الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » السياسة » بين الإسلام والغرب – تهافت الديمقراطية – محمد السالك ولد إبراهيم

بين الإسلام والغرب – تهافت الديمقراطية – محمد السالك ولد إبراهيم


بين الإسلام والغرب: تهافت الديمقراطية

محمد السالك ولد إبراهيم


بين الإسلام و الغرب: تهافت الديمقراطية

بقلم: محمد السالك ولد إبراهيم(

منذ انطلاقتها الأولى من مدينة أثينا اليونانية (507 قبل الميلاد) وصولا إلى سجون جوانتانامو(2001) و أبو غريب (2004) و فضائحهما اللاديمقراطية و انتهاء بالرحلات السرية لطائرات وكالة الاستخبارات الأمريكية و اعتقالاتها التعسفية لبعض المواطنين الغربيين من أصول عربية وإسلامية، هل يمكن اعتبار هذه المسيرة التاريخية الطويلة للديمقراطية1 الغربية إرثا حضاريا إنسانيا مشتركا بين جميع شعوب العالم؟ ولماذا يشكل العالم العربي الإسلامي استثناء “للقاعدة”، بقي حتى الآن مستعصيا على التفاعل ايجابيا مع هذا الإرث العام المشترك؟!
مع بداية الفتح الإسلامي للغرب عبر البوابة الأسبانية في القرن الثامن الميلادي، مرورا بفترة الحملات الصليبية على أرض الإسلام منذ القرن الحادي عشر الميلادي وانتهاء بالحقبة الاستعمارية و ما تلاها، ثم أخيرا، أحداث 11 سبتمبر 2001، ظلت علاقات العالم العربي الإسلامي مع الغرب المسيحي على الدوام بالغة التعقيد و الحساسية. كما بقيت أسيرة مخيلة جماعية مفعمة بمشاعر متبادلة يطبعها التناقض، قوامها الخوف و العدائية من جهة و الإعجاب و التأثر من جهة أخرى.
أما اليوم، و بعد انهيار المعسكر الاشتراكي بتفكك الاتحاد السوفيتي وانتهاء الثنائية القطبية التي ميزت الحقبة المنصرمة من تاريخ العلاقات الدولية، فقد تكرست هيمنة “قوة عظمى”، وحيدة على المستوى العالمي هي الولايات المتحدة الأمريكية. وقد ظلت هذه القوة الجبارة تبحث عن عدو استراتيجي جديد ما لبثت، في ظل غياب المعنى2 و سيطرة التحريف الإعلامي الجارف و الرخيص، أن وجدت الطريق إليه، غداة 11 سبتمبر2001. لقد أعيد توجيه سيكولوجيا الرأي العام الغربي نحو تأجيج مخاوف الغرب من الإسلام3 و ما قد يمثله من تهديد جدي بالنسبة له. وفي سبيل ذلك، تم الخلط بين الإسلام و الإرهاب كما فتح المسرح المريب للتبشير بنظام عالمي جديد، مازالت أهدافه الحقيقية مخفية وغامضة لحد الآن، حتى بالنسبة للكثير من الفاعلين الكبار في حقل العلاقات الدولية.
لقد أصبح الإسلام اليوم في موضع اتهام. هذا الدين الذي كان سباقا، منذ القرن السابع الميلادي، إلى استشراف روح و قيم الحداثة حتى قبل أن ترى النور- من خلال ما فجره من طاقة تحررية خلاقة لصالح الإنسان و المجتمع في جميع أبعادهما- في وقت كان فيه الغرب المسيحي ما زال ينتظر “عصر أنوار” لن تأتي قبل القرن الثامن عشر الميلادي!
لقد حكمت، بكل بساطة، قلة من الباحثين و المسؤولين السياسيين الغربيين من اقصى اليمين، على آخر وحي الهي لهداية البشرية، بتوصيفه كأكبر عائق أمام استتباب السلام العالمي و نشر الديموقرطية في ربوع العالم العربي الإسلامي.

