذا البعد التربوي

- الطرق الصوفية والجماعات الإسلامية والمقايضة السياسية

- الطرق الصوفية وتأسيسها لأحزاب سياسية

ب- تحولات على مستوى تجربة حركة الرأي الوطني السياسية

ج- خلفيات التحول الأخير في تجربة حركة الرأي الوطني السياسية

د- حزب العدالة والتنمية: تحول أم استمرار في التجربة السياسية لحركة الرأي الوطني؟

ه – حزب العدالة والتنمية: حزب إسلامي أم حزب علماني؟

و- حزب العدالة والتنمية: حزب سياسي أم حركة سياسية فقط؟

المحور الرابع: محددات تعامل التيار الإسلامي بتركيا مع القضايا المطروحة – تجربة العدالة والتنمية نموذجا

أ- حزب العدالة والتنمية والمعادلات المعقدة

1- المعادلات الداخلية

2- المعادلات الخارجية

ب- موقف حزب العدالة والتنمية من معادلة حرب أمريكا على العراق

ج- سيناريوهات حزب العدالة والتنمية للالتفاف على معادلة الحرب

المحور الخامس: معادلات خفية في الصراع بين التيار الإسلامي والتيار العلماني بتركيا

أ – اشكالات عميقة واجهت النخبة الكمالية

1- نظام التعددية بداية انفتاح التيارين على بعضهما البعض

2- مستويات في تغير خطاب التيار الإسلامي

3- مستويات في تغير خطاب التيار العلماني

4- الانفتاح العلماني الديمقراطي

ب- خلاصات من معركة الصراع بين التيارين

الهوامش

خاتمة البحث

قائمة المصادر والمراجع

الدكتور إدريس بووانو في سطور

مدخل عام

يجمع الدارسون والمراقبون على أن الحركة الإسلامية اليوم أصبحت محورا مركزيا، واهتماما رئيسا من اهتمامات الرأي العام داخل دولها، وخارجها، في الدوائر الغربية وفي غيرها، فقد تم تجنيد باحثين وخبراء واستراتيجيين في شأنها، كما أنشئت معاهد ومراكز بحث خاصة، تراقب وتتابع جل تحركاتها وتطوراتها.

ساهم في حصول الاهتمام بالحركة الإسلامية فيما بعد عاملان أساسيان: يتعلق أولهما بالثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، والتحولات المشرق أوسطية التي ترتبت عنها، ويتعلق ثانيهما بانهيار الشيوعية كقوة عالمية، واندحارها كأيديولوجية سياسية. ولقد كان لهذا السقوط والاندحار أثره بحيث اختلت موازين الصراع والتدافع، ورؤى الخصومة والعداء التي حكمت النظام السياسي الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. لقد سبب الانهيار المباغت للاتحاد السوفياتي، وسقوط جدار برلين مؤشرا لحتمية حدوث تغييرات وتكتيكات على الخارطة الجغرافية- السياسية للعالم، بدأت معالمها في التبلور والتشكل منذ تلك الفترة لتأخذ مظاهر وأشكالا شتى.

تسارعت وتيرة التحولات التي رافقت هذا الحدث العالمي بشكل لافت، ومع هذا التسارع بدت فراغات كبيرة في أحزمة القوة التي كانت تشد العالم من شرقه إلى غربه، أعقبتها موجة محمومة من التحرك قادها الغرب الإمبريالي، هدفت إلى إيجاد صيغة جديدة تظل بها أذرع الحضارة الغربية قابضة وماسكة بناصية الخارطة الجغرافية –السياسية، مع تحريك اتجاهات الفعل بطريقة أو بأخرى تستوعب انهيارات الطرف الشرقي للحضارة الغربية ومحافظة عليه تحت مظلة السيادة والهيمنة الغربيتين، قاطعة الطريق أمام أي منافس جديد، وطبعا كان الإسلام – الذي تهامست حوله القوى الغربية الإمبريالية – هو العدو البديل عن الشيوعية انطلاقا من حمله لمنظومة من القيم والأفكار تستطيع تهديد الانفراد الغربي في شقه الرأسمالي بتسيير شؤون العالم، كما تؤهل حامليه لملء فراغات القوة وصولا إلى سدة الحكم.

وجدت بعض الأطراف داخل الغرب وجها لوجه مع الإسلام – دينا، وحضارة، ومنظومة قيم – ولم يساورها أدنى شك أو ارتياب بأنه- أي الإسلام – هو المنافس الأول لها، الذي يختزن مؤهلات القوة وإمكانات عمارة الأرض، وهو "المارد" الذي يمكن أن يتطاول بنيانه، فيصل إلى لحظات الاستشراف والشهود الحضاري، وبالتالي ينازعها السيادة على العالم. وهكذا اختار الغرب وصادق على صك المواجهة والمؤامرة ضد هذا "المارد" الإسلامي القادم، وأعاد على ضوء ذلك كله ترتيب أجندته.

انضاف إلى هذين العاملين عامل ثالث لا يقل أهمية عن سابقيه، ويتعلق بشعبية الحركة الإسلامية التي تعاظمت داخل أوطانها وبلدانها في ظل حالة الاحتقان الاجتماعي والسياسي التي عرفتها هذه البلدان، بسبب غياب استراتيجية تنموية قادرة على استيعاب الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. وهكذا أعلنت جل الحركات الإسلامية منذ بدايات ظهورها على مسرح الأحداث أن منطلقها هو الإسلام معتبرة إياه القادر على بناء نظام سياسي نموذجي، وهو الذي أفرز من قبل نموا ثقافيا لم يؤثر فحسب على الأشخاص الذين اعتنقوه، بل ترك أثره الواضح على العالم بأسره.

أقطار عديدة إذن استأثر فيها اهتمام المتتبعين بالحركة الإسلامية، ولعل أبرزها تركيا، البلد الإسلامي الذي ما يزال يرمز بحضارته وتاريخه للخلافة العثمانية التي عمرت قرونا من الزمن بسطت سلطان خلافتها على بلدان عديدة من عالمنا الإسلامي.

لقد تزايد الاهتمام بالحركة الإسلامية بتركيا بصفة خاصة وبالمسألة التركية بصفة عامة داخليا وخارجيا عربيا ودوليا منذ سقوط الخلافة، وقيام الجمهورية التركية سنة 1924، وما يزال هذا الاهتمام بارزا وحاضرا إلى وقتنا الحالي.

إذا كان عصر القوة في الفتوحات الإسلامية في ظل الدولة الإسلامية الأولى قد اقترن بأوضاع داخلية متميزة، مقارنة مع خصوم المسلمين في تلك المرحلة، فان الأمر نفسه قد حدث في ظل الدولة العثمانية، فقد اقترنت الفتوحات فيها أيضا بأوضاع داخلية متميزة، إلا أن عصر التدهور والضعف الذي دب فيها والذي " بدأ منذ أوائل القرن 17م، ووصل إلى قمته في نهاية القرن 18م، اقترن ليس فقط بتغييرات في الطرف الآخر غير المسلم والذي نمت قوته، ولكن اقترن بتغييرات داخلية مجتمعية خطيرة كان جزء هام منها انعكاسا لتطورات تاريخية دولية هامة" (1)، عرفتها موازين القوى الدولية.

قبل الحرب العالمية الأولى كان هناك تيار من المسلمين يشعر بأنه يعيش في ظل دولة إسلامية، بالرغم من ضعف هذه الدولة، واختلاف تقييم هذا التيار لها. وبالرغم أيضا من أن أفرادا من هذا التيار ومعهم مجموعة من المسلمين كانوا يعتقدون أن هذه الدولة هاضمة لحقوقهم إلا أنهم كانوا يتجهون بأبصارهم إليها لاصلاحها، عكس التيار العلماني المغترب الذي اخترق النخبة العثمانية، مدنييها وعسكرييها، منذ بداية القرن التاسع عشر الميلادي بفكره الفلسفي ومظاهره الأوربية، الذي كان يسعى جاهدا إلى تقويض بنيان هذه الدولة، التي لم تعد في نظره قادرة على الإمساك بمقاليد البلاد.

هكذا برز في أواخر عهد الدولة العثمانية صراع قوي بين تيارين: تيار علماني حمل على كاهله الدعوة إلى الالتحاق بالغرب، والتماس طريقه، وتيار مثلته شريحة عريضة من الشعب التركي وعلى رأسها العلماء وزعماء الطرق الصوفية أطلق عليهم فيما بعد اسم: " التيار الإسلامي"، و" الإسلاميون الأتراك" وعلى جزء منه اسم "الحركة الإسلامية التركية"، هذا التيار هو الذي أخذ على كاهله مهمة الدفاع والذود عن حمى الإسلام.

كانت نتيجة الشوط الأول من الصراع الذي بدأ بين التيارين منذ تلك الفترة – وما يزال مستمرا – "انتصارا" للحركة الكمالية العلمانية عقب حرب الاستقلال، وتكون الجمهورية التركية العلمانية بمبادئها القائمة كلية وصراحة على إلغاء دور الإسلام، ولقد كان مصطفى كمال أتاتورك صريحا في تأكيد ذلك حينما ذكر في مجلس الأمة التركي أن هذه الدولة، " لم تعد تأخذ مثالها من الغيبيات، ولم تعد تأخذ قوانينها مما يظن أنه كتب جاءت من السماء" (2).

أما الشوط الثاني بين هذين التيارين فقد أخذ الصراع فيه معالم أخرى دلت في مجموعها على بداية رجحان كفة الانتصارات لصالح التيار الإسلامي. وقد استطعنا – من خلال اتصالنا المباشر وغير المباشر بقيادات هذا التيار- من أن نقف على الأسباب التي ساهمت في حصول ذلك، كما تمكنا من معرفة أهم الأدوار التي قام بها هذا التيار على مسرح الحياة السياسية والاجتماعية التركية منذ بداية ظهور إلى الآن.

محاور البحث

لم يكن التيار الإسلامي في تركيا أو الإسلاميون الأتراك – كما يسميهم البعض- نبتة دخيلة على التربة التركية، نبتت وفق فترات زمنية معينة ولا نتيجة ظروف طارئة، ولا بسبب معادلات خارجية حتى يستغرب بعض الدارسين والمحللين اليوم عن سر وجود هذا التيار في ظل الدولة التركية الحديثة، وعن سر نجاحاته وصعود نجمه السياسي في الآونة الأخيرة. فوجه الاستغراب ينبغي أن يتوجه صوب البحث عن سر وجود خصمه، وهو التيار العلماني، في بيئة ومجتمع غالبيته مسلمة، ظلت تدين بالإسلام عبادة وسلوكا لعدة قرون.

كي نجيب عن هذا الاستغراب قمنا بإلقاء نظرة تاريخية (" المحور الأول") حاولنا من خلالها الوقوف عند جذور التيار الإسلامي، ولقد اقتضى تناولنا لذلك، ليس فحسب البحث في جذوره التي تمتد إلى الدولة العثمانية التي بسطت سلطانها لمدة زمنية طويلة، بل كذلك البحث في حقيقة الملابسات والظروف التي رافقت ظهور خصمه وهو التيار العلماني في أخريات الدولة العثمانية، واشتداد معركته معه بعيد ذلك والى يومنا هذا.

سنعرض – في هذا الصدد – وبإيجاز للبذور الأولى للعلمانية سواء مع النخبة المدنية من المثقفين العثمانيين، أو مع النخبة العسكرية من الضباط العسكريين الذين استكملوا تعليمهم في المدارس العسكرية الأوروبية، هذه النخبة هي التي حملت على كاهلها مهمة تثبيت أركان الدولة العلمانية. وسيتضح من خلال تطرقنا للتيار العلماني، ولو بشكل محدود، مدى الدور الذي قام به في بروز ديناميكية وحركية التيار الإسلامي بمختلف شرائحه اتجاه ما سعت "الإصلاحات" الكمالية لتحقيقه من أهداف كلها كانت تروم التضييق على النشاطات الإسلامية واجتثاث كل المظاهر الدالة عليها.

تسببت ممارسات التيار العلماني أثناء تطبيقه " للإصلاحات " الكمالية وقبلها – منذ أن أصبحت حركة الاتحاد والترقي، وتركيا الفتاة متنفذتين في البلاد – في حدوث أثر شديد وبليغ على المسلمين، فقد اتخذت هذه الممارسات في بداياتها شكل معاداة للدين، وعقب ذلك ظهر رد الفعل الإسلامي في شكل تجمعات دينية، خاصة مع سقوط الخلافة الذي ترك في نفوس المسلمين جرحا كبيرا لم يندمل رغم مرور العقود.

لقد ظلت مع هذا السقوط المفاجئ لرمز إسلامي – مكث شامخا عدة قرون- مجموعة من الأسئلة تراود الكثير من المسلمين، أسئلة ولدت لدى بعضهم، بل الكثير منهم ضرورة الالتفاف حول رمز ما، فهرعت كل جماعة وكل فئة تلتف حول كبير لها، وتعتبره رمزا للخليفة. وهكذا أصبحت كل جماعة يتعاظم شأنها، ويكثر أتباعها ومريدوها، تحدث كيانا مستقلا، لتشكل مجتمعة ما سمي ب" التيار الإسلامي (" المحورالثاني"). وسيضطلع كل مكون فيه بمهمة مواجهة الممارسات العلمانية التي رافقت "الإصلاحات" الكمالية انطلاقا من رؤية كل منها إلى الواقع وسبل التصدي لانحرافاته.

لم يكن صراع التيار الإسلامي مع التيار العلماني بنخبتيه العسكرية والمدنية صراعا عاديا، بل كان صراعا عنيفا وقويا، أملت تفاعلاته قدرا كبيرا من التأثير والتأثر، وتركت هذه التفاعلات بصمات واضحة على مسيرة التيار الإسلامي، فقد عرف تحولات هامة في مسيرته (" المحور الثالث"). وبقدر من التفصيل وقفت على التحولات التي عرفها هذا التيار سواء على مستوى الطرق الصوفية والجماعات الإسلامية ذات البعد التربوي والفكري أو على مستوى الجماعات الإسلامية ذات البعد الحركي والممثلة في حركة الرأي الوطني وبصفة خاصة على مستوى ممارستها وتجربتها السياسية، حيث عرفت ميلاد توجه جديد يمثله حزب العدالة والتنمية الحالي، وقلت: إن هذا التوجه أو هذه التجربة تشكل نقلة نوعية في مسار الحركة الإسلامية عموما، وفي مسار التجربة السياسية ذات المرجعية الإسلامية في تركيا خصوصا، وهي إلى حد مّا عنوان "حركة سياسية" مؤطرة في هذا الحزب أكثر ممّا هي عنوان حزب مجتمعي صاحب بنيات مؤسساتية.

إنها تجربة – في نظري- أبانت على قدر كبير من المرونة والواقعية السياسية في تعاطيها مع القضايا والملفات المطروحة سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، وتجلت هذه المرونة في واقعية واعتدال مواقف زعماء التجربة الجديدة مما أهّلها إلى النجاح المعتبر الذي حققته في انتخابات نونبر (نوفمبير) 2002م، والذي مكنها من تشكيل حكومة بأغلبية مريحة، وتبع ذلك فوزها بعدد كبير من البلديات بما نسبته 35 %.

وكان ثمن ذلك "تنازلات " لا بأس بها قدمها زعماء التجربة الجديدة – كما ذكر كثير من أبناء التيار الإسلامي خارج تركيا وداخلها- لكن السؤال أو بالأحرى الأسئلة التي ظلت عالقة هي:

هل يحق أن نسمي ما قامت به التجربة الجديدة تنازلا؟ وكيف نحكم على سلوك سياسي قامت به التجربة الحالية أو غيرها بأنه تنازل عن مبادئ معينة؟ ثم أيضا ما حدود المبدئية والبراغماتية في هذه التجربة السياسية الجديدة خصوصا، وفي التجربة السياسية الإسلامية عموما؟

لعل المتتبع للتجربة السياسية الإسلامية التركية منذ بداياتها الأولى يجدها تسلك سبيل "المناورة " في أدائها السياسي، وهذا الأمر فرضته عدة عوامل أهمها، طبيعة الديمقراطية التركية، وشدة المأزق الذي تقع فيه التجربة السياسية الإسلامية.. وإن عدم فهم هذا التكتيك – تكتيك المناورة- الذي نهجته التجربة السياسية بأحزابها القديمة، أو بتجربتها الحالية مع حزب العدالة والتنمية، يؤدي إلى طرح مجموعة من الأسئلة المحيرة من قبيل الاسئلة السالفة الذكر.

ويزداد طرح أسئلة أخرى حينما لا يتوصل إلى شفرة للتمييز بين المواقف الثابتة والمواقف المتحولة للتجربة الجديدة – والتي تمثل عنوان "حركة سياسية " كما ذكر سالفا- اتجاه مجموعة من المعادلات عموما، واتجاه معادلة الحرب التي شنتها أمريكا وبريطانيا على العراق خصوصا (" المحور الرابع").

قمت في هذا المحور بمتابعة لمواقف زعماء التجربة تجاه جملة من المعادلات والقضايا سواء منها الداخلية أو الخارجية، وكيف استطاع الحزب الالتفاف على الكثير منها، وخلصت في النهاية إلى ما ميز هذه المواقف من سمات وخصائص جمع بينها قاسم واحد وهو أسلوب وتكتيك المناورة السياسية التي أدار به زعماء التجربة الجديدة كثيرا من مواقفهم وتحركاتهم.

إن الآلة الإعلامية العالمية بلغت في الآونة الأخيرة درجة كبيرة من التقدم والتطور، مكنتها من المتابعة الوصفية لجملة من المعارك الضارية في مجموع دول المعمورة خاصة منها المعارك العسكرية التي تستطيع كاميرات القنوات التلفزية أن تلتقط غبارها المتطاير، وأشلاء القتلى، وتنقل أنين الجرحى والمعطوبين.

لقد استطاعت هذه الآلة اليوم أن تضع بين أيدينا قدرا وافرا من المعلومات عن فصول كثير من المعارك، لكن ثمة حروبا ومعارك وصراعات لا يظهر غبارها، ولا يتمكن من معرفة ضحاياها، ولا إحصاء قتلاها وجرحاها، أعني بها تلك المعارك الفكرية والثقافية، التي أعتقد أنها أخطر المعارك والحروب على الإطلاق، من مثل المعركة الشرسة التي تدور رحاها منذ مدة بين التيار الإسلامي والتيار العلماني.

في بعض الأحيان نقلت لنا ما طفا على سطح هذه المعركة والصراع من أحداث حول قضايا معينة، لكن قلما استطاعت أن تكشف لنا عن درجة حرارة النار المتقدة من تحت رماد هذه المعركة، والتي أملتها معادلات خفية في صراع التيارين (" المحور الخامس") وقد حاولنا أن نبرز بعض هذه المعادلات.

وأخيرا نقول: بأن كثيرا من المراقبين مجمعون على أن المسألة التركية، وفي صلبها التجربة السياسية الإسلامية، تكتسي أهمية خاصة في منطقة العالم الإسلامي، وفي تجارب الحركات الإسلامية، وبقدر ما هي في حاجة إلى الدراسة والبحث في مختلف جوانب نجاحاتها واخفاقاتها، بقدر ما هي بحاجة أيضا إلى أن نستخلص منها استنتاجات، وهذا ما حاولنا القيام به، حيث قمنا باستجماع ذلك كله وبقدر من التركيز في (" خاتمة البحث")، آملين أن نكون قد وفقنا في ذلك.

المحور الأول:

البدايات الأولى للتيار الإسلامي بتركيا

أ- استهلال تاريخي:

إذا ألقينا نظرة على المسرح الدولي في القرن السابع الهجري /الثالث عشر الميلادي، فإننا نجد أجزاء كثيرة من بلاد العالم الإسلامي تحت حكم دولة ما: (مصر والحجاز وبلاد الشام) تحت حكم المماليك، و(شبه جزيرة الأناضول) تحت حكم السلاجقة الأتراك، و(بلاد الأندلس) تحت حكم دويلات ملوك الطوائف. وغالبية هذه الأجزاء من عالمنا كانت في حرب ضروس مع خصومها من القوى الأوروبية بقيادة الكنيسة في روما.

إبان هذه الفترة الدقيقة من تاريخ عالمنا الإسلامي، أسس آل عثمان دولتهم – الدولة العثمانية على يد السلطان الغازي عثمان خان بن أرطغرل بن سليمان شاه التركماني، عام 699 ه/ 1280م (3)، وقد اتسعت رقعة هذه الدولة لتشمل إيران والعراق وأذربيجان وأرمينيا وشبه الجزيرة العربية وسوريا وفلسطين ومصر وتونس والجزائر حتى حدود المغرب، وشبه جزيرة الأناضول، وشبه جزيرة البلقان، وأوربا الشرقية حتى جنوب فيينا وأبواب لينيغراد بما في ذلك بلجراد وصربيا والجبل الأسود وكوسوفو والسنجق والبوسنة والهرسك، أي أن حدودها السياسية امتدت في إفريقيا، وأسيا وأوروبا، من إيران شرقا إلى أسوار فيينا غربا، ومن الحبشة جنوبا إلى المجر شمالا (4).

حملت الدولة العثمانية راية الخلافة الإسلامية بعد ضعف الدولة الإسلامية على عهد آل العباس – عام 656ه، وتنازل الخليفة العباسي محمد المتوكل عن الخلافة للسلطان سليم الأول، وبهذا أصبحت الدولة العثمانية هي المسؤولة رسميا عن حماية العالم الإسلامي وحمل دعوة الإسلام إلى باقي المعمورة. وعلى الفور قام السلطان سليم الأول بدعم صناعة السلاح، وصناعة الأسطول في مصر، وبدعم الأسطول الإسلامي في البحر الأحمر والبحر الأبيض ومطاردة المراكب البرتغالية الصليبية وحماية المقدسات الإسلامية القلب النابض للعالم الإسلامي. (وظلت الدولة العثمانية تؤدي دور دولة الخلافة الإسلامية حتى عهد السلطان عبد الحميد الثاني الذي أزيح عن السلطة عام 1327ه / 1909م) (5).

اعتمدت الدولة العثمانية على الإسلام اعتمادا كليا في صراعها مع القوى الأوروبية، وكان هذا هو سر نجاحها منذ دخول السلطان محمد الفاتح القسطنطينية، حيث أصبح الدين عاملا من عوامل الصراع الفكري بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية (6)، أو الحضارة اللاتينية (7).

ساهمت أسباب عديدة في السنوات الأخيرة من عمر الدولة العثمانية، في إصابتها بالضعف الذي أفقدها السيطرة على مجموعة من المناطق التي كانت تحت نفوذها. (لقد بدت مؤشرات هذا الضعف الذي دب في الدولة العثمانية منذ نهاية القرن 17م، لكنه تكرس وتعمق في الربع الأخير من القرن 18م حتى بداية الربع الأول من القرن 19م، وقد دلت على ذلك مؤشرات عديدة تضيق مساحة البحث عن إيرادها، على أنه بالرغم من الضربات التي تلقتها الدولة العثمانية منذ الفترات التي ذكرنا، فقد ظلت تحتفظ وتحوز على عناصر القوة الكافية التي مكنتها من أن تحتفظ بدورها في التوازن العالمي، وذلك في وقت لم تكن القوة الغربية قد وصلت إلى مرتبة القوة العالمية المهيمنة، وقد تغير هذا الوضع في القرن 19م، لكن ليس بالنسبة للدولة العثمانية فقط، بل حتى بالنسبة للدول الإسلامية الأخرى، فمنذ 1774م وبعد سقوط الإمبراطورية المغولية في الهند في معركة بلاس مع البريطانيين، وبعد سقوط الدولة الصفوية في منتصف القرن كذلك أخذ يتضح أن التدهور والتراجع أصبح أمرا عاما في كافة أرجاء العالم الإسلامي. ومنذ ذلك بدأ يتبلور بوضوح الفارق بين القوى المادية للشرق والغرب نتيجة تأخر العالم الإسلامي في مجال الأساليب الحربية الحديثة، وفي مجال أساليب التجارة والاقتصاد الحديث، ومن جهة أخرى تطورت توازنات القوى الأوروبية. وسيسمح هذا التفوق وهذا التطور لا محال للقوى الأوروبية أن تدخل مرحلة جديدة في الهجوم على أرجاء العالم الإسلامي، ويتعلق الأمر بمرحلة الهجوم المباشر والتنافس التقليدي – الاحتلال العسكري) (8).

