الرئيسية » موسوهة دهشة » الدين » القسم الإسلامي العام » الوحدة الإسلامية » هل الإسلاميون مختلفون ؟ – زكي طاهر العليو

هل الإسلاميون مختلفون ؟ – زكي طاهر العليو


هذا الموضوع يعتبر من أهم المسائل التي تطرح على الحركات الإسلامية بقوة وتعبر عن اختلاف واضح في النظر للحركات الإسلامية ، ولعل السبب في ذلك هو أن هناك مرجعية واحدة لكل الحركات الإسلامية التي تتكون من القرآن الكريم والسنة النبوية والفكر الإسلامي والتجربة التاريخية ، فعلى الرغم من وجود هذا القدر من الاتفاق إلا أن هناك اختلافا في فهمها وفي ترجمة أهدافها على أرض الواقع ، وربما يكون هذا أهم الأسباب في وجود ما يطلق عليه " اعتدال وتطرف " أو ما ينتج من ذلك " معتدل ومتطرف " في الأدبيات التي تتعامل مع الإسلام والحركات الإسلامية ، وهناك من لا يرى أن هناك فارقا بين ما يُدعى " بالمعتدل " و" المتطرف " ، يرى د. ماهر الشريف في دراسة له عن مفهوم الاختلاف بين الإصلاح الديني والإسلام السياسي أن لا فرق بين " معتدل " و" متطرف " في الإسلام السياسي " إن التنكر لمبدأ قبول شرعية الاختلاف هو الذي قبع إذن في قلب انقلاب محمد رشيد رضا وقطيعة الإسلام السياسي ممثلاً بجماعة " الإخوان المسلمين " ، وقد بين لنا هذا البحث أن حسن البنا وسيد قطب قد تشاركا في رفض الإقرار بشرعية الآخر – المختلف ، الأمر الذي يجعل من خطاب الثاني – أقله تجاه هذه المسألة المفتاحية – امتداداً لخطاب الأول ، ويزكي ، إلى حد كبير ، وجهة النظر القائلة بأن الفارق بين النمطين " المعتدل " و" المتطرف " في خطاب الإسلام السياسي هو " فارق في الدرجة لا في النوع " " ( 27 ) ، وأحد أوجه النقد الموجه لهذه الرؤية ، هي أنها تنطلق من منظور أيديولوجي وسياسي يطغى على المنظور المعرفي ، فمثلاً الخشية من استمرار فقدان المواقع تفرض عدم التفرقة بين الإسلاميين لكي يتم ترهيب وتخويف الناس من الإسلاميين بتعميم نموذج معين لديه ممارسات عنفية أو أفكار متطرفة ، ولعل ما حدث في الانتخابات التشريعية المغربية الأخيرة مثال واضح حيث روج بعض خصوم التيار الإسلامي في المغرب من أن هناك وجود لتنظيم القاعدة في المغرب الذي قد يستدعي أن يكون هناك طالبان في المغرب ، أو أن تكون هناك " جزائر أخرى " إن فاز الإسلاميون في المغرب ، وكل هذا من أجل إيقاف صعود الحركات أو الأحزاب الإسلامية في الانتخابات ، إذن هذا النقد جزء من الصراع بين التيار الإسلامي والتيارات الأخرى ، وهناك من يخالف هذه الرؤية ويدعو ليس للتفرقة بين الإسلاميين بل يدعو للعمل معهم – ولها محلها من النقاش – ، وأيضاً تدل رؤية عدم التفرقة بين معتدل ومتطرف في الحركات الإسلامية على أن هناك عدم ملاحظة التغيرات التي طرأت على فكر الحركات الإسلامية بوجه خاص والفكر الإسلامي الحديث بوجه عام ، فهناك تغير في مضمون الفكر الإسلامي الجديد مقارنة بالفكر الإسلامي المعاصر والذي انعكس على فكر الحركات الإسلامية ، ويقصد بالفكر الإسلامي الجديد هو الفترة منذ النصف الأول من العقد التاسع من القرن الماضي حتى اللحظة الراهنة (1) ، وبالتالي إغفال هذه النقطة المحورية قد تنتج نتائج غير دقيقة في دراسة الحركات الإسلامية المعاصرة والجديدة ، صحيح أن هناك امتداد لبعض أفكار العقود الماضية ولكن ليست هي الوحيدة بل أن هناك تغيرات أيضاً ، وبالتالي لو تم استخدام نماذج حديثة للتدليل سلباً أو إيجاباً على أن هناك فارق بين الحركات الإسلامية المعتدلة والمتطرفة لكان أفضل .

