سمك القرش


سمك القرش

216 Views

عن

تعليقات

  1. naji قال:

    الجزء الثالث.
    عاد فيرغوسون إلى فابينيانا لحل جزء آخر من اللغز. إذا كان القرش الأبيض يتوالد في المتوسط ففي أي مكان يفعل ذلك؟ لقد عثر على دليل حيوي مرسوم على جدار حديقة خلفية لأحد الصيادين.
    يوجد بعض الصور الأصلية هنا عن الزعانف التي قطعت ووضعت على الجدار، يمكن أن ترى بعض الانكماش.
    يمكن أن ترى الجوانب هنا أيضا وهي في الواقع..
    ..فعلا…تنفصل عن الجدار.. كما يمكن أن ترى الكتابة بوضوح تام، وهي تقول سكوالو بيانكو أي القرش الأبيض، أنثى ألفي كيلو غرام تقريبا، وهنا طوله خمسة أمتار وخمسة وثلاثين سنتيمترا، التاريخ الثامن من أيار ماي من عام سبعة وثمانين.
    الشيق في الأمر هو أننا نستطيع أن نرى ندوبا هي علامات للتزاوج من الذكر، الذي يبدو أنه أمسك بالأنثى من الزعنفة الصدرية، يمكن أن ترى بوضوح أنها كانت عضات خفيفة نسبيا.
    فعلا وهذا ما نراع على الزعانف الأخرى أيضا.
    من الواضح أن الذكر كان يمسك بها بأسنانه.
    هذا يؤكد ما تقوله، وهو في الصورة الأصلية أيضا.
    فعلا إنه واضح جدا.
    أي أن هذا لم يحدث بعد أن وضعت على الجدار أو نتيجة المناخ، بل هو جزء من التفسخ الذي كان في مؤخرة زعانفها.
    يتمكن الذكر من التحكم بالأنثى أثناء التزاوج عبر إمساكها من زعانفها الصدرية.
    بما أننا نعرف بأن الذكور تتزاوج من الإناث في أنحاء فبنيانا، من المحتمل جدا أن يكون هذا التزاوج هو السبب في تعرض هذه الأنثى لعضاتها الخفيفة.
    بفضل النماذج التي تم الحصول عليها من أسطول الصيد في المياه العميقة هذا في مازارا ديل فالو، الواقع على الشواطئ الجنوبية لصقلية، يمكن أن نحدد بدقة أكبر المكان الذي يتزاوج فيه القرش الأبيض في المتوسط.
    هذه مجموعة من فك سمك القرش الأبيض الصغير، وقد تم اصطيادها حول صقلية وفي قناتها وربماعلى طول شواطئ شمال أفريقيا. ربما كان النموذج الأصغر لقرش حديث الولادة، وقد لا يتعدى عمره عام واحد. من المحتمل أن تلد أنثى القرش الأبيض صغارها في مياه البحر المتوسط، لهذا أعتقد أنها منطقة رعاية أطفال بالنسبة لهذا النوع.
    تخطى هذا البحث حدود إقناع المشككين في توالد القرش الأبيض في المتوسط. لقد ثبت الآن بأن المنطقة التي حددها فيرغوسون وفولغوسيبين صقلية ومالطا وشواطئ أفريقيا الشمالية، هي أكثر المناطق دقة في العالم لتوالد القرش الأبيض. أي أن القرش الأبيض ليس مجرد زائر عابر إلى حوض المتوسط.
    يخرج مع إيان ومارك طوني غريك، وهو أحد الناجين من هجوم قاتل لسمك القرش تعرض له جاك سميدلي في مالطا، قبل تسع وثلاثين عاما.
    لقد وافق على مرافقتهما إلى النقطة المحددة في خليج توماس، حيث تعرض للهجوم.
    كنا نستمتع بالسباحة وفجأة سمعت السيد سمادلي يصرخ قائلا انتبه هناك. فأدرت راسي إلى حيث يفترض أن يكون السيد سمدلي فلم أجد شيئا. وفي الوقت نفسه شعرت بأن شيئا ما يلامس جسدي، من تحت الماء، فوضعت يدي عليه، أما المنطقة التي لامستها فكانت باردة وقاسية ولزجة. كما رأيت أمام ناظري زعنفة ولا أذكر جيدا ما إذا كانت زعنفة صدرية أو جانبية.
    كما تنبهت إلى أنه إلى جانبي الأيمن وعلى مسافة قصيرة، رأيت ذيل السمكة يخرج من الماء.
    وفجأة رأيت شيئا غريبا تحت الماء دون أن أتمكن من تحديده بدقة، ولكن فجأة رأيت السيد سميدلي يغرق ويعاد إلى الأعماق مرة أخرى حتى اختفى تماما عن ناظري.
    يمكن مما عرفناه حتى الآن عن سلوك القرش الأبيض في المتوسط، أن نستوحي الاحتمالات التي أدت إلى مقتل جاك سميدلي.
    تبين لنا أن البيئة في سان توماس وغيره من الخلجان على طول الشواطئ كانت تختلف جدا عما هي عليه اليوم. نذكر من بين عناصر الاختلاف أنهم كانوا يصطادون التون بكثرة في هذه الخلجان بالقرب من الشواطئ. كما نعرف من السجلات أيضا أن القرش الأبيض كثيرا ما كان يعلق في هذه الشباك هنا. أعتقد أن ما حدث في ذلك اليوم هو أن القرش الأبيض كان يطارد التون،فعبر الخليج حيث ظل السمكة التي كان يتبعها، ولكنه قرر أن يتسكع هناك لبعض الوقت. الشخصان الوحيدان اللذان كانا يسبحان بعيدا في الخليج عما جاك سميدلي وطوني غريك. أي أنهما كانا فرصة ثمينة بالنسبة للقرش الأبيض إذ أنه شاهدهما بسهولة هناك. يبدو أن القرش سبح خلفهما، ثم صعد إلى سطح الماء حيث أمسك بجاك سميدلي، دون أدنى رغبة لديه بالتخلص منه.
    رغم أن معدل الإغارات في المتوسط أقل مما هي عليه في أماكن أخرى من العالم، إلا أن عدد الضحايا الذين يبتلعهم القرش تماما، أعلى بكثير. يعتاد القرش الأبيض في المتوسط على أنواع مختلفة من الأطعمة، ويبدو أن هذه اللائحة أحيانا ما تشمل البشر.
    هذه نهاية أعمال القرش الأبيض. جرى في السنوات القليلة الماضية اصطياد سمكتي قرش أبيض هائلتين على يد صياد واحد، هو ألفريدو كوتاجار، من قرية فيديزوريا. بالقرب من جزيرة فلفله في مالطا.
    متى تمكنت من اصطياد هذا القرش؟
    قبل ثلاثة وعشرون عاما.
    قبل ثلاثة وعشرون عاما. بأي حجم كان حينها؟
    ثمانية عشرة قدم.
    ثمانية عشرة قدم. وفي أي جانب من مياه مالطا عثرت عليه؟
    عثرت على هذا قريبا من فلفلة بالشبك.
    حسنا، على السطح أم في العمق؟
    بل في عمق البحر.
    في عمق البحر. يبدو ألفريدو ا، هذا القرش الثاني من الحجم نفسه أو حتى أكبر من الأول. متى أمسكت به؟
    عام سبعة وثمانين.
    عام سبعة وثمانين. وكم كان طوله؟
    ثلاثة وعشرون قدم.