قطعت هذه المرحلة الجديدة مع أسلوب القرنين السابقين والكامن في اكتساب النفوذ على المستويين التجاري والسياسي، وعلى التنافس على البحار والمحيطات. وبالرغم من هذه التطورات الجديدة ظلت الدولة العثمانية، بمقاييس القرن 19م. قوة كبرى تقوم بدورها كممثل للكيان الجماعي للعالم الإسلامي أمام التصاعد الكبير والمطرد في قوة الغرب وتهديده لهذا العالم. (ويرجع هذا الاستمرار لعاملين أساسيين مترابطين ومتكاملين:

أولهما: هو سياسة الإصلاح التي جرى عليها السلاطين العثمانيون منذ سليم الأول حتى عهد السلطان عبد الحميد – في محاولة لعلاج أسباب الضعف والتدهور في عناصر القوة الذاتية وفي آليات إدارة العلاقة بين المركزية العثمانية وبين الولايات التابعة لها سواء داخل التراب الأوروبي أو داخل التراب العربي.

ثانيهما: طبيعة توازنات القوى الأوربية والتي فرضت في مجموعها الحفاظ على بقاء الدولة العثمانية وتكاملها حتى تتم – من منظور القوى الأوروبية – الإجراءات المناسبة لتقسيمها، دون تهديد للتوازنات الحساسة بين القوى المتنافسة على الزعامة في أوروبا وعلى اقتسام العالم) (9).

نجد لهذين العاملين تطبيقات في القرنين 16 و17 الميلاديين من طرف الدولة العثمانية، وهي فترات التفوق والهيمنة حيث شغّلتهما الدولة العثمانية كوسيلتين لتمزيق توحد الصف الأوروبي، إلا أن تطبيقهما في القرن 19 قد شهدا وجها آخر لهذين العاملين، " فالغرب من خلال تأثيره وضغطه على عمليات الإصلاح العثمانية قد اتجه لخلق علاقات اعتماد كبيرة عليه، تحتوي ما تبقى من عناصر القوة العثمانية، وتكمل من إضعاف هذا الكيان الضخم الذي لا يمكن إسقاطه دفعة واحدة، فلقد كانت الإصلاحات الدبلوماسية والاقتصادية وسيلة لاكمال دمج الدولة العثمانية في نظام التحالفات الأوروبية وفي النظام الرأسمالي الغربي، ووسيلة للنيل من مؤسساته ونظمه الداخلية " (10).

ب- ملامح العلمانية في ظل الإمبراطورية العثمانية

بدأ طور من "الإصلاحات" في ظل الدولة العثمانية في نسختها الثانية على يد الخليفة العثماني سليم الثالث، ومن أهم هذه الإصلاحات تلك التي اتجهت صوب إعادة تنظيم القوات المسلحة على أسس حديثة تضاهي وتنافس تلك التي نهجها الجيش الأوروبي. وسيكتب لهذه الإصلاحات النجاح بشكل واضح ابتداء من سنة 1826م مع السلطان العثماني محمود الثاني، حيث عرفت هذه الإصلاحات ذات الطابع الغربي باسم " التنظيمات" ومن أهم مظاهرها بعث الطلاب الأتراك من أجل استكمال تعليمهم العالي في المدارس الغربية وبخاصة في فرنسا، وإعلان الزي الأوروبي إجباريا في الأعمال الرسمية.

خلال عهد محمود الثاني هذا يمكن القول بأنه (بدأت البذور الأولى لعملية العلمنة والتغريب تتسرب رويدا رويدا إلى هياكل الدولة، ساعد على ذلك اللجوء إلى القانون الوضعي الذي ارتكز على القوانين الأوروبية لتكملة القانون الذي كان معمولا به آنئذ في الإمبراطورية العثمانية، والمرتكز على الشريعة الإسلامية بشكل كامل، كما اتخذت تدابير جديدة في الإدارة مكنت من إزاحة التصور القديم للدولة ليحل محله التصور الفرنسي لدولة مركزية موحدة تدار بواسطة بيروقراطية تلغي ما كان معروفا في ظل الخلافة العثمانية بالحكومات الإقليمية والمركزية) (11).

نشأت إذن طبقة متعلمة جديدة كانت نتاج المدارس الأوروبية حيث أصبحت هذه الطبقة – ومن خلال ما سمحت لها به ظروف هذه المدارس وما توافر لديها من احتكاك بأطرها- مدركة ومستوعبة لأفكار ومبادئ جديدة، وحدثت لها حالة من التوتر الداخلي أعلنت عنه من خلال طرح العديد من الأسئلة حول محيطها، وأدى هذا الأمر إلى حدوث اضطراب داخلي نبع من حاجة هذه الفئة إثبات الذات. وقد أفرز هذا الوضع ظهور ثلاثة توجهات أو ثلاثة تيارات داخل المجتمع العثماني:

- التيار الأول وسمي: الإسلاميون: وهم الذين كانوا يرون ضرورة التشبث والمحافظة على الكيان الإسلامي للدولة، والمحافظة على الدين الإسلامي كأساس للحياة في مختلف مناحيها ومستوياتها.

- التيار الثاني وسمي: الطورانيون: وهم تيار تزعم الدعوة إلى القومية التركية، شعارهم: – لا صديق للتركي إلا التركي -، سعى هذا التيار إلى اتحاد الشعوب الطورانية في جسم واحد.

- التيار الثالث وسمي: الغربيون: وهم تيار تعرف على الأفكار الغربية سواء في ديار الدولة العثمانية أو في ديار الغرب، وقد كان للرحلات العلمية لبعض الطلاب العثمانيين دور كبير في الاحتكاك المباشر بهذه الأفكار، فولد لدى كثير منهم قدرا من الإعجاب بها، بل والدعوة إلى اعتمادها، ونتج عن ذلك الاندفاع الكامل من أصحاب هذا التيار نحو مقاطعة التقاليد الإسلامية والالتحاق بالغرب.

من رحم التيار الثالث الذي سيشتد صراعه مع التيارين الأولين، وبخاصة مع التيار الإسلامي، ستولد الأفكار العلمانية، وستجد من يذود عن حماها من النخبة المثقفة المدنية ومن النخبة العسكرية كما سنرى.

ج- مراحل تسرب الأفكار العلمانية إلى الإمبراطورية العثمانية.

مرت عملية تسرب الأفكار العلمانية إلى الإمبراطورية العثمانية بمرحلتين قبل أن يتعاظم هذا التسرب ويتطور أكثر في العقود الأخيرة من نشوء الدولة التركية الحديثة.

المرحلة الأولى: كان زعماؤها رجالات من داخل الدولة العثمانية (كسعيد حليم باشا، وأحمد جردت باشا) الذين كانوا من الحاملين للأفكار العلمانية ومن المروجين لها منذ وقت مبكر داخل أروقة الدولة العثمانية، انضافت إليهم فيما بعد طبقة من المثقفين العثمانيين الذين أتيحت لهم فرصة التعرف على الأفكار الغربية سواء من خلال تعلمهم في المدارس الأجنبية أو من خلال أسفارهم إلى الديار الغربية. تأثر هؤلاء وأولئك أيما تأثر بأفكار مفكرين غربيين كجان جاك روسو ومونتسكيو وغيرهم، ورأوا فيها بديلا عن الأفكار (التقليدية) التي كانت تؤسس على صرحها دولتهم، وهم يقصدون الأفكار والمبادئ والقيم الإسلامية.

بذل المنتمون إلى هذا التيار جهدا كبيرا ومضاعفا في إيجاد تطبيقات لما تمكنوا من معرفته من هذه الأفكار الغربية في الشريعة الإسلامية، (ومن هؤلاء نامق كمال وضياء باشا، فالأول كان مقتنعا اقتناعا كاملا بأن الإسلام شريعة كاملة وصالحة لأي دولة في أي مكان، وقد عارض تطبيق القانون الفرنسي قائلا بأنه يتعارض مع أفكار وسلوك الشعوب الشرقية التي كانت تحكمها تقاليد وأعراف نابعة من تعاليم الإسلام التي كانت تدين به من سنين طويلة. والثاني ضياء باشا، الذي كان يركز هو أيضا على الحاجة إلى التجديد مع ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في الحياة العامة) (12)، والرجلان وغيرهم من المثقفين العثمانيين في تلك المرحلة أجمعوا على أن الرجل المريض – وهو الوصف الذي أطلق على الإمبراطورية العثمانية في أخريات عمرها- بحاجة إلى جرعات أفكار ومبادئ جديدة لا تنمحي معها الأفكار القديمة ولا تقصى نهائيا من الحياة العامة.

شباب عثماني من نموذج الرجلين وغيرهما يمكن اعتبارهم البذور الأولى للعلمانية وان لم يكونوا علمانيين بمعنى الكلمة، فوطنيتهم ورغبتهم الجامحة في إنقاذ دولتهم وإخراجها مما هي فيه من اضطراب وأزمة دفعهم إلى الجهر بضرورة سلك سياسات دستورية وإدارية على نسق الليبرالية الأوربية.

هذه إذن المرحلة الأولى لتسرب الأفكار العلمانية، حملها شباب عثماني، وأكثر العناصر ثورية في هذه الفئة كانت ترى ضرورة أخذ أقل جرعة ممكنة من الثقافة الغربية تمكن الرجل المريض من استعادة صحته وعافيته.

المرحلة الثانية: حمل لواءها مجموعة من ضباط الصف العسكريين الذين درسوا في المدارس العسكرية الأوروبية، حيث تعرفوا على الفكر الغربي، ومكنهم من ذلك اللغات الأوروبية التي تعلموا بها، في مقابل ضعفهم الشديد في معرفة النظم والتعاليم الإسلامية وتاريخ حضارتهم، وكان من زعماء هذه الفئة العسكرية مصطفى كمال أتاتورك.

ونكاد نقول: إن محاولة الشباب العثماني المثقف كانت بمثابة الفترة التمهيدية الأولى والأساس لزرع الأفكار العلمانية داخل التربة العثمانية حيث أعقبتها محاولة ضباط الصف العسكريين والتي استطاعت التمكين لهذه الأفكار بشكل كبير على الرغم من محاولات السلطان عبد الحميد الثاني إغلاق جميع المنافذ التي يمكن أن تتسرب منها مثل تلك الأفكار.

ح- مظاهر العلمنة في ظل "الإصلاحات " الكمالية:

إن ما قام به ضباط الصف العسكريون من جهود حثيثة لغرس العلمنة يعد أول محاولة من نوعها في العالم الإسلامي سعت إلي علمنة المجتمع، وتغييب الدين عن تدبير شؤونه.

وهناك عدة عوامل سهلت تحقيق هذا الهدف، تفاعل فيها ما هو ذاتي مرتبط بما حل بالدولة العثمانية من انهيار داخلي في أواخر عمرها كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وما نتج عن ذلك من ضعف في سيطرتها على مجموعة من الأراضي الداخلة تحت حكمها، وما هو خارجي مرتبط بالنفوذ الأوروبي المطرد، والذي اكتملت له شروط الانقضاض على الرجل المريض، وتقسيم تركته.

ومع هذا ظل الدين الإسلامي يشكل جزءا من ذاكرة المجتمع العثماني، ومرجعيته الأساس في مختلف مناحي وشؤون حياته. كما ظل يشكل القوة الاجتماعية والسياسية حتى المراحل الأخيرة من عمر الخلافة العثمانية. وبقدر قوته هذه وتجذره ورسوخه اشتدت ضراوة "الإصلاحات" الكمالية لتغييبه ومحوه وتثبيت مبادئ العلمانية مكانه. لقد كان الهدف الرئيس " للإصلاحات الكمالية" هو إبعاد الدين الإسلامي عن أن يقوم بأي دور، وفي سبيل تحقيق هذا الهدف قام زعماء الإصلاحات الكمالية بتدابير وإجراءات اتخذت أربعة مظاهر (13):

1- العلمنة الرمزية: وقد حملت بعدا هاما في الإصلاحات الكمالية، وبرزت في خطوتين:

- الخطوة الأولى: تمثلت في إلغاء الخلافة سنة 1924م انطلاقا من كون الخليفة كان يرمز لوحدة المسلمين وللشرعية، كما كانت مؤسسة الخلافة تحمل دلالة وقيمة رمزيتين بالغتا التأثير على المسلمين عامة.

- الخطوة الثانية: تمثلت في عملية الإصلاح اللغوي الذي بوشر من خلال خطوات وإجراءات منها: تحويل كتابة الحروف الهجائية من العربية إلى اللاتينية عام 1928م، وفي هذا الإطار بذلت جهود لاستبدال مفردات اللغة ذات الأصول العربية أو الفارسية، واستتبع هذه الخطوة ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة التركية، وحظر الآذان باللغة العربية، واعتماد التقويم الكريكوري بدل التقويم العربي، وتغيير العطلة الأسبوعية.

كما فرض ارتداء الأزياء الغربية والقبعة بدل الطربوش، وبسبب القبعة هذه مورست صنوف وألوان شتى من العذاب على من يعارض لبسها من العلماء وزعماء الطرق الصوفية وغيرهم، ويذكر أن عالما تركيا كبيرا، وهو عاطف أفندي، تم إعدامه من طرف سلطات الإصلاحات الكمالية بسبب كتابته لرسالة يحرم فيها لبس القبعة الغربية.

2- العلمنة الدستورية: صمم هذا الشكل من العلمنة لإزالة القوة الدستورية للإسلام، وإزاحته عن أن يقوم بأي دور فيما يخص الشؤون الدستورية للمجتمع التركي، فكان إلغاء السلطنة في سنة 1922م أولى الخطوات، ونص دستور الإصلاحات الكمالية على استمداد الشرعية الدستورية من مفهوم السيادة القومية وليس من الإرادة الإلهية، كما حذفت سنة 1928م المادة الثالثة من دستور 1924م والتي كانت تذكر بأن الإسلام دين الدولة. وكان الإبقاء على هذه المادة بعد إلغاء السلطنة من أجل امتصاص الاحتجاج الذي كان من الممكن أن يحدث، ولإضفاء الشرعية على الدولة الحديثة التي كانت تسعى الإصلاحات الكمالية إلى تثبيت أركانها.

3- العلمنة السياسية: بدت جلية وواضحة من خلال القضاء على دور السلطان الديني في مجال القضاء والتعليم، وتم استبدال جملة من المراسيم القديمة بأخرى جديدة لمس منها الطابع الغربي بشكل واضح وجلي.

4- العلمنة القانونية: بدأت منذ فرض نظام التنظيمات، وبالرغم من ذلك استمرت بعض النصوص القانونية المستمدة من الشريعة الإسلامية سارية المفعول إلى جانب تبني الحكومة للقانون المدني السويسري، والقانون الجنائي الإيطالي، والقانون التجاري الألماني مع تغييرات بسيطة وخفيفة، أما المواد القانونية الإسلامية فحصل شبه إقبار لها في الميادين المذكورة.

تسببت ممارسات التيار العلماني أثناء تطبيقه للإصلاحات الكمالية على وجه العموم في إلحاق أذى وضرر كبير بالمسلمين، فقد تم تشريد عدد كبير من العلماء وشيوخ الزوايا والطرق الصوفية، واعتقل آخرون وحوكموا دون تهم أو بتهم واهية ملفقة.

وكانت هذه الممارسات عموما معادية للدين بشكل واضح، وإزاء ذلك ظهر رد الفعل الإسلامي في شكل تجمعات دينية خاصة مع سقوط الخلافة الذي ترك في نفوس المسلمين إحساسا عميقا، وظلت مع هذا السقوط المفاجئ لرمز إسلامي – الذي بقي شامخا لعدة قرون- مجموعة من الأسئلة تراود الكثير منهم، أسئلة ولدت لدى بعضهم، بل الكثير منهم ضرورة الالتفاف حول رمز ما، فهرعت كل جماعة منهم تلتف حول كبير لها، وتعتبره رمزا للخليفة. وهكذا أصبحت كل جماعة يتعاظم شأنها، ويكثر أتباعها ومريدوها، تشكل لوحدها كيانا مستقلا، فكونت مجتمعة "التيار الإسلامي" أو "الحركة الإسلامية"، وسيضطلع كل مكون من مكونات هذا التيار بمهمة مواجهة الممارسات العلمانية خاصة منها التي كانت تروم القضاء نهائيا على كل ما يدل على المظاهر الإسلامية.

المحور الثاني

مكونات التيار الإسلامي بتركيا

لم تكن " الإصلاحات الكمالية " لتمر من دون أن تفرز ردود فعل قوية، وقد تباينت ردود الفعل هذه وتعددت بتعدد الجهات التي اكتوت بلظى هذه الإصلاحات، حيث تم تسجيل ردود فعل المؤسسات الرسمية القائمة خاصة منها وزارة الشؤون الدينية، وتم أيضا تسجيل ردود فعل العلماء وكذا شيوخ الطرق الصوفية، وبعض الأفراد. وعموما يمكن رصد ثلاثة أصناف من ردود الفعل اتجاه الإجراءات والإصلاحات الكمالية:

- رد الفعل الأول: تميز بالراديكالية حيث دعا أصحابه إلى وجوب مقاومة الحكومة والانتفاض كلية ضد سياساتها الإصلاحية.

- رد الفعل الثاني: دعا أصحابه إلى الرضا بما حل، لأن ما وقع قدر مقدور، ليس للمسلم إلا أن يصبر عليه إلى أن يشاء الله.

- رد الفعل الثالث: جمع أصحابه بين رفض جزء من سياسات الدولة الكمالية الحديثة، وقبول التعايش مع أعمالها وسياساتها الأخرى، وشمل رد الفعل الأخير شريحة كبيرة من مكونات المجتمع التركي، ضمت كثيرا من أتباع الطرق الصوفية.

أ- ملاحظات أولية:

هناك ملاحظات هامة يحسن البدء بها قبل الاسترسال في الحديث عن هذا المحور، وهي خمس ملاحظات:

الملاحظة الأولى: شعور أبناء التيار الإسلامي بكل مكوناتهم أنهم امتداد حقيقي وفعلي للخلافة العثمانية التي تمثل بالنسبة إليهم إرثا تاريخيا هاما من تراث الحضارة الإسلامية. هذا الإرث التاريخي الكبير شكل – ومازال يشكل- حافزا قويا لأبناء هذه التيار، شعروا ومازالوا يشعرون بضرورة الحفاظ على ما تبقى منه. فهناك إذن وعي كبير بهذا الإرث الضخم، وهناك طموح يوازي هذا الوعي بضرورة استعادته، ومعه لا يتوانى بعض أبناء هذا التيار الإسلامي عن الإعلان بأنهم أحفاد الخلافة العثمانية التي تركت هذا الإرث التاريخي الكبير، والذي ما يزال عالقا في ذاكرة كثير من رجالات التيار الإسلامي، وما تزال تشهد عليه الأبنية العظيمة المنتشرة في كثير من مدن تركيا من مساجد وقلاع وقصور وأسوار. لقد شكل هذا الإرث مصدر انبعاث النهضة الإسلامية، والشعور الإسلامي داخل المجتمع التركي.

الملاحظة الثانية: تكفل زعماء الطرق الدينية وشيوخها بحمل المشاعر الدينية في عز الإصلاحات الكمالية، وهاموا بها في مناطق وعرة لئلا تلاحقهم آلة التعذيب والاضطهاد التي رافقت الإصلاحات، وعندما استقرت الأوضاع وهدأت، عادوا فأحيوها من جديد فيمن تبقى من مريديهم وأتباعهم.

الملاحظة الثالثة: عقب إقرار نظام التعددية، وما استتبعه من عمليات تخفيف القيود المفروضة على التدين حصل انبعاث إسلامي، أعقبه ظهور أحزاب خاطبت بصراحة المشاعر الدينية لدى هذا المجتمع للظفر بأصواته عند اقتراب كل استحقاق انتخابي.

بعد ذلك ظهرت أحزاب سياسية تبنت صراحة وعلنا هذه المشاعر، وكانت المنظومة الإسلامية – أفكارا ومبادئ – مرجعيتها الأساسية.

الملاحظة الرابعة: عندما أخذ يطلق مصطلح التيار الإسلامي أو مصطلح الحركة الإسلامية بتركيا في الآونة الأخيرة فغالبا ما انصرف ذهن المتتبعين صوب تجربة الأحزاب السياسية الإسلامية التي نالت حظا واسعا من اهتمام أبناء الحركات الإسلامية في عالمنا العربي والإسلامي ومن غيرهم من المراقبين والدارسين، في حين لا تمثل هذه التجربة إلا مكونا واحدا من مكونات التيار الإسلامي، ذلك أن جزءا كبيرا من هذا التيار، أو من يعرفون ب" الانتلجنسيا الإسلامية " في تركيا – على حد تعبير محمد نور الدين – لم ينخرط كلية وبطريقة مباشرة في الحياة السياسية، بل شكلت لوحدها مجموعات مستقلة أقرب ما تكون إلى مدارس فكرية وتربوية، اختلفت في طريقة تفكيرها وتحركها، ووسائل تفاعلها داخل الساحة التركية بمجتمعها ومؤسساتها، وهي التي فضلنا أن نسميها بأ "الجماعات الإسلامية ذات البعد التربوي"، عوض تسمية "الطرق الصوفية الحديثة" (14)

الملاحظة الخامسة: وهي أنه في ظل عهد الدولة العثمانية لم يكن يسمع شيء اسمه التيار الإسلامي، إنما الذي كان معروفا في ظل هذه الدولة هو اصطلاح "العثمانيون"، إلى جانب اصطلاح "المسلمون العرب"، و"مسلمو شمال إفريقيا". وفي مقابل هذه الاصطلاحات كان إطلاق اصطلاحات: "الأوروبيون"، واصطلاح "الصليبيون".

إن أول اصطلاح سيدخل إلى قاموس التداول في أخريات الدولة العثمانية هو "المسلمون العثمانيون"، وقد ازداد شيوع هذا الاصطلاح مع صعود تيار الطورانية، بعد ذلك ستظهر اصطلاحات من قبيل ما ذكرت سابقا وسيتضاعف تداولها عقب سقوط الدولة العثمانية بعد القضاء على الخلافة وإلغاء السلطنة

انطلاقا من هذه الملاحظات نعتقد أننا لسنا أمام حركة إسلامية وحيدة، بقدر ما نحن أمام حركات إسلامية – إن صح التعبير- موحدة في مرجعيتها ومنطلقاتها، ومختلفة في طرق تحركها ووسائل تفاعلها

وقد تبنّيت مصطلحين: المصطلح الأول اتخذته عنوان الكتاب وهو مصطلح " الإسلاميون " والمصطلح الثاني وهو مصطلح " التيار الإسلامي" فضلت استعماله في متن الكتاب، وأعتقد أنه مصطلح رحب، يسع للحديث داخله عن الحركات والتنظيمات والجماعات ذات التوجه الإسلامي

ب- مكونات وعناصر التيار الإسلامي.

1- الطرق الصوفية

لهذه الطرق جذور تاريخية ترجع إلى مئات السنين، وظلت محافظة على وجودها بين أفراد المجتمع وطبقاته على الرغم من كل محاولات القضاء عليها.