في حين يجري تجاهل حقيقة أن الغالبية المطلقة من البشر- كما تشاهد يوميا عبر شاشات التلفزيون في كل القارات- ترى أن التهديد الحقيقي للسلام في العالم إنما يأتي من أميركا بوش و زمرته، التي تضع نفسها في مواجهة دموية مع العالم من خلال العنف الذي يمارسونه باسم الدين.
لقد أثبتت دراسة مسحية جديدة4، قام بها قسم الإعلام في جامعة إيرفورت الألمانية، أن البرامج السياسية التي بثتها القناتان التلفزيتان الحكوميتان الأولى والثانية (أي.آر.دي وزد.دي.أف) على مدى عام ونصف ما بين يونيو2005 وديسمبر2006، قد أسهمت بصورة واضحة في زيادة الخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا). و قد اعتمدت الدراسة على تحليل صورة الإسلام والمسلمين في 133 مادة إعلامية سياسية بثتها هاتان الشبكتان، فتبين أن الإسلام قدم في 80% من البرامج كأيدلوجية سياسية ذات منظومة قيمية مخالفة للأنماط السلوكية السائدة في المجتمع الألماني، وتم تصويره كخطر سياسي ومجتمعي، كما ربط بقضايا العنف والنزاعات كالإرهاب واضطهاد المرأة ومشاكل الاندماج والتعصب الديني وقتل النساء بدعوى الدفاع عن الشرف، في الوقت الذي ندرت فيه التغطية الإعلامية حول تنامي النزاعات العنيفة والمتطرفة في أديان أخرى، كما لم تتعد التقارير المحايدة أو الإيجابية المعروضة في هذه القنوات حول الإسلام و المسلمين 19%.
أما في العالم العربي و الإسلامي، فقد شجعت هذه المواقف أنظمة الحكم الاستبدادي على تضييق أدنى مساحات الحرية إن وجدت أصلا و الاستمرار، بدون حرج، في إساءة معاملة شعوبها تحت شعار مكافحة الإرهاب و التطرف الديني. كما وفر هذا الموقف غطاء لأشكال لا متناهية من التدخل السياسي و الثقافي و الاقتصادي و العسكري أدت إلى خلخلة السيادة الهشة لهذه الدول وانسداد أفقها السياسي و مضاعفة أزماتها الداخلية البنيوية حتى أضحى مستقبلها شبه مجهول على خارطة العالم اليوم.
إذا، كيف يمكن تفسير موقف الولايات المتحدة الأمريكية و القوى الغربية عموما -المعبر عنه من خلال خطاب إعلامي واسع الانتشار5، تارة إجماعي و أحيانا تنافسي فيما بينها- يؤكد التزام تلك القوى بمهمة تطبيق الديمقراطية و حقوق الإنسان في العالم العربي و الإسلامي؟ فهل يتعلق الأمر بالتـزام جديمن اجل دعم التغيير أم هي مجرد خدعة مدبرة بعناية قصد إعادة استعمار هذه المنطقة من العالم و بسط السيطرة على شعوبها و استغلال مقدراتها من جديد.
بافتراض صدقية تقارير الأمم المتحدة حول التنمية البشرية العربية للسنوات الأخيرة (2003-2006)، و هي التقارير التي يعدها برنامج الأمم المتحدة للتنمية بالتعاون مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي و الاجتماعي، فإن جميع مؤشرات قياس التنمية المستدامة العربية، بما في ذلك المستوى المعيشي ومستوى الحريات، جميعها تقع ضمن الخط الأحمر. أما التقدم الخجول المسجل في هذا المجال في بعض الأقطار، قبل و بعد حرب الخليج الثانية، فقد تآكلت آثاره بسبب التردد الداخلي و الميوعة، فضلا عن تأثير الإكراهات الخارجية للنظام العالمي الجديد المفروض من طرف القوى الغربية الكبرى و بخاصة الولايات المتحدة.
وهكذا عمليا، لا يبدو أن أنظمة الحكم الاستبدادي في الدول العربية والإسلامية قد زحزحتها قيد أنملة، الحركة العالمية الراهنة نحو الإصلاح و الديمقراطية و الشفافية في أوروبا الشرقية و دول الاتحاد السوفيتي السابق و في دول أمريكا اللاتينية على وجه الخصوص. إذ لا تكاد توجد دولة عربية أو إسلامية واحدة قامت، إراديا و جديا، بالتحول المؤسسي إلى نظام الحكم الديمقراطي التعددي الذي بدأ يفرض نفسه في كل مكان من العالم كخيار استراتيجي لنزع فتيل الصراع عن العلاقات الاجتماعية-السياسية الداخلية وإبعاد شبح الفوضى و الحروب الأهلية عن هذه البلدان و تحقيق التنمية المستدامة لصالح شعوبها الفقيرة و المتخلفة. فهل هو حقا الاستثناء والاستعصاء الإسلامي على الديمقراطية في هذه المنطقة العربية الإسلامية الرخوة الممتدة من انواكشوط غربا إلى جاكارتا شرقا؟
هل هذه الملاحظة صحيحة أم مبالغ فيها؟ أمام التعقيد التاريخي و المنهجي لإشكالية السلطة في التراث العربي و الإسلامي واستمرار ظواهر الاستبداد والشمولية والدكتاتورية في إعادة إنتاج آلياتها و علائقها الزبونية في هذه البلدان، يشير بعض الباحثين إلى نوع من ” القصور الثقافي” البنيوي6 يجعل العالم العربي الإسلامي فاقدا للياقة الفكرية التي تمكنه من ممارسة الديمقراطية. فما هي، إذن، تلك العوامل الداخلية و الخارجية التي ميزت هذه المجتمعات و طبعت تطور ممارسة السلطة فيها على النحو الذي ما فتئ يسمح بإعادة إنتاج و تكريس طبائع الاستبداد في أنظمة الحكم مقابل استعداد الشعوب لتقبل القهر و الابتعاد عن روح التحرر و العصيان و الثورة في سبيل تغيير تلك العلاقات التسلطية.
في هذا السياق، تكتسي اليوم إعادة اكتشاف بعض المفاهيم الإجرائية التراثية اهتماما معرفيا متزايدا بالنسبة للباحثين المعاصرين في حقول دراسة السوسيولوجيا السياسية و الفقه السياسي ضمن تلك المجتمعات. إن مفاهيم مثل “الشورى” و”العمران” و”العصبية” كما عند ابن خلدون (القرن الرابع عشر الميلادي) و “الخروج” وغيرها كثير، ربما توفر قوالب نظرية لتوليد قيمة ابيستمولوجية مضافة قد تكون مفيدة لبناء مقاربة نقدية جادة لدراسة هذا الموضوع من وجهة نظر مختلفة.
في العالم العربي الإسلامي، دأب الناس على النظر إلى الديمقراطية، باعتبارها إما هبة ينتظر أن يمنحها الحكام الطيبون لشعوبهم المتعقلة عندما تكون الظروف مواتية، او قرارا مفروضا من الخارج ضمن اجندة القوى الدولية المهيمنة، أو كنتيجة منطقية لمسار آخر منفصل عنها مثل بناء الدولة الوطنية او تحقيق الوحدة القومية او تطبيق الليبرالية الاقتصادية او نشر العلمانية، الخ…
و حتى على هذا المستوى أيضا، فإن تجربة العالم العربي الإسلامي تقدم نفيا قاطعا لهذه الفرضية. حيث أن مسلسل الخصخصة الاقتصادية الذي اتبع في غالبية دول المنطقة منذ عشرات السنين، لم يساهم قط في النهوض بالديمقراطية. لقد أدت الليبرالية المتوحشة و كذا الإجراءات القاسية للتقويم الهيكلي- المفروض من طرف المؤسسات المالية في بريتن وودز- لاقتصاديات العديد من الدول العربية الإسلامية إلى إلغاء عشرات الملايين من وظائف الشغل و إلى اختلال التوازن في القطاعات السوسيو-اقتصادية الحيوية مثل الصحة و التعليم و البنى التحتية الضرورية. و هكذا اتسعت الفجوة بين الاغنياء و الفقراء و تسارعت وتيرة إملاق الشعوب العربية و الإسلامية الفقيرة أصلا تفتت الطبقة الوسطى الناشئة في هذه البلدان.
و إذا كان صحيحا، من الناحية النظرية، أنه من مزايا الديمقراطية أن يكون الفقراء ملوكا لكونهم الأكثر عددا و أن إرادة العدد الأكبر من الناس لها قوة القانون كما يرى آرسطو في كتابه “في السياسة” “De la politique” ، فإن فقراء العالم العربي و الإسلامي لم يستطيعوا حتى الاستفادة من هذه المزية المزعومة لتغيير واقع الاستبداد و لتحسين ظروف المشاركة السياسية في ممارسة الحكم و دمقرطة الحياة السياسية في أغلبية بلدانهم.
لقد أبدى الغرب على الدوام تخوفات مفرطة من احتمال تحرر حقيقي لشعوب العالم العربي الإسلامي و ذلك إما تحت تأثير اتجاه وطني ثوري علماني، مثلما حدث في مصر في عهد عبد الناصر ثم في العراق إبان حزب البعث، أو تحت تأثير تنامي الصحوة الإسلامية سواء في طبعتيها الإصلاحية أو الأصولية، كما حدث في إيران والسودان و الجزائر و أفغانستان، بغض النظر عن طبيعة تقييم تلك الأنظمة جميعا.
و هكذا حظي العديد من المستبدين العرب و المسلمين بمساندة دائمة من القوى الغربية للاحتفاظ بالسلطة مقابل ضمان مصالحها و نفوذها في المنطقة وكذا تأمين حصولها بيسر على الثروات و الموارد الطبيعية لتلك البلدان، خاصة النفط. هذه الهدية المسمومة التي تغذى أحلام فقراء العالم العربي و الإسلامي نحو الإثراء السريع، و ها هو اليوم يساهم في التعجيل بزوال هذا العالم نفسه.
وعلى مدى عشرات السنين، ظلت الأنظمة الاستبدادية العربية و الإسلامية، المدعومة غالبا من طرف القوى الغربية، تراوغ مع شعوبها في المنطقة، متذرعة بحجة ترتيب و إعادة ترتيب الأولويات الوطنية في كل قطر. فتارة تضحي بالديمقراطية مراهنة على تحقيق بعض السياسات في مجال التنمية، غالبا ما تكون مبتورة التصور و باهتة النتائج على الأرض. و تارة أخرى، تضحي بالديمقراطية و التنمية معا، من أجل اعتبارات أمنية تتخذ من الاستقرار و حفظ السلم الاجتماعي شعارات، قد تكون حقيقية أو وهمية إلا أنها تتجدد عبثيا في كل مرة أو تختلق اختلاقا إذا اقتضى الأمر لتكريس الأوضاع القائمة و إعادة إنتاج النظام الاستبدادي القديم-الجديد وتأجيل أجندة التغيير المطلوب من طرف أغلبية شعوب هذه المنطقة من العالم.