    ثلاثة وعشرون قدم، يا إلهي، وهل تم اصطياده بالشبك أم في..
    كلا بل بالخيط والصنارة.
    بالصنارة والطعم.
    نعم بالخيط والصنارة والطعم.
    وكيف تمكنت من رفع القرش إلى السطح، ومنه إلى الميناء.
    جررته بالقارب وعدت إلى المرفأ ببطء شديد لأن حجمه كان أكبر من حجم القارب، الذي كان طوله خمسة عشر قدم، أما القرش فبلغ ثلاثة وعشرون قدم.
    أي أنه أكبر من القارب بكثير.
    فعلا أكبر من القارب بكثير.
    أخذ ألفريدو القرش إلى منصة عند فيديزوريا حيث قام بعمل سخيف جدا، لأن قلب القرش كان ما يزال ينبض في تلك اللحظات بعد.
    كان القرش أكبر من أن تتعامل معه الرافعة، لهذا قاموا بإعادته إلى الماء. فربط في قارب أكبر، وسحب إلى مرفأ صيد أكبر في مارساسلوك، حيث أخرج من الماء بالرافعة، حيث تمكن المتحمس المحلي لسمك القرش جون أبيلا من إلقاء النظرة الأولى عليه.
    أخرج القرش من الماء بهذه الرافع ثم حمل بشاحنة. عادة ما تشحن الأسماك من هنا وهذه أول مرة تسنح لي الفرصة بقياس قرش، لأنه كان ممددا على الأرض. تبين لي بدقة أن طوله ثلاثة وعشرون قدم وخمسة إنشات. قمت بقياسه مرتين للتأكد من دقة القياس. عند فتح أمعائه عثرنا على قرش أزرق يبلغ طوله ستة أقدام لم يتعرض لخدوش. ودلفين طوله ثمانية أقدام قسم إلى ثلاثة أجزاء، وسلحفاة طولها قدمين.
    تحول جان أبيلا إلى المالك الفخور لهذا الفك. وما زال قرش ألفريدو الذي بلغ قطره سبعة أمتار بانتظار تأكيدات كتاب غينيس للأرقام القياسية ليكون أكبر قرش أبيض أنزل على اليابسة في أي مكان من العالم.
    قبل أن نخلص إلى نتيجة مفادها أن المتوسط يعج بالقرش الأبيض، هناك قصة من شمال المتوسط وعلى مسافة سبعمائة ميل من جزيرة مالطا، جاءت من منطقة يقال أنها كانت مرتعا للقرش الأبيض.
    تخرج هذه المجموعة من هواة صيد الأسماك إلى البحر الأدرياتيكي بحثا عن القرش الأزرق وهو أحد أقارب القرش الأبيض.
    استنزف هواة صيد الأسماك في الماضي هذا النوع من القرش في تلك المياه. ولكن بيغ غيم إيتالي تساعد العلماء اليوم على الإمساك بسمك القرش وتعليمه وإعادته إلى الماء مرة أخرى.
    تقود إيرين بيانشي العملية المنتظمة الوحيدة التي تقوم بوضع علامة على القرش وإطلاق سراحه في المتوسط. قد يكون الوقت متأخرا لأن القرش الأزرق يجول في البحر الأدرياتيكي سعيا وراء حياة نادرة.
    إذا عادت هذه العلامات إليها يوما ستمنحها معلومات قيمة عن نمو وهجرة القرش الأزرق عبر حوض المتوسط.
    يعتبر القرش الأزرق كل ما نراه اليوم من هذه البيئة التي ازدهرت يوما بأسماك القرش هنا. كان القرش الأبيض يكثر هنا أيضا، أما اليوم فهو زائر عابر في أفضل الأحوال. قبل أربعين عاما من اليوم كانوا يجدون الكثير من مواردهم الغذائية.
    كان لدينا شباك لصيد التون على طول الشواطئ في الشرق والمناطق المحيطة بتريستي. كانت لدينا كميات هائلة من المراكب التي تخرج للصيد، وكانت لدينا دلافين تنتمي إلى نوعين، العادي منها وذات الأنف القاروري. كانت كميات هائلة اتفقت عليها السلطات الكرواتية والإيطالية.
    ولكن على مدار الأربعين عاما الماضية تسرب التلوث الزراعي والصناعي من قلب إيطاليا لينساب عبر نهر بوي ويصب في مياه البحر الأدرياتيكي، الذي تحول إلى مجرد مكب للنفايات السامة.
    ماتت الأسماك، وما زالت الشواطئ عرضة للتشوه بسبب أنواع من الطحالب الكريهة. ولكل شيء ثمنه.
    لم يعد هناك أنواع من التون قابلة للصيد، فاختفت شباك صيد التون كليا، ولم يعد هناك صيد صناعي للتون، واختفى أحد نوعي الدلافين كليا، وهو النوع العادي، أما ذو الأنف القاروري فما زال على قيد الحياة في بعض الجيوب المنتشرة على شواطئ كرواتيا. من المعروف اليوم أن البحر الأدرياتيكي هو أكثر البحار تلوثا في العالم.
    إن لم ينل التلوث في المتوسط من القرش الأبيض من المحتمل جدا أن ينال منه الصيد التجاري الغير منتظم.
    ما قد يحدث في نهاية المطاف هو أن هذه الموارد ستنقرض تجاريا، ما سيضبط عمليات الصيد، أما ما يعنيه هذا بالنسبة للقرش الأبيض فهو يثير علامة استفهام لا أظنها ستختلف كثيرا.
    كانت عمليات البحث عن القرش على وشك أن تنتهي على شواطئ مالطا، ولم يبقى لدينا إلا الزجاجة الأخيرة من المزيج. كاد مطعم أسماك القرش على وشك الإقفال، ويبدو أن ضيفنا تخلف عن الظهور.
    حان الوقت لتشغيل المحركات والعودة إلى فاليتا.
    وضع حوض المتوسط على لائحة مناطق وفرة القرش الأبيض وتوالده. إلى جانب جنوب أفريقيا وأستراليا وكليفورنيا. علما أن القرش الأبيض قد يكون هنا على شفير الهاوية.
    لقد أعطتنا أبحاث إيان فيرغوسون معلومات هامة جديدة عن سلوك القرش الأبيض، ما يثير إحساسا مأساويا لاحتمال أنها توشك على الانقراض من البحر الذي شاهدها فيه الإنسان لأول مرة.
    ما يقلقني هو أننا إذا نظرنا إلى شمال الأدرياتيك، وكوت دازور، أو شواطئ لاغوريا في إيطاليا، حيث كان القرش الأبيض يوما جزءا من البيئة، في مراكز صيد التون حتى نهاية القرن وصولا إلى الخمسينات والستينات، ما يقلقني هو أنها اليوم نادرة وغريبة هنا، لهذا من الفرادة أن يتمكن المرء من رؤيتها.
    ولكن رغم ذلك وبعد أن تحدثنا مع الصيادين الذي عثروا عليه في هذه الجزيرة، ومع الأشخاص الذين شاهدوه من المراكب أو أثناء الغوص، نعرف أنه هنا بلا شك، يجب ان أعود إليه، على أمل أن أكون أول شخص يستمتع بوضع علامة على قرش المتوسط الأبيض.
    ——————–انتهت.