رامت هذه الطرق حفظ العبادات الإسلامية ومعها حفظ التراث الإسلامي في نفوس الشعب التركي من خلال أشكال وطقوس دينية: أذكار وأوراد وأناشيد وابتهالات، وعكفت طرق أخرى صوفية على تحفيظ القرآن للناس في بيوت شيوخها أو منازل خاصة أنشأتها لهذا الغرض، وبعضها الآخر اكتفى بالتعبير عن روحانيته بالشطح والدوران في أيام مخصوصة من الأسبوع وعند كل مناسبة دينية معينة، واختصت كل فئة أو طريقة بلباس خاص بها، يميزها عن الأخرى.

لم تكن هذه الطرق الصوفية- التي سنعرض لبعض مكوناتها- بأتباعها ومريديها المنتشرين في مختلف ربوع تركيا مجرد حشود بشرية لا وزن لها داخل المجتمع التركي، بقدرما كانت مكوّنا معتبرا حيث كانت لها مكانتها في ظل الإمبراطورية العثمانية، بحيث كان منها العلماء والقضاة والوزراء، وقامت بدور مشهود في حرب التحرير في السنوات الأولى لتأسيس الجمهورية، واحتفظت بدورها البارز في بحر "الإصلاحات" الكمالية التي رفضتها رفضا مطلقا. وإلى اليوم مازالت هذه الطرق تعد لاعبا فاعلا على مسرح الأحداث داخل المجتمع التركي

شكلت الطرق الدينية جزءا من التيار الإسلامي في تركيا، وعاملا مؤثرا وحاسما في ترجيح كثير من المعادلات، وهي وإن لم تكن تتعاطى في معظمها للعمل السياسي المباشر انسجاما مع فلسفتها ورؤيتها لعملية التغيير والبناء، إلا أن ذلك لم يمنعها من أن يكون لها دور بارز في الحياة السياسية التركية

- الطرق الصوفية و"الإصلاحات" الكمالية:

مرت الطرق الصوفية جميعها ومعها باقي المسلمين في بحر "الإصلاحات" الكمالية – التي كان يروم أصحابها قطع دابر الهوية الإسلامية وباقي المظاهر المتعلقة بها – بمتاعب ومحن شديدة، وقبل أن نشير لهذا الأمر يجدر بنا القول بأن تعامل "الإصلاحات" الكمالية مع الطرق الدينية مر بمرحلتين أساسيتين:

المرحلة الأولى: تميز موقف الكماليين تجاه الجماعات والطرق الصوفية بالود والاحترام، لأن الأمر كان يقتضي تحطيم الإسلام الرسمي أولا. وخلال هذه المرحلة تعاون الكماليون بصورة كاملة مع الجماعات الصوفية ضد الخليفة، وفي حرب الاستقلال استخدم مصطفى كمال قادة الجماعات الصوفية لتعبئة الجماهير للجهاد ضد الغزاة، ولذا فان دستور 1924م ترك الجماعات الصوفية حرة من دون أي قيود دستورية.

المرحلة الثانية: سن قانون جديد يقضي بحل هذه الجماعات، وذلك حينما أيقن زعماء "الإصلاحات" الكمالية بأن الخطر الحقيقي الذي يهدد الدولة مأتاه ومنبعه هذه الطرق الصوفية. واستتبع عملية الحظر هذه إغلاق مقرات هذه الطرق، ومنع أصحابها من القيام بأي نشاط في أي مكان، فاضطرت إلى ممارسة نشاطاتها سرا على الرغم من موجة التشريد والنفي والتهجير التي تعرض لها كثير من شيوخها وأتباعها، وكانت معاناة هذه الطرق جراء التدابير والإجراءات التي فرضتها "الإصلاحات الكمالية" مريرة جدا.

عند استقرار الوضع قامت بعض هذه الطرق بتكوين جمعيات للإنفاق على طلاب مدارس الأئمة والخطباء لتعويض النقص الذي حصل نتيجة اختفاء الدعاة بسبب المحن التي تعرضوا لها، كما ظهرت طرق أخرى جديدة كرد فعل على الممارسات التي رافقت "الإصلاحات " الكمالية التي استهدفت طمس الدين من المجتمع التركي، من خلال طمس كل المظاهر الدالة عليه.

مع بداية الخمسينات بدأ حبل التضييق والحصار يخف على الدين وأهله من رجالات التصوف وغيرهم من الجماعات والأفراد، وفي هذه الفترة أخذت العديد من هذه الطرق تخرج من سريتها، لتمارس نشاطاتها بشكل علني شيئا فشيئا، ساعدها على ذلك تنافس الزعماء السياسيين على كسب أصوات أتباعها عند اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، بل إن بعض زعماء الأحزاب كانوا لا يترددون في أن يعلنوا أنهم أعضاء في الطريقة الصوفية الفلانية.

نتحدث في هذا الصدد إذن عن مجموعة من الطرق الصوفية، منها القديمة ومنها الحديثة، ومنها الذائعة الصيت الشاسعة الانتشار، ومنها الذائعة الصيت القليلة الأتباع والمريدين

- الطريقة النقشبندية أعرق طريقة في تركيا

تعد الطريقة النقشبندية من أعرق الطرق الصوفية في تركيا، وأكبرها وأوسعها انتشارا، لها امتدادات في مجموعة من دول العالم الإسلامي، مؤسسها هو محمد بهاء الدين النقشبندي الذي عاش في بخارى بين 1317/1389 ه، وحمل الطريقة عنه إلى الأناضول أحد أتباعه وهو عبد الله السماوي في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، لتنتشر في مختلف أنحاء تركيا.

شارك النقشبنديون في كل الانتفاضات التي ووجهت بها إصلاحات كمال أتاتورك، ومع إقرار نظام التعددية الحزبية عاودت النقشبندية نشاطها، وعملت على تعزيز حضورها في أوساط أساتذة الجامعة وموظفي الدولة وأصحاب المهن الحرة. وهكذا صارت داخل النقشبندية ثلاثة تيارات يتزعم كل واحدة منها شيخ نقشبندي وهي

التيار الأول: وضم فئة الحرفيين والتجار الصغار من الطبقة الوسطى.

التيار الثاني: وضم مجموعة من المثقفين وأساتذة الجامعات ورجال الأعمال وزعماء بعض الأحزاب السياسية.

التيار الثالث: وضم الطبقة البسيطة من الناس من أهل المدن والقرى والأرياف

أما بالنسبة لمواقف تيارات النقشبندية السياسية

ففي البداية كانت النقشبندية تدعم حزب النظام الوطني ثم حزب السلامة الوطني عند تأسيسهما من طرف أربكان الذي كان نفسه نقشبنديا، وبعد الانقلاب العسكري لسنة 1980 تشردم النقشبنديون، فانتمت الغالبية إلى حزب الوطن الأم عند تأسيسه عام 1983، فيما أيد آخرون حزب الرفاه، واليوم ما فتئنا نجد تيارات هذه الطريقة منقسمة في انتمائها بين هذا الحزب وذاك حسب ما تقتضيه مصلحة كل تيار من التيارات

- طرق صوفية أخرى

وتوجد طرق صوفية أخرى إلى جانب الطريقة النقشبندية أقل منها انتشارا وأعضاء، ويتعلق الأمر بالمولوية والتيجانية والقادرية والرفاعية والجراحية، وهي طرق صغيرة الحجم بالمقارنة مع الطريقة النقشبندية، لكنها هي الأخرى منتشرة في كثير من مناطق ومدن تركيا، لها نشاطاتها الخاصة بها، كما لها حضورها في دعم بعض الأحزاب دون أخرى

2- الجماعات الإسلامية ذات البعد التربوي والفكري:

وهي جماعات تأسست كرد فعل على "الإصلاحات " الكمالية التي هدفت إلى علمنة المجتمع وتغريبه من خلال مناهضة كل المظاهر الإسلامية. وقد ظهرت هذه الجماعات في أواخر الخمسينات وبداية الستينات، ومنها على وجه الخصوص جماعة النور وتنسب إلى مؤسسها بديع الزمان سعيد النورسي. والجماعة السليمانية التي أسسها سليمان حلمي تونهان، الذي كان شيخا نقشبنديا. والجماعة الايشكشيكية، ومؤسسها هو حسن حلمي ايشيك (15).

ما يميز هذه الجماعات الثلاث هي كونها حرصت على أن تستقل بخط فكري يميزها عن غيرها من باقي الطرق الصوفية، وسنورد تعريفا مقتضبا عن كل جماعة من هذه الجماعات الثلاث.

أولا- جماعة النور

تنسب الجماعة إلى الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي، وتعد من أكثر الجماعات الإسلامية حضورا وتأثيرا في شرائح المجتمع التركي، بالأرياف والمدن

لم يشكل بديع الزمان النورسي الجماعة "النورجية" (16) في حياته أو لم يكن له دور في تنظيمها على شكل جماعة، بقدر ما كان يشكل مرجعا فكريا لمجموعة من أتباعه الذين لمسوا فيه صلاح الحال وقوة الإيمان. فقد اشتهر إضافة إلى علمه وتقواه وورعه بجهاده ضد الاحتلال الأجنبي، وضد "الإصلاحات الكمالية" فيما بعد، بعدما تفرغت لاجتثات المظاهر الإسلامية من المجتمع. وليس غريبا أن بديع الزمان كان في أول أمره مساندا لكمال أتاتورك في إطار جمعية الاتحاد والترقي، لكنه حينما اكتشف أن الشعارات التي كان تحملها الجمعية تهدف إلى غير ما هو معلن، قام ضدها، فنال من جراء ذلك النفي والطرد والتشريد كباقي العلماء

تأسست جماعة النور وتشكلت في شكل تنظيم بعد وفاة شيخها وزعيمها بديع الزمان سعيد النورسي، حيث قام أتباعه بطبع رسائله المعروفة برسائل النور، التي تشكل الأساس النظري والمعرفي للجماعة. ومع أن هذه الرسائل لا تحدد مواقفا ولا أهدافا سياسية واضحة، إلا أنها تحمل في طياتها رؤى وتصورات عميقة فيما يخص تدبير شؤون حياة الإنسان الدنيوية والأخروية، ذلك أننا نلمس من كتابات الشيخ دعوته الصريحة إلى ضرورة أن يدرك الإنسان أن سعادته وحل مشاكله تكمنان في الارتباط الوثيق بالله لا غيره، مؤكدا بذلك على البعد التربوي الذي كان يحث أتباعه على ضرورة ترسيخه وتعميقه باعتباره الأساس والمنطلق لأي عملية تغييرية فردية أو جماعية

إن المسألة الأساسية التي يؤكد عليها أتباع بديع الزمان النورسي هي الوصول إلى نظام حكم لا يتدخل في شؤونهم ولا يمارس القمع والضغط عليهم، أما فيما يخص طريقة تعاملهم مع مؤسسات الدولة فهم لا يرون مانعا من الانخراط فيها والعمل من داخلها. ومما يؤكد ذلك وجودهم في مجموعة من المؤسسات العلمية من كليات ومعاهد وإدارات ووزارات ومؤسسات اجتماعية واقتصادية

وبخصوص نظرتهم إلى السياسة تحديدا فهي نابعة من تصور شيخهم، فقد كان موقفه تتحكم فيه ظروف معينة، ففي بدايات حركيته يمكن القول أنه كان يمارس السياسة بطريقة غير مباشرة، دل على هذا الأمر انخراطه في حملة مواجهة الاحتلال من خلال نافذة جمعية الاتحاد والترقي قبل أن ينقلب عليه أصحابها، وبعد فترة نفيه سيؤطر سلوكه من خلال مبدأ كان كثيرا ما يردده وهو قوله – أعوذ بالله من الشيطان والسياسة- لكن في المرحلة الأخيرة من حياته دخل المعترك السياسي، لا من أجل تكوين حزب سياسي بقدرما من أجل إبعاد حزب الشعب الجمهوري عن الحكم، دون أن يعني ذلك اعتقاده في صلاح الأحزاب الأخرى، مستنيرا بالقاعدة الفقهية: " درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة "

اتبع تلامذة بديع الزمان النورسي هذه القاعدة في دعمهم للحزب الديمقراطي في بداية الانفراج السياسي، حيث أدلوا بأصواتهم لهذا الحزب في انتخابات 1950- 1954- 1957

إن فكرة عدم تفضيل تلامذة بديع الزمان النورسي الدخول للمعترك السياسي من خلال تأسيس حزب سياسي أي تحويل جماعتهم إلى حزب أمرا غير عام كانت تأخذ به جل الفرق التي تنتسب للشيخ بديع الزمان النورسي، والتي بلغت اثنا عشر فرقة، فقد اختلفت هذه الفرق فيما بينها في نسبة تقدير هذا الأمر. فقسم كبير من هذه الفرق اتجه إلى طبع الرسائل وتوزيعها ودعوة الناس إلى مفاهيمها، وتأسيس مدارس تربوية وتعليمية حرة في مستوى جيد جدا داخل تركيا وخارجها، يستقطبون لها أجود الطلاب، ويسهرون على تأطيرهم وتعليمهم. حتى اذا ما أصبحوا أطرا، انتفعوا وانتفع مجتمعهم من خبراتهم، تؤطر هذا القسم فرقة فتح الله غولان المنفي حاليا في الولايات المتحدة الأمريكية. وقسم آخر منهم اكتفى بتلقين أفكار شيخهم لأتباعهم. وقسم آخر انخرط مع بعض الأحزاب السياسية.، والى جانب هذه الفرق هناك فرق أخرى لا تفتأ تعلن انتسابها لبديع الزمان النورسي وأعني بذلك جماعة " يني نسل" وجماعة " دعوى" حيث تبنت هذه الجماعات أو الفرق منهجا آخر ادعت نسبته لفكر الشيخ بديع الزمان النورسي.

ثانيا- الجماعة السليمانية:

وهي جماعة اتصفت بالتشدد والراديكالية في معارضتها لأتاتورك ولإصلاحاته، وللنظام العلماني عموما ونمط الحياة الغربية التي أريد للمجتمع التركي الدخول في أتونها. وتنتشر داخل تركيا وخارجها في أوروبا الغربية ولا سيما في ألمانيا. دخلت الجماعة السليمانية منذ تأسيسها في صراع مع رئاسة الشؤون الدينية التي لا تعتبرها ممثلة للإسلام. ويعلن أتباعها وكذا شيوخها أنهم مدركون حقا لحقيقة الصراع، ولذلك يدعون فئات المجتمع التركي إلى الالتحاق بجماعتهم

يولي زعماء الجماعة السليمانية أهمية للمجال الثقافي، وهم تبعا لذلك يملكون مراكز ثقافية في أكثر مدن تركيا، كما عملوا على تأسيس مؤسسات موازية للمؤسسات الدينية التي تشرف عليها الدولة

تتصف الجماعة السليمانية بالانضباط الصارم لأعضائها، فهم خلافا للنقشبنديين ولجماعة النور يتحركون ككتلة واحدة أو جسم واحد في مجالات عدة

أما في الجانب الاقتصادي فتتميز الجماعة السليمانية بمصادرها ومواردها الاقتصادية المهمة عبر مشاريعها التجارية المتعددة، وهذه ميزة غالبية الطرق الصوفية، أما بخصوص الولاءات السياسية لهذه الجماعة الدينية فتتوزع بين مجموعة من الأحزاب اليمينية

ثالثا- الجماعة الاشيكشيكية:

وهي جماعة ظهرت في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات أسسها ضابط متقاعد من الجيش، تعرف باسم "جماعة تركيا" نسبة إلى صحيفة "تركيا" التي يصدرونها. وتعتبر الجماعة في الأساس أحد أذرع النقشبندية، وتصنف بكونها من الجماعات "الغلاة" داخل تركيا تشبه جماعة الأحباش في لبنان، تعادي هذه الجماعة الفكر الحركي وأهل السنة، وتعد من هو خارج عنها من أهل البدع والضلال

تولي الجماعة أهمية بالغة للتجارة، حيث يملك أتباعها كبرى الشركات، ولهم محطة تلفزيون، ومجلات أسبوعية وشهرية خاصة بكل القطاعات والفئات. أما فيما يخص مواقفهم السياسية فقد كانوا يساندون منذ مدة حزبي الوطن الأم والطريق المستقيم، واليوم ما فتئوا يميلون بأصواتهم إلى الحزب الذي يملك فرصة الوصول للحكم، حتى يقدم لهم خدمات

3– الجماعات الإسلامية ذات البعد الحركي:

ويتعلق الأمر بجماعة أو بحركة الرأي الوطني"ملي كوروش"

أ- لمحة عامة عن حركة الرأي الوطني "ملي كوروش"

لم يكن للطرق الصوفية والجماعات الأخرى في بدايات ظهورها العلني، مفهوم واضح للفكرة الإسلامية في الدولة، ولذلك لم تكن ترى مانعا من مساندة هذا الحزب أو ذلك خاصة الذي يساهم في توسيع نشاطاتها، وهذا الوعي بهذه الفكرة سنجده عند دعاة العودة إلى الدين من أبناء التيار الإسلامي ممن سمحت ظروفهم بالالتقاء ببعض التنظيمات الإسلامية العالمية، وعلى رأسها حركة الإخوان المسلمين بمصر. ومن بين هؤلاء المهندس نجم الدين أربكان، الذي يمكن اعتباره من المؤسسين لحركة الرأي الوطني التي لم تكن حينئذ مشكلة في تنظيم ذا هيكل قائم معترف به من طرف الدولة التركية – وحتى اليوم-، بقدر ما كانت تصورا حمله نجم الدين أربكان إلى الساحة التركية، فطوّره مع بقية إخوانه إلى أن اكتمل بنيانه، فانطلق من خلال فضاءات جمعوية كان يسمح بها دستور البلاد العلماني

اشتغلت حركة الرأي الوطني من خلال واجهات عدة، شكلت كل واجهة تنظيما قائما بنفسه، فهناك التنظيم الشبابي والتنظيم النسوي والتنظيم العمالي والتنظيم السياسي. وقد أحرز التنظيم السياسي على أولوية خاصة، واعتبر الإطار الذي تبلورت فيه التجربة السياسية بأحزابها كلها، كما نال حصة الأسد في اهتمامات مؤسسي الحركة تنظيرا وممارسة، لاعتقادهم بأنه مدخل تغييري هام، تتجاوز أهميته باقي المداخل التغييرية الأخرى

وإذا كانت بعض الحركات الإسلامية في تجارب عديدة في بلدان العالم الإسلامي قد عنيت عناية خاصة بالمداخل التغييرية الأخرى كالمدخل التربوي والمدخل الفكري والمدخل الثقافي، واعتبرتها اللبنات الأولى التي يتأسس عليها المدخل السياسي والمدخل الاجتماعي، فإن تجربة حركة الرأي الوطني التي قادها نجم الدين أربكان، وانسجاما مع خصوصية البيئة التركية اعتبرت المدخل السياسي بوابة المداخل الأخرى، وهو الأقدر على أن يوفر لهذه المداخل شروطا أكبر للفعل والتحرك، ويضمن لها ظروفا أحسن للبقاء والاستمرارية، دون أن يعني ذلك انتفاء الاهتمام بباقي المداخل الأخرى

ساهمت في تبلور هذا التصور عدة شروط أهمها البيئة التربوية التي توفرت للحركة والتي هيأتها الطرق الصوفية، حيث شكلت مجالس وحلقات هذه الطرق محاضن إيمانية وتربوية لأبناء المجتمع عامتهم وخاصتهم

وحينما بدأ زعماء هذه الحركة يبلورون تصوراتهم حول طرق الاشتغال في المجال التربوي وجدوا هذه الأرضية التربوية الخصبة التي هيأتها الطرق الصوفية، فلم يكن في وسعهم إلا الانطلاق من هذه الأرضية التربوية التي وفرت مخزونا إيمانيا كبيرا. ونكاد نقول: إن المنطلق الأول لحركة الرأي الوطني وتجاربها السياسية فيما بعد هو هذا المخزون التربوي الذي وفرته محاضن وحلقات هذه الطرق.

وهذا التوجه نحو استيعاب الحركة الإسلامية التركية للأرضية التربوية التي وجدتها راسية داخل مجتمعها يختلف عنه توجه تجربة الحركات الإسلامية في كثير من الأقطار العربية حيث انصرفت عنها أي عن الأرضية التربوية التي وجدتها في كنف مجتمعها إلى اقتراح بدائل تربوية جديدة خلقت في بدايات تأسيسها صداما عنيفا أدى إلى نفور المجتمع من هذه الحركات، ولم يتطبع معها إلا في فترات متأخرة.

هكذا سعت حركة الرأي الوطني التركية إلى الانطلاق من هذه الأرضية نحو بناء صرح ممارستها السياسية انطلاقا من المنظومة الإسلامية التي كان كثير من زعمائها يؤمنون بها، لكن من المفيد ذكره أن محاولة زعماء حركة الرأي الوطني نحو بناء ممارسة سياسية انطلاقا من المرجعية أو المنظومة الإسلامية كانت مسبوقة بمحاولات أخرى قام بها ضباط عسكريون متقاعدون

ب- محاولات تكوين أحزاب سياسية ذات مرجعية إسلامية

لقد شكل إقرار نظام التعددية الحزبية سنة 1938م مؤشرا هاما في بدء مرحلة جديدة من العلاقات بين الدين والدولة في المجتمع التركي في تجاه يمكن أن نقول عنه "اتجاه تصالحي"، فحدث أن فتحت مجموعة من الأحزاب أذرعها لاستقبال أبناء التيار الإسلامي، والمفارقة أن الحزب الحاكم –حزب الشعب الجمهوري – الذي كان متزعما للإصلاحات الكمالية، وكان بعض قيادييه يتميزون بفكر ليبرالي، ولا يحملون عداء كليا للمظاهر الإسلامية، كان هذا الحزب سباقا للانفتاح على هذا التيار، فغير من مفهوم العلمانية التقليدي الذي رفعه منذ عشرين عاما، واعتبر في إحدى مؤتمراته بأن الدين غذاء روحي للمجتمع وأقر بموجب ذلك عام 1947 إجراءات منها: إقامته دورات لتخريج الأئمة والوعاظ، فتحه كلية الإلهيات بأنقرة، وإدخاله الدين كمادة اختيارية في صفوف المرحلة الابتدائية، وتسهيله الذهاب إلى الحج للراغبين من الأتراك.

سمح هذا القدر من الانفراج الذي شهدته الحياة السياسية عقب إقرار نظام التعددية بقيام محاولات أولى لتكوين أحزاب تتبنى مباشرة المشاعر والمظاهر الإسلامية، (ففي 19 يوليوز 1946 قام كل من نجمي كوناش، ومصطفى أوزبك بتشكيل حزب حماية الإسلام فقامت قيادة الأحكام العرفية بإغلاق هذا الحزب في 12 شتنبر (سبتمبر) من نفس السنة بحجة أن الحزب قد اتخذ من الدين أداة سياسية. وفي 8 يوليوز 1947 قام جواد رفعت أتيل خان المعروف بعدائه لليهود وللصهيونية، وهو جينرال سابق بالجيش التركي مع بعض زملائه بإنشاء حزب المحافظين، وذكر في لائحته أنه يعتمد على الأسس الإسلامية في برنامجه، فأغلقت السلطات التركية هذا الحزب قبل أن يبدأ نشاطه، ثم قام المارشال فوزي جاقماق- وكان يعد أحد أدوات كمال أتاتورك المعتمد عليهم في السيطرة على الجيش وباقي مقاليد وشؤون البلاد- بإنشاء حزب يميني بروح إسلامية في 20 يوليوز 1948 حمل اسم حزب الأمة، ونصت لائحة هذا الحزب على احترامه لعادات البلاد، وأعرافها، واحترام الدين، إلا أن الدولة ألغته عام 1953 بحجة أنه حزب ضد النظام الجمهوري الذي أسسه كمال أتاتورك) (17).

