مفهوم الشعر وماهيته – منير مزيد


مفهوم الشعر وماهيته

منير مزيد


مفهوم الشعر وماهيته

“من فم الشاعر تولد اللغة
ومن اللغة تولد كل الأشياء”

بقلم الشاعر والروائي منير مزيد

كتب افلاطون محاورته ” ايون” يتناول فيها مسالتين مهمتين من صميم النقد الأدبي أولاهما: ما مصدر الشعر لدى الشاعر: الفن أم الإلهام، والثانية: ما الفرق بين حكم الشاعر والناقد الأدبي على الشيء من جهة وبين حكم العقل والعلم على نفس الشيء؟ يرى أفلاطون في محاورته أن مصدر الشاعر هو الإلهام ومصدره إلهي محض وقد قرن الشاعر بالأنبياء وبالعرافين، وهذه الفكرة مرجع من اعتادوا بالإلهام والقريحة في الشعر لا بالصنعة والتعلم، أما في المسألة الثانية: يقرر أفلاطون أن مقدرة الشاعر على تأليف شعر في شيء غير مقدرة المرء على شرح نفس الشيء شرحا عقليا وأن الشعر ليس هدفه الشروح العملية… ونستشهد بخاتمة قصيدة ” فن الشعر” للشاعر ” أرجبيلود مكليش” والتي تقول:

” القصيدة لا يجب أن تعني

بل أن تكون”

وقد عبر جبران خليل جبران عن تلك المسألتين، إذ يقول في المسألة الأولى: أن الشعراء أثنان ذكي ذو ذاتية مقتبسة وملهم كان ذاتا قبل أن يصير بشراً ، والفرق بين الذكاء والإلهام في الشعر، هو الفرق بين أظافر محددة تحك الجلود الجرباء، وشفاه أثيرية تقبل القروح فتشفيها، وهنا فرق جبران بين الشعر ومصدره الإلهام والشعر ومصدره الصنعة والتعلم والذي تميز به كثير من الشعراء .. وشتان بين الأثنين.

هذه الرؤية الجبرانية تتفق تماماً مع أنصار الشعر للشعر، إن قضية الشعر للشعر ليس يقصد أصحابها أن يستخدم الشاعر براعته في النظم كي يمدح أو يذم ، أو يرفع أو يضع، أو ليساير من يشاء متى شاء له هواه ومطامعه، فيمدح اليوم ما ذمه امس، ليظهر براعته في اللغة، أو ليصل لإغراضه الخاصة به.. فهذا ينافي التجربة وصدقها، وينافي رسالة الشعر الوجداني من سبر أغوار القلب الإنساني والتعرف على أدق خلجاته، وإمكاناته الطبيعية، ومستقبله ومصيره الاجتماعي وتأثراته الوراثية وأحلامه وطاقته وموقفه الميتافيزيقي في عصره وكل ما يعد مقوماً من مقومات حياته وسعادته في الأرض… ويتفق جبران مع أفلاطون على أن الشعر مصدره الإلهام وفي رأيه ” الشعر الحق”. أما في المسألة الثانية يقول جبران: ” الشعر في الروح فكيف يباح بالكلام؟ والشعر ادراك الكليات فكيف نظهره لمن لا يدرك سوى الجزئيات؟ والشعر لهيب في القلب أما البيان فرقع من الثلج فمن يا ترى يوفق بين لهيب وثلج؟.
إن محاورة ايون هي أوسع عرض في العالم القديم للفكرة التي تذهب إلى أن الشعر إلهام خالص هذه الفكرة التي كان لها تاريخ طويل، تقلبت فيه على وجوه شتّّى ولا تزال قائمة حتى اليوم.
وقد قال ” دريدن”: ” لا ريب أن الإفهام الكبيرة وثيقة الصلة بالجنون”، وقبل دريدن
بما يقرب من مائة عام قال الشاعر والكاتب المسرحي الكبير وليم شكسبير:

” المجنون والعاشق والشاعر جميعهم في الخيال سواء”

يفسر أفلاطون حقائق الوجود ومظاهره ” بالمحاكاة” وعنده أن الحقيقة-وهي مصدر العلم- ليست في الظاهرات الخاصة العابرة، ولكن في المثل أو الصور الخالصة لكل أنواع الوجود وهذه المثل لها وجود مستقل عن المحسوسات وهو الوجود الحقيقي ولكن لا ندرك إلا أشكالها الحسية التي هي في الواقع ليست سوى خيالات لعالم المثل.