    إعداد: د. نبيل خليل

  2. naji قال:

    الجزء الثاني
    يعترف العلماء في عالم اليوم بوجود القرش الأبيض في البحر المتوسط، ولكنهم يقولون أنه يزور الحوض صدفة، ويتجاهلون احتمال إقامته هنا.
    يعتمد هذا الرأي جزئيا على قلة المعرفة بعادات الأكل التي يتبعها القرش الأبيض في أماكن أخرى.
    هذه جزيرة داير في جنوب أفريقيا. تجذب مجموعات الفقمات هذه أسماك القرش الأبيض للغذاء، وبما أن القرش الأبيض يسكن هنا، فقد استقر العلماء المراقبين إلأى جانبه. وقد تحول ما شاهدوه يحدث هنا إلى اعتقاد سائد وتوقعات شائعة، تقول أن أسد البحر والفقمة هي وسائل غذاء القرش الأبيض في كل مكان.
    ما يعني أن غياب الفقمات يعني غياب القرش الأبيض.
    يعتبر القرش الأبيض الذي يبلغ وزنه طنين حيوان مفترس يعتمد على نصب الكمائن للفقمات قريبا من الصخور. ولكنه يفتقد إلى الرشاقة اللازمة لمطاردة الطريدة الأسرع في أعماق البحر.
    كانت هذه الجزيرة الصغيرة الواقعة في البحر المتوسط في الماضي موطنا لنوع من الفقمات، ولكن بما أن أحدا لم يرى أي منها منذ عقود مضت، ساد الاعتقاد بأن القرش الأبيض قد تحول إلى جزء من الماضي أيضا.
    لا يوجد إثبات يؤكد بأن القرش كان يتغذى على الفقمات في هذه المنطقة، ولكن رغم ذلك إذا تأملنا في هذا الكتاب الذي صدر مؤخرا ليعتبر بالنسبة للبعض دليل نهائي عن أنواع القرش الأبيض، يرد فيه حرفيا:” وجد القرش الأبيض في البحر المتوسط، ولكن على مدار قرون من الزمن، أدى استنزاف ثدياته البحرية إلى القضاء على غالبية موارد غذاء القرش الأبيض، وهكذا فهي تعتبر نادرة جدا هناك.
    ولكن معلومات فيغوسون تؤكد أن أعداد القرش كبيرة جدا، فهناك أكثر من مائتي عملية صيد ومشاهدات لسمك القرش منذ أن بدأ تسجيلها عام ألف وثمانمائة وخمسين. وقد سجل السواد الأعظم منها على الشواطئ الشمالية للمتوسط، وخصوصا على شواطئ إيطاليا وبحر الأدرياتيك في يوغوزلافيا السابقة. أما اليوم فقد سجل انتقال لها إلى وسط المتوسط، وجنوب إيطاليا وصقلية ومالطا، وشواطئ شمال أفريقيا. هناك منطقة غنية بالقرش الأبيض تحيط بجزيرة فابينيانا، الواقعة غربي صقلية.
    نحن في الطريق لإلى فابينيانا، موطن القرش الأبيض. يعتقد فوغوسون أن المتوسط يمكنه احتمال القرش الأبيض رغم غياب الفقمات. ولكن لتأكيد مقولته عليه ا، يحدد ما هو نوع الغذاء الثابت الذي يعتمد عليه. وعليه أيضا أن يحدد مكان توالدها إن كانت تتوالد هنا. رغم أن فابينيانا هي مكان انتشار سمك القرش فعلا، فإن فإن فيرغونسون وماركس هما أول الباحثين في زيارة ميناء الصيد هذا، للاطلاع على ما يعرفه الصيادين هنا عن سلوك القرش الأبيض في المتوسط.
    إنه موسم الماتنسا، الذي يشهد المذابح التقليدية لسمك التون، والتي أخذت عمليات قتل عصابات المافيا الاسم منها.
    توضع التونارا في وسط الخليج، وهي خيوط هائلة من الشباك الغارقة التي تعترض التون أثناء هجرته عبر الخليج، فتوقعها في هذا الممر الضيق من الشباك الذي لا مخرج منه.
    ينتهي بها الحال في كامرا دي مورتي أي غرفة الموت، التي تتمتع بأربع جدران وأرضيه. تشكلت ثلاث جدران من الشباك بالزوارق من الخلف. وفي هذه المرحلة يتأكدون من الشباك التي خارج غرفة الموت، ليعثروا أحيانا على القرش الأبيض، عالقا فيها. أي أنه كان يسعى خلف سمك التون أيضا.
    يقول أن آخر وقع سنة ثمانية وسبعين، وهو يذكر جيدا أنه عام ثمانية وسبعين لأنه كان حينها يوميا في مركب الميمنة، على عمق ثلاثين مترا حيث عثر على ذلك القرش في القاع.
    هل كان في القاع؟
    يقول أنه على عمق يقارب واحد وثلاثين مترا.
    عام ثمانين عثروا على قرش أبيض آخر في الشباك. فحملوه إلى شواطئ فابينيانا، فتحوا أمعائه، فتبين لهم أنه كان قد أكل دلفين صغير.
    عام سبعة وثمانين عثروا على قرش أبيض آخر، كانت أنثى طولها خمسة أمتار ونصف المتر، ووزنها حوالي طنين. وقد عثروا في بطنها على دلفين أكبر.
    أكثر الحيوانات نضوجا.
    آخر دلفين تم اصطياده كان عام ثمانية وثمانين وقد عثروا في أحشائه على دلفين وزنه مائتي كيلوغرام وقد انشطر من نصفه، أي انه كان جزءان. كان هناك اثنان وقد أمسكا بأحدهما وهو الأنثى أما الثاني فكان الذكر. وقد علقت الأنثى في المرحلة الأولى من غرفة الموت، أعني المرحلة الأولى من عملية الممر التي تؤدي إلى السمك، وتبين لهم أنها كانت ميتة، فأخرجوها من هناك على الفور. نزل أحد الغطاسين فيها وتأكد من وجود قرش آخر هو الذكر، وأخذوا يقطعون الشباك لإخراجه، أي أنه كان حيا عند اكتشافه فأطلقوا عليه النار ولكنه تمكن من الفرار.
    هل تعني بذلك ان القرش الذي تمكن من الفرار كان ذكرا؟
    تماما بالتأكيد.
    أصعب عمل في التونارا هو قيام الغطاس بالكشف عن الشباك. فالربط بين الأنثى والذكر للقرش الأبيض في فابينيانا بلغ حدودا جعلت العامة يطلقون مثلا يقول: إذا رأيت أنثى، أنظر من حولك، لن يكون الذكر بعيدا.
    هل سبق لكليمنت أثناء اصطياده للتون أن شاهد إحداها حية بعد وقد تعرضت لعضة قرش.
    نعم شاهد ذلك.
    وهل يتكر ذلك؟
    مرة أو اثنتين في العام.
    لقد شاهد واحدة هذا العام إذ جرت هذه السنة متانسا واحدة وقد شاهد سمكة تون وقد تعرضت لعضة كبيرة..
    هل يجد العضة في المكان نفسه من التونا دائما؟
    أحيانا ما تكون عند الذيل، وأحيانا..
    أحيانا ما تكون خلف الرأس؟ هذا شيق جدا.
    وأحيانا عند الزعانف عند بداية زعانف التون.
    بين عامي ثلاثة وخمسين وثمانية وثمانين أمسك صيادو فابينيانا بستة عشر قرش أبيض، كانت جميعها تتبع التون إلى داخل الشباك. توحي عضات التون بأنها تطارد وتؤكل من قبل القرش الأبيض. كما أن العثور على الأنثى والذكر حول التون، يوحي بأنها تولم على التون أثناء تزاوجها.
    أي أن التون بالنسبة للقرش الأبيض هو أشبه بمطعم جيد يلتقون فيه للتزاوج.
    تعارض أبحاثنا الفكرة السائدة التي تقول بأن القرش الأبيض مفترس مرتبك. فلا بد أن يتمتع بالرشاقة والسرعة كي يتمكن من اصطياد التون. وهو يستخدم لونه العلوي الداكن ببراعة للتمويه في الأعماق. بينما يعتمد على نظره الثاقب لاصطياد التون بتعريض شكلها للضوء.
    توشك المتانسا على بدايتها الفعلية.
    يسحب الصيادون الشباك التي تؤدي إلى خارج الغرفة، لتقفل الباب على غرفة الموت.
    تعتبر المتنسا عملية دموية، إنهم يصطادون التون على هذا النحو منذ العصور الوسطى.
    ولكن الموسم في تضاؤل.
    لم يصطادوا أكثر من أربعين سمكة اليوم، علما أن المتنسا في الماضي كانت تجمع أكثر من ثلاثمائة تون.
    من المحتمل جدا أن يكون هذا آخر عام بالنسبة لهم.
    هناك أوقات عصيبة تنتظر النوعين الأساسيين اللذان يعيشان على التونا وهما الدلفين والقرش الأبيض.
    هذه هي الدلافين. لا يكاد المرء يصدق بأن حيوان من الثديات الرشيقة والاجتماعية وبالغة الذكاء كهذه يمكن أن تقع فريسة دائمة للقرش الأبيض. ولكن ثمانين بالمائة من أسماك القرش الأبيض التي صيدت في المتوسط عثر في أمعائها على الدلافين. علما أن العلاقة بين القرش الأبيض والدلافين تعتبر قديمة مثل هذا البحر تماما.
    هذا هيكل عظمي متحجر لدلفين يبلغ من العمر ثلاثة ملايين عام. الندوب والخدوش التي على العظام تؤكد دون مجال للشك بأنه تعرض يوما لعضات القرش الأبيض.
    لدينا هنا ثلاثة أنواع من ديناميكيات وقع الأنياب، جرت أحدها بطريقة تنتزع معها أجزاء من العظام. وترك الأسلوب الآخر علامة لحركة مستديرة ومعقدة للسن. أما النوع الآخر فهو بترك تأثير القطع المباشر على قاعدة المنطقة التي ينزل فوقها حسب توزيعه على العظام، ما يوحي بأن الدلفين تعرض لهجوم مباشر من أسفل وعلى الجانب الأيمن منه. توحي علامة العضة بأن القرش الأبيض هو المسؤول عن هذه الهجوم، ومن المحتمل جدا أن يكون نوع من القرش الذي يصل طوله إلى أربعة أمتار ونصف المتر.
    تقع محطة الأبحاث البحرية هذه على مسافة ثمانية أميال من فينيسيا. وقد جاء القرش الأبيض عام ثمانية وسبعين إلى هنا لزيارتها.
    كنا من هذا الموقع ننظر إلى الخارج فرأينا اثنتين من الزعانف تتحركان على إيقاع متناسق، على مسافة تتراوح بين أربع أو خمسمائة متر من هنا. وبدأنا نناقش ما إذا كان قرشا أم لا.
    سرعان ما اختفى القرش وعادوا إلى الداخل، ونسوا الأمر تماما ثم تابعوا الغداء.
    وفجأة تعرضت البنية بكاملها إلى صدمة قوية، أسقطت الصحن من يدي على الأرض.
    تعرضت البنية إلى ضربة مباشرة من جسم قرش يبلغ وزنه أكثر من طنين. تمكن د. كفليري من الخروج والتقاط صورتين للقرش.
    بعد لحظات من ذلك شاهدنا قطعة من دلفين بالقرب من البرج.
    كان قد وضع أنيابه ليعض الدلفين من الوسط ومن الميمنة أيضا حيث ترك أثرا لأنيابه.
    كان ما زال يتحرك ولكن من الواضح جدا أن القرش قد خلفه وراءه.
    يبدو أن القرش قد تقيأ الدلفين. ليؤكد بالإثبات الدامغ أن الدلافين هي الغذاء الرئيسي لسمك القرش الأبيض في حوش المتوسط.
    =-=-=-=-=-=-= نهاية الجزء الثاني.

  3. naji قال:

    القرش
    [FONT=Simplified Arabic]الجزء الأول

    في العشرين من تموز يوليو من عام ستة وخمسين، خرج صديقان إلى خليج توماس في مالطا للسباحة.