ولئن فشلت المشاعر الإسلامية في البداية في أن تجد مسلكا لها في ظل حزب سياسي معترف به قانونيا فإنها في المقابل – وبسبب ضغطها- قد كسبت اعترافا من لدن زعماء "الإصلاحات" الكمالية الذين "حاولوا إفهام الرأي العام التركي أن إصلاحاتهم ليست بصورة مباشرة ضد الإسلام، وأن الغاية من سياستهم هي وضع نهاية لسلطة العلماء وتأثيرهم، واصفين إياهم بالرجعية. ونتيجة لذلك فقد اتخذت حكومة حزب الشعب الجمهوري عدة قرارات لصالح الدين، منها قرار حكومة اينونو بالسماح بتدريس الدين في المدارس" (18)

والملاحظة التي تثير الانتباه هي أن المؤسسة العسكرية التي تخرج منها من استأنفوا قيادة عمليات العلمنة في أواخر الدولة العثمانية، هي نفسها قد تخرج منها من كانوا في طليعة المنادين بإعادة الاعتبار لهوية المجتمع التركي الإسلامية، من خلال محاولاتهم الحثيثة تأسيس أحزاب ذات مرجعية إسلامية. ويبقى الفارق فقط في كون عملية الاستمرار في الدعوة إلى إعادة الأسلمة داخل المجتمع التركي ستتكفل بها النخبة المدنية من أبناء التيار الإسلامي، عكس ما حصل مع عملية العلمنة، التي كان من طليعة المؤسسين لها مثقفون من النخبة العثمانية، أمثال نامق كمال وضياء باشا، لكن الذين استمروا في حمايتها ضباط وجنرالات المؤسسة العسكرية كما سلف الذكر

ج- احتضان الأحزاب السياسية للكتلة الإسلامية

لم يمنع فشل المشاعر الإسلامية في إيجاد منفذ لها من خلال تكوين حزب ذو مرجعية إسلامية من انتهاج سياسة الانخراط في حزب قائم لعلها تستطيع من خلاله التعبير عن أفكارها وطموحاتها، وسيتحقق الأمر بشكل واضح مع الحزب الديمقراطي الذي يعد أول حزب معارض لحزب الشعب الجمهوري، وكان زعيمه آنئذ عدنان مندريس، الذي عرف بفكره الليبرالي، وتحاشيه المعاداة الصريحة للمشاعر الإسلامية

وجاءت انتخابات 1950م لترجح كفة الحزب الذي شكل الدين عنصرا قويا في مشاريعه ومطالبه وإصلاحاته، وقد كان الحزب الديمقراطي بزعامة مندريس أكثر الأحزاب تمسكا ومطالبة بهذه الإصلاحات، ومع هذا الحزب سنشهد عودة الإسلام إلى الحياة التركية – شملت تقريبا فترة الخمسينات- عبر مجموعة من الإجراءات سمح بها مندريس أثناء وجوده على رأس السلطة، من مثل سماحه برفع الآذان باللغة العربية، وإلغائه الحظر على البرامج الدينية، وتشريعه دروس الدين في المرحلة المتوسطة، وبنائه للمساجد، ومنحه الصفة القانونية لمعاهد الأئمة والخطباء. وفي المقابل رفض ظهور أي حزب ذي مرجعية اسلامية خوفا من أن يسحب منه القطاع الإسلامي العريض الذي كانت تتشكل منه القاعدة الشعبية لحزبه، كما كان حرصه شديدا على تحقيق توازن بين النزعتين الإسلامية والعلمانية.

وإلى جانب حمايته للنزعة العلمانية قام ببعض الإجراءات المهمة، لكنها لم تكن لتشفع له أمام حماتها وغلاتها الذين لم يطيقوا عودة المظاهر الإسلامية بشكل واضح للحياة التركية، فكان أول انقلاب عسكري في تاريخ تركيا في ماي 1960م تحت عنوان " حماية العلمانية "، وأعدم على إثر ذلك عدنان مندريس.

د- حركة الرأي الوطني والممارسة السياسية

1- حركة المستقلين، وبداية التجربة السياسية الإسلامية

عقب الانقلاب العسكري لسنة 1960م سادت حالة من الهدوء السياسي استتبعها صدور الإجراءات التشريعية الجديدة التي سعت إلى توفير قدر لا بأس به من حرية الحركة والتنظيم، وكانت من أهم غاياتها امتصاص حالة الاحتقان السياسي الذي خيم على الساحة السياسية التركية عقب الانقلاب. فتكونت في تلك الفترة أحزاب من أبرزها حزب العدالة الذي عد امتدادا للحزب الديمقراطي، وكان زعيمه سليمان ديمريل.

وقد قدم نجم الدين أربكان، أحد أعمدة حركة الرأي الوطني ترشيحه باسم هذا الحزب في مسقط رأسه بقونية في انتخابات عام 1969، لكنه رفض، فخاض الانتخابات مستقلا، حيث فاز في محافظة قونية، كما فاز أصدقاء له آخرون في محافظات أخرى، فكونوا جميعا داخل البرلمان كثلة موحدة سميت بحركة المستقلين المسلمين.

شكل فوز نجم الدين أربكان مدخلا نحو محطة هامة وتاريخية في سياق التجاذب بين العلمانيين والإسلاميين، تزامن ذلك مع ازدهار الكتابات الداعية لاقامة دولة إسلامية، وفي الوقت نفسه ازدادت المشاعر الإسلامية ظهورا على ساحة المجتمع، توجت بتأسيس نجم الدين أربكان لأول حزب ذو مرجعية إسلامية وهو حزب النظام الوطني، الذي شكل الواجهة السياسية لحركة الرأي الوطني، والتي لم تكن بعد قد تشكلت في تنظيم معين مسموح له بالقيام بأنشطته بشكل قانوني.

هكذا إذن ستعرف حركة الرأي الوطني انطلاقة فعلها السياسي وبشكل قانوني مع تأسيس أول حزب يستمد مرجعيته من الإسلام، ويعمل في إطار ما يسمح به دستور الدولة العلماني، وهو حزب النظام الوطني سنة1970م، وسيتبعه تأسيس أحزاب أخرى مثلت توجهين للتجربة السياسية الإسلامية، توجه قديم وبدايته هي حزب النظام الوطني، وهو مستمر لحد الآن من خلال حزب السعادة، وتوجه جديد: ويمثله حاليا حزب العدالة والتنمية وهو الذي يقود الحكومة حاليا.

2- تجربة حركة الرأي الوطني السياسية في ظل أحزاب مستقلة

أ- أحزاب التوجه القديم للتجربة الإسلامية السياسية:

- حزب النظام الوطني:

تأسس هذا الحزب عام 1970م، بدعم من التجار والحرفيين في منطقة الأناضول، وتوسع إشعاع الحزب في مدة قصيرة، وبوجوده ستدخل إلى الساحة السياسية التركية مفاهيم وطروحات جديدة وردت في ثنايا الأحاديث والخطب التي كان يلقيها زعماء الحزب وعلى رأسهم نجم الدين أربكان، كما كان يؤكد في أفكاره على مجموعة من النقاط من بينها

(عاش الناس أربعين سنة والقوى الخارجية المؤثرة تحاول إبعادهم عن محورهم الحقيقي إلى محور غريب، فوقع الناس في ضيق وعنت، ولا بد من إرجاع الناس إلى طبيعتهم ومحورهم الأصيل – فطرة الله- حتى يستقيم أمرهم ويتخلصوا من عقدهم.

إن حزب النظام الوطني لا يشبه الأحزاب الأخرى، فجميع الأحزاب تقوم على أساس التسلط وشهوة الحكم، ونحن نقوم على أساس جديد وهو ابتغاء مرضاة الله والعمل في سبيل الوطن) (19).

وفي إحدى تجمعات الحزب أبرز نجم الدين أربكان أهمية الإصلاحات الدستورية التي تقتضيها المرحلة بقوله: ("في رأينا أن التوضيح المهم الأكثر ملاءمة لجعل الدستور دستورا ديمقراطيا، لا بد من مواد دستورية مناسبة قبل تحديد الحركات وحقوق الفكر والمعتقد، وهكذا من الممكن إيجاد مناخ للتطبيقات الحالية والتي لا تتعارض مع المبادئ الأساسية للدستور، وفي مثل هذه الحالة على المرء أن يتكلم عن وجود فكر الحرية والمعتقد، وأن دولتنا وجدت لتسعى وتنمو، ومن ثم تأخذ مكانتها بين الأقطار الحضارية في العالم") (20)

كانت مسألة الإصلاح الدستوري أول مطالب حزب النظام الوطني نظرا للأهمية التي تكتسيها في إحداث أي عملية تغييرية. لقد بدأ نجم أربكان بالدعوة إلى ضرورة تفعيل بعض بنود الدستور وفصوله، واعتبر "أن النظام الديمقراطي لا يعد ديمقراطيا بدون الحقوق وحرية الفكر والمعتقد، وكان يقصد من وراء إشاراته هذه إيجاد الحرية التامة لاستخدام الأفكار الإسلامية، وقد فسرت كل من صحيفتي "جمهوريت" و"ملليت" العلمانيتين تصريحات وأقوال أربكان بأنها ذريعة لاستخدام الدين لأغراض سياسية" (21)

لم يدع حزب النظام الوطني إلى إحداث تغييرات جذرية في نظام الجمهورية، كما لم يدع إلى قيام جمهورية أو دولة إسلامية بدل النظام الجمهوري، بقدر ما شكلت مطالبه الحد الأدنى من الشروط التي ينبغي توفرها لكي تتحقق الممارسة الديمقراطية الحقيقية. وبالرغم من بساطة هذه المطالب فقد أثارت حفيظة حماة العلمانية الكمالية، فكان مصير الحزب هو حله وحظر نشاطاته نهائيا في 21 مارس 1971 بقرار من المحكمة الدستورية، بدعوى أن نشاطات الحزب معادية للعلمانية. وقد جاء في قرار محكمة أمن الدولة العليا ما يلي (22):

- إن المبادئ التي قام عليها الحزب وتصرفاته فيما بعد تخالف مبادئ الدستور التركي.

- عمله على إلغاء العلمانية في البلاد، وإقامة حكومة إسلامية.

- قلبه جميع الأسس الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية التي تقوم عليها البلاد.

- عمله ضد مبادئ أتاتورك

- قيامه ببعض التظاهرات الدينية

- حزب السلامة الوطني:

عرفت السياسة الداخلية التركية هزة سياسية جراء الأحكام العرفية التي فرضها الجيش في نهاية سنة 1971، وسبقت هذه الأحكام إرساله – أي الجيش- رسالة لحكومة سليمان ديمريل تتضمن تحذيرات وشروطا تطالب الحكومة بالقيام بها، وقد أعقبها تقديم سليمان ديمريل استقالته آنذاك ليتولى الجيش تسيير البلاد.

وبعد أن ساد جو من الهدوء السياسي قام نجم الدين أربكان بلم شعث حزب النظام الوطني فأسس سنة 1972 حزبا سياسيا جديدا أطلق عليه اسم " حزب السلامة الوطني"، فضل أربكان ألا يكون زعيمه السياسي، وبقي ففي الخلف يدبر أمره. وقد استطاع في مدة ثمانية أشهر من تأسيسه أن ينظم قواعده، ساعده في ذلك التعاطف الكبير الذي لقيه من الرأي العام المحلي انطلاقا من كونه الحزب الوحيد الذي كان ينادي بأهمية الأخلاق الدينية والمواقف المعنوية. كما أكد الحزب في فقرات من قانونه الداخلي على مبدا العلمانية، واعتبرها ضامنة لحرية الفكر والضمير، وهي تقف حاجزا أمام الخصومات والنزاعات بين الفرق المختلفة بطريق مباشر أوغير مباشر، بشرط أن لا تصبح وسيلة لقمع أولئك الذين يفكرون ويؤمنون بمعتقدات مختلفة.

تعد خطوة تشكيل حزب السلامة الوطني إلى جانب حزب الشعب الجمهوري اليساري التوجه، حكومة ائتلافية سنة 1974 من أبرز الخطوات التي قام بها الحزب، والتي أوحت بتجاوز التيار الإسلامي والتيار العلماني مرحلة الخصومة والعداء إلى مرحلة الانفتاح على بعضهما البعض، حيث كان نصيب حزب السلامة الوطني ثمانية عشر وزيرا، وبفضل جهود أربكان من خلال هذه الحكومة مثّل وزير الداخلية – وهو آنذاك من حزب السلامة- تركيا لأول مرة في مؤتمر القمة الإسلامي سنة 1974

إلا أن هذه الحكومة سرعان ما حلّت بسبب الأزمة القبرصية التي كان فيها حزب أربكان وشريكه في الائتلاف الحكومي يدعمان إعلان استقلال الحكومة الاتحادية القائمة في الجزيرة استقلالا تاما، وهو الرأي الذي عارضته أحزاب أخرى

وفي الانتخابات العامة التي أجريت في يونيو 1977 لم يحصل الحزب إلا على نسبة 56.8% من الأصوات فمثل في المجلس الوطني فقط ب42 مقعدا، ويعزى هذا الانخفاض إلى انشقاقات في صفوف الحزب أدت إلى استقالة عناصر من جماعة النور من الحزب. ويرجع هذا الانشقاق أو الاستقالة الجماعية لأعضاء جماعة النور إلى الائتلاف الحكومي الذي أبرمه الحزب، حيث كان جناح جماعة النور داخل الحزب يعارض هذا الائتلاف بينما كان الجناح النقشبندي وعلى رأسه أربكان يؤيده

ازداد نشاط حزب السلامة الوطني وقوي خلال فترة السبعينات، ورافق ذلك انتشار المظاهر الإسلامية في تركيا من قبيل: توسع المدارس الإسلامية التي أصبحت تضم حوالي 10 % من طلاب المرحلة الثانوية، وانتشار الصحافة ذات التوجه الإسلامي من خلال صدور مجموعة من الجرائد والمجلات، كما أنه وتحت تأثير حزب السلامة أصدرت رئاسة الشؤون الدينية بيانا أكدت فيه على دعوة المرأة التركية إلى الحجاب. وكانت للحزب مواقف كبيرة فيما يخص السياسة الداخلية والأمنية للبلاد، ومن بينها معارضته الشديدة لاستخدام أمريكا لقواعدها في تركيا في حل قضية الرهائن الأمريكيين الذين تم احتجازهم في السفارة الأمريكية بطهران. كما كان للحزب دور من خلال ائتلافه مع حزب أجاويد في إسقاط وزير خارجية حكومة سليمان دمريل زعيم حزب العدالة آنذاك بعد تأكدهم من تورط الوزير في توثيق علاقات تركيا مع إسرائيل وبالاقتصاديات الغربية

شعرت المؤسسة العسكرية من خلال الخطوات الحثيثة التي قام بها الحزب بتعاظم دوره، وأنّ من شأن هذه الخطوات مجتمعة أن تقوض سياسة الأمن الداخلي للبلاد. يضاف إليها ذلك التجمع الكبير والحاشد الذي نظمه الحزب في مدينة قونيا قبل يوم واحد من طرد وزير الخارجية، وما رافق هذا الحشد الكبير من شعارات وهتافات ضد كمال أتاتورك وضد الكيان الصهيوني

كل هذه الحيثيات عجلت بالانقلاب الذي قام به الجيش سنة 1980، والذي أعقبه مباشرة قرار بحظر جميع الأحزاب السياسية واعتقال قادتها وزعمائها وتقديمهم للمحاكمة، وقد حوكم قادة حزب السلامة الوطني بمجموعة من التهم، منها أن فقرات من خطابات حزب السلامة الوطني ألقاها أربكان وأعضاء آخرون من حزبه – مضبوطة التواريخ والأمكنة- تبطن تهديدا لثوابت الدولة الكمالية، إضافة إلى شعارات استخدمت في اجتماعات الحزب تتوعد بالقضاء على العلمانية.

عموما يمكن القول بأن حزب السلامة الوطني وخلال الفترة الزمنية القصيرة التي برز فيها استطاع أن يدخل بعض التغييرات في السلوك السياسي التركي. وهكذا ارتبط اسمه واسم نجم الدين أربكان بالتيار الإسلامي في تركيا، وأصبح الحالة الأكثر شيوعا في إطار الرأي العام التركي خلال تلك الفترة وما بعدها

- حزب الرفاه:

أسسه المحامي علي توركان في يوليوز 1983 بموجب قانون الأحزاب الجديد الذي أعقب الانقلاب، حيث تضمن هذا القانون شروطا كثيرة، لم تكن مانعة من تكوين حزب ذي مرجعية إسلامية بتنسيق مع زعامات حزب السلامة المحظور. وبعد رفع الحظر عن نشاط زعماء الأحزاب وعلى رأسهم زعماء حزب السلامة الوطني، عاد نجم الدين أربكان إلى زعامة حزب الرفاه في أكتوبر من عام 1986. وتزامنت الفترة الأولى من تأسيس هذا الحزب مع عودة الروح للحياة السياسية بعد الانقلاب العسكري

وكانت النشاطات الإسلامية أكبر مستفيد من ذلك، حيث استعادت عافيتها وبريقها، وبصفة خاصة بعد أن بدأ حزب الرفاه يقوم بأنشطته في مجموعة من المدن التركية، والمحافظات الكبرى، ومع النفس الجديد بدأت بعض الجماعات الإسلامية والطرق الصوفية، وعلى رأسها النقشبندية والقادرية في التوسع والانتشار من جديد، يضاف إلى ذلك ازدياد قوة النشاط الإسلامي في المدارس والمعاهد الدينية مثل مدارس الأئمة والخطباء وفروعها المنتشرة في عدد من المحافظات التركية، واتسع عدد المتدينين بشكل واسع في كليات الإلهيات والجامعات التركية عموما. واستمرالوضع حتى فترة استلام ترغوت أوزال عن حزب الوطن الأم السلطة، وهو من شخصيات الحزب الذين كانوا يبدون تعاطفا كبيرا مع التيار الإسلامي، وبوجوده على رأس السلطة ستزداد النشاطات والمظاهر الإسلامية بروزا وظهورا داخل المجتمع التركي

خاض حزب الرفاه الانتخابات البلدية عام 1986 وحاز على ما يناهز 778 ألف و622 صوتا. لكن رفع الحظر على نشاط الزعماء السياسيين، وعودة أربكان إلى زعامة الحزب جعلته في الانتخابات العامة النيابية لعام 1987 يستعيد قوته بل يتجاوزها بكثير، فحصل على ما يفوق مليون صوت بنسبة 16.7%، أي ما يساوي 21 عضوا في البرلمان.

وفي انتخابات 20 أكتوبر 1991 النيابية العامة، خاض الحزب المعركة بالتحالف مع أحزاب أخرى وحقق الائتلاف نجاحا كبيرا، وقارب عدد نوابه بعد هذه الانتخابات الأربعين نائبا.

وفي الانتخابات البلدية العامة لسنة 1994 سيحتل الحزب المركز الثالث بنسبة 19.07% في حين تراجعت نسبة الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب الأخرى بما فيها التي كانت تشكل معه الائتلاف، ولأول مرة فاز الرفاه برئاسة أهم بلديتين في تركيا وهما بلديتا استنبول وأنقرة فضلا عن بلديات أربع مدن كبرى و22 بلدية في المدن، و22 مركز قضاء و203 بلديات في القرى

استطاع حزب الرفاه أن يحقق مكاسب هامة للتيار الإسلامي على عدة مستويات، وخاصة على المستوى الاقتصادي والمستوى الاجتماعي، لكن أهم مستوى كانت بصمات الحزب فيه واضحة وبارزة هو المستوى السياسي. ولعل أبرز حدث هو تشكيل الحزب لحكومة ائتلافية مع حزب الطريق القويم بزعامة تانسو تشيلر، حيث أصبح نجم الدين أربكان رئيسا للوزراء. وهكذا ولأول مرة في تاريخ التيار الإسلامي يصل أحد كوادره وزعمائه إلى قمة الهرم السياسي في دولة علمانية، وكان ذلك سنة 1996

وقد جاء هذا التتويج ثمرة لجهود كبيرة قامت بها التجربة السياسية الإسلامية. وبقدر ما كان هذا الحدث تاريخيا بكل معنى، ابتهجت له مجموعة من الجهات الإسلامية، التي اعتبرت هذا الانتصار شيئا مهما ورصيدا نوعيا ينضاف إلى التجربة الإسلامية العالمية، بقدر ما كان بالنسبة لخصوم التيار الإسلامي الحدث المفاجأة أو الحدث الصاعقة، تناقلته وسائل الإعلام الداخلية والخارجية بامتعاض شديد.

لقد استطاعت الحكومة في الفترة التي كان على رأسها نجم الدين أربكان أن تحقق للمجتمع التركي مكاسب هامة في كثير من الجوانب لم تحققها الحكومات السالفة. ولم تكن هذه المكاسب والامتيازات التي تحققت لترضي التيارات العلمانية والمؤسسة العسكرية التي رأت في مبادرات نجم الدين أربكان تهديدا وتقويضا ل "ثوابت" الدولة، فكان منهم التهديد المبطن عبر الرسائل الشفوية المعلنة أومن داخل الغرف والمؤتمرات المغلقة كي يترك الرفاه الحكم وإلا..؟

وبعد تزايد التهديدات العسكرية فضل نجم الدين أربكان أن يفوت الفرصة على محاولات توجيه ضربات مؤلمة ومؤثرة لمسيرة التجربة السياسية خصوصا ولتجربة التيار الاسلامي داخل تركيا عموما، مثلما حدث في فترات سابقة، فقدم استقالة حكومته مجبرا في يونيو 1997 بعد عام واحد من الحكم الائتلافي

ولم تكتف المؤسسة العسكرية بانقلابها الأبيض الذي أجهض هذا الائتلاف بل استصدرت قرارا بمنع الحزب سنة1998 بعصا القانون، وحكمت على زعيمه نجم الدين أربكان بعدم مزاولة النشاط السياسي لمدة خمس سنوات

وبهذا الانقلاب الأبيض الذي قامت به المؤسسة العسكرية على مسار الديمقراطية يمكن القول بأنها قد اختارت انتهاج أسلوب جديد غير أسلوب الانقلابات العسكرية سبيلا لقمع التيار الإسلامي واعاقة تقدمه وانتشاره، ويتعلق الأمر بتسخيرها لوسيلة "القضاء" الذي أصبح الحل السحري البديل لسينوريوهات الانقلابات العسكرية السابقة.

- تضييقات أعقبت تجربة حزب الرفاه في الحكومة:

شكل وصول أحد كوادر التيار الإسلامي إلى أعلى هرم في السلطة حدثا خطيرا، فبعد سنوات من التضييقات السياسية والعراقيل القانونية استطاع هذا التيار أن يتجاوز ويتخطى كل ذلك ليكون على رأس هرم السلطة داخل الساحة السياسية التركية، هذا الحدث التاريخي لم يكن ليستساغ من طرف خصوم التيار الإسلامي، كما لم يكن ليقبل من طرف الجهات الخارجية التي رأت في وصول هذا التيار إلى هذا الموقع تهديدا حقيقيا لمصالحها في المنطقة. فأعطيت الإشارة مرة أخرى لشد حبل الخناق عليه، وهكذا ومنذ الساعات الأولى لصدور قرار إغلاق حزب الرفاه، ومصادرة ممتلكاته، ومنع زعيمه نجم الدين أربكان من ممارسة السياسية لمدة خمس سنوات، وضع خصوم التيار الإسلامي قائمة التضييقات لتشكل بذلك طورا آخر من أطوار محنة الإسلاميين في ظل الدولة التركية الحديثة، ومن هذه التضييقات نذكر

- صدور قرار بمنع الطالبات المحجبات من التعليم، صادقت عليه حكومة أجاويد الاشتراكية بإيعاز من المجلس القومي العسكري، وبموجب هذا القرار حرمت الفتيات المحجبات من ولوج الجامعة ومؤسسات الأئمة والخطباء، وقد أعقب هذا القرار اعتصامات أمام أبواب مجموعة من الكليات احتشدت فيها جموع من الفتيات يطالبن بممارسة معتقداتهن وحريتهن الدينية، كما قمن بمسيرات احتجاجية في أكبر شوارع استنبول وأنقرة، ووجهت بعنف من طرف قوات الأمن التركي، ولا يزال يثير نقاشات على أعمدة الجرائد والصحف التركية. وبسبب هذا القرار لم تتمكن مجموعة من الفتيات من مواصلة مسيرتهن العلمية، وجزء من هؤلاء الفتيات قبلن على مضض الخضوع لهذا القرار، واضطررن إلى نزع حجابهن في ظروف نفسية قاسية جدا. كما أن بعضهن ممن تيسرت ظروفهن سافرن لمتابعة الدراسة في الخارج، سواء في دول العالم الإسلامي أو في الدول الغربية.