هناك من يرى أن هناك فارق بين إسلامي وآخر ، و نبدأ بطرح وجهتين تؤيدان ذلك : الأولى من خارج الحركات الإسلامية والأخرى من داخل الحركات الإسلامية ، وقبل الحديث يلزم التنويه أن الفارق بين إسلامي وآخر ينطبق عليه الحديث من أن هناك فارق بين حركات إسلامية وأخرى ، وبالتالي سواء استخدمنا في هذا المقطع القادم من الدراسة إسلامي أو حركات إسلامية فإن النتيجة واحدة .

ففي الأولى ، يرى محمد جمال باروت أن هناك اختلاف بين خطابي الإخوان المسلمين والخطاب التكفيري حسب تقسيمه " تتحدد إشكالية الخطاب " التكفيري " الذي تبنته الجماعات الإسلامية الجهادية ، في " تكفير " المجتمع ، مما جعل الأسلوب الحركي المطابق لتغيير " المجتمع الجاهلي " ( النعت التكفيري للمجتمع المدني ) " المرتد " و " الكافر " أسلوباً " انقلابيا " ، وذلك مقابل الخطاب " الإخواني " ، الذي يقر بإسلام الأمة ، ويتعايش مع المجتمع ، ويجتهد في استيعابه إسلامياً على نحو ما ، مما جعل الأسلوب الحركي المطابق لهذا الخطاب ، أسلوباً " إصلاحياً " يقبل الأسلوب الحركي داخل الأطر المدنية الحديثة .

وبهذا المعنى يندرج الفرق ما بين الأسلوبين " الإصلاحي " و " الانقلابي " على مستوى العمل الحركي الإسلامي ، ما بين " جماعة دعوة " تتوخى إصلاح المجتمع بـ " الحكمة والموعظة الحسنة " و " جماعة جهاد " تتوخى قلبه بالعنف و " تعبيده " لله ، هما نظام الخطاب " الإخواني " ، ونظام الخطاب " التكفيري " ، تحكم ما بينهما آلية القطيعة لا آلية التواصل والاستمرار ، بمعنى أن مرجعية الخطاب " التكفيري " لا تتأسس على الخطاب " الإخواني " . من هنا يبدو الخطاب " التكفيري " وكأنه ينقض الخطاب " الإخواني " حرفاً حرفاً ، مقوّضاً نظام مفاهيمه برمته " (2)

وفي الثانية ، نجد أن من يتبع اللقاءات الصحفية والآراء التي أبداها سواء أفراد الجماعة الإسلامية أو من الإخوان المسلمين في مبادرة وقف العنف على سبيل المثال يرى أن هناك اختلاف فيما بينهما رغم أنه تقاربت رؤيتهما لمسألة العنف ، فالجماعة رغم هذه المبادرة ترى أنها لا يمكن أن تكون الإخوان المسلمين كما هو حال حمدي عبد الرحمن القيادي في الجماعة الإسلامية في مصر " يردد البعض أن الجماعة الإسلامية أصبح فكرها قريباً من فكر جماعة الإخوان المسلمين المحظورة ، وأنكم ستدخلون تحت عباءتها أو هم يدخلون تحت عباءتكم ، أم تبحثون عن صيغة مشتركة للعمل ؟ !