    على الميسرة جاك سميدلي، وهو مدرب في البحرية البريطانية، وعلى الميمنة طوني غريك، وهو طالب من أبناء مالطا.
    لم يكن في الماء أي شخص آخر غيرهما.
    لم يعثر على أي أثر لجاك سميدلي على الإطلاق، وقد عرف الآن أنه تعرض لهجوم قرش أبيض من الحجم الكبير.
    فك في المتوسط.
    في الستينات، وبعد فترة قصيرة من حادثة جاك سميدلي، تحول البحر المتوسط إلى جنان سياحية. فقد شجعت الصناعة السياحية العاملين في شؤون العطل على تحويل المتوسط إلى مسبح نقي واسع، خال من المد والجزر ومن الأعاصير ومن الأنياب الحادة.
    عندما نتحدث عن القرش الأبيض الهائل نفكر بأماكن بعيدة جدا عنا، مثل كليفورنيا وأستراليا وجنوب أفريقيا. حيث يصل طولها إلى سبعة أمتار، لتزن طنان.
    أي أن الحيوان المفترس الذي كان يعتقد بأنه يفضل العزلة والانفراد، أصبح يقال اليوم أنه من الأسماك الاجتماعية المعقدة، المفترس الأكبر.
    من المدهش ألا نعرف الكثير عن مدة عيشه، وكيفية توالده، وما هي المسافات التي يقطعها، ولكن كان المرء يعتقد أن البحر المتوسط بعيد جدا عن منالها.
    ومع ذلك تم اصطياد هذا القرش الأبيض الهائل عام سبعة وثمانين في أحد موانئ الصيد في مالطا. طوله البالغ ثلاثة وعشرون قدم يجعله موازيا لأي حافلة نقل عام منفردة كتلك التي في لندن.
    أصيب أحد علماء الأحياء البريطانيون بالدهشة عندما سمع بوجود سمك القرش في البحر الأبيض المتوسط، فقرر معرفة المزيد عن الأمر.
    تحول إيان فيرغوسون إلى باحث عن القرش الأبيض.
    الأنياب تختلف جدا، أنظر إلى عمق هذه..
    إنه يعتقد أكثر من غيره من العلماء بأن القرش شائع الانتشار في الأبيض المتوسط، ولكنه يصر على إظهار ذلك على الخريطة. يساعده في ذلك باحث أمريكي في القرش الأبيض هو مارك ماركس.
    يمكن أن تسجل في الواقع أنه قياس منحرف.
    نغادر فاليتا المرفأ الرئيسي لمالطا مع حلول الليل، بحثا عن القرش الأبيض الهائل. سنقطع خمسين ميلا نحو الجنوب، أي نصف المسافة التي تفصلنا عن الشواطئ الأفريقية. عند الصباح سنكون في الوقع المحدد.
    مع بزوغ الفجر يحين وقت العمل.
    هذا خليط من ماء البحر البارد الممزوج بقطع من سمك الأسقمري المضحون. ينتشر الخليط الدهني عبر المسافات لإغراء القرش. كان حساء السمك مقبلات، والآن هذا هو الطبق الرئيسي.
    إذا مر القرش من هنا سوف يغريه الخليط، ويجذبه نحو القارب، بينما ستتولى رؤوس التون إبقائه فترة طويلة تكفي لمارك وإيان لتصويرهما وتعليمهما، وأخذ نماذج لحمية منهما لتحليلها في المختبر.
    غربت الشمس في يومنا الأول دون أن يحالفنا الحظ حتى الآن، يبدو الأمر كمن يبحث عن إبرة في كومة قش. مع أننا نبحث في موضوع جديد، فهذه أول مرة يحاول فيها العلماء البحث عن سمك القرش في البحر المتوسط.
    مع بزوغ الفجر توجهنا إلى سوق السمك المحلي، من شبه المستحيل أن تحصل على معلومات عن سمك القرش في الأبيض المتوسط دون المجيء على ذكر القرش الأبيض. الحصول على المعلومات يعني النهوض باكرا والعمل بسرعة، قبل أن يصل السكين إلى عنق المعلومات القيمة.
    أصبح إيان ومارك في سباق مع الزمن حيال تجار السمك.
    أنف القرش، سبعة حراشف قرشية، وهي شائعة الانتشار في المياه العميقة التي تمتد من هنا وحتى شواطئ تونس. أي أنه نوع من القرش الذي يكثر في المياه العميقة. لدينا هنا القرش المزدرد، الأول ذكر والثاني أنثى. والثالث أنثى أيضا.
    عثرنا في المستودع الخلفي للأسماك المبردة على شيء مثير جدا. إنه قرش درّاس يبلغ طوله ستة أقدام لم يسبق أن شوهد حيا في البحر. لو تأخرنا ساعات لتحول هذا الدليل القيم إلى شرحات من لحم السمك.
    يبلغ مجموع أنواع القرش في المتوسط خمسة وأربعون نوعا. يرى صياد في القرش الذي يصطادونه كأي لحم عادي. أما في القدم فقد تعلم صياد المتوسط أن يتعامل مع القرش بخوف ورهبة.
    يعود هذا المبنى الحجري الواقع على شواطئ مالطا الجنوب شرقي إلى عام ألفين قبل الميلاد.
    وكان القرش الأبيض معروف لدى هذه الحضارات المبكرة التي كانت تهابه في حوض المتوسط، وخصوصا من قبل الإغريقيين القدامى.
    كانو يسمونه لاميا، أي الوحش الهائل آكل اللحوم. وهي كلمة تتكرر عبر الزمن في الأساطير الإغريقية القديمة.
    وكان هيروديتوس عام أربعمائة واثنين وتسعون قبل الميلاد أول من كتب عن مهاجمة أسماك القرش لبني البشر.
    فقد تحدث عن تحطم الأسطول الفارسي على صخور آثوس في الشمال الشرقي من اليونان، وكيف كانت أجساد البحارة الذين يسقطون في الماء تؤكل حية من قبل أسماك القرش. يمكن أن نعثر في هذه الفترة أيضا على أشعار يونانية مأساوية تتحدث عن قرش كبير أكل ساقي غطاس إسفنج كان في طريق عودته من الأعماق إلى الزورق. وقد كتب الشاعر يقول أن هذه الضحية قد دفنت في البحر وعلى اليابسة في آن معا. قد يعرف البعض قصة جونا والحوت، ولكن إذا عدنا إلى النص الأصلي للترجمة سنرى أنه لا يأتي على ذكر الحوت على الإطلاق، بل يتحدث فقط عن حيوان بحري هائل. في القرن السادس عشر ادعى عالم الطبيعة الفرنسي غيلام روندليت بأنه عثر شخصيا في أمعاء قرش أبيض، على جسم بشري كامل النمو، ليوحي بأن من ابتلع جونا لم يكن حوتا بل لاميا أي قرش أبيض هائل.
    مع بداية القرن نشرت مجلة لي بتيت باريسيان الفرنسية سلسلة من المقالات حول هجمات مؤكدة للسمك القرش في البحر المتوسط.
    وقد سجلوا هجوما تعرض له غطاس إسفنج تونسي عام ألف وتسعمائة وتسعة، فقد فيه إحدى ساقيه.
    هؤلاء النساء الأربعة تعرضن لهجوم بعيدا عن تريست إلى الشمال من البحر الأدرياتيكي، وقد ماتت إحداهن متأثرة بجراحها.
    عام ألف وتسعمائة وتسعة وقع زلزال هائل في مسينا صقلية. قتل حينها مائة وخمسون ألف شخص، سحبت أمواج المد العاتية عددا كبيرا منهم إلى مياه البحر. يؤكد هذا التقرير العلمي الإيطالي أن صيادا أمسك بقرش أبيض بعد أسبوعين من ذلك على شواطئ صقلية بالقرب من أغوستا، وعندما فتحت أمعاءه عثر فيها على جثة طفل وشاب وامرأة.
    هذه ساق امرأة من مفصل الركبة إلى أسفله.