- صدور قانون التعليم المستمر لمدة ثماني سنوات في المرحلة التعليمية الأساسية الذي كان غرضه محاصرة مدارس الأئمة والخطباء وتقليل عدد خريجيها والوافدين للتعلم بها، وتعد هذه المدارس في نظر العلمانيين وباقي خصوم التيار الإسلامي المعاقل الكبرى لهذه التيار. وقد أدى هذا القانون وما ارتبطت به من إجراءات إلى إفراغ مدارس الأئمة والخطباء من الطلاب، وكان من نتائجها المباشرة بحث مجموعة من الآباء عن بدائل لهذه المدارس سواء داخل تركيا أو خارجها، تفاديا لحرمان أبنائهم من مواصلة مسيرتهم العلمية. ومن نتائجها أيضا إغلاق معاهد تحفيظ القرآن.

- صدور تهديدات لموظفي بعض وزارات الدولة بالطرد إن علم أن لهم ارتباطات بالتيار الإسلامي سواء من قريب أو من بعيد. ويكفي في هذا الإطار أن يشهد اثنان من مفتشي وزارة الداخلية بأن فلانا أو فلانة له أو لها علاقة بالجماعة الفلانية أو أحد أقاربه أو أقاربها، عضو في الحزب الفلاني ليفصل تماما من وظيفته

- وفي المؤسسات العلمية التابعة لوزارة الديانة أقبرت مجموعة من المشاريع العلمية وطرد أصحابها بمجرد علم الجهات الرسمية بكون المشروع الذي تعمل فيه هذه المؤسسة من ورائه أو يسيره أحد أبناء التيار الإسلامي، أو يخدم قضية من قضايا هذا التيار

- في الجانب الاقتصادي تم إغلاق بعض الشركات والمصانع وإيقاف التعامل مع بعضها بمجرد العلم بأنها لأحد أبناء التيار الإسلامي

خلفت هذه التضييقات أثرا كبيرا على فئة عريضة من مكونات التيار الإسلامي، وأقاربهم والمتعاطفين معهم، وأعلنت بعضها – خاصة بعض الجماعات الإسلامية – أنها ما تضررت بهذا الحجم الذي تضررت به منذ سنوات خلت – وطبعا هم يرجعون السبب في اشتدادا وارتفاع حجم هذه التضييقات بمختلف أشكالها إلى وصول حزب الرفاه للحكومة، وما أعقب ذلك من الخطوات والمبادرات التي قام زعيم الحزب وهو على رأس الحكومة

ولم يفتأ – برغم شدة التضييقات – زعماء التجربة السياسية الإسلامية أن عادوا لترتيب أوراقهم، وأعلنوا عن ميلاد حزب جديد وهو حزب الفضيلة، الذي انتخب في مؤتمره التأسيسي في ماي 2000 السيد رجائي قوطان رئيسا له بعد منافسة قوية لعبد الله غول، أحد أقوى المنظرين للتيار التجديدي

- حزب الفضيلة

يعتبر حزب الفضيلة وريث حزب الرفاه المحظور، وبمجرد ما تم تأسيسه التحق به أعضاء في البرلمان التركي، وكونوا فريقا نيابيا باسم الحزب الجديد، ليشكلوا من خلاله القوة الحزبية الثالثة داخل تركيا، والقوة الأولى من حيث التعاطف الشعبي

سار الحزب على خطوات سلفه "حزب الرفاه"، حيث حافظ على المواقف نفسها تجاه القضايا المطروحة على الساحة التركية، قضية الحجاب، وقضية التحاق تركيا بالاتحاد الأوروبي. وارتبطت بالحزب حادثة منع نائبته مروة قواقجي من دخول البرلمان، بسبب تشبثها بارتداء الحجاب داخل المجلس، وهو الأمر الذي أحدث ضجة سياسية وإعلامية داخل تركيا وخارجها، وعقدت من أجله مدارسات وندوات، لأن النائبة المنتخبة ديمقراطيا من طرف الشعب لم تقم بأي خرق للقانون المعمول به، بقدر ما مارست حقها الطبيعي الذي يكفله لها دستور البلاد العلماني. ومع الأسف عدّت خطوتها سابقة خطيرة تهدد علمانية الدولة، ولذلك بحث عن مسوغ لطردها، ووجدوا ضالتهم في حمل النائبة للجنسية الأمريكية التي لم تعلم بها الجهات الرسمية، في الوقت الذي يوجد فيه آلاف الأتراك يحملون جنسيات مختلفة، ويقيمون بكل حرية داخل تركيا وليس خارجها

وفي تطور خطير أعقب هذا الحدث الذي خلف تحفظات عدد من المنظمات الوطنية والدولية، ولمزيد من تضييق الخناق على التيار الإسلامي خاصة على فصيله الممثل في المؤسسات السياسية "حزب الفضيلة"، أصدرت المحكمة الدستورية قرارا بحل الحزب في يونيو 2001، ومصادرة ممتلكاته

وجاء قرار المحكمة أسبوعين فقط قبل صدور تشريع برلماني جديد يصعب مهمة حل الأحزاب السياسية. واللافت للنظر في هذا الحدث أن المحكمة قضت بإسقاط عضوية 7 من أعضاء الحزب البرلمانيين، وأبقت على بقية الأعضاء الذين كان عددهم حوالي 100 عضو، كأعضاء مستقلين تفاديا لإجراء انتخابات جديدة. وقد وصف القرار حين صدوره بأنه يشكل ضربة قوية للمسار الديمقراطي في تركيا

وعللت المحكمة الدستورية أسباب حظر حزب الفضيلة، ليس لكون الحزب وريثا وامتدادا لحزب الرفاه المحظور، ولكن بسبب أن الحزب أصبح "وكرا" للأصوليين المعادين للعلمانية. وقد بدا حينها بأن القرار ذو طابع سياسي، وهو الأمر الذي أصبح معتادا من القضاء التركي في السنوات الأخيرة

أما السبب الحقيقي لإغلاقه فيكمن في كون الحزب رفع شعارات تختلف عن شعارات الأحزاب السياسية العلمانية، كما أن الفشل الاقتصادي المتوالي للأحزاب العلمانية أثناء قيادتها للحكم في تركيا دفعها إلى البحث عن الحلول الاستئصالية للتخلص من أي تيار سياسي قوي ومنافس لها، يمكن أن يمثل البديل أمام الرأي العام

ولم تمض إلا أسابيع قليلة حتى شهدت الساحة التركية ميلاد حزبين اتجها بمسار التجربة السياسية الإسلامية وجهة أخرى، وأقل ما يمكن أن نقول عن هذا المسار هو كونه عنوان تطور جديد في مشروع التيار الإسلامي عموما، وفي ساحة التجربة السياسية الإسلامية بتركيا خصوصا

نرى من المناسب قبل الدخول في تفاصيل هذا التحول، أو التطور، أن نستكمل الحديث في التعريف بالحزبين الجديدين وهما: حزب السعادة الذي يعد استمرارا للتجربة السياسية الإسلامية القديمة، وحزب العدالة والتنمية الذي اتخذ مسارا وتوجها جديدا

- حزب السعادة

أسس الحزب في غشت (أغسطس) 2001م ليشكل امتدادا لحزب الفضيلة المحظور. نهج هذا الحزب نهجا "تقليديا" – حسب المتتبعين- مرتهنا بنفس المواقف القديمة لحزب الفضيلة، في مجال تدبير القضايا المطروحة والمستجدة على الساحة السياسية، ولم يعرف برنامج الحزب جديدا على مستوى المفاهيم والعلاقات والطروحات السياسية. أما أعضاؤه فهم ما يقرب من 48 نائبا من أصل 102 من النواب كانوا يشكلون الفريق النيابي لحزب الفضيلة المحظور، أما باقي الأعضاء فقد التحقوا بحزب العدالة والتنمية الذي أسس بعد أسبوع فقط من تأسيس حزب السعادة

قبل الانتخابات النيابية نونبر (نوفمبر) 2002 أجمع أغلب المتتبعين للشأن السياسي التركي على أن هذا الحزب- الذي يعتبر وريثا بامتياز لتجربة الأحزاب الإسلامية السابقة التي كان يتزعمها نجم الدين أربكان- سوف لا يتعدى حاجز 10% وهي النسبة الواجب تجاوزها لدخول مجلس البرلمان التركي، وقد عللوا أسباب ذلك في احتفاظ الحزب بنفس مواقف سلفه "حزب الفضيلة"، والتي كانت تؤطرها رؤية "شبه متشددة" في معالجة القضايا المطروحة على الساحة السياسية.

وعّد حزب السعادة من طرف المراقبين حزبا ينتمي للأحزاب التقليدية داخل تركيا، والتي لم تستطع الخروج بالبلاد من الأزمة الاقتصادية التي ظلت تتخبط فيها. ومثله مثل مجموعة من الأحزاب لم يتجاوز فعلا نسبة 2.1% في الانتخابات السالفة الذكر علما بأن الحزب لم يسبق له أن شارك في أي حكومة

هناك أكثر من سبب ساهم في عدم تجاوز "حزب السعادة" لحاجز 10% في الانتخابات الأخيرة، ولعل أبرز هذه الأسباب يكمن في ظهور حزب منافس له في الساحة السياسية التركية يقتسم معه المرجعية الإسلامية التي يمتح منها، ويتفوق عليه بوجوهه الشابة التي حققت نجاحات معتبرة أثناء تسييرها لأكبر البلديات في تركيا، ويتعلق الأمر ب "حزب العدالة والتنمية" الذي استحوذ على جزء كبير من الأصوات بما فيها أصوات أتباع بعض الطرق الصوفية التي كان من المفروض أن تذهب لحزب السعادة

ب- أحزاب التوجه الجديد للتجربة السياسية الإسلامية

- حزب العدالة والتنمية

في غشت (أغسطس) 2001م، وبعد أسبوع من تأسيس حزب السعادة قدم السيد رجب طيب أردوغان الرئيس السابق لبلدية استنبول طلبا للترخيص لحزبه الذي أطلق عليه اسم "حزب العدالة والتنمية"، والذي سيكون الحزب رقم 39 في تركيا، واعتبر طيب أردوغان أن حزبه ليس وريثا لحزب إسلامي، بقدر ما هو وريث الحزب الليبرالي وهو حزب العدالة الذي كان زعيمه عدنان مندريس. فمن طروحات وأفكار هذا الحزب أكد زعماء حزب العدالة والتنمية أنهم سيستقون أفكارهم واستراتيجياتهم الرامية إلى تحقيق التنمية الوطنية

وقد ضمت الهيئةالتأسيسية للحزب ما يقرب من 13 امرأة بينهن محجبات، ومنهن مطربة وممثلة وطبيبة ومعلمة، إضافة إلى العديد من الشخصيات التي كانت تشكل التيار المعتدل داخل تجربة حزب الفضيلة المحظور وفئة أخرى جاءت من أحزاب قومية وعلمانية

واعتبر أحد أفراد الهيئة المؤسسة للحزب في مؤتمر صحفي أن حزب العدالة والتنمية جاء ليملأ الفراغ السياسي القائم في الحياة السياسية التركية بعد أن فقد الشعب ثقته بالأحزاب الممثلة في البرلمان، ولذلك فهو يمثل كافة الاتجاهات الليبرالية، ويحتضن جميع قطاعات الشعب. وعدد طيب أردوغان رئيس الحزب الذي انتخب بالإجماع، المبادئ التي سيدافع عنها حزب العدالة والتنمية هي

- مبدأ الجمهورية المركزية الموحدة والمتضامنة المستندة إلى المبادئ الديمقراطية العلمانية ودولة الحقوق الاجتماعية

- مبدأ تحقيق تكافؤ الفرص للجميع وإامة علاقات حسنة مع دول العالم كافة، والقيام بأعمال الخصخصة لصالح البلاد

- مبدأ ضمان عدالة الضرائب وتخفيضها وتوزيعها بشكل ينسجم مع البنية الاجتماعية للبلاد

- مبدأ التأكيد على رفض الحزب لجميع أشكال التعذيب والإرهاب والإذلال

- أما العلمانية ففسرها رئيس الحزب بأنها تكمن في حياد الدولة تجاه المعتقدات، وهي بهذه الصورة ضمان للديمقراطية

المحور الثالث:

تحولات في مسيرة تجربة التيار الإسلامي بتركيا

أ- على مستوى تجربة الطرق الصوفية والجماعات الإسلامية ذات التوجه التربوي

- الطرق الصوفية والجماعات والمقايضة السياسية:

لم تكن الطرق الصوفية والجماعات الإسلامية، خاصة ذات التوجه التربوي والفكري مجرد أرقام بشرية داخل المجتمع التركي، بقدر ما كان لها حضور وتأثير في هذا المجتمع، فإلى جانب دورها التربوي والروحي كانت تقوم أيضا بأدوار سياسية وان لم تكن بطريقة مباشرة، ذلك أنها كانت تميل بأصواتها لأحزاب دون أخرى، مرجحة في كثير من الأحيان كفة هذا الحزب على غيره. وفي تحول نوعي عرفته هذه الطرق انتقلت من إعطاء أصواتها بشكل مجاني –إن صح هذا التعبير – إلى الدخول فيما اصطلحت على تسميته "بالمقايضة السياسية"، ذلك أنها أصبحت تقايض بأصوات مريديها وأتباعها، فتتفاوض مع حزب معين أثناء الحملة الانتخابية أو قبلها، وفي مقابل أن تمنحه أصوات مريديها ماذا سيمنحها هو من مكاسب؟

لقد بدت الملامح الأولى لهذا الأسلوب – الذي تعد جماعة النور سباقة إليه – بعد تجربة حزب السلامة الوطني، فكما أشرت سالفا، كان هذا الحزب يتكون من تيارين: تيار ينتمي أعضاؤه إلى جماعة النور، وتيار ينتمي أعضاؤه إلى الطريقة النقشبندية، اختلف التياران معا في تقديرهم للائتلاف الحكومي الذي عقده الحزب خلال تلك الفترة، حيث رفض تيار الطريقة النورجية هذا الائتلاف، وأيده تيار الطريقة النقشبندية.

وعقب تلك الفترة سيختار تيار جماعة النور نهج أسلوب المقايضة، وسيزداد هذا النهج اتضاحا بعد تجربة حزب الرفاه في رئاسة الحكومة.

ومن المكاسب التي كانت تتفاوض من أجله جماعة النور:

- أن يمنحها الحزب المفاوض مناصب يتقلدها أعضاؤها داخل وزارات معينة، كوزارة العدل ووزارة الديانة.

- حصول شركاتها على تراخيص لإنجاز مشاريع معينة.

- تمكين بعض أطرها من ولوج سلك التدريس في بعض الجامعات التابعة للدولة.

- تنصيب بعض أعضائها خاصة من خريجي كليات القانون والإلهيات كقضاة في محاكم الدولة.

هذا إضافة إلى أن يقوم الحزب الفائز بأصواتهم بالتصدي للتضييقات التي قد تلحقهم إذا وصل إلى السلطة. ويجسد هذا السلوك السياسي الذي قامت به جماعة النور قوة وحيوية مؤسسات المجتمع المدني، ودوره الحقيقي والفعلي في توجيه الأحزاب السياسية ومعها أجهزة الدولة للصالح العام.

- الطرق الصوفية وتأسيسها لأحزاب سياسية:

وآخر تطور شهدته الطرق الصوفية تمثل في شروع إحداها قبل الانتخابات الأخيرة في تأسيس حزب سياسي، ويتعلق الأمر بالطريقة القادرية التي كانت تدعم في السابق حزب الطريق القويم. فقد قام زعيم الطريقة الشيخ حيدار باش بتأسيس حزب سياسي أطلق عليه اسم "حزب تركيا المستقلة"، ودخل الانتخابات هو الآخر لكنه حصل على نسبة أقل من 1% من الأصوات.

- مصدر التحولات في جسم الطرق الصوفية والجماعات الإسلامية:

وثمة أسباب عديدة أدت إلى حدوث هذه التحولات في مسيرة الطرق الصوفية، ولعل بعضها مرتبط بما حققته وتحققه التجربة السياسية الإسلامية، فكلما تقدمت هذه التجربة خطوات إلى الأمام، كلما زاد التضييق والحصار على المكونات الإسلامية برمتها، وما حصل عقب تجربة حزب الرفاه نموذج في هذا السياق، وقد أشرت سلفا إلى بعض التضييقات التي أعقبت تجربته، والتي طالت جل مكونات التيار الإسلامي.

لقد حملت بعض الخطوات التي قام بها الحزب، من قبيل الإفطار الجماعي الحاشد الذي دعا إليه أربكان في مقر رئاسة الوزراء رؤساء وشيوخ الطرق الصوفية، شبه تحدّ للمؤسسة العسكرية. وقد كانت هذه الخطوة ومعها مجموعة من الخطوات رسالة من مكونات التيار الإسلامي المحتشد في هذا الجمع للتيار العلماني، ذلك أنه في تجمعها إشارات واضحة لنوع من التهديد المبطن لثوابت الدولة التركية العلمانية.

ولم تكن بعض الطرق الصوفية والجماعات الإسلامية خاصة ذات التوجه التربوي والفكري تخفي امتعاضها من أخطاء التجربة السياسية الإسلامية، كما لم تخف معارضتها للخطوات التي تقدم عليها سواء على المستوى الداخلي أو المستوى الخارجي، ومن أجل أن تخرج من أي مأزق يسببه سلوك التجربة السياسية فضل بعضها كما رأينا انتهاج أسلوب المقايضة السياسية مستقلة بذلك بخياراتها.

لم نعد، انطلاقا من هذه التطورات التي عرفتها الطرق الصوفية والجماعات الإسلامية، أمام طرق تجمع حشودا من الدراويش بقدر ما أصبحنا أمام خط تغييري جديد، ينضاف اعتباره ووزنه السياسي، إلى وزنه الاقتصادي المعتبر، ذلك أن كثيرا من الطرق الصوفية والجماعات الإسلامية لها نشاطاتها الاقتصادية والتجارية، في مختلف المجالات، وفي المدة الأخيرة أخذ منطق الربح والخسارة يضبط تحركاتها وحساباتها وتقديراتها لأي خطوة تقدم أو يقدم عليها مكون من مكونات التيار الإسلامي.

ب- تحولات على مستوى التجربة السياسية لحركة الرأي الوطني

عرفت الجبهة الداخلية للتجربة السياسية الإسلامية خلال تجربة حزب الرفاه وبعد حله أيضا نقاشات واسعة في صفوف أبناء التجربة، وقد اشتدت في السنتين الأخيرتين من عمر حزب الفضيلة الذي كان وريثا لهذه التجربة، إذ لوحظ وجود تيارين داخل الحزب: تيار محافظ بزعامة نجم الدين أربكان، وتيار ثان ظهر بعد تجربة حزب الرفاه في الحكم وما تبعها من تقويم، وعلى رأسه طيب أردوغان، الرئيس السابق لبلدية استنبول، وعبد الله جول وعبد اللطيف شنر، وأطلق على زعمائه اسم: المجددون.

إن أغلب التنظيمات السياسية لا تخلو من خلافات بين أعضائها، فلكل وجهة نظره، ومقاييسه في تقدير مجموعة من الأمور التي تفرضها ظروف وملابسات العمل السياسي، وفي هذا الإطار لابد من الإشارة إلى خلاف حقيقي اكتنف التجربة السياسية لحركة الرأي الوطني، وهو خلاف لم يكن في الأهداف، ولا في المنطلقات بقدرما كان حول أسلوب العمل ورسم الاستراتيجيات ومواجهة بعض القضايا المطروحة على الساحة التركية.

أكدت تحليلات جرت على لسان خصوم التجربة السياسية الإسلامية بتركيا أن التيار الجديد ظهر نتيجة شعور الجيل الجديد من الحزبيين بعدم وجود ديمقراطية كافية في تدبير شؤون الحزب، وأن كل شيء يظل مرهونا بأوامر وتعليمات نجم الدين أربكان. وقد ولد انفراده بالقيادة وتسيير الحزب بعض التذمر، تصاعد بعد حل حزب الرفاه خاصة عندما قام زعيمه نجم الدين أربكان ببعض المبادرات غير محسوبة النتائج، نبه عليها زعماء التيار التجديدي داخل الحزب، عندما نصحوه بمضاعفات وتداعيات القيام ببعض المبادرات السياسية، منها على سبيل المثال زيارته لليبيا، فقد نصحه عبد الله جول – وهو من خبراء السياسة الخارجية، وشغل منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية في حكومة أربكان – بعدم القيام بالزيارة لأنها ضد السياسة الخارجية لتركيا، وهو لا يضمن كيفية تصرف معمر القذافي في هذه الزيارة، وحدث ما توقعه تماما إذ كان للقذافي في الندوة الصحفية التي عقدها مع أربكان هجوم واضح على الدولة التركية ترك صدى سلبيا نقلته مختلف الصحف التركية. كما عارض عبد الله غول دعوة أربكان العلماء وبعض رؤساء الطرق الصوفية إلى مأدبة إفطار في شهر رمضان في مقر رئاسة الوزراء، وقال عبد الله غول حينها بأن ظروف تركيا لا تسمح بهذا التصرف، وأنهم سيواجهون متاعب هم في غنى عنها. وفعلا حصل ما قاله، وكانت هذه الدعوة أحد الأدلة التي قدمها المدعي العام ضد حزب الرفاه ومن الأسباب غير المباشرة لحله.

وبعد حل حزب الرفاه وتأسيس حزب الفضيلة الذي تسلم رجائي قوطان رئاسته، نصح أعضاء من التيار التجديدي رئيس الحزب بضرورة تغيير أسلوب وطريقة إدارة الحزب، ولكنه سار على خطى صديقه نجم الدين أربكان بل لقد قيل: إن جل ما كان يقوم به من مبادرات ومواقف وأعمال، كانت بصمات أربكان واضحة فيها، حتى اتهم من قبل بعض المتتبعين بأنه لم يكن يدير الحزب فعليا ولا يقوده، بل كان ينفذ التعليمات والأوامر التي يتلقاها من أربكان. وزاد هذا المنهج من شدة التذمر لدى كوادر التيار التجديدي داخل الحزب التي بدا لها أن خطوات حزبها لا تستقيم مع خطوات الحزب المعارض، ويضاف إلى هذا كله التردد الذي كان يبدو على تصريحات رئيس الحزب رجائي قوطان وصلت في بعض الأحيان درجة التناقض الواضح.

وزادت مسألة تراجع نسبة الأصوات التي حصل عليها الحزب وتناقصها من 22% في انتخابات 1995 التي حققها حزب الرفاه إلى 15% إلى تضاعف شكوى التيار التجديدي أدى إلى تفكيره جديا في معالجة الأمر من خلال تسلم قيادة الحزب بالطرق والأساليب الديمقراطية، أي بترشيح أنفسهم في المؤتمر العام للحزب الذي انعقد في 14 مايو 2000، حيث شهد تنافسا قويا بين عبد الله غول ورجائي قوطان، وانتهى بترؤس رجائي قوطان للحزب، إلا أن حل الحزب دفع بمسار التجربة السياسية وجهة أخرى.

