الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » السياسة » العلاقات الدولية » علاقات إسرائيل مع شبه القارة الهندية- رؤيتان هندية وإسرائيلية

علاقات إسرائيل مع شبه القارة الهندية- رؤيتان هندية وإسرائيلية


علاقات اسرائيل مع شبه القارة الهندية: رؤيتان هندية واسرائيلية
المصدر: القدس العربي
الهند تبنت مواقف مؤيدة للعرب وقضاياهم بهدف محاصرة التحرك الاسلامي الباكستاني ضدها
نهرو: حكومة الولايات المتحدة تناولت القضية الفلسطينية بطريقة غير ملائمة وباستغلالية

التطورات التي شهدتها باكستان والهند كجزء من تداعيات الحرب الامريكية في افغانستان، ثم توتر العلاقة بين البلدين الي درجة التهديد بنشوب حرب شاملة بينهما، تستدعي محاولة فهم طبيعة هذا الصراع، في ضوء علاقات البلديين الخارجية. وفي ضوء التقارب الاسرائيلي الهندي، ومحاولات اسرائيل الدخول لشبه القارة الهندية والتأثير فيها. وتنشر القدس العربي سلسلة حلقات للتعريف برؤيتين، واحدة هندية واخري اسرائيلية لتطور علاقات اسرائيل مع كل من الهند وباكستان. اعدها مركز القدس للدراسات السياسية في عمان.
الرؤية الاولي وقد جاءت في تقرير يتناول بعمق موضوع التعاون الهندي الاسرائيلي أعده الباحث الهندي فرح ناز باللغة الانكليزية لـ معهد الدراسات والتحليلات الدفاعية في نيودلهي. أما الرؤية الثانية فهي عبارة عن دراسة اعدها الباحث ب.د. كوماراسوامي لمركز جافي للدراسات الاستراتيجية الاسرائيلية في تل ابيب.
وفي ضوء ذلك فانه يمكن القول اولاً أنه بالنظر للمكانة الهامة التي تحتلها الهند بالنسبة للقضية الفلسطينية بما هي قضية العرب المركزية، فان العرب عموماً يحرصون علي تطور علاقاتهم مع الهند، وهي علاقات قامت وترسخت في سياق الكفاح ضد الاستعمار، ومن ثم بعد الاستقلال في إطار مجموعة دول عدم الانحياز. ولذلك، فان العرب ينظرون بقلق للنمو المتسارع للعلاقات الهندية الاسرائيلية ولاتساع نطاق التعاون بين نيودلهي وتل ابيب ليس فقط في مجالات كالزراعة والتجارة والسياحة والتكنولوجيا، وانما كذلك في مجال التصنيع العسكري وربما في المجال النووي.
ويمتاز التقرير الهندي في أنه لا يكتفي بوصف تطور العلاقات الهندية الإسرائيلية وأشكال التعاون التي نمت بين الطرفين في مختلف المجالات المدنية والعسكرية، وانما يتعدي ذلك الي تبيان خلفيات تلك العلاقة وذلك التعاون والعوامل المحددة لهما في سياق التطورات الدولية والاقليمية وبخاصة منذ مطالع التسعينيات، كذلك تطور مصالح ورؤي الاطراف المعنية. وبهذا المعني، فان هذا التقرير يساعد في ادراك العوامل التي تدفع الهند الي تطوير علاقاتها مع اسرائيل.
أما التقرير الاسرائيلي فهو يتتبع الخطوات الصغيرة والمتناثرة (الخفية وشبه العلنية) في مسار العلاقات الباكستانية الاسرائيلية منذ قيام دولة اسرائيل والدور الذي كان يمكن ان يضطلع به وزير الخارجية الباكستاني آنذاك ظفر الله خان مروراً بمراحل الحكم الرئيسة التي تعاقبت علي باكستان في عهد ذو الفقار علي بوتو ثم الجنرال ضياء الحق وصولاً الي بناظير بوتو ونواز شريف. وبشكل مواز، يستعرض التقرير في كل مرحلة من المراحل محصلة الموقف الرسمي لباكستان تجاه الدولة العبرية والذي كان يتسم بالعداء والحذر.
وبما ان التقرير صادر عن مركز دراسات اسرائيلي، فانه سوف يثير حكماً درجة من الشكوك حول مصداقية المعلومات والتحليلات الواردة فيه وبخاصة لمن ليس لديه فكرة مسبقة كافية عن تطور علاقات اسرائيل الاقليمية، كذلك يهمنا ان نؤكد ان التعريف بهذه الرؤية لا يعني اننا نتبني كل ما جاء فيها، كما انه لا يستهدف اتهام باكستان او التشهير بها، وهي التي ما زال موقفها اكثر صلابة من موقف عدد من البلدان العربية التي سارعت الي التطبيع مع اسرائيل بعد توقيع اتفاقيات اوسلو بين السلطة الوطنية الفلسطينية وحكومة اسحق رابين رغم انها بعيدة عن ان تكون معنية من زاوية الجغرافيا السياسية بالصراع.
من هنا فان اهمية التقرير لا تنبع من سلسلة الخطوات والمواقف الباكستانية التي تمهد لاقامة علاقات دبلوماسية مع اسرائيل وتطبيع العلاقات معها وما يتضمنه ذلك من وقائع مثيرة غير معروفة، بل تنبع من تسليط الضوء علي المحددات التي تحكم تطور الموقف الباكستاني من الصراع العربي الاسرائيلي وبالتالي ابراز عوامل الشد والجذب التي تؤثر فيه بارتباطها مع خصوصيات الدولة الباكستانية. ونظرا لحساسية ما يتعرض لهما التقريران ولاهمية ما يطرح بعيدا عن درجة مصداقية الطرحين، فـ القدس العربي تقدمهما ضمن مشروعها لتنوير القاريء العربي، وفتح آفاقه علي ما يجري خارج حدوده، ولخدمة المهتمين بمسار العلاقات العربية الهندية، من رجال سياسة وباحثين.