    وهنا بعض العظام، وحذاء أحد الرجال.
    جرى تجاهل هذا التقرير العلمي الإيطالي الذي كتب عن قرش البحر المتوسط الأبيض، من قبل الجمعية الأخوة العالمية للقرش الأبيض. تحدث العلماء الذين كتبوا بالفرنسية والإيطالية والعربية منذ زمن بعيد عن وجود القرش الأبيض هنا. ولكن مخطوطاتهم ما زالت مجهولة بالنسبة للعلماء الناطقين بالإنجليزية، ممن يستقرون في كليفورنيا وأستراليا وجنوب أفريقيا. لهذا يجهل زوار البحر الأبيض المتوسط وجود القرش الأبيض كليا فيه.
    مع ذلك فقد تعرض أربعون شخصا منذ عام ألف وتسعمائة وتسعة لاعتداءات القرش الأبيض. أي عدوان واحد كل عامين. وقد أدى ثمانية عشر حادثا إلى موت ضحاياها.
    بفضل الأبحاث التي قام بها فيرغوسون يمكن أن نتحدث اليوم بالتفصيل عن بعض هجمات القرش التي حصلت مؤخرا.
    في الحادي والثلاثين من تموز يوليو من عام واحد وتسعين، أمضت إيكاسي يوما كاملا على شاطئ البحر في سانتا مارغاريتا شمالي إيطاليا.
    ركبت الزورق وابتعدت قليلا في يوم جميل جدا. شعرت بضربة قوية أودت بي إلى الماء. وعندما صعدت إلى السطح شاهدت شيئا يتوجه نحو الشاطئ. ظننت من شدة الضربة أنها قنبلة قد انفجرت. حاولت السباحة للخروج من الماء، ثم رأيت شيئا أشبه بسمكة هائلة، كانت تسبح على سطح الماء تقريبا وقد تبين لي أنها هائلة جدا.
    تبعتها السمكة لفترة شعرت أنها طويلة، ولكنها لم تلمسها.
    كنت على مقربة من الشاطئ فرأيت امرأة تبكي طلبا للعون. نزعت القميص عني وهببت لنجدتها دون أن أعرف تحديدا ما أصابها. ثم رأيت زعنفة القرش تدور حول المركب. أصبت بالخوف الشديد مع إحساس بالسخافة أيضا، فقد ظننت أني أتخيل أشياء غريبة جدا، ولكن ما رأيته كان حقيقيا دون شك.
    كان رأس القرش بهذا الحجم، أي أنه كبير جدا، وكان على مسافة عشرين سنتمتر مني. سبحت بعيدا عنه حتى أنقذني مركب مر صدفة من هناك. وقال من فيه أني كدت أحلق في الصعود إلى المركب.
    حذر المستحمين من الشواطئ، وخرج الصيادون للنيل من القرش، وكتبت القصة على صفحا لندن تايم.
    هذا هو الزورق الذي تعرض للاعتداء، سبق له أن عولج بالمعجون، ولكن علامات الأسنان ما زالت شديدة الوضوح. ولكن هل هي أسنان القرش الأبيض؟
    بعد قياس المسافات التي تفصل بين الثقوب الناجمة عن السن والآخر، على الزورق هنا وفي أماكن أخرى، تبين أن سن القرش الوحيد المسؤول عن هذا الاعتداء متباعدة نسبيا. يلغي ذلك احتمال تورط مجموعات القرش التي تعيش هنا في بحر ليغوريان. التأمل في هذه العلامات والعودة إلى علامات مشابهة تركت على ألواح للتزلج من الألياف الزجاجية في كليفورنيا، يمكن القول ببعض من الثقة أخذا بعين الاعتبار وصف إيفان، أن الحيوان المسؤول عن هذا الاعتداء هو القرش الأبيض بالتأكيد.
    ميول القرش الأبيض لمهاجمة الأشياء التي تطفو على سطح الماء يبرر الحادث الذي وقع في طريفا إسبانيا عام ألف وتسعمائة وست وثمانين.
    تحول خوسي لويس بيريز دياس إلى أول متزلج على الماء في العالم يجرح من قبل قرش أبيض.
    يعتبر القرش الأبيض فضولي بطبيعته.
    ضرب القرش مؤخرة لوح التزلج، وما أن حاول لويس إعادة السيطرة عليه حتى عاد القرش ليعضه مرة أخرى وينتزع القدم معه.
    يقع خليج براتي الخلاب على مسافة مائة ميل من روما وعلى شواطئ توسكاني. وقد شهد في شباط فبراير من عام تسعة وثمانين، حادثا مروعا.
    انطلق ثلاثة رجال من بيومبينو بالقرب من هذا لالمكان في تمام العاشرة صباحا، على متن مركب رسا على مسافة مائتي متر خلف هذا الحيد الصخري. كان لوسيانو كوستانزو أحد الرجال الثلاثة الذين على متن المركب وهو غطاس محترف، تكمن مهمته في ذلك اليوم إزالة بعض المواد الحيوية من على أسلاك كهربائية تمتد عبر الشاطئ هنا. عندما كان في قاع البحر يحاول إزالة هذه المواد، حدث شيء لن نعرفه أبدا. ولكن ما نعرفه بناء على اعترافات الرجلين الآخرين الذين كانا على متن المركب، وهما ابن كوستانسو وصديقه الحميم، هو ان الغطاس خرج من الماء على عجل رافعا يديه في الهواء بحالة من الرعب التام، ثم حاول السباحة باتجاه المركب. أثناء سباحته نحو المركب يؤكد الشهود العيان ظهور قرش أبيض طوله ستة أمتار إلى جانبه ويدور من حوله، وقبل أن يتمكن كوستانسو من الوصول إلى المركب هاجمه القرش من الجانب الأيسر، وأخذ يهزه بعد أن عضه ثم غاص به إلى الأعماق.
    سرعان ما وصلت مراكب الإنقاذ إلى هناك. هذا هو الفيديو الرسمي لأبحاثهم الذي لم يسبق أن عرض على العامة من قبل.
    بدأنا نبحث مباشرة بعد وقوع الحادثة، فعثرنا على بعض البقايا هناك. وقد تم العثور عليها عندما شاهد الرجال نورس البحر يأكل شيئا في الماء.
    غاصوا تحت الماء بكاميرا فيديو حيث عثروا على زعانف كوستانسو.
    على مسافة مترين من الزعانف عثروا على قوارير الأكسجين إلى جانب حزام الغوص، دون أن يعثروا على أي أثر آخر له.
    كان الحزام الملحق بالقوارير مربوط بعد. كما هو الحال بالنسبة لحزام الوزن أيضا. وكأن الشخص الذي كان فيها قد سحب بعنف من الحزامين والقوارير معا.
    قيل حينها أن أسنان قرش أبيض تركت هذا الثقب في حزام الغطس هذا.
    كما أن أسنان القرش تركت أثرا واضحا على قوارير الهواء عندما أمسك بلوسيانو كوستانسو وهزه بعنف.
    جنت إيطاليا بحثا عن القرش.
    وأخيرا توجه المزيد من الغطاسين للبحث عن بقايا ملابس كوستانزو أو أشلاء جثته.
    عند عودة الغطاسين قالوا أنهم شاهدوا سمكة هائلة، على مسافة كيلومتر واحد من المكان الذي كنا نعمل فيه. ونصحونا بعدم العودة إلى الماء. كان لونهم شاحبا من شدة الخوف، ومعهم ابن السيد كوستانسو، الذي قال لقد وقع قتيل حتى الآن فلا داعي لأن تخاطروا بحياتكم للعثور على أثر لوالدي، فلا أريد أن يحدث ذلك لأي منكم. أعتقد من خلال ما رأيته ومن تجربتي الشخصية، أن قرش أبيض قام بهذا الاعتداء.
    أكدت التقارير الرسمية في ميلانو أن قرشا أبيض قتل لوسيانو كوستانزو فعلا، ولا شك في أن القرش الأبيض يعيش هنا، فلماذا لا نعرف المزيد عنه؟
    =-=-=-=-= نهاية الجزء الأول.