ج- خلفيات التحول الأخير في التجربة السياسية لحركة الرأي الوطني

لا ننكر أنه كانت هناك خلافات حصلت في الجبهة الداخلية للتجربة السياسية لحركة الرأي الوطني، وهي خلافات حقيقة نابعة من تقديرات كل طرف، وليس بعيدا أن تكون تقديرات أحد الأطراف غير دقيقة، أو اعتراها خلل ما، فهذا أمر حادث انطلاقا من صدوره من بشر، لكن من المؤكد أنه ثمة رؤى جديدة كان تأثيرها أعظم وأبلغ في مسار التجربة السياسية الجديدة، ومن جملتها تأكيد زعماء التجربة على ضرورة إعادة جدولة وترتيب الصراع داخل الساحة التركية تحت شعار "فن الصدق مع الشعب، وفن المناورة مع العدو، وفن تحقيق الممكن في اطار العدالة" (23) وهو مضمون تعريف السيد خالد الحسن رحمه الله- عضو سابق في اللجنة التنفيذية لحركة فتح، وعضو اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية – للسياسة في كلمته أمام المجلس الوطني الفلسطيني الذي انعقد بالجزائر سنة 1992 م.

لقد برزت إذن داخل التجربة السياسية الإسلامية بتركيا آراء مختلفة، خصوصا بعيد تجربة حزب الرفاه، إذ انطلاقا من هذه الفترة بدأت عملية المراجعة التي أملتها شروط ترتبط بمستويات ثلاثة:

المستوى الأول: مرتبط بالانطلاقة الأولى لهذه التجربة السياسية، فإلى حد كبير لم تكن فكرة الدخول إلى المعترك السياسي بشروطه قد أخذت قدرا من التبلور والإحاطة بحيثياتها المختلفة، وكان الاعتقاد لدى زعماء هذه التجربة أن ولوج هذا المسار والتمكن من دواليبه يمكن أن يكون مدخلا وبوابة حقيقية لباقي المداخل الأخرى.

تبلور هذا الاعتقاد لدى زعماء تجربة حركة الرأي الوطني في الوقت الذي لم تكن جوانب من تصور الممارسة السياسية قد اكتمل، حيث ترك استكمال ذلك لساحة الممارسة السياسية، التي كانت آنئذ محكومة بشروط معينة، وهامش التحرك فيها ضيق جدا، وبالرغم من ذلك قبل زعماء حركة الرأي الوطني الدخول إليها.

وقد تحققت على اثر ذلك مكاسب مهمة، لكن جزء من هذه المكاسب سرعان ما كان يجهز عليها بواسطة آلة الحظر والحل التي لاحقت التجربة، ولهذه العملية تكاليفها الباهضة.

المستوى الثاني: مرتبط بشراسة المعركة التي كانت – وما تزال – تدور بين التيار الإسلامي وبالتيار العلماني في تركيا، والتيار العلماني ليس تيارا بسيطا وسهلا، بل هو تيار قوي، ويملك من الأدوات المادية والمعنوية ما لا يملك بالتيار الإسلامي، كما أنه يحظى بالدعم السخي الذي يتلقاه من الخارج، وبالمساندة التي يتلقاها من الداخل.

المستوى الثالث: مرتبط بما اعترى مواقف زعماء التجربة السياسية في ظل التجارب السالفة من ضعف في تقدير بعض المبادرات والخطوات سواء على المستوى الخارجي أو على المستوى الداخلي، إذ اعتبر البعض أنها تسببت في معارك استنزفت جزء مقدرا من طاقات التيار الإسلامي وإمكاناته.

د- حزب العدالة والتنمية: تحول أم استمرار للتجربة السياسية لحركة الرأي الوطني؟

هناك شبه إجماع بأن التجربة الجديدة شكلت إضافة نوعية في رصيد التجربة السياسية الإسلامية في تركيا خصوصا، وتطورا ملحوظا في سيرورة تجربة الحركة الإسلامية عموما، اتضح معها قدرة المشروع السياسي الإسلامي على إدارة صراعه مع خصومه، حيث أبدى كفاءة عالية ومرونة مقدرة في إدارة هذا الصراع، مغلبا المصلحة الوطنية على تحقيق طموحاته السياسية. ولاشك أن هذه التجربة ولدت نتيجة نقاشات عميقة داخل التجربة السياسية، ارتبطت معظمها بحيثيات تتعلق بما ذكرت سالفا من المستويات، حيث ألقت بظلالها على المواقف الجديدة التي تبناها قياديو التجربة الجديدة.

لا نفتأ نذكر هذا الأمر لنقول بأن التجربة السياسية الجديدة هي: تحول واستمرار في التجربة السياسية الإسلامية داخل تركيا، فهي تحمل تحولا في المواقف التي أبداها زعماء التجربة السياسية الجديدة في تعاطيهم مع قضايا حساسة جدا داخل مجتمعهم، كقضية التحاق تركيا بالاتحاد الأوروبي، وقضية الحجاب، وقضية التعامل مع بعض المؤسسات الاقتصادية الدولية التي كان لبعضها نصيب في إغراق تركيا في أزمتها، وقضية التعامل مع إسرائيل.

فإذا كانت مواقف زعماء التجربة السياسية الماضية بدءا من تجربة حزب النظام الوطني، وانتهاء بتجربة حزب السعادة من هذه القضايا والملفات قد طبعت بنبرة تعلوها مسحة التشدد، فان نبرة الليونة والمرونة هي التي نجدها تطبع مواقف التجربة الجديدة. وتبقى مواقف الاثنين لا تخرج عن كونها اجتهادات وتقديرات قام بها زعماء التجربتين اعتبارا للظروف التي وجدتا فيها.

وهي استمرار وعنوان ذلك انطلاقها من نفس المنطلقات المنبثقة من الرؤية الإسلامية، وأظن أن هذه الرؤية لم يصرح أحد من زعماء التجربة الجديدة بكون الحزب الجديد قد انحاز عنها، ولا ذكر أحد من قادة التجربة أنه تنازل صراحة عن هذه المنطلقات والمبادئ.

يمكن إجمال ما حصل عموما في التجربة السياسية الجديدة في ذاك التغير في مواقف زعمائها أملته شروط إعادة جدولة وترتيب الصراع، بحيث أظهر زعماء التجربة الجديدة ليونة مقدرة في التعامل والتعاطي مع كثير من الاشكالات التي كانت وراءها معارك كبيرة في الماضي.

لقد غلب، أو لنقل طبع هذه المواقف والآراء واقعية واعتدال، جاء منسجما مع موجة الاعتدال التي ظهرت في جبهة الأحزاب الراديكالية، والتي تعاظمت وكبرت حتى شكلت كتلة داخل مجموعة من الأحزاب العلمانية واليسارية.

والى هنا يمكن اعتبار الخط الاعتدالي الذي تبناه زعماء التجربة السياسية الجديدة لا يخرج عن النفس الاعتدالي أو عن موجة الاعتدال التي طبعت مواقف بعض الأحزاب تجاه بعضها البعض وتجاه القضايا والاشكالات الكبرى المطروحة، لتشكل مجتمعة خطا جديدا، كان السبق لحزب العدالة والتنمية في شق مساره داخل الحياة السياسية التركية.

ه- حزب العدالة والتنمية: حزب إسلامي أم حزب علماني؟

في أكثر من تصريح ولقاء صحفي أكد زعماء حزب العدالة والتنمية أن حزبهم ليس حزبا إسلاميا، بل هو حزب علماني يعمل في إطار ثوابت الدولة، والتي من أهمها العلمانية، وقد أثار هذا الإعلان قدرا من الاستغراب، خاصة وأنه صدر من رجل تربى وترعرع بين أحضان التيار الإسلامي، وكان لهذا التيار الفضل في إكسابه التجربة السياسية التي خولت له أن يصبح في المكانة التي هو عليها اليوم داخل الساحة السياسية.

وقد بدا هذا الإعلان عند بعض أبناء التيار الإسلامي داخل تركيا وخارجها كأنه ارتداد من زعيم حزب العدالة والتنمية وبعض القياديين الآخرين عن المبادئ التي اعتنقوها منذ مدة، أو كأنهم خلعوا عنهم "ربقة" اسلاميتهم.

من المعلوم لدى الخاص والعام أن لكل دولة ثوابتها، يضع الدستور والقوانين خطوطها الكبرى. وجميع الأحزاب والحساسيات التي تقر بالعمل وفق دستور البلاد يكون واجبا عليها احترام هذه الثوابت، مهما ما كان وما يمكن أن يكون لها من تحفظات عليها. ولا يخرج حزب العدالة والتنمية بتركيا عن هذه الدائرة، وحتى الأحزاب السابقة، بدءا من حزب النظام الوطني، لم تكن تقر في ديباجة قوانينها الأساسية أنها أحزاب إسلامية وإلا ما رخص لها بالعمل داخل الساحة السياسية التركية استنادا لفصول الدستور التركي الذي يمنع قيام أحزاب دينية. وبموجب هذا كله يبقى حزب العدالة والتنمية حزبا علمانيا – كما أعلن رئيسه- بقوة القانون الذي يعمل وفقه. ولا شيء يمكن أن يثير الغرابة والتعجب في هذا الإعلان اذا أدركنا طبيعة الدستور وثوابته والشروط التي تسمح بالاشتغال وفقه.

ويبقى إذن إعلان رئيس حزب العدالة والتنمية وإعلان باقي زعمائه الآخرين منسجما تمام الانسجام مع دستور البلاد، وهكذا كانت باقي أحزاب التجربة السياسية، فهي لم تكن قط أحزابا إسلامية بمعنى الكلمة، بقدرما كانت أحزابا تحمل توجها إسلاميا أو تنطلق من المنظومة الإسلامية، لكنها بحكم الدستور التركي فهي أحزاب علمانية، ويصدق أن نقول عنها بأنها أحزاب ذات توجه إسلامي لكن بثوب علماني، وهذا الوضع نجد شبيهه في بعض أقطار عالمنا الإسلامي حيث توجد أحزاب علمانية لكن بثوب إسلامي. والاستغراب الذي يبديه بعض المراقبين حول حصول حزب ذو توجه إسلامي على الأغلبية في بلد علماني مثل تركيا هو نفسه ينبغي أن نعنون به تساؤلنا حول تواجد أحزاب علمانية وشيوعية واشتراكية في بلدان عربية ينص دستورها على إسلامية الدولة.

و- حزب العدالة والتنمية: حزب سياسي أم حركة سياسية فقط؟

إذا ما نظرنا بعمق للتجربة فهي لا تعدو – في نظري- أن تكون عبارة عن "حركة سياسية" وليست حزبا سياسيا بمعنى الحزب السياسي صاحب المؤسسسات المتجذرة في المجتمع. فداخل هذا الحزب الذي اعتبرته حركة سياسية تعتمل قوى من ثلاث تيارات: قوى إسلامية، وقوى علمانية وقوى قومية، لكن الذي يتزعم هذه القوى هم كوادر من التيار الإسلامي استطاعت – كما سبق أن أشرت سالفا- أن تستفيد من رصيد التجربة والحنكة السياسية لتدير دفة هذه التجربة الجديدة، والتي هي لحد الآن ما تزال تحت مجهر المراقبة المستمرة.

لكن السؤال الذي يظل عالقا هو: إلى أي مدى يمكن أن تستمر هذه التجربة؟ وهل بإمكانها أن تعمر طويلا؟ وهل نقول: إنها تجربة جاءت في سياق وظرفية معينة ستؤدى دورها من خلال إزالة الألغام أمام الحياة السياسية والديمقراطية.. والى أي حد يكون تقديرنا هذا صحيحا؟

أعتقد أن الزمن وحده كفيل بأن يكذب أو يصدق ذلك.

المحور الرابع:

محددات تعامل التيار الإسلامي مع بعض القضايا – تجربة حزب العدالة والتنمية نموذجا

أحرزت التجربة السياسية ذات التوجه الإسلامي بتركيا قدم السبق على مجموعة من التجارب الإسلامية في مختلف أقطار عالمنا الإسلامي، ومرجع ذلك لعدة أسباب منها ما يتعلق بقدم التجربة وحنكتها في إدارة الصراع مع خصومها، ومنها ما يتعلق بطبيعة الديموقراطية داخل مجتمعها، ومهما يكن من أهمية لهذه العوامل مجتمعة ولغيرها، فيبقى ثمة عامل آخر هام جدا تمرست عليه التجربة السياسية بدءا من أول حزب وهو حزب النظام الوطني ضمن التوجه القديم إلى تجربة حزب العدالة والتنمية الحالية، ويتعلق الأمر بمستوى إتقان التجربة السياسية للعبة المناورة السياسية مع خصومها سواء بداخل تركيا أو خارجها.

وهذا العامل قلما يتم استيعابه من طرف البعض فتخالهم لا يتوانون في إطلاق بعض الأحكام اتجاه أي تصرف من زعيم من زعماء هذه التجربة السياسية. ولعلنا نكتشف قدرا معتبرا من هذا العامل في تجربة حزب العدالة والتنمية الحالي، وأهم محددات موقفه حيال مجموعة من القضايا والمعادلات الداخلية والخارجية التي واجهته.

وقبل أن نعرض لهذه المعادلات لا بأس أن نرهف السمع لأصوات عديدة من داخل التيار الإسلامي سواء داخل تركيا أو خارجها حيث اعتبرت أن ما حصل عليه حزب العدالة والتنمية من أغلبية أصوات الناخبين في الانتخابات النيابية لسنة 2002م لا يعد " انتصارا " أو هو "انتصار" نسبي في نظرها، مبررهم هو كون ثمن هذا الانتصار كان كبيرا جدا، فمقابله "تنازل" زعماء التجربة الجديدة عن أفكار ظلت تحكم ردحا من الزمن مواقفهم من مجموعة من القضايا والملفات، من ذلك قضية انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وقضية الحجاب، والأزمة الاقتصادية التي ظلت البلاد تتخبط فيها، والاستدانة من بعض المؤسسات المالية الدولية. لكن أخطر قضية هي تردده في حرب أمريكا على العراق.

وهناك أصوات أخرى أعلنت بأن حزب العدالة والتنمية قد شكل تحولا ومنعرجا خطيرا في مسار التجربة السياسية الإسلامية بتركيا، ذلك أنه لا يملك أجندة إسلامية حقيقية، وثمة قضايا وملفات قديمة وأخرى جديدة كما ذكرنا كان موقفه منها مغايرا تماما لمواقف باقي الأحزاب السابقة ابتداء من حزب النظام الوطني.

على أن هناك أصواتا أخرى اقتصرت في تعليقها فقط على موقف حزب العدالة والتنمية اتجاه قضية حرب أمريكا على العراق، إذ اعتبرت ما قام به الحزب يدخل في اطار مساومة ومزايدة من الحزب على الأزمة العراقية مقابل مليارات من الدولارات.

تستوقف مناقشتنا لهذه الأصوات – بغض النظر عن مصدرها وخلفياتها – التي عرضت لمسألة " تنازل" حزب العدالة والتنمية عن مجموعة من اختياراته، ومسألة ما شاب موقفه من مجموعة من القضايا من تردد وخلل جملة من التساؤلات أعتبرها طبيعية وموضوعية قد تتبادر إلى ذهن كل متتبع للشأن التركي من قبيل:

هل بإمكاننا أن نسمي ما قام به حزب العدالة والتنمية بتركيا من تغييرات وتكتيكات في مواقفه اتجاه مجموعة من القضايا والملفات كما ذكرنا تنازلا؟

ألا يصح أن نسمي ذلك مرونة سياسية في مواقف الحزب وفي معالجته لتلك الملفات والقضايا؟

ألا نستطيع أن نقول: إن ما قام به الحزب يدخل في اطار توسيعه لهامش مبدأ الواقعية؟

ثم ألا يصح أن نعتبر الأمر يدخل في اطار مناورة سياسية وفق تكتيكات في المواقف والتحركات؟

هل يمكن عد ما قام به الحزب "مغامرة سياسية " غير مضمونة النتائج؟

ما هي حقيقة مواقف حزب العدالة والتنمية؟ماهو الثابت والمتغير في مواقفه؟

ما هي السيناريوهات التي أخضع لها الحزب مواقفه، خاصة موقفه من معادلة حرب أمريكا على العراق؟

كيف استطاعت دبلوماسية الحزب الالتفاف على التداعيات الممكنة لهذه المعادلة؟…

هذه جملة من الأسئلة سأحاول مقاربة بعضها في إطار هذا المحور وذلك من خلال تناولي لها في ثلاثة عناصر:

- عنصر المعادلات المعقدة التي طرحت على الحزب، وسأشير – بشكل مقتضب – إلى أهم وأبرز هذه المعادلات.

- وعنصر موقف الحزب من معادلة حرب أمريكا على العراق، وسنبين من خلاله مجموع السيناريوهات التي حددت موقف الحزب من هذه المعادلة،

- وأخيرا عنصر السمات أو الخصائص التي طبعت موقف الحزب اتجاه مجموع المعادلات عموما، ونحو معادلة الحرب على العراق خصوصا.

أ- حزب العدالة والتنمية والمعادلات المعقدة

طرحت على طاولة الحكومة التركية الجديدة بقيادة حزب العدالة والتنمية معادلات معقدة بمجرد تسلمه مقاليد الحكومة، فرضت عليه ضرورة النظر في حل تعقيداتها المتشابكة. ويجدر أن نذكر في هذا الصدد أن إرهاصات وجود كثير من هذه المعادلات – وأبرزها معادلة حرب أمريكا على العراق- كانت مطروحة منذ مدة على مسرح الحياة التركية، واختلفت طريقة تعامل كل حزب معها سواء قبل حملة الانتخابات النيابية أو أثناءها أو بعدها.

ويتعلق الأمر بقسمين من المعادلات، معادلات داخلية ومعادلات خارجية:

أ- المعادلات الداخلية:

* موقف الحزب من الأزمة الاقتصادية:

تسلم حزب العدالة والتنمية مقاليد الحكومة في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة ظلت تركيا تعيش في حمأتها منذ عقود، وأدت إلى إقفال وإفلاس عدد لا يقدر من الشركات والمصانع، وتسببت في حصول تضخم كبير، وانخفضت العملة التركية إلى أدنى مستوى لها. وأثناء الحملة الانتخابية وقبلها قال زعماء حزب العدالة والتنمية بأن أهم ما سيولونه العناية الأولى هي حل هذه الأزمة الاقتصادية التي تعرفها البلاد، ولم يخف زعماء الحزب رغبتهم في التعاون مع صندوق النقد الدولي في سبيل التغلب عليها.

إلا أن شدة الأزمة الاقتصادية وعمقها كان أكبر من قيام الحزب برتوشات إصلاحية، إلا أنه وبعد انتهاء حرب أمريكا على العراق، بدأت بوادر انفراج اقتصادي تلوح على الاقتصاد التركي، قد يكون مؤشرا على بداية خروجه من الأزمة.

* موقف الحزب من قضية منع الحجاب:

تعتبر مشكلة الحجاب واحدة من القضايا الساخنة المطروحة على الساحة التركية منذ حوالي عشرين سنة، وقد تفاقمت هذه المشكلة خلال تجربة حزب الرفاه في حكومة 1997م، حيث فرضت عليه المؤسسة العسكرية أن ينصاع لمجموعة من الشروط منها منع ارتداء الحجاب في المدارس والجامعات، وقد أسقطت هذه الحكومة كما هو معروف على إثر الانقلاب الأبيض الذي قام به الجيش بعدما لم تف حكومة أربكان بالتزامها.

يعتبر الجيش نفسه الجهة الوحيدة المسؤولة عن الحفاظ على مبادئ أتاتورك وعلى أفكاره العلمانية، ومن هنا فهو يرى أن مجموعة من المظاهر الإسلامية ومنها ارتداء الحجاب داخل المؤسسات التعليمية والجامعية وحتى داخل وزارات الدولة تشكل مساسا "بالمبادئ الكمالية"، ولذلك وجبت محاربتها.

وكثير من المتتبعين لقضية الحجاب في تركيا يؤكدون أن هذه المشكلة لا تقتصر على فئة محدودة من المجتمع بل تشغل أكثر من 80% من نساء تركيا. وفي خطاب لرجب طيب أردوغان يوم التاسع والعشرين من شهر أكتوبر 2002، وأمام حشود من أنصار الحزب تجمهرت أمام مقره ذكر أردوغان أنه يوم الرابع من شهر نونبر (نوفمبر) 2002، أي بعد يوم واحد من إعلان نتائج الانتخابات سوف لن يكون هناك شيء اسمه إلقاء القبض على أولياء الأمور، أو وضع الحديد في أيدي الشباب المعارض لمنع المحجبات من التعليم، وذكر أيضا: أن حزبه سيرفع كل العوائق الموضوعة أمام حرية التعبير.

بعدما مرت الانتخابات، أكد زعماء حزب العدالة والتنمية في تصريحاتهم المتكررة أن هذه القضية أو هذه المعادلة لا تشكل بالنسبة إليهم أولوية في الوقت الراهن، ولدا فهي مدرجة في سلم الأولويات غير المستعجلة، وحلها قد يأخذ بعض الوقت فقط.

* موقف الحزب من المؤسسة العسكرية:

صرح زعماء حزب العدالة والتنمية أنهم سيلتزمون باحترام كل ثوابت الدولة التركية، كما سيبقون على كل الاتفاقات المبرمة مع الدول الأخرى. وكانت هذه التصريحات إشارات موجهة في أغلبها المؤسسة العسكرية، وانضافت إلى توصيات جهات خارجية أملت على المؤسسة العسكرية أن تلتزم قدرا من الحياد اتجاه الوضع، وفعلا فقد حصل قدر من ذلك قامت في أول خطوة لها بمباركة نتائج الانتخابات، فخطوة ترحيبها برئيس الحكومة المقترح وما تلا ذلك من مصادقتها على أعضاء الحكومة، فهل يعني هذا أن حالة التوتر قد انزاح ضبابها وانتفت الخلافات بين الطرفين كلية؟

وفي المقابل فقد بدا على مواقف الحزب ليونة معتبرة لكن ذلك لن يشفع له بالمضي بعيدا، فثمة خطوط قد رسمت من قبل، لن يتخطاها حزب العدالة والتنمية، وإن فعل ذلك، فلن يكون مصيره أحسن من مصير الأحزاب السابقة عليه.

* موقف الحزب من قضية الجمع بين الإرث الإسلامي والمبدأ العلماني:

صحيح أن زعماء الحزب في أول ظهور لهم – كانوا وما زالوا- يعلنون أن حزبهم غير إسلامي، وأنه حزب علماني، لأن أي حزب وفق الدستور التركي قام على أساس ديني أو لم يحترم مبادئ الدولة وعلى رأسها العلمانية، أو سعى من طرف خفي أو معلن إلى محاربتها أو زعزعتها يكون مصيره الحظر والمنع، جرت هذه المسطرة وما تزال تجري على كل الأحزاب، ولن يكون حزب العدالة والتنمية استثناء من هذه المسطرة مهما حاول المداراة في مواقفه.

ومن جانب آخر هناك من يعتبر أن منطلق حزب العدالة والتنمية منطلق إسلامي، فقد انبثق من رحم تجربة أحزاب تبنت المرجعية الإسلامية، وأن أغلب زعماء هذا الحزب قد تشبعوا المرجعية الإسلامية في الأحزاب المذكورة والتي كانوا أعضاء نشطين فيها، فإلى حد كبير يعتبر هذا الاتجاه أن حزب العدالة والتنمية هو امتداد غير مباشر للتجربة السياسية القديمة بدءا من حزب النظام الوطني الذي أسسه نجم الدين أربكان، وبذلك يكون ارثها إرثا إسلاميا.

وما فتئت أصوات داخل التجربة الجديدة تؤكد على ضرورة الحفاظ على هذا الإرث القديم، في مختلف تجلياته خصوصا مع الخطوات التي اتخذها الحزب في مقاربته لبعض الملفات والقضايا، إذ طغى على هذه المقاربة ترجيح أكبر لمبدأ الواقعية وفق رؤية يغلبها البعد العلماني.

