المغرب والحداثة – د. جميل حمداوي


المغرب والحداثة

د. جميل حمداوي


المغــــــرب والحداثـــــــة

للدكتور جميل حمداوي عمرو
إذا كانت أوربا قد عرفت الحداثة منذ القرن الخامس عشر، فإن العالم العربي بصفة عامة والمغرب بصفة خاصة لم يفكر فيها إلا منذ القرن التاسع عشر مع التغلغل الاستعماري الأجنبي وضغوطاته العسكرية والاقتصادية عبر مسلسل من الإصلاحات والتغييرات قصد مواكبة مستجدات الآخر المعنوية والمادية. إذا، ماهي الحداثة والتحديث ؟ وكيف تعرف المغرب على الحداثة الأوربية؟ وكيف تعامل معها؟ وماهي النخب المغربية التي حملت مسؤولية التنظير والدعوة إلى الإصلاح والحداثة؟ وماهي مميزات الكتابة الحداثية والإصلاحية بالمغرب مابين القرن التاسع عشر والقرن العشرين؟ وهل استطاع الخطاب الحداثي والإصلاحي المغربي أن يحقق ميدانيا ما كان يدعو إليه على مستوى النظرية والخطاب، وبتعبير آخر: ماهي مفارقات الخطاب الإصلاحي؟ هذه هي الأسئلة التي سنحاول الإجابة عنها بشكل مختصر.
1- مفهوم الحداثة والتحديــــــــث:
ظهرت الحداثة في أوربا مع النهضة الإنسية التي قامت على أكتاف الحضارتين: اليونانية والرومانية مع الاطلاع على الفكر العربي عن طريق الترجمة والاحتكاك بالعرب عبر مجموعة من القنوات كالحروب الصليبية وطرق التجارة والأندلس وبعض مرافئ إيطاليا كصقلية. وقد تجسدت الحداثة الأوربية إثر انطلاق الاكتشافات الجغرافية واكتشاف أمريكا واختراع المطبعة على يد يوهان جوتنبرغ واندلاع الثورتين: الفرنسية والأمريكية وتطور الفلسفة العقلانية وظهور النظرية النسبية مع إنشتين وتطور الرأسمالية الغربية مع تطور الثورة الصناعية والتقنية. كما ظهرت الدولة الحديثة وحقوق الإنسان والطبقة البورجوازية التي ساهمت في تطوير المجتمع الغربي وتحديث وسائل الإنتاج والاستغلال الاقتصادي والطبيعي وانتشار الفكر الليبرالي القائم على الحرية والفردية وخلق الثروة قصد تنمية المجتمع. وقد آلت الحداثة بالغرب إلى نهج سياسة إمبريالية قائمة على الغزو والتوسع في معظم أرجاء العالم قصد نشر الحضارة الغربية الجديدة مقابل استغلال الشعوب الضعيفة واستنزاف ثرواتها لصالح شعوبها المترفة. فقد كان الأوربي في إفريقيا على سبيل المثال يقدم للأفارقة الصليب والإنجيل وكان يأخذ منهم ثرواتهم وأرزاقهم.
وعليه، فالحداثة في الجوهر هي تجديد وإبداع واكتشاف والاستفادة من الماضي مع تجاوزه نحو آفاق مستقبلية رحبة قوامها العمل واستغلال الطبيعة والتحكم فيها واستخدام العقل والفكر البرجماتي. ويمكن الحديث عن حداثة كلاسيكية حتى منتصف القرن العشرين وأسها العقل، وما بعد الحداثة التي ظهرت منذ ستينيات القرن الماضي مع التفكيكية والنقدية الجديدة الألمانية والفلسفة العدمية مع نيتشه لتقويض دعائم العقل الأوربي والدعوة إلى اللاعقل والاختلاف والاهتمام بالذات والإنسان والعاطفة والروح والثورة على التمركز الأوربي. وفي هذا الصدد يقول محمد سبيلا:”الحداثة حركة انفصال، إنها تقطع مع التراث والماضي، ولكن لا لنبذه وإنما لاحتوائه وتلوينه وإدماجه في مخاضها المتجدد. ومن ثمة فهي اتصال وانفصال، استمرار وقطيعة: استمرار تحويلي لمعطيات الماضي وقطيعة استدماجية له. هذا الانفصال والاتصال تمارسه الحداثة حتى على نفسها، فما يسمى بعد الحداثة لايمثل مرحلة تقع خارج الحداثة و”بعدها” إنه أقرب مايكون إلى مراجعة الحداثة لنفسها لنقد بعض أسسها وتلوينها، فإذا ما غلب على دينامية الحداثة منطق الفصل والقطيعة فإن ذلك وسم المراحل الظافرة للحداثة في ذروتها لتعود إلى توسيع وتليين آليتها ابتداء من منتصف القرن العشرين.”1
هذا، وتتسم الحداثة بخصائص عدة يمكن إجمالها في مايلي:
1- الإيمان بالعالم الطبيعي بأنه العالم الحقيقي أو على الأقل العالم الذي يجب أن نهتم به؛