لقد وضعت العراقيل أمام تشكيل الأحزاب الإسلامية و منعت من الوصول إلى الحكم عن طريق الديمقراطية مثلما حدث في الجزائر بشكل سافر وبمساندة مطلقة من الغرب، فانتقلت المنظمات الإسلامية فيها إلى العنف كما هو متوقع. فتبا للديموقراطية.. و لا عزاء للديموقراطيين. لكن، حتى عندما تتمكن بعض الحركات الإسلامية من المشاركة في اللعبة السياسية أو تصل إلى الحكم عن طريق الديمقراطية، فلا يتم الاعتراف لها بالطابع الديمقراطي، بل تحاصر من قبل القوى الدولية المطالبة بالديموقراطية! كما حدث لحركة حماس الفلسطينية و لحزب الله في لبنان.
في نهاية المطاف، يبقي مئات الملايين من العرب و المسلمين الذين لم ينعموا في حياتهم لا بالديمقراطية و لا بالتنمية و لا بالسلم الاجتماعي، ليدركوا في الأخير حجم الكارثة التي حلت بهم.
لقد فقد هؤلاء كل شيء و لم يحصلوا على أي شيء، والنتيجة هي مزيد من الإحباط و الغضب و تأزم الأوضاع الداخلية التي تهدد بحصول انفجار في هذه البلدان في كل لحظة. هذه الحالة ستساهم، دون شك، في تسريع راديكالية معلنة في العلاقات السوسيو- سياسية و الاقتصادية المحلية في اتجاه أكثر عنفا و أكثر إضرارا بمصالح هذه الشعوب بما يقوض أسس استقرار دولها وما يجلبه ذلك من كوارث و مآسي إنسانية و ما يتيحه من فرص سانحة للتدخل و الهيمنة الأجنبية على مصائر هذه البلدان.
و يستمر استغلال هذه الأزمات من طرف الأنظمة المستبدة في العالم العربي الإسلامي لدعم هيمنتها و فرض بقائها في السلطة عبر استخدام كافة وسائل الإكراه المادي و المعنوي مثل القوة (التجسس والاعتقالات والتعذيب، الخ) و الفساد السياسي و الإداري و المالي والرشوة الجماعية و التفتيت الطبقي و الإيديولوجي (لعبة التقسيم الإثني و الطائفي والعشائري و القبلي و المناطقي وضرب القوى السياسية بعضها ببعض، الخ…) و كذا الرقابة الصارمة على النفاذ إلى الأنشطة السوسيو-مهنية و الاقتصادية المهمة (الصفقات و الأعمال التجارية، رخص الاستغلال التجاري و الصناعي للموارد الطبيعية و الخدمات و عقود الامتياز، الخ…) التي تحتل أهمية بالغة في التحكم بإعادة توزيع الثروة التي تمثل عصب الحرب بالنسبة للأنظمة الاستبدادية الزبونية ذات التشعبات الداخلية و الخارجية المعقدة.
و لكن أين هو المجتمع المدني7 و النخب – المدنية و العسكرية – و كذا الأنتلجنسيات الثقافية و الفكرية و السياسية و المهنية و ما هو دورها في عملية الحراك الاجتماعي و ديناميكية التغيير المنشود؟ و إذا كانت الوعي المدني يفترض السعي لبلوغ مستوى رفيع من التطور الثقافي والعلمي و الصناعي والمهني يستلزم الترابط بين مكونات المجتمع على اختلاف انتماءاتهم الاثنية والقومية والمذهبية والفكرية و الطبقية و تحرير طاقاتها بقصد البناء و التعمير و العيش الكريم، فإن مهمة تنوير الشعوب عادة ما يضطلع بها المثقفون و المصلحون طواعية بحيث يعملون على تشكيل قوة اقتراح و قوة مضادة للإيديولوجيا المهيمنة مهما كانت، بغية الحفاظ على التوازن المؤسسي للمجتمع و الدولة. و يتم ذلك، عادة، من خلال رعاية و تطوير حوار موضوعي، تشاركي، نقدي و بناء يقود إلى بلورة الأفكار و تنظيمها و التعبير عنها بما يخدم مشروع الإصلاح و التغيير في هذه المجتمعات.
فمركزية8 دور الرأي المستنير لطبقة المثقفين في مواجهة الأسر الذهني – ومثله التقوقع الثأري – الذي يخلقه التكدس السلبي – لا المنفتح والمثمر – لمشاعر القهر والظلم والألم وتحجم وتحجر الرؤى وانحدار قدرات المبادرة إلى حدودها السفلى لا يوازيها إلا خطورة “الاستقالة” باسم الواقعية أو النضج أو تضخم الوعي أو إدراك ضيق هوامش التغيير أو باسم نوع من التهكم السقراطي، التي إنما هي تورط بالغ الخطورة وليست استقالة بالمعنى الحرفي.
و لكن، ما الذي حدث عمليا في بلدان العالم العربي و الإسلامي، هل هو تقصير أم تواطؤ أم استقالة من طرف أغلبية النخب المدنية و العسكرية في هذه البلدان من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، العلمانية منها و غير العلمانية، في التعاطي مع المهمة التاريخية الرئيسية لتلك النخب؟
إلى أي مدى أسهمت السياسات الغربية بصورة عامة (الزبونية السياسية بين المستبد المحلي و القوى الدولية التي تحميه)، منذ التوجيهات الديمقراطية لقمة لابول الفرنسية (في ظل الرئيس ميتران مع مطلع تسعينيات القرن الماضي) وصولا إلى المقترحات و الوعود الأمريكية بدعم الإصلاح و نشر الديمقراطية في العالم العربي و الإسلامي (في ظل الرئيس بوش)، في تبسيط – أو على الأصح تعقيد- المهمة الصعبة أصلا، بالنسبة للنخب في هذه الدول؟