وتدل المحاكاة عند أفلاطون على العلاقة الثابتة بين شيء موجود ونموذجي والتشابه بينهما يمكن أن يكون حسناً أو سيئاً، حقيقياً أو ظاهراً، فحين تحاكي طبيعة الأشياء بالحروف والمقاطع والكلمات والجمل تكون المحاكاة حسنة إذا دلت على خصائص الموجود وسيئة إذا تجاوزت هذه الخصائص ، واللغة بفنونها المختلفة طريق التأثر علم المعقول أو علم المثل في الحس، وأداة لذلك التأثير، وينحصر نجاح الفنان في نتاج محاكاة الأشياء على حقيقتها، وفي هذا يتجلى مجهود الفنان ويؤتي ثماره على أن المحاكاة الحقيقية لإغناء فيها عن الحقيقة، فليست سوى خطوة للإقتراب من الحقيقة إذا كانت تلك المحاكاة صحيحة.

أما رؤية جبران الأفلاطونية فيما يتعلق بالمحاكاة يقول جبران: لا، ليست الحياة بسطوحها بل بخفاياها، ولا المرئيات بقشورها بل بلبابها، ولا الناس بوجوههم بل بقلوبهم، لا ولا الدين بما تظهره المعابد وتبينه الطقوس والتقاليد بل بما يختبئ في النفوس ويتجوهر بالنيات، لا ولا الفن بما تسمعه بإذنيك من نبرات وخفضات أغنية أو من رنات أجراس الكلام في قصيدة، أو بما تبصره عيناك من خطوط ألوان صورة بل الفن بتلك المسافات الصامتة المرتعشة التي تجيء بين النبرات والخفضات في الإغنية وبما يتسرب إليك بواسطة القصيدة وبقي ساكناً هادئاً مستوحشاً في روح الشاعر وبما توضحه إليك الصورة فترى وأنت تحدق بها ما هو أبعد وأجمل منها. لا يا أخي ليست الأيام بظواهرها، وأنا أنا السائر في موكب الأيام والليالي لست بهذا الكلام الذي أطرحه عليك إلا بقدر ما يحمله عليك الكلام من طويتي الساكنة. إذاً لا تحسبني جاهلاً قبل أن تفحص ذاتي الخفية، ولا تتوهمني عبقرياً قبل أن تجردني من ذاتي المقتبسة، ولا تقل هو بخيل قابض الكف قبل أن ترى قلبي، أو هو الكريم الجواد قبل أن تعرف الواعز إلى كرمي وجودي. لا تدعني محبّاً حتى يتجلى لك حبي بكل ما فيه من النور والنار ولا تعُدنّي خليّاً حتى تلمس جراحي الدامية.

أما مفهوم الشعر عند أرسطو فينحصر في المحاكاة، والشعر الحق عند أرسطو يتجلى في المأساة والملحمة والملهاة، فهو يقرر بحزم أن الأعاريض الشعرية لا تعتبر الحقيقة المميزة للشاعر، وأن المحاكاة لا الوزن هي التي تفرق بين الشعر والنثر.

يقول ارسطو في كتابه ” فن الشعر” والذي يعد من أهم الكتب النقدية والدراسات الأدبية في العالم ويبين فيه أنه لم يكن في زمنه اصطلاح جامع تنطوي تحته جميع الأنواع التي تتخذ أداة المحاكاة سواء في النثر أو النظم، والاستعمال الحديث لهذا المصطلح هو كلمة ” أدب” ومن الواضح تماماً أن الوزن وحده ليس كافياً لتمييز الشعر إذ ثمة رسائل في الطب وفي الفلسفة الطبيعية كتبت شعراً ( وهذه الطريقة كانت الأكثر شيوعاً عند قدماء الإغريق من الوقت الحاضر) حتى يسهل حفظها وبالتالي يسهل تذكرها لأن عصر الطباعة والكتب لم يدخلا بعد..).

” ليس لدينا اسم تنضوي تحته مجونيات صوفرون واكزينار خوس ومحاورات سقراط أو القصائد الإليجية الخماسية والإليجية الرثائية أو بحور أخرى يؤدي بها فن الملحمة بطريقة المحاكاة، حقاً جرت عادة الناس وفيما يتعلق بالشعر أوفيما يختص بالبحر، على أن يسموا البعض بالشعراء الإليجيين أي الذين ينظمون قصائدهم على البحر الإليجي ويسمون آخرين بالشعراء السداسيين ، أي الذين ينظمون شعراً سداسي التفاعيل، وبذلك تمايز الشعراء في عرف الناس ليس وفقاً لطبيعة المحاكاة في أشعارهم ولكن على قاعدة الوزن وحده، حتى الذين ينظمون رسائلهم في الطب وفي الفلسفة الطبيعية يسمون شعراء، ومع ذلك فليس بين هوميروس وامبذوقليس من شركة إلا في الوزن. والأول جدير باسم الشاعر والثاني جدير بأن يسمى طبيعياً لا شاعراً ” ، وكان هوميروس لدى ارسطو شاعراً فحلاً لا لإنه اضطلع في فخامة الديباجة الشعرية فحسب بل لإنه جعل محاكياته في شعره ذات طابع درامي”.