2- الإيمان بالإنسان بأنه أهم كائن في هذا الوجود وهو مقياس الأشياء كلها؛
3- الإيمان بالعقل لأن به يتميز الإنسان عن باقي الكائنات الأخرى وهو مصدر الإنسان الذي به حقق تفرده وتفوقه؛
4- الإيمان بالقوى والروابط الإنسانية أساسا لبناء المجتمعات.2
وهناك من يحدد مقومات أخرى للحداثة ويحصرها في:
1- العلمانية-2- العقلانية-3-اعتماد العلم ومناهجه-4- الإيمان بفكرة التقدم-5- الحرية الفردية-6- الديمقراطية الليبرالية-7- احترام حقوق الإنسان.3
وإذا كانت الحداثة تعني التجديد والإبداع وتجاوز التقليد والتخلف، فإن التحديث حسب فتحي التريكي هو” مجموعة العمليات التراكمية، التي توجه المجتمع نحو المزيد من الإنماء والتطور والتقدم، ويكون ذلك اقتصاديا بتعبئة الموارد والثروات، وتطوير قوى الإنتاج، وسياسيا ببلورة دولة المؤسسات، القائمة على تحرير تقاليد الممارسات السياسية من أجل المشاركة في الحياة العامة، واجتماعيا بتأسيس القيم والقوانين والنواميس، وإبعادها عن المواقف العقائدية”.4
ولقد انتشرت الحداثة الأوربية شرقا وغربا عبر الاستعمار والاستيطان والتوسع الإمبريالي والمثاقفة والبحث عن الأسواق التجارية والاكتشافات الجغرافية والعلمية. إذا، ماهو السياق التاريخي الذي أفرز الخطاب الإصلاحي إبان عصر النهضة العربية أو منذ منتصف القرن التاسع عشر؟
2- السياق التاريخي الذي أفرز الخطاب الإصلاحي المغربي:
انتهج المولى سليمان منذ بداية القرن التاسع عشر سياسة احترازية من الغرب قائمة على الممانعة والتحصين. وحاول أن ينهج سياسة إصلاحية مخزنية قائمة على تطبيق الأفكار الوهابية قصد محاربة القبائل المعارضة لحكمه السياسي والزوايا المتمردة والطرق الصوفية التي أعلنت رفضها لحكمه الذي قلص من نفوذها الروحاني والمادي والاجتماعي. وقد التقت وهابية الحجاز بوهابية المخزن المغربي من خلال المراسلات التي كانت تتم بين السلطان المولى سليمان وسعود بن عبد العزيز. وتحول” هذا الالتقاء بالمغرب إلى نوع من الإيديولوجية السياسية، سعى المولى سليمان إلى توظيفها في صراع المخزن الأصلي ضد الزوايا التي كان أمرها قد اشتد واستفحل وقتئذ، فلم ينجح( أي المولى سليمان) إلا في إثارة معارضة القوى الدينية ضده. وحتى في صفوف العلماء كان التيار المعادي لأفكاره الإصلاحية هو السائد، وهذا ماعمق عزلته أمام القوى الدينية الأخرى المتمثلة في الزوايا والطرق الصوفية التي اتهمته بالوهابية صراحة خلال تمرد فاس في ستة 1820″.5
ولم يتعرف المغرب على الحداثة الأوربية إلا في عهد المولى عبد الرحمن بن هشام بعد هزيمة وادي إيسلي بوجدة سنة 1844م بعد أن كان المغرب يقدم مساعدات عسكرية للأمير عبد القادر الجزائري التي كانت تنطلق مقاومته ضد فرنسا من الغرب الجزائري ومن أراضي المغرب. وقد دفعت روابط الجوار والدين المغاربة لخوض معركة الجهاد ضد المستعمر الفرنسي؛ ولكنهم انهزموا أمام العتاد العسكري الحديث وخبرة الفرنسيين بشؤون الحرب وخطط النزال والمواجهة. وقد دفعت هذه الهزيمة النكراء المغرب ليتنازل عن كثير من مناطقه الترابية لصالح الحكومة الفرنسية الجزائرية في معاهدة للامغنية تفاديا لكل تصعيد عسكري آخر بعد أن قنبلت البوارج الفرنسية المدن المغربية ولاسيما مدينة طنجة. وكانت هزيمة إيسلي سنة 1844م وهزيمة تطوان في 1860م درسا بالنسبة للمغاربة والمخزن الحاكم من أجل إعادة النظر في ذواتهم؛ لأنهم أحسوا بضعفهم وتخلفهم في كل الميادين الدنيوية ومقصرين حتى في النواحي الأخروية، ويقول المؤرخ الناصري في هذا الصدد:” ووقعة تطاوين هذه هي التي أزالت حجاب الهيبة عن بلاد المغرب واستطال النصارى بها وانكسر المسلمون انكسارا لم يعهد لهم مثله وكثرت الحمايات ونشأ عن ذلك ضرر كبير نسال الله تعالى العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة”.6 وأمام الانبهار بالقوة العسكرية الغربية، قرر المولى الحسن الأول إدخال إصلاحات عسكرية وجباية ومالية واقتصادية وتربوية قصد الخروج من التخلف وتجاوز التقليد وإصلاح مافسد واختل في بنية الدولة. لذلك أرسلت بعثات تعليمية إلى الخارج قصد الاستفادة من التقدم الغربي على غرار بعثتي: محمد علي في مصر وبعثة اليابان. لكن المغرب لم يستفد من بعثاته سواء العسكرية منها أم العلمية. وقد ساهمت الضغوطات الاقتصادية والعسكرية والديون التي أثقلت كاهل المغرب منذ تولية المولى عبد العزيز الحكم وانشغاله بوسائل الترفيه المستحدثة ومواجهة الفتن الداخلية وخاصة ثورة بوحمارة أو الجيلالي الزرهوني الملقب بالروكي. وقد دفعت مشاكل الاقتراض والثورات الداخلية المغرب للوقوع في شرك الحماية سنة 1912م بعد خروج مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906م بوضع المغرب تحت حماية فرنسا وإسبانيا بينما تبقى طنجة منطقة دولية. ومن ثم، لم تنجح الإصلاحات التي كان يطالب بها الشعب المغربي في عهد المولى عبد الحفيظ بسبب تراكم الديون والأزمات الاقتصادية والاجتماعية وعدم اقتناع المخزن بالتحديث والعصرنة. وعلى الرغم من وجود الفكر التنويري في أواخر القرن التاسع عشر فإن” ضعف السلطان عبد العزيز، جعله لايتجاوب مع مذكرات الإصلاح السياسي، والبناء الدستوري للدولة، مما أدى إلى إبعاده عن الحكم لفائدة أخيه السلطان عبد الحفيظ، الذي تولى الحكم ببيعة مشروطة بإنجاز إصلاحات تحد من الحكم المطلق، وخلق أسس نظام تمثيلي، وحماية السيادة الوطنية والوحدة الترابية؛ ونشطت إثر ذلك حركة المطالبة بالدستور، وتطور الأمر على وضع مشروع دستور سنة 1908م ومطالبة السلطان بإصداره، غير أن هذه المبادرة هي الأخرى لم تؤت أكلها، فتم فرض نظام الحماية على المغرب كغطاء للاستعمار الفرنسي الإسباني المباشر سنة 1912.”7
أما التدخل الاستعماري في المغرب فلم يكن يريد حسب منطقه سوى إدخال إصلاحات جذرية على الدولة المغربية دون المساس بسيادته بعد أن أظهر المخزن عجزه عن الإصلاح والتغيير وتسيير دفة الدولة بإحكام وضبط حضاري. لكن هذا الغزو العسكري سوف يلقى مقاومة شرسة من سنة 1912 إلى سنة 1934م. وبعد ذلك ستتخذ المقاومة صيغة سلمية مع ظهر الحركة الوطنية بعد صدور الظهير البربري سنة 1930م. ومرت الحركة الوطنية بمرحلتين أساسيتين: مرحلة المطالبة بالإصلاحات القضائية والإدارية والتربوية ومرحلة المطالبة بالاستقلال إثر خروج فرنسا منتصرة من حربها مع دول المحور. ولكن فرنسا أصرت على سياستها الاستغلالية والاستعمارية مما دفع بالحركة الوطنية للتنسيق مع السلطان قصد طرد قوى الظلم من البلاد. وأمام رفض السلطان الانصياع لأوامر الإقامة العامة، تم نفي محمد الخامس وأسرته إلى كورسيكا ومدغشقر. وقد سبب هذا النفي في اندلاع ثورة عارمة وغاضبة وهي ثورة الشعب والملك منذ سنة 1953م وظهرت الحركات الفدائية وجيش التحرير وكان لهذا أثر إيجابي تمثل في رجوع السلطان إلى وطنه حاملا وثيقة الاستقلال ومعلنا مرحلة البناء والإصلاح والتغيير والجهاد الأكبر.
3- الإصلاح والآخر في الفكر التنويري المغربي:
نعني بالخطاب الإصلاحي الدعوات الإصلاحية والكتابات النظرية والفكرية التي كان ينادي بها المثقفون المغاربة سواء أكانوا من رجال الدين أم من رجال المخزن أم من رجال التجارة منذ مطلع القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين ، أي لمدة قرن كامل مع ملاحظة مهمة وهي أن أغلب النصوص الإصلاحية المغربية التي كتبت على امتداد هذه الفترة أصابها الضياع أو أنها مخطوطة أو مطبوعة بطبعة حجرية أو أنها لم توثق وتحقق وتجمع في أرشيف منظم ومدروس.إنه المتن الغائب كما يرى الأستاذ عثمان أشقرا8.