لماذا يتم استغلال كل المبادئ و الشعارات البراقة مثل التقدمية و الديمقراطية و التعددية و التناوب و حقوق الإنسان و تمكين المرأة و الإصلاح و الأصالة والتغيير والثورة و الحداثة و التضامن و تحقيق الرفاهية، الخ…؟ و كذا استغلال الدين! للوصول إلى الحكم و التمسك به والدفاع عن الحكام المستبدين و تبرير سياساتهم التعسفية؟ كما استغلت العلمانية أيضا! فالمهم، كما يبدو، بالنسبة لهذه النخب ليس البحث عن مصلحة شعوبها و بلدانها، إنما هو فحسب الوصول إلى الحكم و البقاء فيه بأي ثمن و تحت أي شعار!
أي مصداقية يمكن أن يتمتع بها مثقفون عرب و مسلمون (من العلمانيين و غير العلمانيين) ممن يتبنون مبادرات الإصلاح الديمقراطي على الطريقة الأمريكية (كما يحصل في أفغانستان و العراق و الصومال، الخ…)؟ هل حقا تركت للشعوب فرصة خيار ثالث بين سطوة الأنظمة الاستبدادية المحلية المتعاقبة (الجديدة-القديمة) من جهة، و تجرع ألة الحرب الأمريكية التي ترمي يوميا حممها النارية فوق رؤوسهم في فلسطين و لبنان والعراق و أفغانستان و في أماكن أخرى من العالم؟
هل يوجد لدى هذه المجتمعات العربية الاسلامية نخب و مثقفون يؤمنون أصلا بالمجتمع المدني و يسعون لنشر القيم المدنية في نفوس المواطنين بكل ما أوتوا من نشاط ثقافي وعلمي وسياسي و مهني؟ أم فقط توجد نخب و مثقفون كرسوا جهدهم من أجل الوصول إلى السلطة والمناصب العليا خدمة لمصالح فئوية ضيقة.
حتى بالنسبة لتلك النخب التي وقفت، سنين طويلة، في صف المعارضة ضد الأنظمة السياسية المستبدة المتعاقبة على الحكم في بلدانها، كانت دوما متنازعة ومتناحرة فيما بينها سعيا للوصول إلى السلطة، أو في حالة تنافس للتقرب من السلط الحاكمة. كما لم يكن لدى أغلب تلك النخب مشاريع و لا برامج للإصلاح واضحة المعالم تؤدي إلى التغيير و الانتقال من واقع الاستبداد والتخلف نحو الديمقراطية و التنمية في بلدانها. و حتى لو وجدت لديها بعض التوجهات و التطلعات العامة، فإنها كثيرا ما كانت تلجأ إلى المناورة و المساومة على حساب مبادئها و شعاراتها في كل مرة تسنح لها الفرصة مقابل الحصول على مكاسب أو منافع غالبا ما تكون ذاتية و محدودة إن لم تكن شخصية و أنانية بحتة.
غالبا لم يكن في حسابات الحركات والأحزاب السياسية في العالم العربي الإسلامي أي وعي حول خطورة تفاقم التفكك الاجتماعي و التشرذم المدني بسبب نزعاتها السلطوية وتنافسها غير الديموقراطي على الأحقية في السيطرة تحت شعار مخدر هو خدمة الشعب. ربما الشعارات كانت لها معان جميلة ومقاصد خيرة، لكن عدم تطبيق تلك الشعارات على أرض الواقع بسبب عوامل ذاتية و داخلية أو بسبب تدخلات إقليمية أو دولية مضادة، قد عمل على عرقلة مسار التطور الطبيعي لديناميكية واليات التغيير داخل هذه المجتمعات و أسهم في تكريس الأوضاع القائمة و ما تنطوي عليه من سلبية و احتقان و توتر ينذر بالانفجار.
فكل نخبة تصل إلى السلطة في هذه المنطقة من العالم، يكون همها الأول تقوية بنيتها السلطوية الذاتية (حزب، حركة، جماعة، حلف، الخ…) عبر توزيع المهام والسلطات و المنافع على أساس المحسوبية و الزبونية و علاقات الولاء الضيقة، عوض الإلتفات إلى عامة الشعب و العمل على تنويره من خلال بناء المجتمع المدني الذي يمثل الدعامة الحقيقية لارتكاز العملية الإصلاحية و نشر و تثبيت ثقافة وقيم الحرية وحقوق الإنسان والعدالة و التضامن و التعاون والشراكة.
كل ذلك أدى إلى تقويض أسس المجتمع المدني ودوره في تدبير المجال العام. لقد تم التلاعب بمفاهيم محورية مثل المواطنة والمصلحة العامة و التسامح والحرية والتعددية ضمن سياقات تعبوية9 مؤدلجة من أجل خلق هويات دلالية لمشاريع سياسية تدعي الاصلاح، بينما هي ترمي في أهدافها المبيتة إلى الوصول إلى السلطة ليس إلا. إن هذا الانفصام والخلط و الازدواجية التي تعاني منها هذه النخب في تحديد الأهداف و وسائل تحقيقها قد أوصل الوعي المدني الجمعوي في هذه البلدان إلى أزمة ثقة حقيقة في جدية أي مشروع إصلاحي. و بدلا أن يتفاعل الجميع من أجل البناء و التنمية من خلال الاستفادة من التنوعات والاختلافات والتعدد كعوامل غنى من اجل بناء مجتمع مدني يتمتع بالحرية و الحيوية الضرورية لتحقيق التنمية المستدامة و العيش الكريم، تم توظيف التباينات المجتمعية المختلفة لتفكيك لحمة المجتمع و تفتيته طبقيا و أيديولوجيا ليظل مجتمعا فئويا متخلفا و ضعيفا.
و يبدو أن هذه اللعبة قد أغرت أغلبية النخب الثقافية و الفكرية و السياسية و المهنية في هذه البلدان من مختلف المشارب و الأطياف. ففي الوقت الذي لا يستغل الدين عادة إلا في الظروف الصعبة، حيث يفتي أصحاب العمائم10 واللحى الحاكم المستبد بما يريد وقت ما يريد، فإن أصحاب الشوارب السوداء و ربطات العنق الملونة، هم كذلك، لا يترددون في تبرير رأي الحاكم المتسلط بالحجج القانونية العلمانية بغية اقصاء منافسين سياسيين آخرين من العلمانيين أو من غيرهم وإبعادهم عن الكعكة المغرية للسلطة.
