الرئيسية » موسوهة دهشة » الفنون » الموسيقى » الأغنية العربية بين الإقليمية والألحان البيئية – صميم الشريف

الأغنية العربية بين الإقليمية والألحان البيئية – صميم الشريف


الأغنية العربية بين الإقليمية والألحان البيئية

صميم الشريف : باحث وناقد موسيقي من سورية

المصدر مجلة الحياة الموسيقية العدد 9 السنة 1995 ص 85

في سورية كما في مصر وبعض الدول العربية الأخرى يثير بعض الغلاة من ذوي الثقافة المحدودة من ناظمي وملحني ومؤدي الأغنية في تلك الأقطار إقليمية مريضة حول الأغنية العربية فيقولون بوجود أغنية سورية وأخرى مصرية وثالثة تونسية الخ لم تسفر عن شيء سببها الرئيسي هو عدم وجود أغنية قطرية بالمعنى الذي أراده هؤلاء وكما يعرف الدارسون لفن الغناء العربي بصورة عامة لا توجد أغنية سورية وأخرى عراقية وثالثة أردنية الخ وإنما هناك لون سوري وآخر تونسي وثالث خليجي الخ تنبثق كلها من ينبوع واحد هو الأغنية العربية ولو سلمنا جدلاً بما يقوله المتحمسون من النقاد وغير النقاد من صانعي الأغنية في بعض الأقطار العربية لوجب علينا أن نقول في الشعر العربي هذا شعر سوري وهذا شعر فلسطيني وذاك لبناني الخ مع أن الشعر عرف منذ الجاهلية وحتى اليوم باسم الشعر العربي لأنه نظم بالعربية ولأن منشديه ومبدعيه كانوا عرباً ولأنه عالج على المدى قضايا اجتماعية وعاطفية ووطنية وقومية تخص الأمة العربية بعيدا عن كل إقليمية تمس شعورهم في وحدتهم كأمة لها تاريخها وحضارتها كذلك الأمر بالنسبة لواقع الأجناس الأدبية كافة فالكتاب العرب منذ أقدم العصور لم يخاطبوا القارئ العربي في قطر محدد وإنما القراء العرب في الوطن العربي وما أقوله عن الأجناس الأدبية ينسحب أيضا على الفن التشكيلي الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالموسيقى والفنان العربي التشكيلي انطباعياً كان أم واقعياً أم سريالياً ينقل خياله الفني بالألوان الموضوع العربي الذي يتناوله بأسلوبه الخاص وباتجاهه الفني ليترجم واقعاً أو بيئة أو رمزاً عربياً للعرب جميعاً في كل مكان بلغة إنسانية تنبع من واقعه كعربي وليس من انتمائه الإقليمي كسوري أو مصري أو جزائري الخ وحتى لو أن هذا الفنان العربي عالج موضوعاً بعيداً عن بيئته العربية فإنه يعالجه بالروح والرؤيا العربية التي تفجر إبداعه كعربي والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى.

من هذا الذي سردته أصل إلى موضوع الأغنية السورية أو المصرية أو المغربية الخ التي هي في واقع الحال أغنية عربية لا تخرج بنظمها وتلحينها وأدائها عن أساليب النظم والتلحين والأداء المعروفة في الوطن العربي وقد تكون للأغنية السورية الشعبية خصائص صبغتها بلون بيئي معين فأعطتها صفتها الإقليمية وهذه الخصائص نجد لها مثيلاً في الغناء الشعبي في كل قطر من أقطارنا العربية ولا تخرج من حيث الصياغة عن فن صياغة الأغنية الشعبية في المذهب والأغصان واللازمة الموسيقية الوحيدة وهي اليوم ألوان من الغناء الشعبي الذي لم يعد بحكم وسائل الاتصال الحديثة في الإعلام وقفاً على تلك الأقطار وإنما ملكاً للشعب العربي كله وإذا أضفنا إلى هذا عمليات العرض والتبادل التي تتم في المهرجانات الموسيقية الشعبية في الأقطار العربية للأغنية الشعبية التراثية والأخرى الدارجة أمكن القول إن هذه الألوان في الغناء الشعبي للأقطار العربية لا يمكن نعتها إقليمياً بالسوري أو التونسي أو المصري وما إلى ذلك لأنه في واقع الحال تراث الشعب العربي وميراثه الأكثر ألقاً وحباً لدى الجمهور وخير مثال أسوقه من تلك المهرجانات الأغنيات التي قدمتها الأقطار على أنها من تراثها الشعبي فأغنية طالعة من بيت أبوها يقول عنها السوريون سورية والعراقيون عراقية والفلسطينيون فلسطينية كذلك الأمر بالنسبة لأغنية يا سمك بني.