إذا بدأنا بالقرن التاسع عشر، وجدنا أنه في مطلع هذا القرن انتشر الفكر الوهابي بالمغرب لمواجهة الفرق الضالة من طرقية وزوايا كما قلنا سالفا؛ لكن هذا الإصلاح كان سياسيا وإيديولوجيا لأنه كان موجها ضد القبائل المتمردة ورجال الزوايا الذين ثاروا على السلطان المولى سليمان.ولكن هزيمة إيسلي وتطوان كانت صدمة ويقظة فكرية وذاتية للمغاربة في صراعهم مع الآخر مما سيضطرهم لخوض غمار الإصلاح والتحديث. وسيتمظهر هذا الإصلاح في الكتابات التنويرية لمثقفي القرن التاسع عشر ولاسيما رجال المخزن وأعضاء الدبلوماسية الذين قاموا برحلات حيال الغرب قصد استكشافه؛ مما سيشكل هذا منعطفا أوليا لبداية الإصلاح وكيفية الاستفادة من الغرب وحداثته المادية والمعنوية. ومن أهم الرحلات السفارية المغربية التي عكست صورة المغربي نحو الآخر، نستحضر هذا المتن السفاري على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر:
1- الإكسير في فكاك الأسير لمحمد بن عثمان المكناسي، وهي رحلة إلى إسبانيا استغرقت سنة كاملة(1779- 1780)؛
2- البدر المسافر لهداية المسافر لمحمد بن عثمان المكناسي ، وهي رحلة إلى نابولي ومالطا( 1781- 1780)؛
3- رحلة بن عبد الله الصفار إلى فرنسا( نهاية 1845-1846)؛
4- الرحلة الإبريزية إلى الديار الإنجليزية لمحمد الطاهر الفاسي إلى بريطانيا(صيف1860)؛
5- التحفة السنية للحضرة الحسنية بالمملكة الإسبنيولية لحمد الكردودي، وهي رحلة إلى إسبانيا (1844م)؛
6- إتحاف الأخبار بغرائب الأخبار لإدريس الجعايدي، زار فيها صاحبها كلا من فرنسا وبلجيكا وإيطاليا وإنجلترة (1876)؛
7- رحلة الغسال لحسن الغسال إلى بريطانيا سنة 1902م؛
8- حديقة التعريس في بعض وصف ضخامة باريس لعبد الله الفاسي، وهي رحلة إلى فرنسا(1909م)؛
9- الرحلة الأوربية لمحمد الحجوي، وهي رحلة بروتوكولية وسياحية إلى فرنسا وبريطانيا (1919م)…
ويرى سعيد بنسعيد العلوي9 أن هذه الرحلات السفارية الدبلوماسية والسياحية والبروتوكولية قد عكست أنماطا من صور المثقف المغربي نحو الآخر الأجنبي وهي تجسد التفاوت الحضاري بين المغرب وأوربا من الناحية العلمية والتقنية ومن الناحية الدينية أيضا. كما تشخص هذه الرحلات صدمة الحداثة والرغبة في اليقظة والبحث عن مظاهر الاختلال والفساد في المغرب و البحث عن الحلول الناجعة التي يمكن استرفادها من الغرب المتقدم. وثمة ثلاث صور مغربية تجاه الغرب:
1- لحظة القوة والثقة في النفس( رحلات محمد بن عثمان المكناسي)؛
2- لحظة الهزيمة والاكتشاف(العمراوي والصفار والطاهر الفاسي والكردودي والجعايدي…)؛
3- لحظة الدهشة واستعادة الوعي( الرحلة الأوربية لمحمد الحجوي).
وهكذا، فقد عبرت الرحلات التي قام بها المثقف المخزني أو السفير أو التاجر( الحجوي) عن لحظات الانبهار والتعجب والاندهاش والاستكشاف لما وصل إليه الغرب من تقدم تقني وعلمي وحضاري وما اخترعه من مخترعات جديدة اعتبرها المثقفون المغاربة من صنع الجن والسحر ، بل هناك من كان يحاول الإفتاء في كل مخترع غربي جديد وتأويله دينيا على ضوء الشريعة الإسلامية كالهاتف والمنوغراف والعتاد الحربي ” ورغم الحماس الذي أظهرته النخبة المغربية تجاه مسألة تحديث الجيش سواء من حيث تنظيمه، أو من حيث خططه أو من حيث آلياته، فإن الفقهاء لم يتخلوا عن دورهم في تقييم التقنيات والآليات العسكرية الجديدة من زاوية الشرع. إذ نجد مثلا محمد عبد القادر الكردودي، وهومن أكثر المتحمسين لتحديث الجيش وإقامة حرب النظام، يقول في مصنفه كشف الغمة في أن حرب النظام واجبة على هذه الأمة بأن استخدام المدافع ورمي العدو بها جائز شرعا، بالرغم من أنه بدعة محدثة لم يكن معمولا بها في عهد النبي (ص)، لأن الرمي بها يدخل في إطار الرمي بالسهام، وكأن استعمال المدفع كان في حاجة إلى فتوى شرعية تبيح استعماله”.10
وهكذا، تعرض المثقف المغربي لازدواجية الممانعة والانجذاب كما تعرض في اتصاله” بالحضارة الأوربية في أواسط القرن التاسع عشر لعملية انجذاب مذهل. تأرجح فيه بين الانبهار المثير وبين الارتباط بمرجعيته المؤسسة. وأكثر المظاهر استفزازا لوعيه ولحساسيته، بله لثقافته، تمثلت في الآليات والتقنيات والاختراعات التي اعتبرها البعض منهم وكأنها تجل لقوى سحرية، دون أن يعني ذلك إغفال الحاجة إلى معرفة الشروط التي أوصلت أوربا إلى هذا المستوى من الإبداع والتقدم. ففضلا عن النظافة ، والترتيب، والاحتفال بالتجارة، والاحتيال بالمعرفة في ممارستها، فإن المثقف المخزني المغربي يقر بأن كبير الأسباب في الكشف عن القوة والمنعة، وهو العلم”.11
كما نستحضر في تلك الفترة المذكرات الموجهة من قبل المثقفين إلى سلاطينهم ينصحونهم بالأخذ بسياسة الإصلاح لتجاوز الانحطاط والتخلف بمجاراة أسباب التقدم عند الغرب كمذكرات الحاج علي زنيبر التي أرسلها إلى السلطان عبد العزيز، ” ومنها المذكرة التي تحمل عنوان(حفظ الاستقلال ولفظ الاحتلال)، ويقدم ضمنها لائحة الإصلاحات لضمان حسن تسيير شؤون الدولة، وحماية استقلال البلاد.