  4. naji قال:

    القرش الأبيض

    [FONT=Simplified Arabic]وصف القرش الأبيض الضخم على أنه آلة قتل محكمة.

    ولا يمكن تحديه ضمن سلسلة الغذاء في أعالي المحيط.

    ولكن رغم سمعته البائسة فهو ليس أسوأ حالا ممن يدخلون المحال التجارية للتبضع.
    فكل ما يقوم به لا يتعدى مسألة العناية بتفاصيل أعماله وحسن رعايته لها.
    لا نعرف الكثير عن القرش الأبيض. والعثور عليه في وحشية المحيط الهائل أشبه بلعبة الحظ.
    ليس وأندريو وايت يقودان طاقم كويست في جولة بحرية تبعد ألف ميل عن شواطئ أستراليا بحثا عن أسود أعالي البحار.
    سبق أن عثروا على حيوانات بيضاء كبيرة من هذا النوع هناك.
    هذه الفقمات الأسترالية من ذوات الفرو، هي إحدى الطرائد المفضلة لدى القرش الأبيض.
    إنها لا تخاف منا على الإطلاق.
    لا، فنحن لا نشكل تهديدا كبيرا لها. من الواضح جدا أن السيد الكبير ليس في الماء.
    ليس له أثر على الإطلاق.
    مجموعة جزر آنزر هي أفضل مكان لبدء في البحث فيه، لأن ام الفقمات وأولادها في كل مكان.
    لا بد أن نركز البحث على منطقتين رئيسيتين.
    أحدها العلف بإبقاء على التون لدى القرش، أما كيف سنفعل ذلك فهي مسألة بين يدي باري وجون.
    سوف يتحدث باري عن ذلك.
    يجب أن نحاذر إلى حد ما.
    لنتذكر دائما أننا نتعامل مع حيوان بالغ الخطورة. عادة ما لا نواجه المشاكل في الاقتراب منه، ولكن يجب ألا نستخف به كثيرا.
    كثيرا ما نتصرف أنا وجون بطريقة فيها بعض السخافة، وسوف نقترب جدا منهم لنثبت علاماتنا.
    سيلجأون إلى وسيلة مؤكدة لجذبهم باستخدام التبغ. لدى كويست أكثر من عشرة أطنان من دم التون وبعض الطعم في الثلاجة. سوف يتم إطعامها من على متن المركب لخلق تيار من الرائحة. في البعثة الأخيرة لعائلة وايت جلب هذا الأسلوب أسماك القرش إلى المركب مباشرة.
    يعتبر القرش عنصرا هاما في نظام التوازن البيئي البحري.
    وهو من بين أهم الحيوانات المفترسة إن لم يكن أهمها على الإطلاق. لهذا فهو المسؤول، أو ربما الجزء الهام في الحفاظ على التوازن البيئي بين الطريدة والمفترس.
    إنها حيوانات تصعب دراستها، فهي كبيرة جدا، وبالغة الخطورة، لا يمكن أن تسحبها إلى المركب لدراستها…
    أعني أننا نستطيع الحصول على معلومات حول تركيبتها البيولوجية العامة بتشريح حيوان ميت، أما لدراسة تحركاتها وتصرفاتها فلا بد أن تتعامل مع حيوان حي، وهذه مسألة ليست سهلة.
    ويستمر العلف أربع وعشرين ساعة في اليوم.
    تعتمد المعلومات التي نجمعها على رغبة الناس بمعرفة المزيد فعلا عن هذا الحيوان. حتى الآن ليس لهذا السمك قيمة تجارية، لهذا لا تهتم الحكومات جدا به. الشيء الوحيد الذي يثير اهتمام الناس بالقرش الأبيض الضخم هو خوفهم من الوقوع بين فكيه.
    من المحتمل أن تكون أول ردة فعل للناس عندما يرون القرش الأبيض هي أن يصرخوا، يا الهي! أو أي عبارة دهشة ممزوجة بأحاسيس أخرى. أما المسألة الأخرى فهي التساؤل عما يجري في داخل هذا الحيوان الضخم ذو العيون الداكنة. يقال أنها سوداء، ولكنها في الواقع بنية.
    الواقع أننا لا نعرف الكثير عنه، ولكن من الواضح، ومن خلال تصرفاته، لديه إحساس جيد. ومن خلال ما رأيته، تصرفاته جمالية جدا. ولديه القدرة على التأقلم مع الظروف الجديدة.
    إذن سنأخذ رطلين من قطع التونا…
    يرغب روكي في تجريب ذكاء القرش. لدينا مستطيل ومثلث. في كل منها طعم، ولكن واحدة فقط تمنح الطعام.
    يريد روكي أن يجرب القرش ليعرف ما إذا كان يستطيع تمييز الشكل الذي يكافئه بالطعام.
    يستعمل باري بروس علامة يمكنها تخزين المعلومات عول القرش لما يقارب التسعة أعوام. العلماء يعرفون القليل عن الأماكن التي تذهب إليها هذه الحيوانات. يسعى بيري لمعرفة ما إذا كانت تعيش في مكان واحد أم أنها تجول بلا توقف. ولكن عندما يحين ارتداء الجراب البرتقالي، لا بد من العثور على متطوع.
    القرش يكتسح. كم من الوقت يجب أن ننتظر بعد رمي العلف؟
    أنا متفائل جدا، أشعر بالرضا عما يحدث. اتوقع خمس ساعات.
    حين كنا هنا آخر مرة بقينا لساعة وست دقائق، لهذا أفضل أن أقول ساعة ونصف الساعة.
    أوقات التأخير الناجمة عن العلف والطعوم تستمر على مدى ساعات متواصلة من الحياة العادية على متن السفينة.
    الملل والانتظار هما أسوأ ما في بعثة البحث عن القرش الأبيض.
    نايغيل هو أول من شاهد القرش من على متن المركب. رؤيته الثاقبة هي السبب فيما يكسبه من مال بسبب القرش.
    لا يتصرف القرش الأبيض الضخم بطريقة الثقة العادية التي ميزت القرش الذي عثروا عليه في السابق. يبدو أنه خجول بعض الشيء.
    هذه هي العلامة الملونة التي نضعها للتعريف الفردي على القرش. تحمل هذه العلامة رقما، يؤكد ما إذا سبق ان تم الإمساك بالقرش.يحدد اللون أي نوع من سمك القرش هو. فإذا ما رأيناه مرة أخرى نستطيع أن نعرف أي الأسماك هو.
    كل ما عليك أن تفعله هو وضع العلامة عليه.
    انه أمر يدعو للإحباط. هناك أمور كثيرة نتمنى أن نعرفها فيما يتعلق بالقرش الأبيض، ولكن إذا لم نعثر عليه أو نتمكن من الإقتراب منه يصبح الأمر مستحيلا.
    قاموا بتحديد موقع القرش عبر كاميرا الكويست التي تعمل بالتحكم الآلي، ولكن أعصابه متوترة ولا يمنح الغطاسين فرصة للنزول إلى الماء.
    إنه يمر بلمح البصر. ونحن بحاجة ماسة لوضع العلامة علية. رغم أننا نستمر بالعلف، ولكن هناك شيء ليس على ما يرام.
    عام الف وتسع مائة وثلاثة وتسعون،خرجت ليز مع أندريو في بعثة على متن سفينة فيلي.
    كانت واحدة من أكثر بعثات القرش الأبيض نجاحا في السنوات الأخيرة.
    منذ ذلك الحين لم يسجل الكثير من مشاهد أسماك القرش في جزر نيبتون. كانت بعثة فيلي على متن سفينة علمية أيضا.
    في تلك الرحلة وضع طاقم السفينة علامات على أربعة عشر قرشا كبيرا خلال فترة أسبوعين.
    لا شك أن هذه الأسماك لم تكن خائفة من الاقتراب من السفينة أو روادها.
    طالما كنت مع ليزا مهتما بسمك القرش منذ أن بدأنا في الغطس. ولا يكتمل اهتمامك بالقرش إلا بعد أن تتعمق في دراسة الأكبر حجما من بينها، الأبيض الضخم. وما كنت مع ليزا لنتبع خطوات الأخرين بهذا الشأن،بل فضلنا القيام بعمل جديد، لهذا بنينا غواصة قرش متحركة لنلحق بالقرش الضخم تحت الماء.
    حركة غواصة القرش وسرعتها عنت ألا يحظى أندريو بلقاءات كثيرة.
    واستمر التجاوب المحدود مع العلف في أن يحار الجميع بما يجري.
    لم يظهر سوى قرش أبيض واحد عديم الاكتراث .
    فكانت الغواصة هي الوسيلة الفضلى للغوص عميقا، لنرى ما إذا كانت أسماك القرش تسبح في القعر.
    ننتقل إلى المياه الباردة سأتأكد من مقاييس إس إس بي والمواد الملحقة بها.
    هذه أراضي الفقمات. والمياه مليئة بالدماء والعلف من السفينة.
    إلى جانب ما نراه يعتبر الأمر أشد خطورة مما يبدو عليه.
    لا شك أن الفقمات لم يتصرفن على أن الأمر في خطورة وجود سمك القرش،كان الأمر بالنسبة لها مجرد لهو لا أكثر.
    حين تصل إلى مكان كهذا، تصبح على قناعة تامة بأن لا بد من وجود سمك القرش هنا. أعني إذا ما اعتدت على الغوص بمحرك وأردت الغطس هنا سوف تنظر إلى ما حولك دائما بانتظار أن يعترضك قرش أبيض من الحجم الكبير.
    هنا وفي هذا المكان بالتحديد كان الغطاس الشاب هنري بوردس ، يسبح من الفقمات، عندما هاجمه قرش أبيض هائل.