أما أنواع الغناء العربي الأخرى كالموشحة والقصيدة والدور والطقطوقة والمواليا والغناء بكلمة يا ليل فهي واحدة في قوالبها الفنية وإن طرأت على بعضها بعض التغييرات في أسلوبها التلحيني بفضل المبدعين كالموشحة التي انتقلت عبر القرون الخالية من الأندلس إلى الوطن العربي كله والموشحة أغنية للمجموعة وعندما تناولها المبدعون بالمعالجة الفنية لتخليصها من الرتابة التي لازمتها من ولادتها اتصفت بصفات جديدة ميزتها عن الأصل كما في الموشحة الحلبية وشقيقتها المصرية والأخرى الحديثة التي نمت وترعرعت على يد محمد محسن حليم الرومي والأخوين رحباني ومحمد الموجي ورغم كل هذه الابداعات فإن هذه الموشحة ظلت هي نفسها التي يتغنى بها المغرب و المشرق العربيين وإن تطورت واختلفت أسباب معالجتها أما الدور كفن غنائي فهو عربي مصري نظما ولحنا وأداء ولكن هل ظل الدور حبيس الحدود الإقليمية المصرية الشواهد التي بين يدينا على الرغم من غزارة عطاء الملحنين المصريين فيه تدل على أن كبار الرواد من الموسيقيين غير المصريين قد عالجوه معالجة لا تقل في القيمة الفنية من معالجة المصريين له من مثل التونسي خميس التزمان والفلسطيني يحيى السعودي والسوري بكري الكردي وغيرهم من الملحنين في سائر الأقطار العربية فهل نقول بعد هذا كله عن فن الدور إنه مصري وإنه لا يجب أن ينظمه ويلحنه ويؤديه سوى المصريين وإلا لوجب علينا أن نقول في الشعر العربي إن شعر الجواهري عراقي وشعر بدوي الجبل سوري وشعر حافظ إبراهيم مصري الخ وإن جميع الشعراء العرب لا علاقة لهم بالعرب والعروبة إلا باللغة التي صاغوا ونظموا بها شعرهم.

مرة أخرى نصل إلى حقيقة واضحة لا تقبل الجدل هي أن هناك أنواعا من الغناء العربي يغنيها الشعب العربي وهذه الأنواع عرف بعضها في أول الأمر في قطر عربي ما قبل أن تعم وتنتشر كما هو الأمر في الموشحة الأندلسية والدور المصري والمونولوج المستورد من الغرب وكان العرب منذ أقدم العصور لا يعرفون سوى إنشاد الشعر الذي انبثق في قلب الجزيرة العربية وعندما أبدع الأندلسيون الموشحات ومن بعد الأزجال ليتخلصوا من الرتابة اللحنية في إنشاد القصيدة فإن هذين النوعين من النظم آنذاك أصبحا من أعمدة النظم الغنائي كذلك الأمر بالنسبة للدور الذي لا يزيد تاريخ ظهوره وإنشاده عن مائتي سنة إذا تقرينا أعمال الملحنين الذين لحنوا القصيدة العمودية من تقليدية ورومانسية ووصفية ووطنية قومية ودينية والتي نظمت أصلاً بعيداً عن الهدف الغنائي لوجدنا الملحنين الذين لحنوا المئات منها قد اختاروا ما لحنوا منها لشعراء عرب من مختلف الأقطار العربية ومن شعراء المهجر أيضا ولوجدنا أنهم اتبعوا في البداية أساليب مختلفة وتائهة انصبت كلها على تنغيم الكلمة لافتقار تلحين القصيدة إلى قالب فني يعين الملحن على التلحين إلى أن توصلوا إلى الأسلوب الأفضل والأقوى عبر عشرات السنين وذلك بعد أن توصلت فئة من شعراء الأغنية الذين اهتموا بالقالب الفني إلى صيغة سهلت عمل الملحنين وعملية التلحين فاستقام قالب تلحين القصيدة على الصورة التي يتبعها الملحنون العرب كافة إن جميع الملحنين من جميع الأقطار العربية ساهموا بطريقة أو أخرى في الوصول إلى قالب القصيدة المعمول به اليوم والذي ثبّت أركانه على مدى ما يزيد من نصف قرن متواصل رياض السنباطي.