و إذا كان استغلال الدين في لعبة الحكم و السلطة قد بات أمرا مألوفا بالنظر إلى التعقيد التاريخي و المنهجي الذي اكتنف الصراع الفكري و السياسي على السلطة في التاريخ العربي الإسلامي على الرغم من المجهود المتميز الذي بذل في فترة العهد الراشدي (632 – 661 م) لتأسيس دولة مجسده للعقيدة والشريعة الإسلامية. إلا أن عدم نشوء أو تكون مؤسسات ثابتة أو إرساء تقاليد و قواعد وإجراءات مقننة و متعارف عليها، تضطلع بتنظيم عملية التداول السلمي للسلطة من منظور إسلامي بحت، قد أسهم في إبقاء الممارسات السياسية في العالم العربي والإسلامي، عبر التاريخ، خاضعة لحسابات واقعية أدت إلى تغلب المصالح الدنيوية المختلفة في عملية صراعية تاريخية جد معقدة و حساسة، دأب فيها الخصوم السياسيون على استغلال الإطار الديني عبر استخدام ممنهج لآليات التأويل و التفسير المؤدلج للنصوص الدينية الرئيسية من القرآن و السنة من أجل التغلب و الانفراد بالسلطة و إقصاء الآخر. و هو ما أتاح نشوء مجموعة نماذج شديدة التباين من الدول الإسلامية منذ ظهور الدولة الأموية (661 م) وصولا إلى دولة الخلافة العثمانية التي انتهت عمليا في عام 1909.
فهل فشل، بذلك، مشروع دولة العقيدة والشريعة11 و نجحت دولة الواقع؟ لتبقى العقيدة والشريعة شعلة تنير الدروب ويبقى التشبث بتجسيد العقيدة والشريعة ضمن دولة ما، عبارة عن حلم مشروع ما يزال يراود مشاعر غالبية المسلمين إلى حد الآن؟
إن ما يثير الاستغراب حقا هو أن لعبة الاستغلال هذه لم تقتصر على توظيف الدين من اجل السياسة، بل كرست استغلال بعض النخب في العالم العربي الإسلامي للعلمانية بغية تحقيق مآرب سياسية و لتبرير رأي الحاكم المستبد بالحجج العقلانية و الأدلة القانونية.
و هو ما جعل أحد كبار المفكرين12 العرب المعاصرين يتساءل ضمن مقارنة طريفة بين علمانيي الشرق و الغرب: لماذا يعامل العلمانيون في الغرب مؤمني شعوبهم بكل نواقصها كأشياء ثمينة رائعة، بينما يتعامل علمانيو الشرق مع المسلمين الذين يشكلون الغالبية الساحقة لشعوبهم كـ “شيء يمكن التخلص منه”؟ إنهم في نهاية الأمر يتعاملون مع شعوبهم كشيء يمكن التخلص منه! بل لماذا يجد علمانيو العالم العربي الإسلامي في إدارة بوش ممثلاً للعلمانية الغربية، علماً أنها تتكون أساسا من أشد المسيحيين المحافظين الجدد تطرفا.
فضلا عن ذلك، لماذا يترك العلمانيون في العالم العربي مهمتهم التاريخية التي يفترض أنها تقتضى المشاركة الجدية في تأسيس ديمقراطية لصالح شعوبهم احتذاءً بما فعل العلمانيون الآخرون لشعوبهم في الغرب و في الهند و الصين و غيرها؟ ديمقراطية تجد فيها هذه الشعوب مكاناً أيضا لمعتقداتها الدينية الإسلامية. ديمقراطية تكون قابلة للحياة في المجتمع أولا، و من ثم التطور باتجاه ديمقراطية متكاملة بقدر ما يسمح به تطور فكر تلك الشعوب العربية والإسلامية في تفسيرها لنصوص الإسلام وفي اطمئنانها إلى أن الديمقراطية ضمان لحرية الفكر والمعتقد للجميع بلا استثناء، وأن هذه الحرية صديق لها وليست عدوا عليها التصدي له.
بدلا من ذلك، يشترط علمانيو العالم العربي الإسلامي، دون غيرهم، على مجتمعاتهم القفز مرة واحدة فوق كل ما لا يجدونه مناسباً من تراث هذه المجتمعات، كشرط لرضاهم عنها وقبول التعامل معها، فيضعون، بذلك، أمامها مطالب تعجيزية لا قبل لها بها. ومن المطالب التعجيزية التي كثيرا ما تطرح كشرط للديمقراطية هو إبعاد الدين عن السياسة و الاستجابة الفورية لحقوق المرأة. إن مثل هذه الاشتراطات تبدو تعسفية وقد تأتي بنتائج عكسية و هي فضلا عن ذلك، إنما تعبر عن صدى اجندة تكتيكية غربية لابتزاز الشرق أكثر مما تعبر عن انشغالات فكرية نابعة من الواقع تتلمس حلولا مبدعة للتعامل مع المعطيات و الخصوصيات المحلية للمجتمعات العربية الإسلامية بغية تطويرها وعصرنتها.
إن أكثر الدول عراقة في الديمقراطية لا تخلو من وجود أحزاب مسيحية كبيرة أو صغيرة تشارك في الممارسة السياسية الديمقراطية كما أن عملية استصدار القوانين و التشريعات في أغلبية البلدان الغربية تتعرض لضغوط شديدة بغية إخضاعها لمعايير تقييم مسيحية مثل المواضيع المتعلقة إصلاح التعليم والاستنساخ و مناهضة الإجهاض و الزواج بين المثليين، الخ…
كما أنه من المعلوم أن أي مرشح لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية لا يستغني عن تلوين خطابه الانتخابي بمسحة دينية، وهي ظاهرة قد وصلت إلى أعلى مستوياتها اليوم عن طريق الرئيس بوش الذي يجاهر أن الله أمره أن يفعل كذا وكذا!. أما في إسرائيل، فإن الدولة مبنية أصلا على أساس تمييزي ديني يهودي. في حين لا يتردد علمانيو العالم العربي الإسلامي في استهجان اعتراض حزب الله على الحكومة اللبنانية الحالية حتى ولو تم ذلك عن طريق قواعد ديمقراطية معروفة ومثبتة تتيح للشعب بواسطة أحزابه أو بشكل مباشر أن يعترض على الحكومات (حتى المنتخبة منها) وإسقاطها، مع تجاهل التزام حزب الله في مسعاه بأسلوب اللاعنف (كما فعل غاندي). و في نفس السياق13 يتم تحميل حركة حماس وزر رفضها لفكرة المشاركة المتساوية في إدارة القرار السياسي مع حركة فتح، و كيف أنها أوصلت الحكومة إلى الشلل والوضع الأمني إلى الفلتان، دون طرح هذه الأسئلة: لماذا يجب على حماس أصلا أن “تشارك” أحدا في سلطة أرادها الشعب الفلسطيني لها وحدها؟ و من أوصل حماس الديموقراطية إلى الشلل غير المقاطعة الغربية اللاديموقراطية المدفوعة من قبل إسرائيل؟