    فجأة اختفت جميع الفقمات. ففكرت يا إلهي ليس هذا بأمر عادي، كنت حينها تحت الماء وأسرعت في الصعود إلى السطح حيث انتظرت الغطاس الآخر ليتبعني، وفكرت للحظة . انهم يعرفون شيئا لا نعرفه. من الأفضل أن نخرج من هنا على الفور. وأثناء انتظاري للغطاس الآخر كي يصعد تلقيت ضربة. وكأن قطارا ضربني من حيث لا أدري. كانت صدمة مخيفة. لم أشعر بعدها إلا وأني أهتز كما يهتز الطفل في سريره. كان يمسك بساقي اليسرى، فعلمت مباشرة بأنه القرش. فليس هناك أشياء كثيرة أخرى هنا تلقي بضربات كهذه. سحبني إلى تحت الماء وخشيت من الغرق لأني كما تعرف، لا أذكر بأني تنفست عميقا قبل أن يسحبني إلى تحت. وتابع يهزني، شعرت أن الأمر استمر لبضع دقائق إلا أنه ربما كان لأقل من دقيقة لا أكثر. عندما هدأ كل شيء تحسست أسفل ركبتي اليسرى فتنبهت إلى أني لا أجد شيئا هناك. فقدت ساقي في تلك اللحظة، وعندها بدأت أعوم نحو السطح. أبلغت فيما بعد أني كانت أرفع ذراعي في الهواء إلى ضابط السلامة، وهي علامة غواص يواجه المتاعب.
    كنت أنزف طبعا كالذبيح، فربطوا ساقي اليسرى بقطعة مطاطية من سلاح الصيد. سمعت اثنين من الشبان يقولون، لا أظنه سينجو أبدا،أنظر إلى لونه، إنه شاحب. أشد ما ساءني في القرش هو أني لم أتمكن من رؤيته، لأني لم أر حيوانا بهذا الحجم الهائل عن مسافة قريبة، رغم ذلك فقد كنت على هذه المسافة القريبة ولم أتمكن من رؤية ذلك الحيوان اللعين.
    لم يكن لديه أي حقد تجاهي، ولا يمكن أن ألومه، كل ما هناك هو أنه يسعى للحصول على غذائه اليومي، وكنت أسبح بين بعض الفقمات، وفجأة عثر على ما هو أقل سرعة من الفقمات، ففضل الاختيار الأسهل ولحق بالفريسة الأشد بطء.
    أعتقد أن هناك إحساس مريض لدى بعض الأفراد يدعو إلى ضرورة التخلص من هذه الحيوانات لأنها تجرؤ على مهاجمتنا، فيتجاهلون سبب وجودها هناك وسبب وجودنا هنا.
    أعتقد أن هذا المنطق بدأ يتغير. وأرى أننا نتعلم المزيد عما يحيط بنا كي نتفهم حاجة لكل هذه الكائنات كي تتواجد هنا.
    إنه ملك البحار، ما يعني أنه الكائن الأرقى في المحيطات. ها هو هناك، إنه رائع الملامح فعلا.
    أمضت سفينة كويست ثلاثة وعشرون يوما في البحر، وقد شاهدوا سمكة قرش واحدة فقط. رغم أن العلامات الطبيعية هناك يبدو أن البحر خاليا من القرش الأبيض.
    يقول الطاقم أنها كانت تعوم فوق الحاجز هنا.
    لا بد أن يتضح بالكامل ما إذا كان القرش هو ما سبب الموت أو لا.
    هذه عضة سمكة قرش عادية،بحيث أنها تقع في زاوية غريبة من وسط الجسم عند الهجوم. يمكنك أن تتخيل نصفي عضتين هنا القرش يأتي من صعودا بفكيه ‘لى أي من جانبي الحيوان.
    تبدو وكأنها عضة منفردة.
    ليس هناك إثباتات كثيرة عن الأخرى.
    علامات ثقوب في الجسد، أترين هذه الجروح الثلاث؟ يبدو أنها علامات من أسنان سمكة القرش الأبيض. إنها متباعدة بشكل منتظم، هناك مسافة بين الجرح والآخر. إنه حيوان كبير فعلا،ربما بلغ طوله أربعة أمتار.
    وتذكر أنه من المأساوي أن نرى حيوان كبير كهذا بهذا الحال ولكنه جزء من طرائد القرش الأبيض الطبيعية.
    رون وفاليري وتيلور معروفين دوليا كخبراء في سمك القرش.يرى فاليري حاجة ماسة في أن يتفهم الناس حالة القرش الأبيض.
    في أواسط الستينات، عندما بدأنا العمل لأول مرة مع فريق ما، كنا ننزل إلى جنوب أستراليا. وخلال يومين أو ثلاثة كنا ننتهي من التصوير. كنا نصور أعداد من سمك القرش. كل ما نحتاجه كان أسبوعا واحدا. أمضيت حديثا ما يزيد عن الشهر، دون أن ارى سمكة قرش واحدة.إنها تختفي. يبدو أننا لا نتعلم. ليس تقدما أن تقضي على البيئة المحيطة بك. ليس تقدما أن تتخلص من كبار المفترسين. مغربل النفايات الطبيعي. القرش الأبيض هو غربال يخلصك مما هو مريض والكبير في السن وعديم الانتباه.
    من السهل جدا أن تقوم بحماية سمكة ما من الانقراض. ليس لأنها أهم سمكة على الأرض بل ولأنها مثل أي من الحيوانات الأخرى كالقرش الأبيض. ليس لمجرد أنها جميلة فقط، بل لما هو أهم من ذلك. لأنها مخيفة، وساحرة. وكي تجلس على رمال الشواطئ تتأمل سمكة قرش تصعد إليك، يا الهي شيء لا يصدق،بل هو إحساس لا يصدق وكم أتمنى أن يشعر المزيد من الناس به.
    أعتقد انه لو تعرض كل طفل لمثل هذه التجربة،ما كانوا يلجأون إلى الإدمان، وما كانوا يلجأون إلى التدخين بل يذهبون لمواجهة أهم حيوان مفترس أوجدته الطبيعة على الأرض، فيذهب إلى هناك ليشاهده وهو يسبح .
    أتمنى لو أرى يوما القرش الأبيض يتمتع بالحماية في جميع أنحاء العالم، ذلك أنه وحش مميز جدا.
    لن تعرف آخر سمكة قرش أبيض أنها الأخيرة في العالم. ولن تحد على انقراض فصيلتها، الفجيعة ستصيبنا وحدنا.
    طالما كان وجود القرش الأبيض مكافأة ثمينة بالنسبة للبعض.
    هذه الصنارة تجلب لنا الحظ. وقد تمكنا من انتزاعها من سمكتي قرش كبيرتين، لهذا نعتقد أن الثالثة ثابتة.
    ربما كانت القوة العظمى التي يتمتع بها القرش الأبيض هي مصدر جاذبيته. فإذا ما علقت سمكة قرش بالصنارة وتعاركت معها بحماس لتتركها ترحل فيما بعد تكون قد حصلت على قمة المتعة في صيد القرش.
    اصطياد سمكة القرش، بجعلها تقع في الطعم، أشبه بأن تعلق الصنارة بسيارة صديق لك، يقودها بسرعة متدنية ويخرج بك في جولة بعيدة.
    إنها واحدة من أشد معارك القوة التي ستواجهها في البحر.
    انه يدخل إلى أسفل المركب ومن ثم يدخل ويأكل قطهة التون التي في مؤخرة المركب، كما أنه أكل قطعة أخرى ويريد هذه القطعة برغبة شديدة.
    أنظر إليه. إنه صغير الحجم. يبدو أنه عدواني. كف عن استفزازي. أراه هناك. بدأ يقترب. الآن.
    إنها المرة الثالثة التي يكرر فيها المحاولة بعد الأخرى.
    كان رودني فوكس بطلا معروفا في صيد الأسماك، وهو شاب لا يعرف الخوف. كان رودني يتبارز في جنوب أستراليا حين هاجمه القرش الأبيض. وكان بقاؤه على قيد الحياة أشبه بالمعجزة.
    أحب الاعتقاد بأني بقيت على قيد الحياة كي أكون بطلا أو ربما للمساعدة في قضية سمك القرش. كان هناك الكثير من سوء فهم سمك القرش في تلك الفترة. كان الجميع يكره القرش ولا يعرف الكثير عنه. وعندما بدأت بقراءة الكتب ومعرفة المزيد عنه اكتشفت أن أحدا لا يعرف عنه شيئا. حينها قررت أن أنظم أول بعثة للخروج وتصوير سمكة القرش تحت الماء.
    كنا نحاول أن نخرج في ثلاثة أو أربعة بعثات في العام الواحد. لعلمنا بأن أعداد القرش الأبيض ليست كبيرة، فمن الصعب العثور عليها، وعندما تزعجها لن تتمكن من إعادة تصويرها مرة أخرى. تمتعنا في الماضي بثلاثين عاما من النجاحات الهائلة. إلا أن السنوات الأربعة الأخيرة منها لم تكن جيدة لأن أعدادها استنزفت كثيرا، ونحن قلقون جدا عليها. أسماك القرش العظيمة تختفي بسرعة أكبر من توالدها في هذه المنطقة. لدينا الكثيرين من صيادي القرش الصغير الذي يقع في شباكها بسهولة ويموت، فيكتفي الصيادون بتقطيع فكها ورميها في البحر.
    حين تقع جريمة على اليابسة يطالب المجتمع بخضوع المجرم للعدالة، فيبدو الأمر وأنه نسخة طبق الأصل عما يحدث هناك، حيث لا بد من تسليم القاتل للعدالة.
    يعتبر فايس هيسلوبه صياد قرش ماهر يعتمد على أسلوبه الخاص. وهو يعكس المخاوف التي يتحدث عنها الكثير من الناس حول القرش. ولكنه أيضا يتمتع بمعرفة واسعة عن الحيوانات التي يصطادها.
    اصطدت كميات كبيرة من أسماك القرش على مر السنين، وقد أجريت غالبية أعمال الصيد في منطقة واحدة.