بكل قوة يرد حمدي عبد الرحمن ‏:‏ الجماعة الإسلامية تعمل ككيان واحد‏ ,‏ ومستقل ‏,‏ ولها فكر متميز‏ ,‏ وتاريخها يختلف عن الإخوان في الكثير من المواقف والأيديولوجيات والاتجاهات ‏,‏ وبالنسبة للنقطة الأولي ‏:‏ فالمبادرة أكبر دليل علي أن الجماعة بعد صدام مع السلطة استمر نحو ربع قرن‏ ,‏ صوبت أخطاءها وعدلت في بعض الأفكار غير المطابقة للشرع‏ ,‏ وكان لدي قيادات الجماعة الشجاعة الأدبية والقدرة علي الإفصاح عن ذلك بشكل علني وملموس ‏,‏ والهدف واضح من هذا الموقف لتحمي الأجيال المقبلة من التردي في دروب العنف ‏,‏ وحتى لا يقعوا في الأخطاء ‏,‏ وعلي النقيض من ذلك الموقف‏ ,‏ فالإخوان مازالوا يكابرون ولا يعترفون بأخطاء الماضي ‏,‏ والعنف الذي ارتكبته عناصر التنظيم السري وما أطلق عليه مسمي النظام الخاص والذي رأسه عبد الرحمن السندي وخلفه فيه يوسف طلعت‏ .‏

أما الأيديولوجية والفكر معروف أن الجماعة لا تكفر أي مسلم بمعصية أو ذنب‏ ,‏ وتنهج في هذا منهج أهل السنة ‏,‏ بينما فكر التكفير والمغالاة وضعت أسسه جماعة الإخوان في الستينيات ‏,‏ ولعل مؤلفات مرشدها الثالث سيد قطب خير دليل‏ ,‏ وأيضا الأمر الذي دفع المرشد الثاني حسن الهضيبي إلي إصدار كتاب دعاة ولسنا قضاة ردا علي أفكار التكفير التي سادت من جانب عناصر الجماعة . بالنسبة للاتجاهات ‏,‏ فمسألة انضواء الجماعة تحت عباءة الإخوان أو غيرها فتاريخ الجماعة وموقفها من الانضمام إلي تنظيمات أو جماعات أو هيئات أخري معروف فلم يحدث " (3) وهذا المنهج لا يمكن حصره فقط في حالة مصر بل ينطبق على كل المجتمعات الإسلامية في الاختلاف بين الحركات الإسلامية .

سبق للباحث السوري محمد جمال باروت أن صنف الإسلام السياسي إلى " معتدل " و "متطرف " حسب التعبير المستخدم ، وحسب تعبيره " الإخواني " و " الجهادي " (4) ، ولكن الفكرة تطورت لديه في العام الحالي حيث صنف الحركات الإسلامية مجدداً ، وأضاف إليها تقسيم ثالث الحركات الإسلامية ما بعد الإخوانية كما يمثل ذلك حزبي العدالة والتنمية المغربي والتركي " نعم الحركات الإسلامية هي حركات وليس حركة واحدة ، وأميز على مستوى نوعياتها ما بين نمطين أساسيين هما : النمط الراديكالي أو الجهادي ، والنمط الإخواني التقليدي ، والنمط ما بعد الإخواني ، والاقتراب من الإجابة عن السؤال يتطلب مراعاة هذا التمييز .

ويبدو بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أنه خلافاً لوجهات النظر التي طرحها البعض من تراجع ما يسمى بالإسلامي السياسي ، أنه قد برز صعود النمط ما بعد الإخواني التقليدي ، وهو ما نراه بشكل مركزي في تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا ، وفي تجربة حزب العدالة والتنمية في المغرب العربي " (5) .