ويعيد ارسطو جوهر معنى المحاكاة الإفلاطوني، ولكن على درجة مختلفة فهو يثريه بملاحظاته الدقيقة ودراسته لمئات الأعمال الفنية في المجال الأدبي والمجال التشكيلي.

فكل أنواع الشعر التي عددّها بالإضافة إلى الموسيقى الرقص والفنون التشكيلية وأشكال المحاكاة. والمحاكاة هنا ليست عالم المثل- الذي لا وجود له- وإنما الطبيعة مباشرة، ومن ثم فالمحاكاة عند ارسطو بعيدة عن الحقيقة بدرجة واحدة وهنا يمكننا القول بأن المواقف والأفعال والشخصيات والإنفعالات ينبغي أن تكون مشابهة للحياة وليست صورة فوتوغرافية منها- فوظيفة الشاعر – أو الفنان بوجه عام- هي ألا يحاكي احداثاً تاريخية معينة أو شخصيات بنفسها. ولكن أن يحاكي أوجه الحياة في عالميتها الشاملة من حيث الشكل والجوهر. والمثال كما تنعكس على صفحة روحه عن طريق ملاحظتها ومدارستها والشعر خلق باعتباره محاكاة للإنطباعات الذهنية ومن ثم فهو ليس نسخاً مباشراً للحياة. وإنما تمثلٌ لها. ويبرر ارسطو احتمالية اتهام الشاعر بأن محكياته غير حقيقية وذلك في إجابته التي تبين بأن الشاعر يحاكي الأشياء كما هي، أو كما كانت، أو كما ينبغي أن تكون، أو كما اعتقد الناس بأنها كانت كذلك، أي أن هذا الشاعر المتهم بالبعد عن الحقيقة المعروفة للناس، يمكن أن يدافع عن موقفه بأن يعرض الأشياء الحاضرة والماضية والمثالية أو ما يعتقده الناس فيها.

فقديماً، لاحظ أرسطو في النثر أنه قد يتوافر له نوع من الإيقاع كالشعر، وكثير من الكلام المنظوم لا يدخل في الشعر إذا خلا من الإيحاء ومن التعبير عن تجربة وإذا لم تتوافر له قوة التصوير ووسائل الإيحاء ” وقد عني بها المذهب الرمزي في الشعر” الإيحاء والتصوير إذا انعدما من القصيدة صارت نظماً وفقدت روح الشعر كما أنهما قد يوجدان في بعض فقرات في النثر قد تكون له حينئذ صفة الشعر.

يقول جبران:” الشعر وميض برق والنظم ترتيب كلام، فليس إذن من الغريب أن يرغب الناس في الترتيب وهو في مرتبتهم دون الوميض وهو في الفضاء.”
إن كتابات أفلاطون والأسقف تايلر والنظرية المقدسة- “Theorea Scare” لبيرنت تمدنا بالأدلة لا سبيل إلى إنكارها على أن أسمى أنواع الشعر قد توجد دون وزن بل بدون الغاية التي تتميز بها القصيدة. فالشاعر العربي نزار قباني يقول:” قد أصل في خطابي الشعري إلى مستوى الكلام العادي وقد اتهم بالنثرية حيناً وبالتقريرية حيناً آخر.. ولكني لا أغضب مما يقال لأنني اعتقد أن الجدار الفاصل بين الشعر والنثر سوف ينهار عما قريب كما انهار جدار برلين” وأما السير فيليب سيدني فقد مضى إلى النظر إلى أهمية اللقب الذي خلعه الإغريق والرومان على الشاعر- فالرومان دعوه “Vates” وهو قسيم الكاهن أو العراف أو النبي، والشعر قد يكون سماوياً “هذا لا يعني أنه يجب أن يكون كذلك” وهذا يتجلى لنا من مزامير داوود التوراتية حيث يحتج السير فيليب بأن المزامير إغان نظمت في أوزان ولكن الوزن وحده لا يقيم شعراً. بل علينا أن نحصل على الإبداع الحيوي فالإبداع هو الخاصية المميزة للشاعر ، إنه يبدع أشياء جديدة معتمداً على فطنته الذاتية.