يبين الباحث الهندي فرح ناز في القسم الاول من تقريره اهمية الموقع الذي تحتله منطقة غرب آسيا في العلاقات الدولية بسبب موقعها الطبيعي، من حيث كونها حلقة وصل بين البحرين المتوسط والأسود والمحيطين الأطلسي والهندي، وأن الاتصالات بين شبه القارة الهندية وغرب آسيا تعود إلي مطلع التاريخ، حيث وجدت صلات سياسية وتجارية وثقافية قوية بين المنطقتين عبر القرون.
ويؤكد الباحث أن القيادة السياسية الهندية قد ادركت منذ استقلال الهند عام 1947، حقيقة، أن لها مصالح سياسية ودبلوماسية ثابتة في منطقة غرب آسيا، وأن شبه القارة الهندية وغرب آسيا عانتا طيلة قرون من الهيمنة الاستعمارية، مما أوجد رابطة قوية بين قادة المنطقتين وتماثلاً الي درجة معينة في نظرتهم السياسية بعد نيل الاستقلال عن الحكم الاستعماري. وينوه الباحث بان المعارضة الهندية التقليدية للاستعمار والعدوان وللاستيلاء علي أراضي الغير بالقوة، قد عملت علي تقوية الصلات التاريخية مع البلدان العربية، ولذلك ساندت الهند العرب في حرب التحرير ضد الاستعمار الغربي، ويضيف الباحث أن سياسة الهند تجاه غرب آسيا قد تشكلت بشكل أساسي بدافع تعزيز المصالح الهندية الوطنية، كما تحددت مصالحها في المنطقة بحكم الجوار الجغرافي، إضافة إلي دوافع الحاجات والاهتمامات الوطنية.
ويلخص التقرير المصالح الهندية الأساسية في المنطقة بأربع نقاط رئيسة هي المصالح الامنية وطرق التجارة والصلات التجارية والمهاجرون الهنود وذلك علي النحو التالي:

المصالح الأمنية

شكلت غرب آسيا حلقة وصل حيوية بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا. وكانت هذه المنطقة في الحربين العالميتين أحد ميادين القتال الرئيسة. وهناك اليوم ثلاثة أنماط من الاحتمالات يمكن أن تظهر في غرب آسيا وتؤثر علي أمن الهند: أولها، إن سيطرة أي قوة خارجية هناك يمكن أن يقلص حرية الهند في العمل في المنطقة، والثاني، إن أي صراع كبير في غرب آسيا تشترك فيه القوي العظمي أو حلفاؤها يمكن أن ينعكس سلباً علي المصالح الهندية، والثالث هو اشتراك باكستان في مخططات القوي العظمي، الأمر الذي يمكن أن يؤثر سلباً علي توازن القوي في جنوب آسيا، مثلما ظهر في الموقف من حلف بغداد أو مبدأ آيزنهاور. وقد تأثرت علاقة الهند مع العرب بطبيعة علاقاتها مع باكستان، ذلك أن باكستان اعتبرت نفسها اقرب إلي غرب آسيا منها إلي الهند، وحاولت دائماً تصوير الهند كبلد معاد للإسلام. ولذلك تبنت الهند موقفاً موالياً للعرب بهدف محاصرة التحرك الباكستاني الإسلامي.

طرق التجارة

في السنوات الأولي التالية للاستقلال، كانت ثلاثة أرباع تجارة الهند الخارجية تمر عبر قناة السويس، وما زالت القناة تشكل أهمية غير قليلة. كما أن المنطقة ازدادت قرباً من الهند. أضف إلي ذلك أن ظهور جمهوريات آسيا الوسطي السوفييتية سابقاً، قد أدي إلي مولد مشروع هندي إيراني لاقامة طريق تجارة بحري ـ بري إلي المنطقة.

الصلات التجارية

للهند مصالح تجارية هامة فــــــي المنطقة. فقد ازدادت التجارة المباشرة بسرعة بعد الاستقلال. وزادت أهمية المنطقة بالنسبة للهند مع التطورات الصناعية والتكنولوجية والاقتصادية والتجارية، إضافة إلي حاجة الهند لواردات النفط من المنطقة.

المهاجرون الهنود

لقد جذبت المنطقة عدداً كبيراً من المهاجرين الهنود يزيد عن مليون ونصف من الأشخاص. وتبلغ تحويلات المهاجرين الهنود من النقد مليارات الروبيات. ويشكل ذلك مصلحة هامة أخري للهنود في المنطقة.