إن جيل ورثة الرواد من الملحنين السوريين كانوا على وعي كبير أكثر من الأجيال اللاحقة فدعموا بأعمالهم من مثل محمد محسن مصطفى هلال زكي محمد الأساليب التي توحد أنواع الأغنية العربية وخاصة في القصيدة ولم يقتصر الأمر على الملحنين السوريين من ورثة الرواد بل تعدى ذلك إلى سائر الملحنين العرب الذين عملوا بدورهم على الارتقاء بأساليب الغناء المعروفة وبفن تلحين القصيدة بالأسلوب الذي استقام على أيدي الملحنين المصريين لتشع أعمالاً غنائية شامخة ما كان لها أن تعيش في وجدان الإنسان العربي لو أن الأسلوب القديم أسلوب تنغيم الكلمة ظل سائدا عوضا عن الأسلوب الجديد الذي لولاه ما هزتنا قصيدة إذا الشعب يوماً أراد الحياة لأبي القاسم الشابي التونسي وحليم الرومي الفلسطيني وقصيدة جلبنا الفاتحين لبدوي الجبل السوري وفليمون وهبي اللبناني وقصيدة جبهة المجد لمهدي الجواهري العراقي وصفوان بهلوان السوري.

إذا تجاوزنا فن القصيدة إلى فن الغناء بكلمة يا ليل فهل نستطيع تحديد هوية هذا الفن والى أي قطر عربي ينتمي طبعا لا لأن هذا الفن تمتد جذوره عميقا في تاريخنا ويتصل اتصالا وثيقا بالديانات القديمة التي سبقت الديانات السماوية ولأن هذا الفن الذي يغنيه الشعب العربي من المحيط إلى الخليج يعشق فن الغناء بكلمة يا ليل ولا يقف هذا الأمر عند الشعب العربي فحسب لأن الأسبان في الأندلس وبعض الأقاليم الأخرى ما زالت تغني حتى اليوم يا ليل متأثرة بالحضارة الموسيقية التي تركها العرب قبل نزوحهم وفن الغناء بكلمة يا ليل يقترن دوما بفن غناء المواليا والمواليا التي تعتمد الارتجال لحنا ونظما وأداءا يغنيها الشعب العربي من المحيط إلى الخليج والذين نظموها بالفصحى أو بالعامية ما زالوا حتى اليوم يلتزمون في نظمها ببحر البسيط الذي نظمت فيه أول ما نظمت وبعدد الشطرات وبالجناس المطلوب وأنواع المواليا كثيرة والمتداول منها المصرية والبغدادية الزهيرية المعروفة في سورية باسم الشروقي نسبة إلى مشرق البلاد ويلحق بها أحيانا ما يعرف بالميجانا والعتابا وجميع يؤديها المطربون والمطربات في مجالس الأنس والطرب فهل نقول بعد كل هذا الذي سردناه عن أنواع الأغنية العربية بوجود أغنية سورية أو مصرية أو عراقية ذات خصائص غير الخصائص التي ذكرناها والتي تجمع الأمة العربية عليها

إن الشيء المؤكد الوحيد هو ارتباط الشعر بالغناء منذ أقدم العصور لدرجة أن الشاعر كان عندما يدخل على الخليفة أو سيد القوم ليمدحه كان يقال أنشده قصيدة مطلعها كذا وطالما كان الشعر والزجل عربياً والشاعر والزجال عربيين والملحن والمؤدي عربيين فالأغنية التي نسمع عربية وليست وقفا على قطر دون آخر وإن كان مبدعوها ينتمون إلى قطر تميز أكثر من غيره بمبدعيه وإذا كان بعض ذوي الثقافة المحدودة من ناظمي وملحني الأغنية في سورية ومصر وبعض الأقطار الأخرى من الذين يفتقدون إلى الإبداع يقولون بوجود أغنية سورية وأخرى مصرية وثالثة لبنانية الخ ذات خصائص معينة بخلاف الأغنية الشعبية التراثية والأغنية الدارجة التي ينسجونها على غرار التراثية فليبرزوا لنا تلك الأغنية وليعددوا خصائصها وأغلب الظن أن هؤلاء مثلهم مثل أي قلة في الوطن العربي تحاول أن تكرس عن طريق الأغنية كيانات وهمية مستقلة عن الوطن الأم وترسخ بقصد أو بدون قصد كل قطر من أقطارنا العربية بتلك الحدود الوهمية التي خلفها الاستعمار منذ معاهدة سايكس بيكو ونفذها بقوة السلاح والنار وبين صفوف الشعب الواحد دون أن تلقى أذناً صاغية.