ويصنف محمد المختار الشنقيطي الحركات الإسلامية " فالمعروف أن مسمى الحركات الإسلامية يشمل في الوقت الحالي ثلاثة أصناف .

أولا : الحركات الإسلامية السياسية ، والمقصود بها هنا ذات الخلفية الإخوانية .. وهذه حركات سلمية ، تميل إلى العمل من داخل النظام السياسي الاجتماعي السائد . وتسعى إلى دفعه إلى التغيير بروح إصلاحية لا ثورية . ويمكن القول أن هذه الحركات اتخذت قراراً استراتيجياً منذ السبعينات يتفادى الصدام المباشر مع خصومها ، واعتماد منهج التدرج والنضال المدني ، بالتعاون مع القوى القومية والوطنية المعارضة .. لذلك لا عجب أن أطبقت هذه الحركات على إدانة الهجمات يوم 11 سبتمبر / أيلول ، لأن هذا الأسلوب من المنازلة لا ينسجم مع رؤيتها ومنهجها في العمل .

ثانياً : الحركات الإسلامية السلفية ، وهي تقليدياً ذات منحى تعليمي إرشادي ، ولم تكن تهتم بالسياسية كثيراً ولا تحسن ألاعيبها .. لكن التطورات الاجتماعية والسياسية في الجزيرة العربية خلال العقد الأخير تكشفت عن مخاض جديد في الحركات السلفية ، جعلها أكثر تسيساً وأعمق بالحدث اليومي .. وقد تبنت هذه الحركات – بعد تجاوز أيام الصدمة الأولى – موقفاً أكثر " تفهماً " لما حدث ضد أميركا ، دون أن تؤيد بشكل صريح .. وربما كان من أسباب ذلك أيضاً موقف تلك الحركات السلفية من الوجود العسكري الأميركي في الخليج .

ثالثاً : الحركات الجهادية الثورية ، وهي سلفية الفكر في الغالب الأعم ، لكنها تختلف عن السلفيين من موقفهم من الحكام ، وينلهم إلى الخضوع للأمر الواقع ، وعزوفهم عن السياسة . كما تعتبر أن الحركات السياسية الإخوانية تعالي في التحوط والمحاذرة ، مما حولها إلى جزء من الواقع ، لا بديلاً عنه كما هو المفترض " (6) .

هناك عدد من المسائل جديرة بالنقاش عند الحديث عن الحركات الإسلامية منها :

الأولى : يتم تداول مصطلحات تقسم الإسلام إلى إسلام رسمي وإسلام شعبي وإسلام السياسي كما وجدنا ذلك بوضوح قبل قليل ، ويتردد ذلك كثيراً في الأدبيات التي تدرس الحركات الإسلامية والصحافة والإعلام ، لذا نحن بحاجة لإلقاء الضوء على مصطلح الإسلام السياسي .

يبين د. رضوان السيد مفهومه للإسلام السياسي " أما حركات الإسلام السياسي فأقصدُ بها تلك التي تصرح بهدف معلن هو السعي بشتى الوسائل المتاحة لإقامة الدولة الإسلامية التي مضمونها تطبيق الشريعة الإسلامية ، وتملكُ بنيةً تنظيمية علنيةً أو سريةً ، وتحظى بدعم جماهيري يختلف من قطر لآخر ، ومن ناحية لأُخرى من حيث الحجم والفعالية ، لكنه صالحٌ لأن يُتّخذ أساساً لإقامة النظام السياسي الإسلامي المنشود " (7) ، ويقصد محمد ظريف بالإسلام السياسي بأنه " تلك الجماعات التي لا تقيم تمييزا في تصوراتها وممارساتها بين الدين والسياسة ، وهي بهذا تقوم بتسيس الدين وتديين السياسة " وهو بنظره يتميز بثلاث خاصيات " 1 – تعطى الأولوية لمسألة السلطة سواء بكيفية مباشرة أو غير مباشرة ، وهي بهذا قد أحدثت قطيعة مع الإسلام " السني " الذي كان يوصي بضرورة الخضوع للحاكم ولو لم يلتزم أحكام الشرع حفاظاً على وحدة الجماعة ( = الأمة ) ، ولا يجيز الخروج على الأمير ، باعتباره الخروج فتنة ، فجماعات الإسلام السياسي من هذا المنطلق تلتقي مع " الخوارج " .