جواهر لال نهرو ودعمه للقضية الفلسطينية

ويشير هذا القسم من التقرير الي دعم المؤتمر الوطني الهندي بزعامة جواهر لال نهرو للنضال العربي والقضية الفلسطينية، حيث كان التوجه الهندي تجاه القضية الفلسطينية خلال حقبة ما بعد الاستقلال قد تأثر بالاعتبارات الأخلاقية والاعتبارات العملية، إذ بينما وجد لدي كل من غاندي ونهرو تعاطف مع اليهود المضطهدين، الا انهما اعتبرا أنه سلوك غير أخلاقي أن يتم فرض اليهود علي الفلسطينيين من خلال هجرة يهودية غير محدودة، مما يحول الفلسطينيين إلي مواطنين من الدرجة الثانية في بلادهم. وكان نهرو، كما يوضح التقرير، ينظر إلي القضية الفلسطينية كجزء من قضية الاستعمار الكبيرة، ويري أن البريطانيين كانوا يحرضون القومية ـ الدينية اليهودية علي القومية العربية بهدف الإبقاء علي وجودهم الاستعماري في المنطقة، وأنهم كانوا ايضا يستغلون الخلافات بين العرب واليهود بنفس الطريقة التي كانوا يصعّدون بها التوتر الطائفي في الهند .
ويذكر التقرير أنه لم يكن ممكناً للمؤتمر الوطني الهندي وقادته، علي المستوي العملي، دعم أي قومية تبني علي أساس ديني محض، لأن من شأن ذلك أن يتناقض كلياً مع نمطهم العلماني من القومية. ويضيف بأنه في نيسان 1947، وضعت القضية الفلسطينية علي جدول اعمال الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة بطلب من المملكة المتحدة، (وأنه تقدمت فيما بعد وفي الشهر نفسه خمسة من الدول الأعضاء (مصر، العراق، سورية، لبنان، وجنوب أفريقيا) بطلب إلي الأمين العام لادراج بند إضافي علي جدول اعمال الدورة الخاصة، هو إنهاء الانتداب علي فلسطين وإعلان استقلالها ، ودعت اللجنة الخاصة المعروفة باسم اللجنة الدولية الخاصة لفلسطين في تقريرها إلي: إنهاء الانتداب واستقلال فلسطين بعد فترة انتقالية تحت إشراف الأمم المتحدة، وحماية الأماكن المقدسة وحقوق الأقليات والاتحاد الاقتصادي، ومناشدة الطرفين تجنب العنف، اضافة الي تقديم خطتين بديلتين: خطة تقسيم فلسطين مع وجود اتحاد اقتصادي، عرفت باسم خطة الأغلبية ، ورأت تقسيم فلسطين إلي دولتين، عربية ويهودية، مع تدويل القدس تحت سلطة الأمم المتحدة، و خطة الدولة الاتحادية التي عرفت باسم خطة الأقلية ، ودعت إلي قيام دولة فلسطين المستقلة التي تضم دولة عربية ودولة يهودية، عاصمتهما القدس.
ويشير التقرير الي أن الصهاينة قبلوا بخطة الأغلبية الداعية لتقسيم فلسطين إلي دولة يهودية ودولة عربية. لكن العرب رفضوا كلا خطتي الأغلبية والأقلية، لان الأولي تعني تدمير وحدة أراضي وطنهم وجعل جزء كبير من السكان العرب أقلية دائمة في الدولة اليهودية المقترحة، فيما تعني الثانية تقسيم فلسطين بشكل ضمني.
ويوضح الباحث فرح ناز أن الهند صوتت إلي جانب البلدان العربية ضد الخطة، تأييداً للعرب، واعتبرت فلسطين بلداً يخضع للسيادة العربية، التي يجب ألا تتغير لغير صالحهم، كما أنه يمكن منح اليهود حكماً ذاتياً واسعاً في المناطق التي يشكلون أغلبية فيها. هذا في حين أن الجمعية العامة تبنت اخيراً خطة الأغلبية مع إجراء تعديلات معينة عليها.
ويضيف التقرير: بعدها بدأ العرب يقومون بهجمات متفرقة ضد اليهود. ورداً علي ذلك، بدأ اليهود يعززون قبضتهم علي المنطقة التي خصصها لهم قرار الجمعية العامة. وعندما أعلنت الحكومة المؤقتة إقامة دولة إسرائيل، التي ظهرت إلي حيز الوجود في 14 أيار (مايو) 1948، عارضت الهند قيامها وصوتت ضدها. واعتبرت الهند أن إسرائيل دولة قامت بدعم القوي الاستعمارية. وقال نهرو: لا بد لي من القول أن حكومة الولايات المتحدة قد تناولت القضية الفلسطينية بطريقة غير ملائمة وباستغلالية . وصرح في موضع آخر بقوله: إن حقيقة استعجال الولايات والاتحاد السوفييتي وقوي أخري في الاعتراف بإسرائيل يدل علي أنها لن تنظر إلي الدولة وتراها وهي تتدمر .
ويبين التقرير أن حكومة الهند قررت تأجيل مسألة الاعتراف بدولة إسرائيل بشكل مبدئي، مشيرا الي تصريح نهرو الذي قال فيه: لقد تلقت حكومة الهند طلباً من دولة إسرائيل للاعتراف بها. ونحن نقترح عدم القيام حالياً باتخاذ إجراء في هذه المسألة. كما أن الهند لا تستطيع القيام بدور فاعل في هذا الصراع في المرحلة الحالية، سواء كان دوراً دبلوماسياً أو غيره . ولكن نهرو لم يستبعد مع ذلك إمكانية الموافقة علي الاعتراف في المستقبل في ضوء الظروف المتغيرة، حيث أكد أن … هذا القرار ليس قراراً نهائياً، ولا شك أن المسألة سينظر إليها مجدداً في ضوء التطورات اللاحقة، بما في ذلك القرار النهائي للأمم المتحدة . كما أوضح نهرو انه بينما سيتم الاعتراف بإسرائيل ككيان، فلن يحدث تبادل دبلوماسي معها. ولخص سياسة بلاده بقوله: كانت سياستنا العامة في الماضي محابية للعرب ولم تكن في الوقت نفسه معادية لليهود وستظل هذه السياسة متواصلة .
وكما هو معروف، فقد عارضت الهند أيضاً عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة عام 1949. وكانعكاس لسياسة الهند في التعاون مع الدول الإسلامية، يذكر التقرير أن نهرو أمر الوفد الهندي بالتصويت ضد ذلك. مؤكدا علي أن تصويت الهند لم يكن بسبب وجود مشاعر معادية لليهود وإنما جاء استمراراً للسياسة التي اتبعها في الماضي. ومن الواضح أن إسرائيل جاءت لتبقي وأنها عضو في الأمم المتحدة. ويتحتم علينا النظر في سياستنا المستقبلية إلي ذلك بعناية .