في حين يؤكد ” ارنولدهاوزر” مكتشف الشعر الحر، أي الشعر الذي ينبثق من الروح اللاعقلية اللاتصورية والمضاد لكل تفسير منطقي وليس الشعر في نظر الرمزية إلا تعبيراً عن تلك العلاقات والتطابقات التي تخلفها اللغة لو تركت لذاتها بين العيني والمجرد والمادي والمثالي وبين المجالات المختلفة للحواس. وفي رأي ميلارميه أن الشعر هو الإيحاء بصور تحلق إلى الإعلى وتتبخر على الدوام، في حين يرى الشاعر الأمريكي ” إدجار ألن بو” أن الشعر هو الخلق الجميل الموقع، والشعر يقصد فيه التأمل في تجربة ذاتية لنقل صورتها الجميلة، وأقوى عناصر الجمال في الشعر هو الموسيقى الكلامية لأنها طريق السمو بالروح وأعظم سبيل للإيحاء وللتعبير عما يعجز التعبير عنه.”

يقول بودلير:” لا يمكن أن يتمثل الشعر بالعلم أو بالخلق، وإلاّ كان مهدداً بالموت أو الخسران، فالشعر ليس موضوعه الحقيقة، وليس له من موضوع سوى الشعر نفسه”، وأما البرناسية فانها تعني بالصور الشعرية وصياغتها، ولكنها تحتم الموضوعية في هذه الصور، ذلك أنها قامت على أنقاض الرومانتيكية في حين أن الشعر السيريالي ما عاد يعبر عن أفكار أو عواطف بل يعبر عن نشاط نفسي… والمهم ألا يقطع التيار الداخلي هم فني أو جمالي، بل المهم إدراك المجهول بحيث يتحول الشاعر إلى راء عبر تشويش عام لكل حواسه واقترابه إلى حد كبير من الحالات الصوفية ومن هنا رفض السيرياليون التشكيل الشعري ورفضوا كل أنواع البناء الهندسي ورفضوا بذلك مفهوم القصيدة كعملية تأليف أو تنظيم وكل جهد ارادي في العمل مركزين على الكتابة الآلية التي تتخذ شكل أولا شكل الحالات الداخلية. وهذا ما أعطى الأهمية الأولى للتعبير بالصورة، باعتبار أن هذه العوالم الداخلية لا يمكن استخراجها بلغة تقليدية خارجية بل بصور هي من طبيعتها مهما أغرقت في الغرابة والطرافة والتناقض.

أما التصوريون “Imagist” أتباع المدرسة العصرانية “Modernism” أو المحدثية فهم يثورون ليس فقط ضد الكلام المنمق والعبارات الرنانة والكلمات المبتذلة والصور التقليدية والايقاعات الموزونة بل كذلك ضد الأنماط التفكيرية والتراكيب البينيوية المعهودة، ولتمردهم هذا أثر محمود في تحرر الشعر الأمريكي من القيود الثقيلة التي كان الشعر بها فارغ المعنى… بينما ينظر أصحاب الشعر الخالص أن جوهر الشعر هو حقيقة مستترة عميقة ايحائية لا سبيل إلى التعبير عنها بمدلول الكلمات بل بعناصر الشعر الخالصة، وهذه العناصر الخالصة غير مقصورة على جرس الكلمات ورنين القافية وايقاع التعبير وموسيقا الوزن، فهذه كلها لا تصل إلى المنطقة العميقة التي يتخمر فيه الإلهام.

أما أنا منير مزيد فأرى أن الشعر عالمٌ مختلف تماماً عن عالمنا المرئي، عالم ملئ بالسحر والجمال والطقوس والخرافة بعيداً ومتجرداً تماماً من المادة، فالأسطورة تنم عن الحكمة، فهي تحث الإنسان عن وجوده وعن سعيه الدائم وراء الخلود، وتصوره لماهية الأشياء التي تحيط به ولا أستطيع أن اتخيل شعر بلا تطرق إلى الأسطورة أو الخرافة.

اما الحلم فهو الكنز الثمين والوجه الآخر الحقيقي للواقع الإنساني وطالما حلم الإنسان منذ أقدم العصور، فالشعر حالة صوفية تتأرجح بين التأمل والحلم فالإنسان لطبيعته حالة مركبة من المشاعر الرومانسية والألم الواقعي والرموز السيريالية والقلق الوجودي، فالإنسان إذن حالة تجمع بين حالات متناقضة والشاعر الحقيقي هو الذي يرخي عنان قصائده فتخرج عفوية حصيلة ثقافة انسانية ومشاعر مركبة بقولبة ابداعية، وأنا لا أفند مدارس الشعر في ذاتي بل أمزجها وكذلك في قصائدي وهنا تكمن حقيقة الشاعر، أما القصيدة عندي فهي كائن حي ” الجسد والروح” فالبناء الشكلي ” البنيوي” والبياني يشكلان معاً جسد القصيدة أما روح القصيدة فهي الصدى الذي يبوح باسرار روح الشاعر ورؤاه.



المصدر: مجلة أقلام

54 Views

عن وائل-2

إلى الأعلى