2 – ترفض المنظومة " السياسية " و " القانونية " الغربية ، فهي ترى أن من واجبها إقامة الدولة الإسلامية المتمثلة في دولة الخلافة بدل الدولة " الغربية " . وتطبيق الشريعة الإسلامية بدل القانون الوضعي " ، كما ترفض المفهوم الغربي للأمة وتنادي بفكرة الأمة المحددة بالعقيدة .

3 – تولي اهتماما خاصا للمسألة التنظيمية ، فجل رواد الإسلام السياسي لم يكتفوا بالتنظير أو الدعوة ، بل سعوا إلى تأسيس تنظيمات تؤطر دعوتهم كأبي الأعلى المودودي وحسن البنا وسيد قطب … ألخ . وهذه المزاوجة بين " التنظير " و " التنظيم " هي التي تمنح الإسلام السياسي ديناميكية " (8) .

وهناك من يرفض تسمية الإسلام السياسي فهذا المصطلح يثير بعض المواقف والاستفزاز ، ويفضل استخدام بدلاً منه مصطلح الحركات الإسلامية السياسية " ولكن إضفاء صفة السياسي على الإسلام تحدث خلطاً وتشويشاً يتعلق أساسا بأن مصطلح " الإسلام السياسي " هو مصطلح يجزئ الإسلام كدين ، وهو أمر يرفضه أتباعه ومعتنقوه ، لذا فإن الأفضل من ذلك هون أن نستخدم مصطلح " الحركات السياسية الإسلامية " (9) ، وفي هذا النص يوجد مخالفة لوجهة النظر التي ترى أن كل الحركات الإسلامية تتضمن نظرة مهمة للسياسة في مسألة إقامة الحكم الإسلامي وتطبيق الشريعة ، ويكون استخدام مصطلح الإسلام السياسي مستفزاً لأن يثير أن الإسلاميين لا يهمهم سوى السياسة التي تُختزل تحديداً في السلطة ، حيث يوجه النقد للحركات الإسلامية من أنها طالبة حكم أكثر منها معارضة أو صاحبة مشروع ورؤية رغم أهمية الجانب السياسي الذي يعتقد أنه يستطيع أن يمكن الحركات الإسلامية من التمكن من تحقيق رؤيتها لمجمل القضايا الملحة ، حيث أن السلطة من الأمور المهمة لتحقيق القوى السياسية رؤيتها لا ينحصر فقط في الإسلاميين ، لأنه حسب الإسلاميين لا يمكن تجزئة الدين الإسلامي حيث أن كل جانب فيه يؤثر في الجانب الآخر فمن دون تكامل بين جوانبه لا يمكن تحقيقه متكاملاً ، فالجانب الثقافي يدعم الجانب الاجتماعي والاقتصادي يتماشى مع السياسي وهكذا .