اعتراف خجول باسرائيل

ويوضح هذا القسم من التقرير كيف أن الهند لجأت في عام 1950، من باب الاقرار بالامر الواقع الي الاعتراف باسرائيل. وفي حين أن الباحث الهندي يري بان هذا الاعتراف لم يغير شيئاً في سياسة نهرو، الا أنه اشار الي افتتاح قنصلية إسرائيلية في بومبي عام 1951، ودون أن يعقب الاعتراف بإسرائيل إقامة بعثة دبلوماسية في تل أبيب، ويري أنه ربما كان مرد ذلك لاعتبارات المشاعر الإسلامية في الهند، وأن نهرو أخبر حكومة إسرائيل في عام 1952 بأنه لم يكن هناك اعتراض كبير علي تبادل الممثلين الدبلوماسيين علي ان من الأفضل الانتظار حتي يتم تشكيل حكومة جديدة، بعد الانتخابات. ولكن لم يتم شيء بعد ذلك، ربما لان نهرو لم يعر أهمية للإسراع في الأمر، وحافظت الهند علي ابتعاد مدروس عن إسرائيل.
ـ بعد اعتراف الهند بإسرائيل ظلت الهند، تنأي زمناً طويلاً عن إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع اسرائيل، وذلك لأسباب يأتي في مقدمتها رفض اسرائيل الوصول الي تسوية مع العرب، ودور الهند في حركة عدم الانحياز، والخشية من اثارة عداء الدول العربية القوية آنذاك، وأخيراً مراعاة الصوت الانتخابي الاسلامي في اوساط السكان المسلمين، اضافة الي المصالح الاقتصادية التي تتصل بالنفط وتحويلات الهنود المغتربين. ويتناول التقرير هذه الاسباب بشيء من التفصيل علي النحو التالي بادئا بالتجاهل الصارخ الذي أبدته إسرائيل لكل قواعد السلوك المتحضر في الأعراف الدولية. فهي لم تقم بمجرد احتلال ارض ليست لها وإنما رفضت كذلك التفاوض للوصول إلي تسوية. والهند التي تناصر دوماً قضية معاداة العنصرية ومعاداة الاستعمار، لم تكن تستطيع إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل دون القبول بتنازلات حول هذه المبادئ.
والأمر الثاني هو أن سياسة الهند في عدم الانحياز كانت تتعارض مع عضوية إسرائيل كأمر واقع في الكتلة الغربية بقيادة الولايات المتحدة. ففي إطار الحرب الباردة، كانت إسرائيل تتصرف كدولة علي الخط الأمامي للكتلة الغربية في غرب آسيا. وكانت تلك الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل في الخطة العالمية للولايات المتحدة لاحتواء الاتحاد السوفيتي آنذاك، هي التي تفسر موقف الولايات المتحدة من إسرائيل. وهذا يعني أن وجود علاقة وثيقة مع إسرائيل سيقوض مكانة الهند كمدافع عن مصالح العالم الثالث.
وكان هناك سبب آخر وهو الخوف من جلب معاداة الدول العربية القوية. فقد كانت الهند تدرك عداء الدول العربية لإسرائيل ورفضها لها. ورغم الصراعات والتوترات المختلفة بين الدول العربية نفسها، إلا أنها كانت تتحد في عداوتها لإسرائيل. ولذلك، فان أي تلطيف في توجه الهند إزاء إسرائيل كان من المؤكد أن يزيل المشاعر العربية الطيبة نحو الهند، وبالتالي عمدت الهند إلي تنسيق سياستها الخارجية مع هذه البلدان لمصلحة التضامن الأفرو ـ آسيوي. وكان علي الهند كذلك منافسة العامل الباكستاني الناشئ الذي كان يجب التعامل معه بحذر لكي لا يعقد علاقات الهند مع بلدان الشرق الأوسط.
وكان السبب الرابع هو حجم السكان المسلمين الكبير في الهند الذي يشكل رصيداً انتخابياً لكل الأحزاب السياسية في الهند، ربما باستثناء حزب جاناتا بهاراتيا . واي توتر في العلاقات مع العالم العربي سيجلب عداء هذا الرصيد الانتخابي. واخيراً وليس آخراً، كان للهند مصلحة اقتصادية كبيرة في المنطقة. وقد اتضحت هذه الحقيقة بحدة أثناء حرب الخليج عندما أدي ارتفاع أسعار النفط وفقدان التحويلات من المغــــتربين ومــــن عقود أخري إلي وضع الهند في موقف مالي خطير. وقد خلقت هذه العوامل مجتمعة وضعاً تحتم فيه علي الهند الوقوف في صف العرب.
ويضيف التقرير انه لما كانت الصداقة مع العرب تعتبر مطلباً أساسياً، فقد اصبح جمال عبد الناصر حليفاً موثوقاً للهند، وكان يعتبر علمانياً، كما كان مهتماً بمناصرة مبدأ عدم الانحياز، لإبقاء آسيا وأفريقيا بعيدة عن أحلاف القوي العظمي، وأنه عندما أمم عبد الناصر قناة السويس في 26 تموز (يوليو) عام 1956، أعلن نهرو دعمه لعبد الناصر، وقال كان السبب في سرعة قرار التأميم المصري هو قرار الولايات المتحدة بشأن سد اسوان.. وربما كان الذي اسهم في حدوث ردود الفعل العنيفة (الغربية)، هو قرار التأميم المفاجئ والطريقة التي نفذ بها. ولكن شروط التأميم بموجب القوانين المصرية كانت ضمن مهام الحكومة المصرية . كذلك نددت الهند بالغزو الإسرائيلي لسيناء وبالهجوم الأنجلو ـ فرنسي علي منطقة قناة السويس، باعتبار ذلك خرقاً فاضحاً لميثاق الأمم المتحدة، ونددت الأحزاب السياسية الهندية كافة بهذه الأعمال. وتبنت الهند كذلك قرارات الجمعية العامة للامم المتحدة التي تدعو إلي انسحاب القوات الفرنسية والبريطانية والإسرائيلية من مصر. ويشير التقرير الي أن أزمة السويس أدت إلي هبوط مستوي العلاقات الهندية ـ الإسرائيلية، ولكن عبد الناصر لم يتخذ الموقف نفسه أثناء الحرب الهندية الصينية عام 1962، وبدلاً من الوقوف إلي جانب الهند، عمل كوسيط، ودعا إلي وقف فوري لاطلاق النار. واتخذت الدول العربية الأخري موقفاً مشابهاً. كذلك، صعدت منظمة المؤتمر الإسلامي، بتحريض من باكستان، ضغطها علي الهند، واتهمت الهند من وقت إلي آخر بخرق حقوق الإنسان لشعب جامو وكشمير، بما في ذلك حقه في تقرير المصير.
ويوضح هذا القسم من التقرير أنه في مؤتمر وزراء خارجية دول منظمة المؤتمر الإسلامي العشرين الذي عقد في اسطنبول في آب (أغسطس) 1991، دعا الوزراء، كما حدث في مناسبات سابقة، كلاً من الهند وباكستان إلي حل خلافاتهما حول كشمير، ولكنهم تبنوا للمرة الاولي قراراً حول كشمير بتوصية من باكستان، دعوا فيه الهند للسماح لجماعات حقوق الإنسان الدولية والمنظمات الإنسانية بزيارة جامو وكشمير. كما يوضح أنه في الدورة 22 لمؤتمر وزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي والذي بدأ في 10 كانون الأول (ديسمبر) 1994 في الدار البيضاء، التزمت المنظمة بتشجيع الوصول إلي حل سياسي سلمي لقضية جامو وكشمير. وفي إعلان خاص حول جامو وكشمير، عبر قادة منظمة المؤتمر الإسلامي عن رغبة حارة في رؤية نهاية سريعة لمعاناة شعب كشمير .
وجاء في التقرير أيضا أن خليفة نهرو واصل السياسة نفسها، وأن الهند أظهرت تعاطفها مع القضايا العربية، وساندت موقف العرب أثناء الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967، مشيرا الي أن وزير خارجية الهند قال: لقد عبرنا عن تعاطفنا الصادق والمخلص مع الشعوب العربية وحدها في ساعة محنتها ومصيبتها . وأضاف وهو يضع اللوم علي إسرائيل: بينما يتولي مجلس الأمن النظر في الأزمة، وجهت اسرائيل ضربة خاطفة لجيرانها العرب. وإنه لأسي عميق لنا أن تعمد إسرائيل من خلال خرقها لاتفاقيات الهدنة إلي تحصين مواقعها، وإضافة المزيد من الأراضي لها، واستخدام آلتها العسكرية القوية والحديثة لطرد العرب من أراضيهم وبيوتهم، كما أنها تتجاهل قرارات الأمم المتحدة. وقد انتقدها مجلس الأمن لخرقها اتفاقيات الهدنة العامة . وبالمقابل ذكر التقرير أن جميع الأحزاب المعارضة، فيما عدا الشيوعيين والرابطة الإسلامية، أيدت الموقف الإسرائيلي عام 1967، فيما ادعي حزب جان سانغ بأن معظم الدول العربية لم تكن تستحق معاملة خاصة علي حساب إسرائيل، وتساءل عن السبب في إبقاء الهند علي علاقات دبلوماسية مع دول معادية مثل الصين وباكستان دون إسرائيل.
ولكن وزير الخارجية الهندي آنذاك دينش سنغ، أكد استمرار الهند في سياستها الموالية للعرب، وقال: إن الهند لم تقم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، لان إسرائيل اتبعت سياسات خاطئة ضد العرب، وبخاصة ضد الفلسطينيين. والي أن تعيد إسرائيل النظر في هذه السياسة، سيكون من الصعب علي الهند مراجعة سياستها .
ولم تتراجع الهند عن اتباع سياسة موالية للعرب علي الرغم من التجربة السيئة للهند مع مؤتمر الرباط (في المغرب) كما جاء في التقرير. فقد سبب ذلك المؤتمر الذي عقده قادة العالم الإسلامي في 23 ـ 24 أيلول (سبتمبر) 1969 للتنديد بإسرائيل علي تدميرها المسجد الأقصي في القدس، حرجاً شديداً للهند. فعندما وصل الوفد الهندي إلي الرباط لحضور المؤتمر، ابلغه وزير الاعلام المغربي بان باكستان وعدد قليل من بلدان أخري، اعترضت علي مشاركة حكومة الهند في المؤتمر، وناشد الوفد إما الانسحاب طوعاً من المؤتمر، أو القبول بوضع وفد مراقب، أو البقاء غائباً عن المؤتمر دون الانسحاب منه. ووصل الحد إلي منع أعضاء الوفد من دخول قاعة المؤتمر. وانعقد المؤتمر دون أي تمثيل للهند، لكن البيان النهائي أشار في مقدمته إلي حضور ممثلي مسلمي الهند إلي المؤتمر، وهو ما كان مخالفاً للواقع. وكان لكل ذلك تأثير سلبي علي حكومة الهند، ويمكن رؤية الامتعاض من خلال بيان فخر الدين علي احمد (رئيس الوفد) والذي جاء فيه: إن حكومة وشـــعب الهـــند يأسفان للتصرف الفظ من جانب المؤتمر في عدم احترام دعوته التــي وجهها لحكومة الهند .
كما اشار التقرير الي انه تواصل تجاهل العرب للهند أثناء أزمة بنغلادش، إذ عندما كانت باكستان تقوم بأعمال القمع في البنغال الشرقية عام 1971، كان العرب يلوذون بصمت واضح. وانتقد كثير من أعضاء البرلمان موقف بلدان عربية معينة. واعترف سواران سينغ وزير الشؤون الخارجية بالموقف الفاتر للبلدان العربية، لكنه اكد علي أن علاقات الهند مع بلدان غرب آسيا ظلت ودية وحارة، ومما قاله: إن علاقاتنا لم تبن فقط علي المستوي السياسي والثقافي، بل أدت إلي تبادل اقتصادي متزايد بيننا، وكانت لها منافع متبادلة. ويجب ألا تتشوه هذه العلاقات الوثيقة بسبب مشاعر خيبة أمل عابرة .