من هنا إذن تكمن صعوبة الجمع بين الإرث القديم للتجربة والأفكار الجديدة التي استجدت في مسيرة التجربة من خلال احتكاكها مع عناصر من شرائح أحزاب علمانية وقومية.

ب: المعادلات الخارجية

* موقف الحزب من انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي:

قام زعيم حزب العدالة والتنمية بمجرد فوز حزبه في الانتخابات التشريعية نونبر (نوفمبر) 2002 بزيارة لمجموعة من العواصم الأوروبية، في خطوة تحمل أكثر من دلالة سياسية مفادها أن الحزب يبدي أهمية خاصة لمسألة انضمام بلاده إلى الاتحاد الأوروبي، بل أكثر من ذلك عبر زعماء الحزب من خلال تصريحاتهم للصحافة الأجنبية في أكثر من مناسبة بأن حزبهم يضع على رأس أولوياته مسألة تأهيل بلاده للانضمام إلى لاتحاد من خلال تعزيز الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، وسيادة القانون، وهي من ضمن المقومات – وان لم تكن كافية لوحدها- المؤهلة للانضمام إلى الاتحاد حسب شروط هذا الأخير.

وحملت تصريحات رئيس الوزراء عبد الله غول فور تشكيل الحكومة في طبعتها الأولى إشارات تحمل نفس المضامين التي حملها خطاب رئيس الحزب آنئذ طيب أردوغان، وكانت مناسبة انعقاد مجلس الاتحاد الأوروبي فرصة مواتية ليتم تجديد طلب الانضمام. حيث شكلت نقطة انضمام تركيا إلى الاتحاد النقطة الساخنة في جدول أعمال لقاء أعضاء الاتحاد، وأخذت ساعات طوالا من المناقشة أفرزت في النهاية إقرار فكرة إرجاء هذا الطلب لسنة 2004م. واجتمع الاتحاد مرة اخرى نهاية سنة 2004 ليقرر أخيرا بدء المفاوضات مع تركيا وفق شروط محددة ابتداء من أكتوبر 2005.

واستنادا لكل ما سبق يمكن اعتبار حزب العدالة والتنمية قد نجح في إدارة معاجلة أو قضية انضمام بلاده إلى الاتحاد، وتبقى نتيجة الموقف النهائي لأعضاء الاتحاد حيال هذه القضية فيه انتصار لدبلوماسية الحزب ولصالح حكومته وبلده.

ب- موقف حزب العدالة والتنمية من حرب أمريكا على العراق:

تعتبر "معادلة حرب أمريكا على العراق" واحدة من أعقد المعادلات التي واجهت الحكومة التركية الحالية، وحيالها صدرت عن زعماء حزب العدالة والتنمية أثناء حملتهم الانتخابية وقبلها وبعدها تعهدات أكدوا من خلالها التزامهم الكامل بعدم الانخراط في الحرب، وتشبتهم بالشرعية الدولية، وبقرارات الأمم المتحدة، إلا أن عوامل خارجية أساسا ساهمت في زعزعة هذا الموقف، ومن أهم هذه العوامل:

* إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على ضرب العراق، وتطبيق مخططاتها العسكرية لغزوه مهما كانت الظروف والأحوال، دلت على ذلك حجم الحشود العسكرية في مجموعة من القواعد العسكرية الأمريكية الجاثمة فوق أراضي بعض الدول العربية، وكذلك تصريحات الساسة الأمريكيين في اللقاءات الصحفية والتلفزيونية، كما دلت على ذلك الضغوط المتزايدة التي مارسها الولايات المتحدة على حلفائها من أجل استصدار قرار من هيئة الأمم المتحدة يسوغ لها الهجوم على العراق.

* تصدع المواقف الأوروبية حيال الأزمة، وانقسامها إلى معسكرين: معسكر رافض للمشاركة في الحرب، بقيادة فرنسا وألمانيا، ومعسكر داعم للغطرسة الأمريكية الداعية لشن الحرب وتتزعمه بريطانيا، وما أفرز هذا الانقسام من تداعيات داخل الرأي العام الأوروبي وخارجه.

* تذبذب الموقف العربي حيال الأزمة، وانهزاميته الكاملة، وحرص الأنظمة العربية الشديد على مصالحها الاستراتيجية التي تربطتها بأمريكا، وعجزها عن القيام بأي خطوة أو مبادرة تحفظ ماء وجهها أمام شعوبها التي ما فتئت تخرج كل يوم في مظاهرات حاشدة منددة بهذا الخذلان العربي وبانبطاحيته أمام الصلف الأمريكي. وباستثناء الموقف المحتشم الذي خرجت به القمة العربية التي جرت قبل العدوان، لم تسجل أي مبادرة تتضمن جرأة أكبر.

تنضاف إلى هذه العوامل الخارجية عوامل داخلية تشكل حجر الأساس في ثبات مواقف الحزب، ومن بينها نذكر:

* حجم الخسارة التي تكبدتها تركيا في حرب الخليج الثانية، إذ قدرت بملايير الدولارات، مما دفع الحكومة التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية إلى أن تكون أحرص على تجاوز ذلك قدر الإمكان في الحرب الجديدة.

* حساسية الملف الأمني لدى الساسة الأتراك، إذ أبدوا تخوفا من أن تساهم الحرب على العراق في تقوية النزعة الانفصالية لدى الأكراد/الأتراك، وهو ما يعيد إلى الأذهان شريط المآسي وحرب العصابات التي كان يقوم بها الأكراد داخل المدن التركية قبل إلقاء القبض على زعيمهم عبد الله أوجلان.

* ضغط الشارع التركي الذي رفض رفضا مطلقا انخراط بلاده في الحرب التي أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية على الشعب العراقي، فيوميا لم تكن تخلو مدينة من مظاهرة حاشدة تندد بالعدوان وتدعو الحكومة التركية باتخاذ موقف شجاع من تلك الحرب.

* حساسية العلاقة بين حكومة العدالة والتنمية والمؤسسة العسكرية، التي تدير دفة الحكم حقيقة.

هذه جملة من الملابسات التي كان لها انعكاسها المباشر وغير المباشر على مواقف الحكومة التركية اتجاه العدوان الذي شنته أمريكا على العراق، وما شابها من تردد واضح.

وكان مأتى ذلك كله وجود حالة من الحيرة والقلق الشديدين اكتنفا مواقف زعماء الحزب، وهو ما يلخص حرصهم الشديد على الموازنة والتقدير لاتخاذ موقف مناسب يحفظ لدولتهم وشعبهم أكبر قدر من المكاسب، ويقلل ما أمكن من حجم الخسائر، وهذا ما يفسر عملية الالتفاف التي قام بها زعماء الحزب لضبط خيوط المعادلة.

ج- سيناريوهات حزب العدالة والتنمية للالتفاف على معادلة الحرب:

لا يساور من تتبع مواقف الحكومة التركية وتفاعلاتها اتجاه معادلة حرب أمريكا على العراق أدنى شك في الحكم بأن هذه المواقف تضمنت قدرا كبيرا من التناقض والاضطراب، لكن من يفحص مليا هذه المواقف ويتتبع خيوطها المعقدة يخرج بحكم آخر وهو أن تفاعلات مواقف الحكومة قد أضمرت "مناورة سياسية" قام بها أصحابها من خلال عملية تبادل للأدوار غير معلنة.

وما يعزز هذا الاتجاه هو جملة من الخطوات التي قامت بها حكومة العدالة والتنمية، وتمثلت في خمس خطوات:

أولا: الجولة التي قام بها رئيس الحكومة لمجموع الدول التي تلتقي حدودها بحدود العراق من أجل صياغة موقف موحد بين هذه الدول يجنب المنطقة شبح الحرب، وقد أثمرت هذه الجولة عقد مؤتمر إقليمي شدد في بيانه على التزام الدول الموقعة عليه بخيار رفض قرار الحرب المعلن من جانب واحد من الولايات المتحدة وبريطانيا ضد العراق، كما أكدوا تشبثهم بقرارات الأمم المتحدة وما تتخذه من موقف في معالجتها للمشكلة، وأخيرا دعوتهم الصريحة إلى ضرورة تعامل العراق مع المفتشين الدوليين، ففي ذلك ما يجنب الحرب عليه.

ثانيا: تحرك الديبلوماسية التركية ودعوتها لتفعيل المادة الرابعة من قانون حلف الناتو، والتي تقضي بتوفير الحماية العسكرية لأي دولة منخرطة في الحلف، وتركيا إذ هي منخرطة في الحلف في أمس الحاجة لهذه الحماية خاصة مع رغبة أمريكا الجامحة لاستغلال ترابها في توجيه هجمات على العراق، وما قد يسببه هذا الأمر من انعكاسات سلبية على الأراضي التركية سواء من العراق أو من غيره.

وقد أحدث قرار تفعيل هذه المادة نقاشا حادا بين دول الحلف قبل أن يستقر قرارهم على إرسال قدر من العتاد العسكري يكون رهن إشارة الجيش التركي في حالة أي عدوان على بلده، وقد فسر البعض بأن إرسال حلف الناتو لهذا العتاد هو بمثابة دعم غير مباشر منه لحرب أمريكا على العراق. وهذا ما زاد من رفع الحرج الكبير على الحكومة التركية.

ثالثا: "المساومة" على فاتورة استعمال أمريكا للتراب التركي في حربها على العراق، فكما ذكرت سلفا فقد خرجت تركيا من حرب الخليج الثانية بخسارة كبيرة قدرت بمليارات من الدولارات، لكنها هذه المرة وكأنها أرادت أن تضمن أداء مسبقا لهذه الفاتورة. وتركت هذه الخطوة إحراجا كبيرا للقرار الأمريكي.

لكن في المقابل فد تركت انطباعا سيئا لدى الشارع العام العربي والإسلامي، كما أحدثت اضطرابا في الجبهة الداخلية للحزب، إذ تعالت أصوات رافضة لذلك، ولتجاوز هذا العائق لجأت الدبلوماسية التركية إلى استعمال الخطوة الرابعة.

رابعا: إرسال الحكومة مذكرة للبرلمان تدعوه للتصويت على قرار استعمال التراب التركي، وقد كان رئيس البرلمان أول معارض لها. وتابعه في ذلك أغلبية النواب، وترك موقف البرلمان الرافض لمساعدة أمريكا في حربها على العراق ارتياحا جيدا داخليا وخارجيا.

خامسا: قبول الحكومة التركية – وبعد ضغط شديد – الترخيص للجيش الأمريكي لاستعمال الأجواء التركية، وقد وجد هذا الأمر معارضة من داخل البرلمان والحكومة التركية.

وقد بدأت الحرب وسارت إلى ما سارت إليه، وكانت تركيا بزعامة حزب العدالة والتنمية أكبر رابح سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الخارجي.

سمات وخصائص طبعت مواقف حزب العدالة والتنمية:

بتتبعنا لمواقف الحزب حيال المعادلات السالفة، وبخاصة معادلة الحرب على العراق، نستطيع القول بأن مواقف الحزب تأرجحت بين موقف المواجهة المباشرة والصريحة، وبين المداراة والمناورة، وبين التردد والإحجام. وعلى هذا نستخلص أن موقف أو مواقف الحزب طبعتها سمات أو خصائص أربعة:

1- المواجهة الصريحة

2- المداراة والالتفافية

3- الإحجام والإقبال

4- المناورة المبرمجة

لقد استطاعت الحكومة أن تدير دفة جملة من القضايا والمعادلات بمرونة سياسية معتبرة، كسبت من بعضها نتائج هامة، لكن محاولاتها لا تزال مستمرة لكسب نتائج أخرى من المعادلات المتبقية.

إن مقاربتنا لما يجري على الساحة التركية لا ينسينا حساسية الموقف وتعقد الوضع الذي قدر للتجربة السياسية الجديدة بزعامة حزب العدالة والتنمية أن تقع فيه، وكذلك حدة المعادلات التي وضعت على طاولتها وحجم الاكراهات الداخلية والخارجية. وثمة أسئلة تفرض نفسها وهي مرتبطة بدور الاكراهات التي تصيب عملية التغيير من خلال اللعبة الديمقراطية، أما السؤال الأول فهو: إلى أي مدى يمكن اعتبار اللعبة الديمقراطية مدخلا يعول عليه في عملية التغيير والإصلاح السياسي في ظل الاكراهات الدولية؟ والسؤال الثاني هو هل الأمر يتعلق فقط بمزيد من الفهم والاستيعاب لعراقيل وحدود هذه الاكراهات أم الأمر يتجاوز ذلك إلى البحث عن خيارات أكثر قدرة على الصمود أمام شدة هذه الاكراهات؟

نحن اليوم ومن خلال التجربة التركية الحالية أمام حكومة تملك أغليية معتبرة، لطالما حلمت بها الحركات التغييرية والإصلاحية لأجل إنجاز برامجها السياسية والاجتماعية. لكن بعد شهور على بداية التجربة بدا يظهر للمتتبعين أن امتلاك الأغلبية البرلمانية غير كاف لإنجاز البرامج التي وعدت بها هذه الحركات.

وهذا يدفعنا إلى التأكيد على محدودية الممارسة السياسية في كثير من دول عالمنا العربي والإسلامي، والحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى للبحث جديا والسعي حثيثا نحو توسيع هامش هذه الممارسة بالشروط الديمقراطية، ثم استتباع ذلك بفتح المجال واسعا أمام باقي المداخل الأخرى.

المحور الخامس:

معادلات خفية في الصراع بين التيار الإسلامي والتيار العلماني بتركيا

في فصل سابق تم الطرق للبذور الأولى لظهور العلمانية داخل التربة التركية منذ فترة الإمبراطورية العثمانية، والإشارة لأهم مظاهرها وكذا للسلبيات التي رافقت عملية توطينها.

ويكشف المحور – الذي نحن بصدد- عن خبايا الاشكالات التي واجهت التيار العلماني وكذا خبايا صراعه مع التيار الإسلامي.

والدافع إلى تناول أو لنقل إلى إعادة مقاربة بعض أشواط الصراع بين التيارين جملة من الحاجات من أهمها:

أ- تعرفنا عن قرب على حقيقة الملابسات والحيثيات الخفية التي رافقت الصراع بين التيارين بعيد تأسيس الدولة التركية الحديثة إلى وقتنا الحاضر والتغيرات التي طبعت خطابات التيارين.

ب- تنبيهنا لأهم خلاصات هذا الصراع، وإمكانات الاستفادة من بعض أشواطه على عدة مستويات، وأهمها مستوى التجربة الديمقراطية العربية.

أ- اشكالات عميقة واجهت النخبة الكمالية

عقب تأسيس الجمهورية التركية، واجهت النخبة الكمالية أربعة اشكالات:

الإشكال الأول: إيجاد هوية وطنية مناسبة للتربة التركية ذات الجذور الإسلامية

الإشكال الثاني: تحديد بناء سياسي يتفق وينسجم مع الهوية المقترحة

الإشكال الثالث: حل مسألة التحديث، والمضي بتركيا نحو اللحاق بركب أوروبا

الإشكال الرابع: حسم مفهوم الديمقراطية

أما الإشكال الأول فقد عملت النخبة الكمالية على إعادة تشكيل الهوية التركية على أن تكون مصاغة في قالب "تركيا الأناضولية"، وبالنسبة للإشكال الثاني فقد تمت صياغة البناء السياسي على الأساس الجمهوري، أما عملية التحديث جوهر الإشكال الثالث فقد رفعت خيارا بالنسبة لعامة النخبة التي حسمت صراع الأقاليم لصالح المؤسسة العسكرية والبيروقراطيين، كما حسمت صراع الأقاليم في بعدها الهيكلي لصالح المركز وإن كان ذلك بثمن باهظ جدا تمثل في القمع الشديد لكل تطلع "استقلالي" خاصة في المناطق الكردية.

لكن الإشكال الرابع بقي معلقا، ذلك أن النخبة العسكرية والبيروقراطية الحاكمة – نخبة الدولة- ورثت نمطا من التسيير والتنظيم يرجع إلى الحقبة العثمانية، غير أنها أعادت إنتاج هذا النمط في شكل إيديولوجي حديث، باعتماد مفهوم "الرأس" للديمقراطية باعتبارها مسألة خاصة بالمسؤولية السياسية، وليس بالضرورة تعني المشاركة السياسية، وكان هذا هو مفهوم الحكومات العسكرية الثلاث التي حكمت تركيا منذ الحرب العالمية الثانية عن الديمقراطية، وفي كل مرت حدث انحراف عن هذا المفهوم كانت المؤسسة العسكرية تتدخل لضبط الديمقراطية حتى تكون أكثر انسجاما مع مفهومها السالف التحديد.

مع إقرار نظام التعددية، سيحصل اصطدام بين "نخبة الدولة" وتوجهات "نخبة السياسة" التي ارتبطت بنوع من العلاقة مع الجماعات الاجتماعية، فلاقت ترحيبا من لدن بعض النخب وفئات من الشرائح الاجتماعية.

اعتبرت نخبة السياسة، والتي تألفت من النواب المنتخبين نفسها ممثلة للشعب، وأكدت بصورة واضحة على المفهوم الأفقي للديمقراطية بوصفها مشاركة سياسية.

حينئذ أصبحنا " أمام عنصرين حاسمين في البنية السياسية والدستورية للدولة التركية الحديثة:

- العنصر الأول يتكون من المؤسسة العسكرية والتي لها منظور خاص في بناء الدولة، تكرس عبر أحكام قانونية.

- العنصر الثاني: الدولاني ETATISM الذي يحول دون بروز أي نوع من التمايز الوظيفي داخل النظام السياسي بين الخاص والعام. حسم الصراع في البداية لصالح نخبة الدولة التي اعتبرت نفسها "الوصية" على التقاليد العلمانية.

لقد ساهم إقرار نظام التعددية الذي شهدته الساحة السياسية التركية إضافة للنقاش السالف بين نخبة الدولة ونخبة السياسة في الانفتاح السياسي تجاه مختلف القوى داخل تركيا، وسيستفيد من هذا الانفتاح التيار الإسلامي حيث سينشط كثيرا مع نهاية الستينات وبداية السبعينات وستتبلور داخله نخبة سياسية إسلامية لم تكتف بالمطالبة بالحق في المشاركة في العملية السياسية بل تجاوزت ذلك بالمطالبة بالحق في تقسيم السلطة ذاتها، وهذا ما أدى إلى تهديد حقيقي لنخبة الدولة التي عمدت إلى حشد جل الوسائل لتقويض بنيان هذه النخبة الصاعدة من خلال سياسة تجفيف منابعها والتضييق عليها. وحصل في البداية تواطؤ غير معلن بين نخبة الدولة ونخبة السياسة "العلمانية" في مواجهة المكون الجديد، ولم تكن هذه المواجهة برغم ما صاحبها من اعتقالات وحل للأحزاب وإعلان حالة الطوارئ في البلاد أكثر من مرة سوى مؤشرا على رغبة طائفة من نخبة الدولة في الإبقاء على المفهوم القديم للديمقراطية.

1- نظام التعددية بداية انفتاح التيارين على بعضهما البعض:

شكل إقرار نظام التعددية الحزبية والديمقراطية مؤشرا هاما في بدء مرحلة جديدة من العلاقة بين الدين والدولة في المجتمع التركي في تجاه يمكن أن نقول عنه "اتجاه تصالحي"، مكن من بدء مرحلة التقارب بين التيارين الإسلامي والعلماني داخل تركيا من خلال إجراء حوار ديمقراطي، كان بداية الاعتراف بشرعية كل طرف في الوجود العلني ثقافيا وسياسيا. ومع هذا الاعتراف حدثت عملية إعادة تكييف في البنية الأيديولوجية والسياسية لكل خطاب تجاوزت مرحلة القطيعة مع مجمل الأساليب الاستئصالية، وقد اتضحت تجليات هذا الاعتراف في الائتلافات الحكومية التي أبرمها كل طرف مع الآخر، ومن ذلك الائتلاف الحكومي الذي عقده حزب السلامة الوطني مع حزب أجاويد عام 1974م، والائتلاف الحكومي لسنة 1996 الذي عقده حزب الرفاه مع حزب الطريق القويم.

فمجموع هذه التحالفات بين الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية والأحزاب العلمانية من خلال النماذج التي سبق ذكرها وضعت ليس فقط قيودا على البرامج الانتخابية للطرفين بل كذلك شكلت تمردا واضحا على مجموعة من المفاهيم والأحكام التقليدية التي كانت تتبناها الغالبية الساحقة من التيارين، وبوسعنا أن نلمس ذلك بشكل واضح في تجربة العدالة والتنمية الحالية. وقد أثر كل ذلك في خطاب الطرفين.

2- مستويات في تغير خطاب التيار الإسلامي:

يمكن القول: إن الطابع الذي اكتسته مواقف التجربة خاصة بقيادة زعيمها نجم الدين أربكان صوب مجموعة من القضايا هو الحدة والشدة في المواقف، ففي أكثر من حملة انتخابية لأحزاب التجربة السياسية كان التأكيد على عدم التنازل للجبهة العلمانية العسكرية أو المدنية، وكان التصريح علنا بالمواقف المتشددة اتجاه بعض القضايا ذات الحساسية البالغة، كالتحالف الاستراتيجي المبرم بين تركيا وإسرائيل، والموقف من المؤسسات البنكية الدولية، وقضية انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وقضايا أخرى وطنية كقضية الحجاب.

لكن في بحر تجربة حزب الرفاه القصيرة في الحكومة الائتلافية مع حزب الطريق القويم سنة 96، وقبل أن تجهض بعد أقل من سنة من تكونها عبر الانقلاب العسكري الأبيض، لمسنا تغيرا في مواقف التجربة السياسية الإسلامية، فما كان يرفع في الحملة الانتخابية لم يكن مطابقا تماما لما هو في الواقع، لا نذكر فقط بأن التجربة السياسية الإسلامية وقعت بين مطرقة المحافظة على مواقفها التي كانت تغري بها كثيرا من جماهيرها وبين سندان الضغوط الخارجية والداخلية وعلى رأسها ضغوط المؤسسة العسكرية. بل لأن بوادر قدر كبير من تنازل التجربة بدا واضحا عند عقد التحالف مع الحزب اليميني، وبدا أيضا حينما اصطدمت التجربة بسور من الاكراهات الداخلية والخارجية فرضت عليها أن تغير من حدة خطابها ومواقفها، خاصة بعدما فرضت عليها المؤسسة العسكرية تطبيق جملة من التوصيات والشروط.

بدأت عقب هذه الفترة مناقشات عميقة داخل التجربة السياسية الإسلامية اتجهت إلى ضرورة إعادة النظر في طريقة إدارة الصراع السياسي من خلال توسيع هامش الانفتاح على الأطراف الأخرى داخل الساحة السياسية، ونحو إعادة ترتيب كثير من الأولويات، ونحو التخفيف من حدة الخطاب السياسي، ونحو إعادة جدولة المعارك داخل الساحة السياسية بما يخدم المصلحة الوطنية، ويتجاوز حالة الاحتراب السياسي، والاستنزاف غير المقدر للطاقات والجهود، وقد توجت هذه المناقشات العميقة داخل التجربة السياسية – التي تزعمتها أطر قيادية شابة – بميلاد التجربة السياسية الجديدة تجربة "حزب العدالة والتنمية" التي سبق أن أشرت إلى أنها "حركة سياسية" شكلت تحولا ومنعطفا داخل التجربة السياسية ذات المرجعية الإسلامية بتركيا. وبالرغم من كون غالبية أعضائها هم من كوادر هذه التجربة، فهي أيضا قد ضمت أطرا وكفاءات كان لها سابق انتماء للتيار العلماني والتيار القومي.