ومن المحاولات الإصلاحية كذلك المذكرة التي أورد نصها زعيم التحرير علال الفاسي في بحثه( حفريات عن الحركة الدستورية في المغرب قبل الحماية)، وهي لكاتب مجهول، وبعد نشرها تضاربت الآراء حول صاحبها، الذي وجهها للسلطان عبد العزيز، قصد تنبيهه لخطورة ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر الجزيرة الخضراء المنعقد سنة 1906، وتحذيره من العواقب الوخيمة التي قد تنجم عن التدخل الأجنبي، ولتلافي ذلك تقترح المذكرة إشراك الشعب في اتخاذ القرارات، ومواجهة الأطماع الأجنبية، وتتضمن مشروع دستور لتنظيم شؤون الدولة، وإحداث مجلس للأمة على غرار ماكان موجودا ببعض دول أوربا الغربية. غير أن ضعف السلطان عبد العزيز، جعله لايتجاوب مع مذكرات الإصلاح السياسي، والبناء الدستوري للدولة”.12
ومع بدايات القرن العشرين، ستظهر الحركة الوطنية في إطارها السلفي ( محمد بن بلعربي العلوي، أبو شعيب الدكالي، علال الفاسي، عبد الله كنون، المكي الناصري…) مطالبة في البداية بإصلاحات قضائية وتربوية وإدارية. وبعد الحرب العالمية الثانية، ستطالب الحركة الوطنية بالاستقلال ونهاية عهد الحجر وتأسيس أحزاب سياسية كحزب الاستقلال مع علال الفاسي وحزب الشورى والاستقلال مع الحسن الوزاني.
ولم تظهر الحركة السلفية التي كانت تدعو إلى الرجوع إلى ينابيع الإسلام الصافية كالقرآن والسنة وتطبيق أعمال الصحابة والتابعين وتابعي التابعين إلا بعد صدور الظهير البربري سنة 1930م. ولقد تأثرت الحركة السلفية المغربية بالسلفية الشرقية التي كان يتزعمها كل من محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ورشيد رضا و عبد الرحمن الكواكبي. ولهذه السلفية جذور في الفكر العربي الوسيط مع ابن تيمية وابن حنبل وابن القيم الجوزية. وكانت مهمة السلفية المغربية هي التوفيق بين الأصالة والمعاصرة ومحاربة المستعمر الأجنبي والسعي نحو الإصلاحات الدينية والتربوية( إصلاح جامع القرويين) والاجتماعية والإدارية… ويمكن الحديث عن جيلين من المصلحين السلفيين المغاربة:
أ- جيل الرواد الأساتذة:أبو شعيب الدكالي ومحمد بلعربي العلوي ومحمد بلحسن الحجوي ومحمد المدني الحسني ومحمد بن عبد السلام السائح وأبو عبد الله السليماني وأحمد بن محمد الصبيحي وعبد السلام بنونة.
ب- جيل التابعين أو التلامذة:علال الفاسي و ومحمد بن الحسن الوزاني والمكي الناصري ومحمد اليمني الناصري والمختارالسوسي وعبد الخالق الطريس وعمر بن عبد الجليل وسعيد حجي وعبد الله كنون ومحمد القري ومحمد داود ومحمد غازي.
وإذا درسنا المحددات السوسيولوجية والثقافية لهؤلاء السلفيين، فباستثناء أبي شعيب الدكالي ومحمد بلعربي العلوي والمختار السوسي ومحمد القري، فكل عناصر جماعة المصلحين(روادا وتابعين) ينتمون إلى أوساط حضرية ومدن عتيقة كبرى كالرباط وفاس وسلا ومكناس…وأوساطهم العائلية عموما هي: أوساط أرستقراطية وتجار كبار وبيوت الشرف والعلم وموظفون مخزنيون… وباستثناء أبي عبد الله السليماني الذي كان تاجرا، فكل أفراد الرواد يتولون وظائف رسمية في جهاز الدولة.
ويلاحظ ثقافيا، أنهم تجمعهم وحدة الإطار المرجعي العام. كما أن المصدر الثقافي عندهم مصدر مزدوج يتمثل في التعليم التقليدي والتعليم العصري فضلا عن تأثرهم بالسلفية المشرقية. ومن ثم، فليس هناك تمايزات إيديولوجية وفكرية واضحة بين دعاة هذه الإصلاحية المغربية على الرغم من بعض المكاتبات السياسية ذات الطابع الشخصي.
وعليه، يمكن تحديد تيارات ثلاثة فكرية في الإصلاحية المغربية:
1- دعاة الإصلاح ذو المنحى المخزني( يمثل هذه الدعوة أبو شعيب الدكالي)؛
2- دعاة الإصلاح ذو المنحى البورجوازي( يمثل هذه الدعوة محمد بلحسن الحجوي)؛
3- دعاة الإصلاح ذو المنحى القومي/ الوطني( يمثل هذه الدعوة علال الفاسي).13
ويقسم عثمان اشقرا الفكر السلفي إلى اتجاهين:
أ- السلفية التراثية.
ب- السلفية الجديدة التي تنقسم بدورها إلى قسمين:
1- السلفية الجديدة ذات المنحى التحديثي ويمثلها: أحمد بن خالد الناصري( 1835-1897)، وأحمد بن عبد الواحد المواز(1922)، ومحمد بن الحسن الحجوي(1956) كما في كتابه” الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي ومحاضرته القيمة بعنوان” النظام في الإسلام” .