أما فيما يتعلق بموضوع حقوق المرأة و ضرورة مساواتها المطلقة و الفورية بالرجل، فإن التعصب لهذا المبدأ العام جعل أنصاره ينسون تماماً أن الغبن الموجه ضد المرأة هو كذلك ميراث اجتماعي بشري عالمي، تتطلب معالجته ردحا من الزمنً. و بدلاً من التعامل مع هذا الموضوع بشكل علمي، يفترض علمانيو العالم العربي الإسلامي أن الشعب، قادر على أن يقرر مساواة المرأة “بجرة قلم” لكنه لا يفعل ذلك لأنه متخلف وسيء الطبع14، لذا توجب تعنيفه حتى يتخلى عن هذا الموقف. و هذا ما يجافي الحقيقة و يكرس ضيق الأفق الإيديولوجي باختزال وجاهة الأفكار و الحقائق إما إلى مسلمات دوغماتيكية غير قابلة للنقاش أو استغلالها في مناورات تكتيكية و مرحلية خدمة لأغراض أخرى.
ففي الوقت الذي شرعنت السلطات الانتقالية في موريتانيا مشاركة إجبارية للمرأة بنسبة لا تقل عن 20% في اللوائح المترشحة للمجالس البلدية و للبرلمان، لا تشكل نسبة النساء داخل الكونغرس الأمريكي سوى15%. بل ان بداية حصول المرأة على حقوقها السياسية في الغرب قد بدأت عام 1918. ومن المحتمل أن يكون السبب في ذلك المكانة التي اكتسبتها المرأة أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى حين حلت محل الرجل الذي ذهب للقتال، إضافة إلى تأثير ثورة أكتوبر الشيوعية في روسيا التي منحت المرأة حقوقاً مساوية للرجل فوراً، فلم يرضى الآخرون أن تبدو روسيا المتخلفة أكثر تحضراً منهم. و قد يفاجأ كثيرون حين يعلمون أن المرأة الكندية لم تحصل على حقوق التصويت الكاملة حتى عام 1960! ولم تحصل المرأة في البرتغال على حقوق تصويت كاملة حتى 1976! و أن سويسرا لم تمنح حق التصويت للمرأة حتى عام 1971 ولم تنتخب أول امرأة سويسرية15 لتشارك في الحكومة حتى عام 1984.
إن الأمر لا يعني بالطبع، أنه يتعين على المرأة في العالم العربي الإسلامي أن تنتظر نفس المدة الزمنية لنظيرتها في الغرب لكي تحصل على حقوقها المشروعة، فالاستفادة من تجارب الشعوب و الأمم، فيما بينها، تختصر الزمن. لكن هذا لا يلغي ضرورة حسن تقدير الشروط الموضوعية لتلك التجارب و أهمية الأخذ بعين الاعتبار لمدى صعوبة تحقيق مثل هذه الإصلاحات و إعطائها الوقت اللازم، بدلا من وضعها كشروط تعجيزية لولادة الديمقراطية أو الاعتراف بها في هذه المنطقة من العالم.

