الرئيسية » موسوهة دهشة » الدين » الفقه » أحكام وفتاوى » العبادات » اللمع في حكم تعدد الجمع – سيف بن علي العصري

اللمع في حكم تعدد الجمع – سيف بن علي العصري


اللمع في حكم تعدد الجمع

حمد لله الذي جمع قلوب أوليائه على محبته، وأرشدهم إلى طاعته، وجعلهم الدعاة إلى وحدانيته، والمبلغين لشريعته، وصلى الله وسلم وبارك على نبي الرحمة محمد سيد ولد آدم، وعلى آله وصحبه أجمعين.
فإن الجمعة شعار أهل الإسلام، والعطية الربانية التي هدى الله تعالى لها هذه الأمة المرحومة، وضلّ عنها أهل الكتاب.

وقد شرع الله تعالى لأهل الإسلام أن يجتمعوا في هذا اليوم لذكره، فقال تعالى: [يا أيُّها الّذين آمنُوا إذا نُودي للصّلاة من يوم الجُمُعة فاسعوا إلى ذكر الله وذرُوا البيع ذلكُم خيرٌ لكُم إن كُنتُم تعلمُون] {الجمعة:9} ، ومن المقرر عند أهل الإسلام أن لهذه الصلاة أعني صلاة الجمعة من الأحكام ما يميزها عن بقية الصلوات، ومن ذلك مسألة تعددها في البلد، وقد ورد السؤال عن ذلك، فكتبت جوابه، ووسمت هذه الفتوى بـ(اللمع في حكم تعدد الجُمع)، والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
كتبه/ سيف بن علي العصري
الدوحة 3/شعبان/ 1423 هـ
الموافق 10/10/2002م