والسبب الذي يجعل البعض يركز على مصطلح إسلام سياسي هو وجود فئة لم تنخرط في العمل السياسي واكتفت بالعمل التعبدي والأخلاقي الضيق مما سبب لدى الآخرين حالة استغراب من كون المسلمين الملتزمين بالإسلام التعاطي مع السياسة " والمسألة هي : أن المسلمين عاشوا فترة من الزمن انعزلوا فيها عن مواجهة القضايا العامة ، وانكفئوا فيها على عباداتهم وطقوسهم وأوضاعهم الأخلاقية الخاصة ، بعيداً عن كل التحديات . وهكذا نشأ واقع يبتعد عن السياسة ، ولا يريد للمسلمين أن ينفتحوا على القضايا الكبرى ، لأن هناك مفاهيم فرضت نفسها على المسلمين ، وجعلتهم يفكرون في أي مواجهة القوى المتحدية يمثل إلقاء للنفس في التهلكة في ظل عدم وجود تكافؤ بين حجم القوى لدينا ، وحجم القوى هناك . ولأن بعض المسلمين كانوا ينتظر آخر الزمان حتى يأتي العدل والإصلاح ، فهو يأس عقدي من أنه لا يمكن أن يكون هناك إصلاح قبل آخر الزمان " (10) ، رغم أن الإسلام السياسي يمثل ظاهرة قديمة وحديثة على حد تعبير د. حسن حنفي وبالتالي يفترض ألا تكون هناك حالة استغراب في المجتمع العربي الإسلامي من كون المسلمين ملتزمين بالتعاطي مع السياسة " لم يكن " الإسلام السياسي " ظاهرة قديمة فحسب بل ظاهرة حديثة أيضاً منذ الإصلاح الديني حتى نشوء الجماعات الإسلامية الحالية . فقد نشأ الإصلاح الديني بدافع سياسي ، ممثل في ضعف الخلافة العثمانية ، واحتلال أراضي الأمة وتجزئتها ، وتخلفها عن المدنية الحديثة ، وقهرها على الرغم من نظام الملة ، ومركزيتها الشديدة ؛ مما شجع على استقلال الأمصار ورغبتها في الانفصال ، وبروز أطماع الشرق والغرب في ممتلكات الرجل المريض ، ورغبة بعض الأمصار في وراثتها مثل مصر في عصر محمد علي ثم بعد سقوط الخلافة عام 1924 .

كان أكبر ممثل للإسلام السياسي رائد الحركة الإسلامية الحديثة جمال الدين الأفغاني الذي صاغ الإسلام السياسي ؛ الإسلام في مواجهة الاستعمار في الخارج والقهر في الداخل ، الإسلام من أجل تحرير أراضي المسلمين وحريتهم وفقرائهم وهويتهم وتفرقهم وحشدهم " (11) ، فهو وفق هذه الرؤية لم يبرز الإسلام السياسي مع إلغاء الخلافة الإسلامية في الدولة العثمانية ، بل كان قبل ذلك .

الثانية : مع ظهور الحركات الإسلامية برز دور مهم للكوادر الإسلامية ، فلم تعد " المركزية " في المجتمعات الإسلامية لعلماء الدين فقط ، بل برزت قيادات لا تنتمي للمؤسسة الدينية ( حوزات ، مساجد ، أحزاب ، حركات ) بل ظهر مهندسون وأطباء ومدرسون ومحامون يتعاطون الشأن الإسلامي وبقوة ، صحيح أن هذا لا يعني انفكاك عن المؤسسة الدينية ، ولكنه بالضرورة أن هناك دور جديداً يقف بجانب دور الفقهاء وعلماء الدين في الساحة الدينية وفي علاقاتها بالمجتمع والسياسة ، ولعل أبرز دليل على ذلك أن من أبرز الحركيين الإسلاميين وهو الإمام حسن البنا كان مدرس ، فلا يصنف على أنه من علماء الدين أو فقهائه ، وفي العقود الأخيرة برز عدد كبير لا يمكن حصره من الإسلاميين الذين لا يعتبرون من العلماء الذين كان لهم دور مهم في مسيرة الحركات الإسلامية المعاصرة . ونظرة سريعة على الإعلام سواء كان مقروءاً أو مسموعاً أو مرئياً يتضح لنا وجود عدد كبير من الحركيين الإسلاميين يتحدثون ويحللون ويُسألون عن الأحداث الجارية وما هي مواقفهم .