راجيف غاندي بدأ سياسة انفتاح تجاه تل ابيب فارضاء العرب لم يعد مهما وكذلك الصوت الاسلامي
حرب الخليج اخرجت اسرائيل من عزلتها ونيودلهي استجابت بتطبيع كامل للعلاقات معها
يناقش الباحث الهندي فرح ناز مراحل العلاقة الهندية الاسرائيلية من التعاطف مع العرب و معاداة اسرائيل الي التعقل والتقارب مع الدولة الصهيونية، تحقيقا لمصالح الهند واستفادة من خبرات هذه الدول في مجال الدفاع والزراعة والتقنيات. ويلاحظ الكاتب ان فترة السبعينات كانت المرحلة التي دعمت الهند فيها القضايا العربية، وتعاملت مع منظمة التحرير الفلسطينية كمثل شرعي، واعترفت بمثلها في نيودلهي كسفير كامل. ويبدو ان موقف الهند في هذه الفترة كان مرتبطا بالضرورة بمصالحها مع العالم العربي وتحويلات العمال الهنود في الخليج التي تعتبر من موارد الدخل الوطني الهامة. في الثمانينات بدزت الهند بالتوجه تدريجيا نحو تطبيع علاقتها مع اسرائيل، حيث تمت فس التسعينات، وساعدت حربي الخليج التي شقت الصف العربي علي عملية التقارب بين الهند والكيان الصهيوني.