نص السؤال:
ما الحكم في إقامة صلاة الجمعة مرتين بإمامين مختلفين مع العلم أنه يوجد الكثير من الأماكن التي تقام فيها صلاة الجمعة، فهل ضيق المكان أو غيره من الأسباب مسوغا لإعادة الجمعة في نفس المسجد مع العلم بوجود الخلاف بين الفقهاء رضي الله عنهم في مسألة تعدد الجمعة في البلد الواحد، أرجو الإجابة المتأنية المدعمة بالأدلة وأقوال الفقهاء رضي الله عنهم ؟
الجواب : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: فقبل الشروع في جواب السؤال نشير إلى مسألة تعدد الجمع في البلد الواحد لأنها كالأصل لهذه المسألة فنقول وبالله التوفيق: إحداث جمعتين في بلد واحد أمر غير معروف في زمن الصحابة رضي الله عنهم، وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه يأتي الجمعة من ذي الحليفة ماشيا، وكان سعد على رأس سبعة أميال أو ثمانية وكان أحيانا يأتيها وأحيانا لا يأتيها، وشهد أنس الجمعة من منزل وبينه وبين مكان إقامة الجمعة ميلان، وقال عطاء تؤتى الجمعة من سبعة أميال، وقال أبو هريرة تؤتى الجمعة من فرسخين أي ستة أميال، روى جميع هذه الآثار ابن أبي شيبة في مصنفه، وفيه وفي مصنف عبد الرزاق جملة من ذلك، تركنا ذكرها خشية الإطالة. قال تقي الدين السبكي في فتاويه (1/175) : والمقصود بالجمعة اجتماع المؤمنين كلهم، وموعظتهم، وأكمل وجوه ذلك أن يكون في مكان واحد لتجتمع كلمتهم، وتحصل الألفة بينهم.
وقال: وفي الجمعة ثلاثة مقاصد: أحدها: ظهور الشعار. والثاني: الموعظة. والثالث: تأليف بعض المؤمنين ببعض لتراحمهم وتوادهم. ولما كانت هذه المقاصد الثلاثة من أحسن المقاصد، واستمر العمل عليها، وكان الاقتصار على جمعة واحدة أدعى إليها استمر العمل عليه، وعلم ذلك من دين الإسلام بالضرورة، وإن لم يأت في ذلك نص من الشارع بأمر ولا نهي، ولكن قوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه} [الحشر:7]. وقد أتانا فعله صلى الله عليه وسلم، وسنته، وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، ومن محاسن الإسلام اجتماع المؤمنين كل طائفة في مسجدهم في الصلوات الخمس، ثم اجتماع جميع أهل البلد في الجمعة، ثم اجتماع أهل البلد وما قرب منها من العوالي في العيدين لتحصل الألفة بينهم. ثم قال: وانقرض عصر الصحابة رضوان الله عليهم على ذلك، وجاء التابعون فلم أعلم أحداً منهم تكلم في هذه المسألة أيضا، ولا قال بجواز جمعتين في بلد إلا رواية عبد الرازق عن ابن جريج قال: قلت: لعطاء: أرأيت أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر كيف يصنعون؟ قال: لكل قوم مسجد يجمعون فيه ثم يجزئ ذلك عنهم قال ابن جريج: وأنكر الناس أن يجمعوا إلا في المسجد الأكبر هذا لفظ عبد الرزاق في مصنفه. ثم قال الإمام تقي الدين السبكي: فالرجوع إلى قول سائر الناس مع الصحابة جميعهم أولى، ويصير مذهب عطاء في ذلك من المذاهب الشاذة التي لم يعلم بها الناس.اهـ
تحرير مذاهب العلماء في المسألة:
مذهب الحنفية: قال بعض الحنفية كما في بدائع الصنائع (1/ 262): الجمعة تجوز في موضعين في ظاهر الرواية وعليه الاعتماد، أنه تجوز في موضعين ولا تجوز في أكثر من ذلك، فإنه روي عن علي رضي الله عنه، أنه كان يخرج إلى الجبانة في العيد ويستخلف في المصر من يصلي بضعفة الناس، وذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم، ولما جاز هذا في صلاة العيد فكذا في صلاة الجمعة، لأنهما في اختصاصهما بالمصر سيان، ولأن الحرج يندفع، عند كثرة الزحام بموضعين غالبا، فلا يجوز أكثر من ذلك، وما روى عن محمد من الإطلاق في ثلاثة مواضع محمول على موضع الحاجة والضرورة. انتهى
ولكن معتمد مذهب الحنفية هو ما ذكره ابن عابدين رحمه الله في رد المحتار (2/146) حيث قال: وتؤدى في مصر واحد بمواضع كثيرة مطلقا على المذهب وعليه الفتوى. انتهى وبين رحمه الله أن ما في البدائع قول مرجوح في المذهب، وإن كان غير ضعيف فقال: جواز التعدد، وإن كان أرجح وأقوى دليلاً لكن فيه شبهة قوية، لأن خلافه مروي عن أبي حنيفة أيضا، واختاره الطحاوي والتمرتاشي وصاحب المختار، وجعله العتابي الأظهر، وهو مذهب الشافعي، والمشهور عن مالك، وإحدى الروايتين عن أحمد كما ذكره المقدسي في رسالته “نور الشمعة في ظهر الجمعة”. انتهى ثم قال: فهو حينئذ قول معتمد في المذهب لا قول ضعيف. وبين ابن عابدين رحمه الله أن إعادة الظهر عند تعدد الجمع هي الأولى، احتياطا للخروج من عهدة التكليف بيقين، ونسب ذلك إلى أكثر شراح الهداية وأكثر مشايخ بخارى. مذهب المالكية وقال المالكية كما في الشرح الكبير للدرديري (1/375) : والجمعة للعتيق أي ما أقيمت فيه أولا ولو تأخر بناؤه، وإن تأخر العتيق أداء بأن أقيمت فيهما، وفرغوا من صلاتها في الجديد قبل جماعة العتيق فيه في الجديد باطلة، ومحل بطلانها في الجديد ما لم يهجر العتيق، وما لم يحكم حاكم بصحتها في الجديد تبعا لحكمه بصحة عتق عبد معين مثلا علق على صحة الجمعة فيه، وما لم يحتاجوا للجديد لضيق العتيق، وعدم إمكان توسعته. ثم بين الدسوقي رحمه الله أن المقصود بضيق العتيق، الضيق الذي لا تمكن معه توسعته، وإلا فليس بضيق حقيقة، فقال في حاشيته (1/376): وحاصله أنه لا يتأتي الاحتياج للجديد لضيق العتيق، لأن العتيق إذا ضاق يوسع، ولو بالطريق والمقبرة، ويجبر الجار على البيع لتوسعته ولو وقفا، ويمكن الجواب أن الكلام يفرض فيما لو كان العتيق بجوار بحر أو جبل فلا يمكن توسعته. انتهى