واقع الأغنية العربية في سوريا يفتقر حاليا إلى شعراء للأغنية والى ملحنين لها والدليل على ذلك هي الأعمال التي أعطوها دون أن تترك أثرا والاستعانة بشعراء وملحنين على مستوى فني جيد من خارج القطر ولجوء عدد من المطربات والمطربين من مثل ميادة الحناوي وأصالة نصري وعصمت رشيد وأركان فؤاد إلى ملحنين عرب موثوقين كي يحققوا النجاح الذي عجز الملحنين السوريين عن تحقيقه لهم اللهم عدا صفوان بهلوان الذي حقق وحلق بعيدا مع ميادة الحناوي في جبهة المجد إن سورية التي أنجبت العديد من العبقريات الموسيقية الفاعلة التي أسهمت إسهاما بعيد المدى في نهضة العرب الموسيقية لم تعمل طوال حياتها من منطلق إقليمي كانوا كالأدباء والشعراء العرب يعملون من أجل الارتقاء بالفن الذي أتقنوا صناعته ليرتفعوا بمستوى أمتهم الحضاري ويكفي أن نعرف أن أبا خليل القباني وسليمان القرداحي ويوسف خياط وضعوا منذ أواخر القرن الماضي اللبنة الأساسية للمسرح الغنائي في سورية الطبيعية ومصر والمغرب العربي وأن الشيخ علي الدرويش وزميله عمر البطش مع مجموعة منتقاة من الموسيقيين وضعوا منذ أوائل هذا القرن حجر الأساس للموسيقى العربية ، وإن كميل شامبير كتب في العشرينيات للمسرح الغنائي العربي المصري ما يزيد عن العشرين أوبريت وتوفيق الصباغ بعث في السودان علوم الموسيقى الشرقية والسلم العربي بأصولهما العريقة مستعيضاً بهما لأول مرة عن السلم الخماسي الأفريقي المستخدم فيها وجميل عويس دون تراث سيد درويش وترأس فرقة عبد الوهاب الموسيقية ثم فرقة أم كلثوم عند تسجيل أغاني فلم فاطمة ودرّس العزف على الكمان في معهد فؤاد الأول وترك ثروة من المؤلفات الموسيقية له ولغيره وسامي الشوا الذي طور حاله ذات يوم في المغرب العربي مع المطربة نادرة الشامية ليشجي الناس بكمانه التي أضحت بفضله إحدى آلات التخت الشرقي وعلي الدرويش حقق في تونس بدعوى من البارون دار لينجيه النوبات الأندلسية والتونسية وعاد إلى وطنه كما عاد الآخرون وهم سعداء بما حققوه من إنجازات على مستوى الوطن العربي.

وإذا كانت هذه المرحلة في تاريخ أمتنا الموسيقي تتسم بالفقر الإبداعي فإن هذا يعود إلى فنانينا في كل الوطن العربي الذين انصرفوا إلى الفن التجاري الذي لا يتطلب من الإبداع المعاناة واستلهام التراث وتكريس العلوم الموسيقية من أجل العطاء الأفضل والأميز وإذا كنت في هذه العجالة أرفض وجود أغنية سورية وأخرى عراقية وثالثة مصرية الخ فلن أنفي وجود فنان عربي سوري أوخليجي أو مغربي يتكلم من خلال الفن الموسيقي بلغة عربية مشرقة وضاءة شأنه في ذلك شأن كل الموسيقيين العرب الذين آمنوا بأمتهم وبقضاياهم المصيرية.

48 Views

عن وائل-2

إلى الأعلى