الثالثة : تختلف حالات المجتمعات العربية من مجتمع إلى آخر أو من مرحلة لأخرى ، وأداء الحركات الإسلامية يتأثر بذلك ، فهناك موقف الأنظمة السياسية من الحركات الإسلامية ، وتاريخ تلك المجتمعات والتأثيرات السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية ، وأفراد المجتمع ، ومدى قوة الحركات الإسلامية الداخلية ، كل هذا يؤثر على دور الحركات الإسلامية وتأثيرها في الوضع العام للمجتمع ، ولكن ليست فقط هي المسببة لضعف أداء الحركات الإسلامية في جوانب معينة ، ولكن هناك أسباب أدت لضعف أداء الحركات الإسلامية منها الاصطدام المبكر مع أنظمة الحكم ، والجمود في التفكير ، والتركيز على العمل السياسي ، وتأثير ميزان القوى العالمي على حركات التحرر والتغيير " إن الدور الذي تؤديه الحركات الإسلامية والحجم الذي تأخذه في الساحة لا تحدده دعاوى هذه الحركات ولا أمانيها ، بل تحدده عوامل معقدة تبدأ من فاعلية خطاب الجماعات ومزايا قياداتها وقدرة هذه القيادات على الاستغلال الأمثل للظروف ، وتمر بالاستجابة التي تلقاها هذه الدعوى لدى الجماهير ، وردود فعل المنافسين من حكومات وقوى معادية أو أطراف أجنبية " (12) .

– رهانات النهضة في الفكر العربي ، د. ماهر الشريف ، دمشق : دار المدى للثقافة والنشر بالتعاون مع مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي ، ط بدون ، عام 2000م ، ص 138 .

الهوامش :

1 – راجع ، الفكر الإسلامي الجديد ، ملامح وقضايا ، زكي الميلاد ، مجلة الكلمة ، تصدر عن منتدى الكلمة للدراسات والأبحاث ، ع 23 ، ربيع 1999م / 1420هـ .

2 – يثرب الجديدة : الحركات الإسلامية الراهنة ، مصدر سابق ، ص 183 .

3 – حوار مع م. حمدي عبد الرحمن قيادي الجماعة الوحيد المفرج عنه ، موقع مفكرة الإسلام .

4 – يثرب الجديدة : الحركات الإسلامية الراهنة ، مصدر سابق ، ص 13 .

5 – المسلمون والإسلام بعد أحداث 11 سبتمبر ، موقع إسلامي أون لاين : حوارات حية ، محمد جمال باروت 21/1/2003م .

6 – الحركات الإسلامية وهجمات 11 سبتمبر .. خلافات وخلفيات ، محمد المختار الشنقيطي ، موقع الجزيرة نت .

7 – سياسات الإسلام المعاصر : مراجعات ومتابعات ، مصدر سابق ، ص 205 .

8 – الإسلام السياسي في الوطن العربي ، محمد ظريف ، المغرب : منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي ، ط الثانية ، نونبر 1992م ، ص 5 .

9 – حول التحول في حركة الإسلام السياسي في الشرق الأوسط ، ، هشام جعفر وأحمد عبد الله ، بيروت : مجلة المستقبل العربي ، مركز دراسات الوحدة العربية، ع 259 ، عام 2000 ، ص 140 .

10 – فضل الله : الإسلام دين فكر وحركة وحوار ، حوار مع السيد محمد حسين فضل الله ، حاوره وحيد تاجا ، موقع إسلامي أون لاين ، 17/5/2001 .

11 – الحركات الإسلامية وأثرها على الاستقرار السياسي ، مصدر سابق ، بحث د. حسن حنفي ، الإسلام السياسي بين الفكر والممارسة , ص 59 .

12 – الحركات الإسلامية وأثرها على الاستقرار السياسي ، مصدر سابق ، بحث د. عبد الوهاب الأفندي ، ص 44 .

* المصدر: موقع البلاغ

29 Views

عن

إلى الأعلى