مذهب الشافعية : وقال الشافعية كما في كتاب الأم للإمام الشافعي (1/222): ولا يجمع في مصر وإن عظم أهله وكثر عامله ومساجده إلا في موضع المسجد الأعظم، وإن كانت له مساجد عظام لم يجمع فيها إلا في واحد، وأيها جمع فيه أولا بعد الزوال فهي الجمعة , وإن جمع في آخر سواه يعده لم يعتد الذين جمعوا بعده بالجمعة , وكان عليهم أن يعيدوا ظهرا أربعاً.اهـ
وقال الإمام يحيى بن شرف النووي في المجموع (4/454): والصحيح هو الوجه الأول وهو الجواز في موضعين وأكثر بحسب الحاجة وعسر الاجتماع قال إمام الحرمين: طرق الأصحاب متفقة على جواز الزيادة على جمعة ببغداد، واختلفوا في تعليله… ثم قال النووي رحمه الله: وهذا الوجه هو الصحيح وبه قال أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزى قال الرافعي: واختاره أكثر أصحابنا تصريحا وتعريضا، وممن رجحه ابن كج والحناطي والقاضي أبو الطيب في كتابه المجرد، والروماني والغزالي، وآخرون، قال الماوردي: وهو اختيار المزني، ودليله قول تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج [الحج:78]. انتهى وقال الإمام ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى (1/236) : إذا أقيمت جمعتان أو أكثر في بلدة أو قرية واحدة مع عدم الاحتياج إلى التعدد بأن كان بين أبنية البلد مسجد أو فضاء يسع أهلها فحينئذ لا يجوز لهم تعددها بخلاف ما إذا لم يكن فيها محل يسعهم فإنه يجوز لهم التعدد بقدر الحاجة فإن زاد التعدد على الحاجة فالسابقة إذا علمت هي الصحيحة، والمعتبر في السبق راء تكبيرة إحرام الإمام، وإن لم تعلم السابقة أو علمت ثم نسيت وجب الظهر على الجميع، وإن علم وقوعهما معا أو لم يعلم سبق ولا معية أعيدت الجمعة إن اتسع الوقت ويندب لهم أن يقيموا الجمعة ثم الظهر.اهـ وقال الإمام شمس الدين الرملي في نهاية المحتاج ( : وقد أفتى الوالد رحمه الله تعالى في الجمع الواقعة في مصر الآن بأنها صحيحة, سواء أوقعت معا أم مرتبا إلى أن ينتهي عسر الاجتماع بأمكنة تلك الجمعة, فلا يجب على أحد من مصليها صلاة ظهر يومها، لكنها تستحب خروجا من خلاف من منع تعدد الجمعة بالبلد وإن عسر الاجتماع في مكان فيه, ثم الجمع الواقعة بعد انتفاء الحاجة إلى التعدد غير صحيحة، فيجب على مصليها ظهر يومها, ومن لم يعلم هل جمعته من الصحيحات أو غيرها وجب عليه ظهر يومها.اهـ وخلاصة القول أنه يطلب الظهر وجوبا إن لم يجز التعدد، وندباً إن جاز. مذهب الحنابلة:
وقال الحنابلة كما في المغني لابن قدامة (2/93) : (وإذا كان البلد كبيرا يحتاج إلى جوامع, فصلاة الجمعة في جميعها جائزة ) وجملته أن البلد متى كان كبيرا, يشق على أهله الاجتماع في مسجد واحد, ويتعذر ذلك لتباعد أقطاره, أو ضيق مسجده عن أهله, كبغداد وأصبهان ونحوهما من الأمصار الكبار, جازت إقامة الجماعة فيما يحتاج إليه من جوامعها… فأما مع عدم الحاجة فلا يجوز في أكثر من واحد, وإن حصل الغنى باثنتين لم تجز الثالثة, وكذلك ما زاد, لا نعلم في هذا مخالفا, إلا أن عطاء قيل له: إن أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر. قال: لكل قوم مسجد يجمعون فيه, ويجزئ ذلك من التجميع في المسجد الأكبر. وما عليه الجمهور أولى, إذ لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه أنهم جمعوا أكثر من جمعة, إذ لم تدع الحاجة إلى ذلك, ولا يجوز إثبات الأحكام بالتحكم بغير دليل, فإن صلوا جمعتين في مصر واحد من غير حاجة, وإحداهما جمعة الإمام, فهي صحيحة تقدمت أو تأخرت, والأخرى باطلة, لأن في الحكم ببطلان جمعة الإمام افتياتا عليه, وتفويتا له الجمعة ولمن يصلي معه, ويفضي إلى أنه متى شاء أربعون أن يفسدوا صلاة أهل البلد أمكنهم ذلك, بأن يجتمعوا في موضع, ويسبقوا أهل البلد بصلاة الجمعة.