في ظل التغير الراهن لموازين القوة بالنسبة للعلاقات الدولية، ألا تعكس فورة الحماس الإيديولوجي لبعض النخب الليبرالية و العلمانية ضد كل ما يتصل بالإسلام – باعتباره خلفية ثقافية تشكل مصدرا لكل الهواجس و الشرور- نزعة هروب إلى الأمام و نوعا من التلذذ بجلد الذات؟ ثم إلى أي مدى يمكن تجاهل الحقائق من أجل إثبات رأي ما أو الدفاع عن موقف و لو كان خاطئا؟
إذا كان التفكير الاستراتيجي الغربي- في ما يتعلق بتكتيكات تسويق الديموقراطية في العالم العربي الإسلامي- يتوزع بين ثلاث اتجاهات رئيسية تعتمد على آليات الاحتواء المزدوج (تعزيز الأنظمة الاستبدادية الصديقة مع ابتزازها بالتقصير في تطبيق الديموقراطية) والجرح النازف (تغذية الصراعات الداخلية وتركها تتفاقم ليتم استغلالها في الوقت المناسب) وإعادة الاستعمار (تدبير الانقلابات و التدخل العسكري المباشر)، فهل يمكن اعتبار الديمقراطية كأيدولوجيا مهيمنة مجرد ابنة غير شرعية لعلاقات القوة الجائرة بين أقطاب متعددة أكثر مما هي تكريس مثالي لفكر الفلاسفة الغربيين الأوائل؟
ثم هل دخلت الديمقراطية – في ظل التحولات العالمية الجارية – مرحلة متقدمة من الإرتداد والنكوص ربما تؤدي إلى تراجع و تقهقر المقولة نفسها؟ و هل حقا يمكن تصور أو توقع نجاح تجربة ديموقراطية16 بدون ديموقراطيين؟
هل سيظل إدراك التجربة الديموقراطية في العالم العربي الإسلامي منحصرا في نوع من الوعي الشقي المترنح بين نوازع الاحتفاظ بالحكم و ضرورات التعامل الحذر مع مقتضيات التغيير و الإصلاح ضمن سياقات محلية، إقليمية و دولية يستعصي استقراء ملامحها أو التكهن باتجاهاتها؟ هل سيتغير الجوهر الاستبدادي لأنظمة الحكم في هذه المنطقة؟ أم سيظل الاهتمام بالديموقراطية من طرف مختلف الفاعلين مجرد معطى متغير الأهداف و الأبعاد و القيمة؟
حقا، إن التأرجح الشديد الذي يطبع تفكير و تصرفات الغرب اتجاه هذه المنطقة و شعوبها، ما بين تطلعاته الكونية كمبشر بالحرية والمساواة و طبيعته الاستعمارية القديمة-الجديدة، إنما تعكس بجلاء حجم المصاعب و التحديات التي تواجه أي جهد فكري و سياسي جاد يسعى إلى المساهمة في بلورة أسس موضوعية لإقامة حوار بناء حول مستقبل أمثل لعلاقات أكثر عدالة بين العالم العربي الإسلامي والغرب لا بد أن يمر حتما بإعادة اكتشاف و تعريف الديمقراطية ذاتها من جديد.