ديان يستطيع زيارة الهند ولكن!

يبين الباحث الهندي فرح ناز في هذا القسم من تقريره أن الموارد الاقتصادية والسياسية لأكثر من 130 مليون عربي، كانت، مقارنة بموارد ثلاثة ملايين إسرائيلي هي التي دفعت الهند لتبني سياسة عملية مع غرب آسيا. غير أن ضعف التفهم الذي أبدته بلدان الشرق الأوسط لتدفق اللاجئين من بنغلادش إلي الهند، أدي مرة أخري إلي تسليط الضوء علي سياسة الهند تجاه إسرائيل.
واستمراراً لسياستها، عبرت الهند، كما يوضح التقرير، عن دعمها لمصر وسورية أثناء الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973، معتبرا أنه رغم أن هذين البلدين شنا هجوماً منسقاً علي إسرائيل، لكن الهند وجهت اللوم إلي إسرائيل لأنها كانت قد رفضت الانسحاب من الأراضي التي احتلتها بالقوة، وجاء بهذا الصدد علي لسان سينغ وزير الشؤون الخارجية: لقد ظلت الحكومة تعلن باستمرار أن سبب التوتر في المنطقة يعود إلي عدوان إسرائيل ورفضها الانسحاب من الأراضي التي احتلتها بقوة السلاح… وان تعاطفنا هو دوماً مع العرب الذين بلغت معاناتهم حد الانفجار . وكشف سواران سينغ فيما بعد في خطاب له في راجيا سابها عن أن الهند قدمت لأصدقائها العرب الدعم المادي، فقد أمدت كلاً من مصر وسورية بالأدوية والأطباء.
وذكر التقرير أنه مرة أخري، وقفت الهند إلي جانب العرب عام 1975 بوصف الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية. ففي ذلك العام صوتت الهند لصالح قرار الجمعية العام للأمم المتحدة رقم 3379 والذي قرر بأن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري ، ومع ذلك قيل آنذاك انه كان من الأنسب للهند إما أن تمتنع عن التصويت أو أن تتغيب عنه لان الهند اضطرت فيما بعد لنقض القرار نفسه خدمة لمصالحها.
ونوه التقرير الي أن أزمة النفط في مطلع السبعينيات قد أدت إلي نقص عالمي في النفط، وأنه نتيجة لذلك، زاد اعتماد الهند علي الدول المنتجة للنفط خلال السبعينيات والثمانينيات، وأدت التجارة المتبادلة بين الهند والدول العربية إلي إجبار الهند علي اتخاذ موقف متسامح تجاه العرب. كما كانت للقضية الفلسطينية أهمية كبيرة بالنسبة للهند. وفي محاولة من الهند لكسب أصدقاء في العالم العربي، طالبت بفرض عقوبات علي إسرائيل في الأمم المتحدة، وساندت مشاركة منظمة التحرير الفلسطينية في الاجتماعات الدولية، بما في ذلك تأييد طلب إعطائها وضع مراقب في الأمم المتحدة عام 1974. وأصبحت الهند كذلك أول حكومة غير عربية تعطي الوضع الدبلوماسي الرسمي الكامل لممثل منظمة التحرير في مطلع عام 1975.
ومما جاء في التقرير أن حكومة جاناتا أرادت تطوير العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، لكنها لم تستطع تحمل استعداء العرب لها. وكان هذا هو السبب الذي حمل رئيس الوزراء الهندي، آنذاك، موراجي ديساي علي توجيه دعوة سرية لموشي ديان لزيارة الهند في كانون الأول (ديسمبر) 1977. واعترف ديساي بذلك فيما بعد قائلاً: لم استطع دعوة ديان رسمياً لأنه لم تكن توجد علاقات دبلوماسية بين البلدين، ولذلك أخبرت الوسطاء بأنه إذا أراد ديان الحضور، فانه يستطيع ذلك ولكن بطريقة مختلفة لكي لا يعرف . ويضيف التقرير بأن ديان تحادث مع موراجي ومع وزير الخارجية فاجباي للحصول علي موافقة الهند علي إقامة علاقات دبلوماسية كاملة، وان تكون السفارة في نيودلهي، أو رفع مستوي القنصلية الإسرائيلية في بومباي إلي وضع قنصلية عامة ونقلها إلي نيودلهي. ولكن ديساي وضع العرب في اعتباره، وأصر علي أن تنسحب إسرائيل أولاً من الأراضي العربية. ولما كان ذلك الطلب غير مقبول عند إسرائيل، فقد فشلت المفاوضات. وظلت زيارة ديان سرية حتي أعلنت عنها رئيسة الوزراء انديرا غاندي في مطلع عام 1980 بعد عودتها إلي السلطة في أعقاب انهيار حكومة جناتا. ورغم أن حزب جاناتا كان يؤيد، عندما كان في المعارضة، إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل كما يوضح التقرير، لكنه لم يستطع المغامرة بإغضاب العرب، إذ ازدادت مصالح الهند الاقتصادية في المنطقة إلي حد كبير بعد الارتفاع الكبير في أسعار النفط، وأصبحت حكومة جاناتا تتردد في عمل أي شيء من شأنه تعريض هذه المصالح للخطر.