وقيل : السابقة هي الصحيحة, لأنها لم يتقدمها ما يفسدها , ولا تفسد بعد صحتها بما بعدها، والأول أصح لما ذكرنا… ثم إن علمنا فساد الجمعتين لوقوعهما معا, وجب إعادة الجمعة إن أمكن ذلك, لبقاء الوقت, لأنه مصر ما أقيمت فيه جمعة صحيحة, والوقت متسع لإقامتها فلزمتهم, كما لو لم يصلوا شيئا. وإن تيقنا صحة إحداهما لا بعينها, فليس لهم أن يصلوا إلا ظهرا, لأنه مصر تيقنا سقوط فرض الجمعة فيه بالأولى منهما, فلم تجز إقامة الجمعة فيه, كما لو علمناها… فأما إن جهلنا كيفية وقوعهما, فالأولى أن لا يجوز إقامة الجمعة أيضا, لأن الظاهر صحة إحداهما, لأن وقوعهما معا – بحيث لا يسبق إحرام إحداهما الأخرى – بعيد جدا, وما كان في غاية الندرة فحكمه حكم المعدوم, ولأننا شككنا في شرط إقامة الجمعة, فلم يجز إقامتها مع الشك في شرطها … وإن أحرم بالجمعة فتبين في أثناء الصلاة أن الجمعة قد أقيمت في المصر, بطلت الجمعة , ولزمهم استئناف الظهر، لأننا تبينا أنه أحرم بها في وقت لا يجوز الإحرام بالجمعة, فلا تصح, فأشبه, ما لو تبين أنه أحرم بها بعد دخول وقت العصر.اهـ
وقال الإمام المرداوي في الإنصاف (2/401): لا يجوز إقامتها في أكثر من موضع واحد إذا لم يكن حاجة وهذا المذهب وعليه الأصحاب. وقال في كشاف القناع (2/26) : ولا يكره لمن فاتته الجمعة صلاة ظهر جماعة، وكذا لو تعددت الجمعة. انتهى وبالجملة فمذهب المالكية والشافعية والحنابلة والرواية الراجحة عند الحنفية عدم جواز إقامة أكثر من جمعة لغير حاجة، وعلى ما ذكرت دلت نصوص الفقهاء من أتباع المذاهب الأربعة، وعليه فإن اندفعت الحاجة بمسجدين أو ثلاثة أو أربعة حرم الزيادة على ذلك، وبطلت صلاة المتأخرين في إقامة الجمعة على مذهب الجمهور، وعليهم أن يعيدوا بدلا عنها الظهر. وقال المالكية كما في حاشية الدسوقي (1/375) بوجوب إعادتها للشك في السبق جمعة إن كان وقتها باقيا، وإلا ظهرا، والمتتبع لما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، وكلام الأئمة يجد اتفاقهم على أن للجمعة شأنا ليس لبقية الصلوات من حيث العدد، ومن حيث التعدد في إقامتها، وإن اختلفوا في بعض القيود، ولذا قال السبكي رحمه الله في فتوى له بعنوان “الاعتصام بالواحد الأحد من إقامة جمعتين في بلد” وهي فتوى أطال فيها النفس جاء فيها: وأما تخيل أن ذلك يجوز في كل المساجد عند عدم الحاجة، فهذا من المنكرات بالضرورة في دين الإسلام. وبذا يعلم أن ما عليه الحال في أكثر البلاد الإسلامية من تعدد الجمع بشكل مذهل بلا حاجة أمر غير سوي. وإذا كان هذا كلام أهل العلم في منع إقامة جمعتين في بلد بلا حاجة، فكيف بإقامة جمعتين في مسجد واحد فهو أشد منعا، ولا يعرف له أصل في الإسلام. وقد أفتت اللجنة الدائمة بالمملكة العربية السعودية بعدم جواز ذلك، وجاء في الفتوى رقم: (2369،262/8) ما يلي: إنشاء جمعتين في مسجد واحد غير جائز شرعا، ولا نعلم له أصلا في دين الله، والأصل أن تقام جمعة واحدة في البلد الواحد، ولا تتعدد الجمع إلا لعذر شرعي كبعد مسافة على بعض من تجب عليهم أو يضيق المسجد الأول الذي تقام فيه عن استيعاب جميع المصلين أو نحو ذلك مما يصلح مسوغا لإقامة الجمعة. انتهى. والله أعلم.
كتبه عضو: (المجلس العلمي) بالمنارة
المعتز بربه، والفقير إلى عفوه سيف بن علي العصري الدوحة 3/شعبان/ 1423 هـ الموافق 10/10/2002م

68 Views

عن tamir_malas

إلى الأعلى