2- السلفية الجديدة ذات المنحى الوطني: ويمثلها محمد بن عبد الكريم الخطابي وعلال الفاسي.14
ويعتبر أغلب الدارسين للفكر السلفي أنه فكر تجديدي إصلاحي ( علال الفاسي، محمد الكتاني، راشد الغنوشي ، محمد عزيز الحبابي…) حيث استهدف تغيير المجتمع على كل الأصعدة والمستويات، والدليل على المنحى الإيجابي في هذا الفكر الإصلاحي السلفي هو محاربة الاستعمار وتنوير المجتمع وتوعيته دينيا وتربويا وثقافيا وسياسيا عن طريق إصدار الجرائد والمجلات وبناء المدارس العصرية وتأسيس أحزاب سياسية لتأطير الشعب . يقول أستاذي الدكتور محمد الكتاني:” انبعثت السلفية في العصر الحديث لمواجهة الضلالات والغزو الأوربي، وإنقاذ المسلمين مما تفشى فيهم من البدع والخرافات، فكانت رسالة السلفية الحديثة هي الإصلاح والتغيير كما يتضح ذلك من الوهابية والسنوسية وأعمال الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وعبد الحميد بن باديس وعلال الفاسي وعدد لايمكن حصره من رجال الإصلاح الذين لم يفرقوا بين البعث الإسلامي والتعبئة السياسية لمقاومة الاحتلال الأجنبي والغزو الفكري.”15 بيد أن هناك من اعتبره فكرا رجعيا متخلفا إيديولوجيا محافظا يرتبط بالماضي والمقدس والمؤسسة التقليدية كما يرى عبد القادر الشاوي16 :” إنها بكلام آخر تجليات المركزية الإسلامية في الإيديولوجية البورجوازية لأن الموقف السلفي تفسير إيديولوجي للدين الإسلامي الذي كانت له سطوته على المغاربة”، و عبد الإله بلقزيز الذي يقول:” ازدهرت دعوة الإصلاح في الثقافة العربية المعاصرة في امتداد محاولة المقالة السلفية ترميم الصرح الإسلامي الأصيل الذي أصابت منظومته صدوع وشروخ نتيجة عمل بنيات الانحطاط المتكلسة، كما في أعقاب الاصطدام الهائل بالمنظومة الثقافية والاجتماعية الحديثة الوافدة مع الأجنبي. لم تكن قضية السلفية سوى تحقيق الماضي في المستقبل، على اعتبار أن المستقبل الأمثل ليس إلا ذلك النفي الحازم للحاضر في صورة استعادة لماض انزوى في زاوية النسيان. وهي لم تفعل- بذلك- سوى أنها أغلقت التاريخ على المقدس وحقيقته الأصل المطلقة، وجعلت معنى التغيير يتطابق ومعنى المحافظة على النظام”17.
وإذا انتقلنا إلى النخب المثقفة في المغرب يمكن الحديث عن تصنيفات عدة، منها تصنيف عبد الله العروي الذي وضع نمذجة إيديولوجية لصورة المثقف العربي والمغربي في نظرته إلى الغرب الحداثي تتمثل صورها في:
1- الشيخ السلفي الذي يرى الحل في الخطاب الديني واسترجاع الماضي باعتباره حلا للخروج من الانحطاط ويمثله في الشرق محمد عبده وفي المغرب علال الفاسي؛
2- الرجل الليبرالي الذي يركز على الخطاب السياسي ويستطلع التنظيم السياسي الغربي،ويمثله في الشرق : لطفي السيد وطه حسين؛وفي المغرب- حسب رأيي- محمد بن الحسن الحجوي الذي اهتم كثيرا بالتنظيم السياسي والاقتصادي عند الغرب ولاسيما في ميدان التجارة؛
3- رجل التقنية الذي لا يرى في الغرب إلا مصدرا للتطور العلمي والتقني، ويمثله في الشرق: سلامة موسى.