صحيح أن هناك مجموعة من الاكراهات أسهمت في بروز هذا التحول، لكن في نفس الوقت هناك شيء آخر كان له حضوره البارز، وهو التقارب الواضح الذي تزايد في المدة الأخيرة بين أطراف داخل التيار العلماني وأطراف مقابلة لها داخل التيار الإسلامي، ففي هذا الأخير وجدت قيادات كسبت مرونة سياسية معتبرة، وحنكة سياسية مقدرة استطاعت أن تمنح بهذه وبتلك التجربة الديمقراطية التركية نفسا ديمقراطيا جديدا، وقفزة نوعية. ولم يكن هذا الذي حدث من التقارب إلا طورا آخر من أطوار الاعتراف المتبادل بين التيارين، جاء ليؤكد بالملموس نجاعة توسيع مجال الرؤية والإبصار لدى الطرفان في تنزيل بعض التصورات والمفاهيم بقدر من الواقعية وتجنب المثالية الحالمة.

3- مستويات في تغير خطاب التيار العلماني:

عبرت أصوات عدد غير قليل من المتشددين في التيار العلماني عن قلقها جراء النمو المطرد للتيار الإسلامي، ووصوله إلى سدة الحكم في ظل التجربتين الأخيرتين: تجربة حزب الرفاه مع زعيمها نجم الدين أربكان الذي توج كأول زعيم إسلامي يصل إلى سدة الحكم في دولة علمانية، وتجربة حزب العدالة والتنمية التي ما تزال تقود الحكومة التركية الحالية برئاسة زعيم الحزب رجب طيب أردوغان.

ترى النخبة العلمانية اليسارية والقومية المتشددة أن صعود التنظيم السياسي الإسلامي في الآونة الأخيرة يهدد الأسس الديمقراطية والعلمانية التي يرتكز عليها النظام السياسي التركي، ولم تغفر هذه النخبة المتشددة من العلمانيين للتجربة السياسية ذات المرجعية الإسلامية القديمة ولا الجديدة التزامها الظاهر والعلني بقواعد اللعبة الديمقراطية وتأكيدها على تمسكها بالعلمانية التي اعتبروها الكفيلة بضمان الحرية الدينية، فزعماء هذا الاتجاه يرون أن التزام تيارات التجربة السياسية الإسلامية ورفعها لشعار الديمقراطية ما هي إلا تكتيكات سياسية فرضها عليها الوضع السياسي الراهن، وأنها ستتنصل من كل الالتزامات إذا ما أصبح لها نفوذ أقوى وشعبية أكبر في النظام والمجتمع التركي.

من هذا المنطلق تعتقد النخبة العلمانية المتشددة أن التيار الإسلامي ينبغي أن يحاصر بكل الوسائل، وإلا سيزداد راديكالية مع ازدياد شعبيته مستغلا الفضاء الديمقراطي وفضاء الحريات التي تكفلها الديمقراطية التركية.

4- الانفتاح العلماني الديمقراطي:

كثيرا ما يحصل تناغم بين هذه النخبة العلمانية ومثيلتها داخل المؤسسة العسكرية، فتفرز في أحايين كثيرة موجة من التضييق لا يحد من استمرارها وتغولها إلا عاملان:

العامل الأول: خارجي، نقصد به ملاحظات المنتظم الدولي وبخاصة ملاحظات الاتحاد الأوروبي- الذي كثيرا ما عاب على الساسة الأتراك تجاوزاتهم المتكررة في مجال الحريات وحقوق الإنسان.

والعامل الثاني: داخلي، وهو هام أيضا، ونقصد به رأي نخبة أخرى من العلمانيين، حيث يتسم تصور هذه النخبة بالاعتدال والاتزان.

يتصور أصحاب هذا الاتجاه من العلمانيين (أن صعود نجم التيار الإسلامي، ونجاح تجربته السياسية سواء القديمة أو الجديدة لا يعد بالضرورة تحديا للعلمانية ولا للديمقراطية في تركيا. ويرون أن الديمقراطية والعلمانية بمفهومهما الليبرالي الذي سمح بالتعددية والاختلاف داخل إطار متفق عليه قد توطدتا ورسختا أسسهما على مدى نصف قرن في المجتمع والنظام السياسي التركي، فقد أصبحت الديمقراطية على وجه الخصوص صيغة سياسية مقبولة من طرف جميع الفرقاء السياسيين إسلاميين وعلمانيين، يساريين ويمينيين، كما أن نصف قرن من العمل الديمقراطي قد أدى إلى نشوء ثقافة ديمقراطية ومجتمع مدني نشيط، يعتنق ويدافع هو بنفسه عن الديمقراطية والحريات التي يكفلها له نظامه السياسي) (24).

من زاوية أخرى ترى هذه الفئة من المعتدلين العلمانيين أن النظام السياسي التركي قد نجح إلى حد كبير في إدماج التيار الإسلامي في اللعبة الديمقراطية، وفتح له قنوات العمل السياسي وحرية التعبير والترويج لبرنامجه عبر وسائل الإعلام المسموح بها، وأدى إدماج الإسلام السياسي في العمل الديمقراطي ووجوده داخل دوائر الحكم وصنع القرار وتعرفه عن قرب على المشاكل والقضايا التي تواجه المجتمع التركي إلى كبح وتهدئة منهجه وخطابه السياسي، فازدادت التجربة السياسية لهذا التيار اعتدالا، وأصبح بكل هدوء جزء من النسيج السياسي يعمل على تحقيق أهدافه داخل الإطار الديمقراطي التعددي.

إن انخراط التجربة السياسية ذات المرجعية الاسلامية داخل المعترك السياسي التركي ساهم حسب الفئة المعتدلة من التيار العلماني في تحقيق الانسياب الهادئ للتيار الإسلامي ومشاركته الطبيعية في الحياة السياسية، وانطلاقا من هدفه المشروع فله الحق أن تكون لديه وجهات نظر اتجاه مجموعة من القضايا التي تعتمل داخل الساحة التركية من ذلك وجهة نظره في مفهوم العلمانية، إذ ترى هذه التجربة السياسية سواء القديمة أوالجديدة أن هذا المفهوم الذي صاغه كمال أتاتورك ولا تزال فئة من العلمانيين تتبناه ينبغي أن يطاله قدر من التغيير. فالعلمانية حسب هذه الفئة من العلمانيين تعني فصل الدين عن الدولة وإخضاع الدين ومؤسساته لسلطة الدولة بينما تحاول النخبة الإسلامية المؤطرة في التجربة السياسية أن تبتعد بالدين وتنأى به عن أن يكون تحت سيطرة الدولة وتكفل له استقلالا معينا، وهذا ما يحقق تحولا في مفهوم العلمانية داخل تركيا من علمانية ديكتاتورية وقسرية يخضع فيها الدين لسلطان الدولة إلى علمانية حقيقية تكفل مزاولة الدين والحريات الدينية للجميع.

وتؤكد فئة العلمانيين المعتدلين أن وجود جزء كبير من التيار الإسلامي، (وجهوده لتغيير مفهوم العلمانية، وتوسيع هامش الحريات الدينية قد أثرى بلا شك الحقل السياسي والحياة السياسية التركية، كما مكن من جعل الديمقراطية التركية ديمقراطية ليبرالية حقا تسمح بالتباين والاختلاف في إطار تعددي حر ونزيه. وينظر هؤلاء لتدخلات الجيش والمؤسسة العسكرية المتكررة في الحياة السياسية التركية على أنها اعتداء صريح وواضح على مسار الديمقراطية، وإضعاف لها) (25).

إن تدخلات المؤسسة العسكرية من أجل ضبط عمليات اجتماعية تتفاعل داخل المجتمع التركي وليس خارجه – حسب الاتجاه العلماني المعتدل – من شأنها أن تؤدي إلى ممارسات تسلطية تقلص من مساحة الديمقراطية، كما أن اقتراب المؤسسة العسكرية من حركية المجتمع ومساحاته يجعل احتمال الاصطدام بين العلمانية المدنية والعلمانية العسكرية وارد جدا، ذلك أن العلمانية المدنية داخل تركيا لا تستطيع التجدد إلا استنادا إلى الديمقراطية، ومن شأن اقتراب المؤسسة العسكرية من حركية المجتمع هذه ومراقبتها الصارمة له أن يقلص من هامش الديمقراطية وهذا ما يؤدي في النهاية إلى هدم وتقويض العلمانية المدنية التي تمارس في إطار مجموعة من الأحزاب السياسية، وتكون النتيجة وجود نظام علماني نصف ديمقراطي/ نصف تسلطي، تمارس نصف الديمقراطية داخله مجموعة من الأحزاب العلمانية، ويمارس نصف التسلط ضد خصوم النظام العلماني وقواعدهم الاجتماعية من طرف المؤسسة العسكرية.

وطبقا للعلمانيين المعتدلين فان احتواء التيار الإسلامي وضمان التزامه بالمبادئ التي يرتكز عليها النظام السياسي التركي لا يتحقق بالأسلوب الذي ينهجه الجيش ولا النخبة العلمانية المتشددة، فتلك السياسات حقا تقصي التيار الإسلامي لفترات عن العمل السياسي وتحجم من وجوده، لكنها تهيئ لعودته القوية لمسرح الحياة وهو أكثر صلابة وقوة.

ويعتبر العلمانيون المعتدلون (أن المعسكر العلماني واليساري مسؤول إلى حد كبير عن نمو وصعود التيار الإسلامي، وأن الحل لا يكمن في التآمر عليه، بل يكمن في استرداد الكتلة الشعبية، واستردادها يبتدئ بمراجعة عميقة ونقد ذاتي حقيقي، وإعادة ترتيب للأوليات) (26) حسب مقتضيات المرحلة.

ب- خلاصات من معركة الصراع بين التيارين

1- تبين بالملموس للطرفين أو للتيارين الإسلامي والعلماني داخل المجتمع التركي بأن الصراع التاريخي الطويل حول مسألة الهوية هو صراع مستنزف لطاقات الطرفان، ومقدرات الكيانين، ومهما طال فلن يزيد الطرفان إلا انكسارا وضعفا. والطرفان معا توصلا إلى شبه اتفاق غير معلن أن معركة الهوية ليست بالمعركة التي تحسم إبان فترات معينة بقدر ما تحتاج سنوات بل حقبا، ومن ثم انصرفوا بمعركة الصراع نحو تأهيل مجتمعهم اقتصاديا واجتماعيا. لا أعني بهذا الكلام أن معركة الهوية في تركيا قد حسمت نهائيا بقدر ما أقول إنه بعد أشواط من المعارك المستنزفة حول هذه المسألة تبين بالملموس أنها معركة يمكن الاستعاضة عنها بمعارك أخرى اكثر مردودية وإنتاجية.

2- وتوصل الطرفان أيضا وهما في لجة المعركة إلى أن ممكنات حركة الإصلاح والتغيير ليس فقط بالنسبة للتيار الإسلامي بل كذلك للطرف العلماني ولباقي الأطراف السياسية بمختلف أيديولوجياتها محدودة جدا، ولا يمكن للطرفين معا ولا لأطراف أخرى شبيهة بهما أن تتجاوز ذلك فقط بالإرادة الذاتية، فهناك دائرة من الخطوط الحمراء مرسومة سلفا وثمة إكراهات دولية واقليمية ضاغطة، ومن هنا كان لا بد من تظافر جهود الأطراف جميعها.

فإذن هناك إدراك معتبر من طرف فصائل ومكونات التيارين الإسلامي والعلماني داخل المجتمع التركي لهذه المنظومة، ومن ثمة يعملان على صرف معركة الصراع من تبديدها في معارك مستنزفة لطاقات ومقدرات الطرفين إلى تنمية المجتمع وتأهيله ليكون له دور حضاري على المسرح الدولي.

3- حدث تحول ملحوظ في التجربة الديمقراطية التركية، وهكذا نجد أن طبعتها في عقد التسعينات من القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة قد أفرزت أدوات جديدة في إدارة العمل السياسي السلمي قطعت مع أدوات طبعتها خلال الستينات من القرن الماضي. مع هذا التحول بدا من الصعب الآن استمرار الاقتراب من النموذج العلماني وفق النصوص "النقية" الأولى للجمهورية العلمانية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك، وهذا يفيدنا جدا في قياس وإدراك الديناميكية الكامنة في صيرورة التطور التاريخي والاجتماعي الذي فرضته معطيات جديدة وحراك جديد وفاعل جديد أيضا.

4- لقد أفرزت التجربة الديمقراطية التركية انتقالا أكاد أقول نوعيا وفريدا في إصدار كل تيار أحكاما إيديولوجية ضيقة اتجاه الخصم الآخر، لقد استطاعت التجربة النجاح في إعادة صياغة الخطاب العلماني بطبعته الأتاتوركية، والإسلامي بطبعته "السلفية" الأولى.

هذا الاستيعاب المتبادل بين الطرفين أثمر اعترافا متبادلا خلق في النهاية تعايشا للطرفين داخل الساحة التركية، كما خلق قدرا من التفاهم على ركوب سفينة الديمقراطية ومحاولة الوصول بها إلى بر الأمان بشراكة متبادلة في قيادة دفتها. حصل إدراك من لدن أطراف المعادلة الديمقراطية في تركيا – بعد زمن من الصراع- أن ثمة مساحات مشتركة للعمل بين التيارين، وأن ثمة مساحات اختلاف، سوف لن يكون في وسع أحد إلغاء الآخر، لكن في وسع كل طرف أن يتنازل عن قدر معين للآخر، وبإمكان الطرفين أن يشتغلا معا في المساحات المشتركة تلك.

5- بالرغم مما طبع وما يزال يطبع التجربة الديمقراطية التركية من سلبيات إلا أنها استطاعت أن تحتوي بشكل سلمي أكبر تقاطب سياسي إيديولوجي في العالم العربي والإسلامي، وأشدهما حدة وقوة، وهو الاستقطاب بين التيار العلماني والتيار الإسلامي. وبصرف النظر عن المواجهة الديمقراطية أو شبه الديمقراطية التي واجه بها قطاع هام من النخبة العلمانية بتحالف مع فئة أخرى داخل المؤسسة العسكرية النجاح الباهر الذي حققته التجربة السياسية ذات المرجعية الإسلامية في طبعتها الأولى مع حزب الرفاه، في محاولة لاستبعاد هذه التجربة ديمقراطيا من ساحة الحكم، إلا أن هذه النخبة بكل أجنحتها لم تعبث في النهاية في نتائج الانتخابات، ولم تزورها، ولم تقلب حقائقها، كما لم تسع لإسقاط الحزب بانقلاب عسكري كما جرى في الجزائر، بقدرما استخدمت كل التحالفات والتكتيكات السياسية، والضغوط السياسية الممكنة من أجل استبعاد التجربة عبر نفس الجسر الذي وصلت به إلى سدة الحكم.

ونفس الأمر حصل مع تجربة حزب العدالة والتنمية، فلم يحصل أن مست صناديق الاقتراع، ولا زورت إرادة الناخبين ولا خلطت النتائج. صحيح كانت هناك ضغوط أخرى على التجربة. لكن كل ذلك وفق سيناريوهات "ديمقراطية" كما نرى ونسمع.

خاتمة البحث

يمكن اعتبار تجربة الإسلاميين في تركيا فريدة ونوعية من عدة نواحي أهمها إيمانها منذ وقت مبكر بأهمية المدخل السياسي في عملية التغيير والإصلاح، فهي قد مارست السياسة في البرلمان والحكومة وفق نظام ديمقراطي، وآمنت بشروطه كلها، وعملت في الهامش الضيق المسموح لها به، وبالرغم من ذلك فانتظام هذا التيار ضمن شروط اللعبة الديمقراطية أتاح له التعبير عن طروحاته علنا وبطريقة سلمية، وهكذا تكون الديمقراطية التي كانت وسيلة لاستيعاب التيار الإسلامي والتقليل من "أخطاره" و"أصوليته" هي نفسها حملت هذا التيار ممثلا بحزب الرفاه في التجربة السابقة وحزب العدالة والتنمية في التجربة الحالية إلى السلطة في تركيا الجمهورية العلمانية.

إن تجربة الإسلاميين أو تجربة التيار الإسلامي في شقها السياسي الذي مثلته الأحزاب الستة وتعاملها داخل الساحة السياسية وفق مقتضيات النظام الديمقراطي مكنها من التعرف عن قرب على الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بكل تحدياته، ومكنها أكثر من التعرف على خصمها الآخر وهو التيار العلماني: كيف يفكر، وبأي أسلوب يتحرك، وأكسب كل ذلك حركية وفاعلية ومزيدا من التفهم والعقلنة.

لعل المتتبع للساحة الديمقراطية التركية يدرك تماما أن هناك قدرا معتبرا من التطور والنجاح قد شهدتهما الساحة الديمقراطية التركية أدى إلى احتواء إحدى الاشكالات الكبرى بالمعنى الثقافي والسياسي داخل قيم وقواعد الديمقراطية والتعددية الحزبية، وأعتقد أن جزءا من هذا الأمر قد يحصل في ظل التجربة الديمقراطية العربية شرط أن يقوما الطرفان أو أطراف المعادلة بمراجعة حقيقية لمواقفها ولخطابها ولأدوات اشتغالها، في ظل مناخ ديمقراطي صحي وسليم.

ففي ظل هذا المناخ لا خوف يمكن أن يحصل من أي قوة سياسية كيفما كانت مرجعيتها وأيديولوجيتها، فالدستور الذي وفر أجواء وجودها، ووجود غيرها من القوى السياسية، هو نفسه قادر أن يوفر القيود الكفيلة بمنعها ومنع غيرها إذا رأى فيها تهديدا لهذا المناخ الديمقراطي، بالأساليب والأدوات الديمقراطية.

———————-

الهوامش:

1- نادية محمود مصطفى، العصر العثماني من القوة والهيمنة إلى بداية المسألة الشرقية، مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ج 11 سنة 1417ه/1996م. ص 11

2- محمد حرب، آليات الحركة الإسلامية في تركيا، مجلة السياسة الدولية، ع 131 سنة 1998م، ص 128.

3- علي أحمد لبن مع مجموعة من المؤلفين، أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ – الدولة العثمانية- دار النشر للجامعات المصرية، ط2، سنة1415 ه / 1995م، ج 1، ص 1/2.

4- المرجع نفسه

5- المرجع السابق

6- أحمد نوري النعيمي، الحركات الإسلامية الحديثة في تركيا – حاضرها ومستقبلها، دراسة حول الصراع بين الدين والدولة في تركيا، ط 1، دار البشير بعمان، سنة 1414ه/ 1993م، ص 5.

7- مصطلح يطلقه الدكتور أحمد العماري، أستاذ التاريخ بجامعة محمد بن عبد الله بفاس- المغرب- على هذه الحضارة.

8- نادية محمود مصطفى، العصر العثماني من القوة إلى بداية المسألة الشرقية، مشروع العلاقات الدولية، منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1 1417ه/1996م، ج 11، ص 159

9- المرجع نفسه، ص 160

10- المرجع السابق

11- أمين حسن عمر، الصراع بين العلمانية والإسلام في الشرق الأوسط، منشورات بيت المعرفة للإنتاج الثقافي، السودان – ط1، سنة 1990، ص 15/16.

12- الصراع بين العلمانية والإسلام في الشرق الأوسط ص: 23/24

13- المرجع السابق: 39/43

14- محمد نور الدين، " الحركة الإسلامية في تركيا "، بحث قدم إلى مؤتمر " الحركات الإسلامية في آسيا"، تنظيم مركز الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة، سنة 1996، ص5

15- تعني كلمة ايشيك في التركية: النور، الضوء. (.

16- هي إحدى التسميات التي تطلق على هذه الجماعة، وأكثر ما تعرف بها في الساحة التركية.

17- آليات الحركة الإسلامية في تركيا، مجلة السياسية الدولية، ص 128

18- الحركات الإسلامية الحديثة في تركيا " حاضرها ومستقبلها دراسة حول الصراع بين الدين والدولة في تركيا " ص: 30/31

19- المرجع السابق ص: 126/127

20- المرجع السابق ص 127

21- نفسه ص 128

22- نفسه

23- سعيد خالد الحسن، النموذج الانتفاضي، دراسة في الأبعاد الادراكية والسياسية للانتفاضة في فلسطين، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، كلية الحقوق – جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، يوليوز 2002م، ج 1 ص 3

24- دينا صلاح شحاتة، الاسلام السياسي ومستقبل العلمانية في تركيا، مجلة السياسة الدولية، عدد 131 سنة 1998م، ص 158.

25- المرجع السابق.

26- المرجع السابق

قائمة المصادر والمراجع:

1- نادية محمود مصطفى، العصر العثماني من القوة والهيمنة إلى بداية المسألة الشرقية، مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ج 11، سنة 1417ه/1996م.

2- علي أحمد لبن مع مجموعة من المؤلفين، أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ – الدولة العثمانية- دار النشر للجامعات المصرية، ط2، سنة1415 ه / 1995

3- أحمد نوري النعيمي، الحركات الإسلامية الحديثة في تركيا – حاضرها ومستقبلها، دراسة حول الصراع بين الدين والدولة في تركيا، ط 1، دار البشير بعمان، سنة 1414ه/ 1993 م.

4- أمين حسن عمر، الصراع بين العلمانية والإسلام في الشرق الأوسط، منشورات بيت المعرفة للإنتاج الثقافي، السودان – ط1، سنة 1990.

5- محمد نور الدين، " الحركة الإسلامية في تركيا "، بحث قدم إلى مؤتمر " الحركات الإسلامية في آسيا"، تنظيم مركز الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة، سنة 1996.

6- سعيد خالد الحسن، النموذج الانتفاضي، دراسة في الأبعاد الادراكية والسياسية للانتفاضة في فلسطين، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، كلية الحقوق – جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، يوليوز 2002م.

7- مجلة السياسة الدولية، ع 131 سنة 1998 م.

* الدكتور إدريس بووانو في سطور:

- من مواليد مدينة القصر الكبير بشمال المغرب سنة 1971م.

- تلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي بنفس المدينة، وتعليمه الجامعي بمدينة الرباط حيث يقيم ويشتغل بها حاليا.

* على المستوى الأكاديمي:

- حصل على الإجازة في الآداب من جامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1995م.

- حصل على شهادة استكمال دروس السلك الثالث، تخصص النقد الأدبي الحديث بنفس الجامعة سنة 1997م.

- حصل على شهادة الدكتوراه في الآداب من جامعة الحسن الثاني بالبيضاء سنة 2002م.

- حصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة – الماجستير- شعبة الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع بجامعة محمد الخامس بالرباط سنة 2003م.

- حصل على شواهد أخرى في مجالات علم التواصل، وعلم البرمجة والتخطيط وإعداد المشاريع…

- نشرت له مقالات علمية في مجال تخصصه الأدبي وأخرى في مجال اهتماماته الثقافية والفكرية على صفحات مجلات علمية وجرائد محلية.

- أطر – وما يزال يؤطر- مجموعة من النشاطات العلمية والدورات التكوينية والتدريبية داخل فضاءات جمعيات المجتمع المدني سواء داخل المغرب أو خارجه.

* على مستوى الملف التركي:

يعد من المتخصصين في الملف التركي داخل المغرب.

- فقد قام بزيارات متكررة إلى تركيا منذ سنة 2000، تمكن من خلالها من التعرف على التيارات السياسية الإسلامية والعلمانية. ونسج مع بعضها علاقات جد هامة كان له أثرها الواضح في تطور العلاقات المغربية التركية سواء على المستوى الحزبي أو على المستوى السياسي أو على المستوى الاقتصادي.

- نقل تجربة التيار الإسلامي وموقعه، وعلاقاته مع باقي أطراف الساحة السياسية التركية من خلال مقالات علمية وبحوث أكاديمية على صفحات جرائد وطنية ومجلات دولية.

- قدم – وما يزال- محاضرات، وشارك في ندوات، كما عقد حوارات، وفي ثنايا كل ذلك بسط للمتتبعين والمهتمين أهم ما تميزت به التجربة السياسية التركية وبخاصة تجربة التيار الإسلامي.

—————————————–

* المصدر: موقع الوحدة الإسلامية

92 Views

عن

إلى الأعلى