طرد القنصل الاسرائيلي في بومبي

وبعد عودة حزب المؤتمر إلي السلطة عام 1980، بيّن الباحث الهندي ناز أنه واصل سياسة دعم العرب ومطالب الفلسطينيين في انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها، ولم تفته أي فرصة لانتقاد إسرائيل، مشيرا الي أن تصريح القنصل الإسرائيلي في بومبي، يوسف هاسين، في تموز (يوليو) 1980 بأنه كان يوجد لوبي عربي إسلامي قوي في نيودلهي وان السفير العربي كان يستغل المسلمين الهنود للضغط علي الحكومة . ويوحي هذا التصريح بان إسرائيل كانت تتعرض لضغط سيئ في الهند لان الصحافة كانت تسير مع التوجه الرسمي، ولأن الهند كانت تتنافس مع باكستان في التأثير علي العرب. وقد اعترضت الهند علي كل هذه التصريحات وتم طرد القنصل الإسرائيلي وفق ما جاء في التقرير.
ويضيف التقرير بأن الأحزاب المعارضة انتقدت ذلك الطرد بشدة، واتخذت موقفاً مؤيداً لإسرائيل، وأن نائب رئيس حزب جاناتا بهاراتيا وصف ذلك العمل بأنه تصرف غير متحضر، واقترح أن افضل خيار كان هو الطلب من الدولة (الإسرائيلية) استدعاء الدبلوماسي.كما طلب نائب زعيم حزب جاناتا، فيما بعد، أن تقيم الحكومة علاقات دبلوماسية مع اسرائيل واخذ زمام المبادرة في تحقيق تسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لكن طلبه قوبل بالرفض من وزير الخارجية آنذاك، نارشيما راو. واستمرت هذه السياسة طيلة الثمانينيات. وأكد وزير المالية الاتحادي تيوراي ، بأن الهند لن تغير سياستها تجاه إسرائيل تحت أي تهديد بقطع المساعدة الأمريكية وظل البلد مصراً علي معارضته للدولة الصهيونية .

تطبيع العلاقات بين البلدين

ومما جاء في التقرير أنه في أواخر الثمانينيات، لعبت الأجواء الإقليمية والدولية والمحلية دورا في التشجيع علي القيام بخطوة رسمية نحو تطبيع العلاقات بين الهند وإسرائيل، حيث أن انتهاء الحرب الباردة قد غيّر الصورة الكاملة للسياسات العالمية. وظهرت الولايات المتحدة كقوة عظمي وحيدة لا منازع لها علي المسرح الدولي. وتشكلت بعد تفسخ الاتحاد السوفييتي، تحالفات القوي حسب أوامر الأمريكيين الذين ساعدوا إسرائيل بصفتها اقرب حليف لهم، علي أن تبدأ باكتساب الاحترام والاعتراف في المجتمع الدولي.
ويرصد التقرير قريباً من ذلك الوقت، أنه بدأ يحدث تغير في سياسة الهند الخارجية. فقد وافق المسؤولون الهنود علي طلب إسرائيل ترشيح قنصل جديد في بومبي. وفي حزيران (يونيو) 1988، التقي رئيس الوزراء راجيف غاندي بوفد قيادي من اللوبي اليهودي في نيويورك، بطلب من عضو الكونغرس ستيفن سولارز، وتوج اللقاء بتعيين قنصل إسرائيلي جديد في بومبي في المنصب الذي خلا لفترة طويلة. وبناء علي قول جيورا بيشر القائم بالأعمال الإسرائيلي في الهند، حدث التغيير الأول في عهد حكومة راجيف غاندي. وكان ذلك عندما فتحت القنصلية الإسرائيلية في بومباي وتم تسهيل عملية منح تأشيرات دخول للسياح الإسرائيليين. ومنذ ذلك الحين، شنت الحكومة الإسرائيلية حملة دبلوماسية أعدت بعناية للتأثير علي حكومة الهند من أجل إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. واشتملت الحملة علي تسريب اخبار لوكالات الأنباء الأجنبية، وطلب تأشيرات سياحية من جانب دبلوماسيين إسرائيليين، وعقد اتفاقات غير رسمية بين مؤسسات تجارية من كلا البلدين. وذكر التقرير أن التغيير الثاني جاء أثناء انعقاد الدورة الخاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة في جنيف، وكان يرأس الوفد الهندي وزير الدولة للشؤون الخارجية ك. تيواري ، موضحا أنه رغم أحداث الانتفاضة الفلسطينية ورفض الولايات المتحدة إصدار تأشيرة دخول لياسر عرفات زعيم منظمة التحرير الفلسطينية لإلقاء خطاب في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، امتنع تيواري عن التنديد بإسرائيل، واعترف من ناحية أخري، بحق إسرائيل في العيش بسلام، قائلاً: إن القضايا الجوهرية التي تنطوي عليها عملية السلام هي حصول الشعب الفلسطيني علي حقه الثابت في تقرير المصير والاعتراف بحق جميع دول المنطقة، بما فيها فلسطين وإسرائيل وجيرانهما، في العيش بسلام وأمن داخل حدود معترف بها دولياً .
وأما التغيير الثالث الذي يشير اليه التقرير، فقد حدث عندما قام مسؤول عالي المستوي من وزارة الخارجية الإسرائيلية، يوسف هداس، بزيارة الهند بدعوة من السلطات الهندية. ولتجنب الجدل، وصفت الزيارة بأنها سياحية وأنها لم تكن ذات صلة رسمية بإسرائيل، كما جاء علي لسان المتحدث الرسمي الهندي.
وفي تطور آخر، قام وفد من ثلاثة أعضاء من رابطة محاربة التشويه المنبثقة عن منظمة بناي بريث الأمريكية، بالاجتماع مع مسؤولين في وزارة الشؤون الخارجية الهندية. وجري الاجتماع مع وزير الشؤون الخارجية ناراسيما راو ، وألفرد جونسالفس السكرتير بالسفارة و سينغ السكرتير المشارك بالوزارة. وقد وصف هذا اللقاء بأنه الأعلي مستوي علي التراب الهندي، بعد زيارة موشي ديان قبل عقد سابق. كما التقي في الأسبوع الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) 1991، يوسف ليبر، وهو زعيم يهودي بارز، مع رئيس الوزراء الهندي ناراسيما راو في نيودلهي. وقد سهلت الولايات المتحدة ذلك اللقاء.