وإن هذه الوجوه الثلاثة ( وجه الشيخ، وجه الليبرالي، وداعية التقنية) معروفة أيضا في المغرب ” وتهيمن… على المأساة التي نمثلها نحن على أنفسنا- يقول العروي- لقد تغيرت المواقع بعض الشيء، والأصوات قد بهتت، إلا أن الثلاثي يرسم في سحنتها الثقافية نفس الصور التي رأيناها في أماكن أخرى. وهي هنا في المغرب تظهر معا في آن واحد، ففي حين أنها كانت في مصر تتعاقب بصورة أكثر وضوحا وتحددا… ومع ذلك، فإن التمييز بين حالات الوعي الثلاثة هو دائما ضروري، هذا إذا كان يراد الحصول على وسيلة للفهم والعمل. سبق أن قلنا إن الشرق قد جعل من نفسه خبير حفريات ونبش آثار لكي يفهم ذاته ويفهم العرب، فلنقل عن المغرب إنه باحث مضاعف في حفريات الماضي القريب والبعيد…”. 18
ويرى عبد الإله بلقزيز أن الفكر العربي – وهذا يمكن أن ينطبق على الفكر المغربي كذلك- بلور ثلاثة مفاهيم أساسية: مفهوم الإصلاح مع المقالة السلفية ( الحركة السلفية)، ومفهوم الثورة مع المقالة الماركسية( صعود التيار القومي العربي وانتشار الفكر الناصري)، ومفهوم إعادة البناء مع هزيمة حزيران 1967م.ومن ثم، هناك أسئلة مهمة طرحها الفكر العربي المعاصر، وهي:
1-إشكالية التحرر الوطني من الاحتلال الأجنبي أو من الاستبداد التركي مع الخطاب السلفي منذ منتصف القرن التاسع عشر؛
2- إشكالية التنمية أو الوحدة العربية مع المقالة الماركسية إبان الخمسينيات والستينيات؛
3-إشكالية التراث وإشكالية الديمقراطية مع مرحلة إعادة البناء بعد هزيمة 1967.19
وقد ناقش المفكرون العرب قضية الديمقراطية والدولة الوطنية والنظام السياسي الحديث منذ القرن التاسع عشر، وهنا يمكن تحديد تصورات مختلفة حول الدولة: التصور الأول هو تصور الخطاب السلفي الذي كان يدعو إلى الدولة الوطنية وذلك بطرد الاستعمار الأجنبي وإرساء الديمقراطية أو الشورى ومحاربة الاستبداد من خلال توفير الحريات الخاصة والعامة كما نجد ذلك عند علال الفاسي وعبد الرحمن الكواكبي على عكس رشيد رضا الذي دافع عن دولة الخلافة أو الإمامة، بينما الماركسيون كانوا يدافعون عن الدولة الطبقة وبالتالي، يجوز لنا الحديث عن أنواع من الدول في الفكر العربي المعاصر، وهي: الدولة القومية الموحدة مع الخطاب القومي( الدولة والأمة أو الوحدة القومية في مواجهة التجزئة)، والدولة الاشتراكية مع الخطاب الماركسي( الدولة- الطبقة أو الاشتراكية في مواجهة الاستغلال)، والدولة الإسلامية مع الخطاب الإسلامي( الدولة والملة أو الدولة الإسلامية في مقابل الدولة العلمانية).20
وإذا تأملنا الفكر العربي الحديث و المعاصر سواء بالمغرب أم في العالم العربي فإننا نجده قد تناول عدة إشكاليات وأسئلة، يمكن إجمالها في المفاهيم التالية: الإصلاح والحداثة، العقلانية، التراث والهوية، العلمانية، الديمقراطية والدولة، العنف والتطرف.
1- مفارقات الفكر الإصلاحي المغربي والعربي:
من الملاحظ أن الفكر الإصلاحي بالمغرب بقي في حدود التنظير والشعارات ولم يحقق حداثة ميدانية ملموسة ، بل بقي فكرا مستلبا تابعا للفكر الغربي ولم يستطع مجاراة حداثته التي قطعت مراحل عديدة مما يجعل الفكر الإصلاحي دائما متخلفا وبطيئا غير قادر على المواكبة والمسايرة الفعلية والتطبيقية والمنهجية. ولا ننسى كذلك أن معظم الخطابات الفكرية والاجتهادات التي وجهت إلى أصحاب القرار والمسؤولين لم تجد عندهم استجابة صادقة وصريحة . وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن المغرب لم يكن يرغب في التغيير وغير قابل للتحديث وإنما كان همه هو الحفاظ على الأوضاع من زاوية أمنية وإيديولوجية تستند إلى الخطاب الديني وتراعيه على حسابات الخطابات الأخرى كالخطاب اللبيرالي والخطاب الماركسي.
.يلاحظ – إذا- أن هناك قطيعة بين النخبة العالمة والسلطة، وبينها وبين الشعب؛ لأن الميل السائد كان نحو التقليد والمحافظة وتحريم المستجدات العصرية وتكريس التخلف والإيمان بالتفكير الخرافي والأسطوري والعمل على نشر الجهل وتكريس الأمية. ولقد ذكر عبد الإله بلقزيز مجموعة من المفارقات التي يتسم بها الفكر العربي وهي تنطبق كذلك على الفكر المغربي بمختلف توجهاته وتياراته:
1- إن الإصلاحية المغربية والعربية- الحديثة والمعاصرة- اكتفت بالتبشير بمبادئ النهضة دون أن تقدم منظومة فكرية حقيقية حولها وحول سبل تحقيقها.
2- مازال الفكر المغربي والعربي الحديث والمعاصر يجتر نفس الأسئلة التي طرحت في منتصف القرن التاسع عشر، وهي أسئلة النهضة من هوية وديمقراطية وحداثة….