انواكشوط، مارس 2007
* باحث بالمركز الموريتاني لأبحاث التنمية و المستقبل [email protected]][email protected]

* باحث بالمركز الموريتاني لأبحاث التنمية و المستقبل [email protected]][email protected]
1 Au-delà de l’interventionnisme, que reste-t-il de la démocratie, محمد السالك ولد ابراهيم (مقال منشور بالفرنسية)
2 Zaki Laîdi : Un monde privé de sens, fayard, 1998
3 L’Islam mondialisé, Olivier Roy, Editions du Seuil (août 2002)
4 صائب خليل، العلمانيون والديمقراطية في عالم إسلامي – الجزء 1، مقال منشور على موقع الانترنت البديل العراقي.
5 Initiative pour un partenariat Etats-Unis – Proche-Orient In “New York Times” 12 décembre 2002.
6 Démocraties sans démocrates, sous la direction de Ghassan Salamé, Fayard
7 عباس النوري ، مستلزمات بناء مجتمع مدني علماني ديمقراطي في العراق ، مقال منشور على موقع الانترنت البديل العراقي.
8 بدي ولد ابنو، المثقفون في ساعة الفعل السياسي، مقال منشور على موقع الانترنت الحدث (جريدة الكترونية مستقلة).
9 أبو العباس ولد ابرهام، العلمانية أيضا، مقال منشور على موقع الانترنت الدرب
10 زين الدين ولد محمد المختار، وعقيدة الكفر السياسي .. هل تقبل المناقشة ؟؟، مقال منشور على موقع الانترنت الدرب

11 هاشم حميد الخالدي ، العلمانيه/ثوابت وصل وفصل الدنيا عن الدين، مقال منشور على موقع الانترنت البديل العراقي
12 صائب خليل، العلمانيون والديمقراطية في عالم إسلامي – الجزء 1، مقال منشور على موقع الانترنت البديل العراقي.
13 صائب خليل، العلمانيون والديمقراطية في عالم إسلامي – الجزء 1، مقال منشور على موقع الانترنت البديل العراقي.
14 صائب خليل، المرجع السابق
15 صائب خليل، المرجع السابق
16 Démocraties sans démocrates, sous la direction de Ghassan Salamé, Fayard

المصدر: مجلة أقلام

37 Views

عن

إلى الأعلى