    أعتمد على أعمال الصيد كمصدر رزق لما يزيد عن العشرين عاما كنت فيها أصطاد سمك القرش من ذوات الأحجام الكبيرة.
    وكنت أصطاد كل ليلة سمكتين يتراوح طولهما بين أربعة عشر وستة عشر قدما، بينما يزيد وزنها عن الطن ونصف الطن.
    وكنت أرى حين بدأت كميات توازي ما رأيته حين انتهيت. سمعت الكثير ممن يقولون بأن أخطر مسألة بالنسبة لأضخم حيوان مفترس على الأرض هو إضعافه في هذا المحيط الهائل. يستحيل ذلك. لن يتغير شيئا بين هذه الخطوط. إذا ما لم نحرص أكثر هذا كل ما سنبقي عليه في محيطاتنا.
    من هنا يبدأ الخوف. الأبيض الضخم هو وحش هائل.قد يصل طوله إلى اثنين وعشرين قدما، ليقارب وزنه الثلاثة أطنان.
    ليس من العدل حماية آخر حلقة في الشبكة الغذائة. سنسخر بذلك من جميع الموتى وعائلاتهم الذين ما زالوا يتألمون.
    كما نسخر من موت عائلات الدلافين والحيوانات التي نحبها من تلك التي تمزق الآن أثناء حديثي.
    في مكان ما من محيطاتنا. هذا ما يحدث على مدار الساعة مع سمك القرش. إنه مفترس لا يعقل، إنه أشبه بآلة القتل.
    إنه ليس إلا حيوان ضخم يتمتع بأنياب منشار حاد، وهو يحسن استعمالها جيدا.
    يستمر الطاقم على متن السفينة في البحث عن سمك القرش. رغم بعض الطيور الغير مرغوب بها.
    لماذا تعتقد أننا لا نرى أسماك القرش هنا؟
    لأنها ليست هنا.
    فعلا، أظنك على صواب. أعتقد أنها ليست هنا. وأرى أننا بذلنا قصارى جهودنا، وضعنا طعما جيدا بكميات من العلف، ومع ذلك فهي لا تظهر أبدا.
    لا شك. ولكن لا يبدو أن العلف الذي وضعناه لا يصلح. يعتقد الكثيرين أنك إن وضعت العلف في الماء سوف تحتشد أسماك القرش من على بعد مئات الأميال. ولكن يبدو أن لا فائدة من ذلك هنا.
    أعتقد أن العلف بشكل عام يأتي بالقرش القريب من المنطقة. إذا كان القرش في المكان يدعوه للصعود إلى خلف المركب. إنها ليست عملية سحرية تأتي بأسماك القرش من حيث لا ندري.
    أما إذا كان القرش هنا بسبب الفقمات وأسود البحر فهذه أسباب طبيعية لجمع القرش من كل مكان، أما ما نضعه من علف فهو كفيل بجعله يسعد إلى السطح كي نراه بوضوح.
    ما هو السبب؟ لماذا نجد من المستحيل معرفة المكان الذي سيحتشدون فيه؟
    لمجرد أن المعارف التي لدينا حول هذا الأمر قليلة جدا.
    سافروا إلى المناطق الأكثر شهرة بأسماك القرش الأبيض في العالم، وهي جزر نيبتون الواقعة جنوبي أستراليا.
    أمضت السفينة هنا ما يقارب الشهر. وأصبح الجميع على السفينة يتساءل عما إذا بقيت أي سمكة قرش في البحر بعد.
    متوحش وبعيد. على رأس اللائحة بقي واحد على قيد الحياة.
    إذا ما كان الفريق سيعثر على القرش الأبيض فهو متأكد انه في المكان المناسب.
    هذا لا يكفي نحتاج إلى رياح تضرب من جهة أخرى.
    الحقيقة أني أشعر بالقلق فقد خرجت عدة بعثات إلى شمال نبتون في الأربعة أشهر الأخيرة ولم تعثر على كثير من أسماك القرش. جئنا من أعالي جنوب أستراليا في فيكتوريا ونتجه الآن نحو الجنوب الأسترالي ولم نرى سوى سمكة قرش واحدة. هناك أسباب متعددة وأنا لست اختصاصي كي أتحدث عن تلك الأسباب جميعها. كانت هذه المنطقة مشهورة باحتوائها على كميات كبيرة من القرش الأبيض. جميع الأفلام تقريبا وجميع الرحلات العلمية كانت تنتهي في زيارة إلى شمال جزر نبتون أو حيد البحر الخطير. فإذا ما أردت إضفاء بعض التفاصيل الهامة لا بد أن تعثر عليها في هذا المكان الذي ستعثر فيه مؤكدا على سمك القرش.
    نشرت سفينة كويست كل ما لديها من مراكب وزوارق في جميع زوايا الجزيرة كي ترمي بالطعم. ولم تترك مكانا دون المحاولة فيه.
    العمل مع القرش الأبيض مثير للإحباط. فهو غالبا ما لا يكون عاديا. وأحيانا ما يصعب العثور عليه جدا، حتى في المناطق التي نعتقد أن وجوده فيها أكثر اعتياديا من المناطق الأخرى.
    يمكن القول إلى حد ما أننا كلما عرفنا المزيد عن هذا الحيوان كلما نشعر بأننا كنا مضللين بشأن ما يفعله جديا.
    أصبح الجراب البرتقالي بشحنته الكهربائية جاهزا لسمكة القرش.
    حسنا، ارفع العلف وتنبه إلى ذلك الطعم. لا بد أن يعود بعد قليل. راقب جيدا.
    هذا هو القرش، يجب أن يأكل الطعم بسرعة اسحبه إلى الداخل.
    لا شك أن القرش الأبيض هو حدث هام بالنسبة للكثيرين. وهنا في جنوب أستراليا يعتبر من المسائل الإدارية المعقدة التي تحتاج إلى معلومات منطقية لاتخاذ القرارات اعتمادا على قواعد منطقية.
    واحد من أهم الأعمال التي نقوم بها هو ما حاولنا القيام به أثناء هذه الرحلة من تتبع الحيوان في المياه، فهذا بالنسبة لي ما يشبه النافذة السرية في عالمه. وهذا ما هو أشد إثارة ، ذلك أننا إذا ما أردنا أن نفهم الحيوان جديا، سيعني ذلك أن نفهمه في بيئته الطبيعية، بعيدا عما نرمي له من طعم وعلف، وبعيدا عن تأثيرات الجزيرة لنتبعه فعلا داخل بيئته الخاصة جدا.
    يعتبر القرش حيوان هام. بل هو بذات الأهمية التي يتمتع بها أي حيوان آخر في هذه البيئة. لماذا نقوم باختيار الحيوانات انطلاقا مما نراه في أنشطتها؟القرش الأبيض هو آلة صيد متأقلمة. إلا أنه ليس أقل سوءا من الدلفين. يتعلق الأمر بمعرفة السبل التي اتبعها كي يصبح واحد من أهم الحيوانات المفترسة في المحيط.
    مهمة تتبع سمكة تستطيع أن تسبح بحرية حيثما أرادت هي مهمة صعبة. فقد تبتعد أثناء البحث مئات الأميال عن نقطة انطلاقك.
    لست بعيدة عنك، فقد عبرنا بعض المسافات منذ الأمس.ولكننا إلى الشمال من كويست. ذهبنا من الجزيرة في الاتجاه الشمالي الشرقي، ومن ثم بدأنا نتجه جنوبا. أي أنه رسم مثلثا كبيرا . أصبحنا عبر خليج جزيرة نبتونو مباشرة، تجاهل كويست واستمر بالسير شمالا مرة أخرى.
    سافر القرش ستة وعشرون ميلا خلال ستة عشر ساعة وأمضى غالبية الوقت قريبا من سطح البحر. مع انه غاص إلى أعماق تصل إلى ثلاث مائة قدم. يستمر المركب برمي الطعوم. ولكن القرش لم يعد.
    أثناء استمرار كويست اثنان وثلاثة في رمي الطعوم أنزلت الغواصة إلى البحر لتبحث عن القرش في الأعماق.
    ارتعش الغواص رون الوم حين قامت مجموعة من الدلافين برفع قوس الموجات من الغواصة.
    كان باري يصر على وضع علامة أخرى بجسم قرش آخر قبل أن تنتهي الرحلة.
    تبدو أنثى سمكة القرش مخيفة حين تظهر فجأة من العمق الأزرق تحت السفينة.
    انه قرش أبيض ضخم أصبح الآن تحت السفينة مباشرة .
    هناك بعض الجروح واضحة على جسد أنثى القرش ربما نجمت عن عراك لها مع الذكر. فحين لا يجد الذكر شيئا يستند عليه أثناء الجماع يعض الأنثى.
    أمضت السفينة خمسة وثلاثين يوما في البحر ولم تحصل سوى لقاءات مختصرة مع أربع من أسماك القرش.
    كيف تشرح للناس مسألة مخيفة بمستوى عدم قدرتهم على رؤية حيوان ما إلا من خلال شاشة التلفزيون، كيف تجعلهم يرغبون بمعرفة المزيد عن الأمر؟ لا أعرف.
    هناك قصة يجب أن ترد هنا عن هذه الرحلة. كثير من الخرافات التي يجب نفيها، كأن يتم جذب القرش بملعقة واحدة من الدم. إنها حيوانات تصعب رؤيتها. ونحن لا نعرف الكثير عنها. وهذه مسألة خطيرة على هذه الحيوانات، وليست خطيرة علينا.
    على اليابسة كما وفي أعماق البحار يبدو أن الحيوانات المفترسة الكبيرة كالأسود والنمور والدببة والقرش الأبيض الضخم، مهددة جميعها بالانقراض. ربما لأنها لا تملك ما تحتاجه لمواجهة آلة قتل حقيقية.
    ——————–انتهت.

    موقع: د. نبيل خليل

إلى الأعلى