3- تحول الفكر الإصلاحي المغربي والعربي من مشاريع فكرية إلى أحزاب سياسية كتحول محمد بن العربي العلوي وعلال الفاسي من السلفية إلى حزب الاستقلال، وينطبق هذا على الحسن الوزاني الذي كان سلفيا فانتقل إلى حزب الشورى والاستقلال. وهذا يبين لنا مدى ارتباط الحزب في نشأته بالخلايا الدينية والتجمعات الطرقية والزوايا كما يشير إلى ذلك ريزيت21 ومحمد ظريف22 وعبد الله العروي23 وحسن قرنفل24. وفي المشرق العربي، تحول الخطاب السلفي( محمد عبده ورشيد رضا…) إلى حركة “الإخوان المسلمين”؛
4- عزوف الإصلاحية المغربية والعربية عن طرق الميدان الرئيس لكل إصلاح وهو: الميدان الاقتصادي ا لذي اهتمت به كثيرا المقالة الماركسية التي كانت تبشر بالدولة الاشتراكية؛
5- تأرجح الفكر المغربي والعربي على السواء بين المرجعية الإسلامية والمرجعية الغربية والتردد بينهما دون استصدار قرار حاسم لتحديد الاختيارات المناسبة للترقي والنهوض وتحقيق الحداثة؛
6- إن انكسار الفكر المغربي والعربي وتصدعه المفارق هو نتيجة للاستبداد وانعدام الديمقراطية والتحرر الفكري وعبثية السلطة في تعاملها مع نتاج الفكر الثقافي ولاسيما الإصلاحي منه.25
الخاتمــــــــــــة:
لقد ظل الفكر الإصلاحي المغربي أسير الحداثة الغربية والمرجعية السلفية محاولا التوفيق بينهما تارة والتلفيق بينهما تارة أخرى؛ مما أوقعه ذلك في النكوص والمثالية والإيديولوجية والانفصام المزدوج بين الذات والواقع، وبين الذات والسلطة، ولاسيما أن المخزن المغربي يأبى الاستجابة للمتغيرات الحضارية والانصياع وراء الحداثة وحقوق الإنسان. وقد سبب هذا شرخا وهوة فاصلة بين النخبة العالمة التي تعيش في واد وترتل هذيانها الفكري والإصلاحي وتنشد مجتمعا ديمقراطيا عادلا، وسلطة تقبع في مناصبها السامية وهيبتها العالية و تعيش في واد آخر، ولاتهمها سوى المحافظة على وجودها وامتيازاتها المادية والرمزية ولو عن طريق تجهيل الشعب وتكريس التخلف ونشر الأمية ومحاربة الحداثة والتحصين ضد الانفتاح. كما أن التنظير وصياغة الشعارات الفكرية الاجتهادية لدى الإصلاحية المغربية والعربية أيضا تحولت فيما بعد إلى أفكار حزبية قوامها الإيديولوجية والبحث الجاد عن السلطة والحكم وخيانة مبادئها التي كانت تدافع عنها وتدعو الناس إلى اعتناقها والالتزام بها.
1- الهوامش:
1 – د. محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي: الحداثة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1،ص5؛
2 – د. قسطنطين زريق: ( خصائص الحداثة)، الحداثة، ترجمة: محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، دارتوبقال للنشر بالدار البيضاء، ط1، 1996م،ص:10؛
3 – د. عبد القادر العلمي: في الثقافة السياسية الجديدة، منشورات الزمن، المغرب، ط1، 2005، ص:110-116؛
4 – د. فتحي التريكي: الحداثة وما بعد الحداثة ، دمشق، سوريا،دار الفكر، ط1، 2003،ص:214؛
5 – د.عثمان أشقرا: المتن الغائب، سلسلة شراع، طنجة، ط1 ، 1989، ص:15-16؛
6 – الناصري: الاستقصا، الجزء 9،ط 1956م، ص: 101؛
7 – د.عبد القادر العلمي: في الثقافة السياسية الجديدة، ص:130؛
8 – انظرد. عثمان أشقرا: المتن الغائب، ص:8-9؛
9 – د. سعيد بنسعيد العلوي: أوربا في مرآة الرحلة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، ط1، 1995؛
10 – د. محمد سبيلا: المغرب في الحداثة، منشورات الزمن،ط1،1999،ص:12؛
11 – د. نور الدين أفاية: أسئلة النهضة في المغرب، منشورات الزمن،ط1، 2000،ص:62؛
12 – د. عبد القادر العلمي: في الثقافة السياسية الجديدة، ص:130؛
13 – انظر: د. عثمان أشقرا: في سوسيولوجيا الفكر المغربي الحديث، منشورات عيون المقالات، الدار البيضاء،
14 – د.عثمان أشقرا: في الفكر الوطني المغربي، المعرفة للجميع، العدد 17، 2000،صص:69-85؛
15 – د. محمد الكتاني: ( السلفية إشكالية المفهوم والممارسة)، ندوة الحركة السلفية في المغرب العربي، مطبوعات جمعية المحيط الثقافية، أصيلة، المغرب، ط1، 1989، ص:86؛
16 – عبد القادر الشاوي: السلفية والوطنية، بيروت، لبنان، ط1، 1986، ص:120
17 – عبد الإله بلقزيز: أسئلة الفكر العربي المعاصر، المعرفة للجميع، ط1، 2001، ص: 14-15؛
18 – د. عبد الله العروي: الإيديولوجية العربية المعاصرة، دار الحقيقة ، بيروت، 1979، صص:51-57؛
19 – د.عبد الإله بلقزيز: أسئلة الفكر العربي المعاصر، صص:13-52؛
20 – نفسه، صص:157-175؛
21 – ر.ريزيت: الأحزاب السياسية في المغرب، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي،ط1، 1992،ص:34-39؛
22 – د. محمد ظريف:الأحزاب السياسية المغربية، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، ط1، 1993، ص:25؛
23 -A. Laroui : Les Origines Sociales et Culturelles du Nationalisme Marocain.F. Maspéro.Paris/1977.P :145 ;
24 – د. حسن قرنفل: المجتمع المدني والنخبة السياسية، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ط1، 1997، ص:182-183؛
25 – عبد الإله بلقزيز: نفسه،صص:45-52.

المصدر: مجلة أقلام

102 Views

عن

إلى الأعلى