حرب الخليج واثرها علي التقارب الهندي الاسرائيلي

أما التطورات اللاحقة في العلاقات الهندية الاسرائيلية ، فان التقرير يصفها علي النحو التالي:
ـ في كانون الثاني (يناير) 1992، جري لقاء آخر علي مستوي عال في واشنطن بين يوسف هداس ولاليت مانسنغ نائب رئيس البعثة الهندية. وتلا ذلك إعلان الهند في 29 كانون الثاني (يناير) 1992، إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وفتح الاتصالات العادية كافة بين البلدين. وقد أعلنت الهند قرارها قبل اقل من 24 ساعة من سفر ناراسيما راو إلي نيويورك لحضور قمة مجلس الأمن الدولي، غير أن وزير الخارجية ديكسيت أنكر وجود أي علاقة بين الحدثين. ومن الجدير بالملاحظة أن القرار اتخذ بعد مشاورات مع قادة المعارضة، بمن فيهم أدفاني .
ويضيف التقرير : لقد وقع عدد من الأحداث التي أدت إلي التفكير في إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. وكان أهم هذه الأحداث حرب الخليج. فقد قوضت هذه الحرب وحدة العرب علي نحو خطير، حيث وقفت بعض الدول (مصر وسورية) مع القوات الأمريكية ضد العراق. كما كانت إسرائيل أيضاً تقف إلي جانب القوات متعددة الجنسيات لان صدام حسين ربط بين احتلال الكويت واحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية. وفقدت المشكلة الفلسطينية الدور الموحد للعرب، وأعطت الدول العربية أولوية لسلامة أراضيها في مواجهة خطر متوقع أو حقيقي من عراق مستبد. وخلقت حرب الخليج وضعاً لم يعد فيه تناقض بين مناصرة قضية الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه إقامة علاقات عادية مع إسرائيل. وكان هذا يعني بالنسبة لغير العرب إمكانية التعامل مع إسرائيل دون المخاطرة بإغضاب العرب.
ويتتبع التقرير آثار تفسخ الاتحاد السوفييتي ونتائج حرب الخليج الايجابية علي الحل السلمي لكثير من المشكلات الدولية، مثل محادثات السلام العربية ـ الإسرائيلية، مما أدي إلي تصغير الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة، حيث اصبح بإمكان الولايات المتحدة عندها إجبار إسرائيل علي التعقل والتوجه إلي طاولة المفاوضات. وعانت باكستان كذلك من خسارة مشابهة. ويستخلص التقرير بان ذلك قد أدي إلي تغيير إطار عمل السياسة الخارجية الهندية التقليدية، وأعطاها بعض القدرة علي المناورة، حيث لم تعد اسرائيل دولة منبوذة، واصبح من الممكن إقامة اتصالات دبلوماسية عادية معها. إضافة الي احتمال آخر، وهو إدراك المحللين السياسيين الهنود وجود كتلة أصولية إسلامية جديدة محتملة تضم باكستان وإيران وجمهوريات آسيا الوسطي، لا يمكن غض النظر عن إمكانياتها بإلحاق الضرر بالمصالح الهندية الطبيعية. فضلا عن أنه كان يمكن لخبرة إسرائيل في ميدان الزراعة والتقنيات المتقدمة أن تساعد الهند مساعدة كبيرة.
من جهة أخري يوضح التقرير أنه كانت هناك أيضاً حاجة ملحة لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة التي أصبحت القوة العظمي الوحيدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ذلك أن الهند أصبحت معرضة للضغط من جانب أمريكا بسبب نفوذها في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ولذلك سيكون من شأن تطوير العلاقات مع إسرائيل أن يفسح الطريق لتعاون اقتصادي أوثق مع الولايات المتحدة. ورأت الهند أن العلاقات مع إسرائيل تساعد في إزالة التوترات في العلاقات الهندية ـ الأمريكية.
ويذكر التقرير بأنه فضلاً عن ذلك، فإن صداقة الهند للعرب لم تساعدها في أي أزمة واجهتها، وأن الهند كانت من جهة أخري، تتعرض للهجوم حول قضية كشمير من عدد من البلدان الإسلامية، وبصفة خاصة من باكستان التي واصلت دعايتها ضد الهند بطريقة متواصلة في غرب آسيا وشمال أفريقيا من اجل خلق كتلة إسلامية لتدويل المشكلة الكشميرية، في الوقت الذي نادي فيه البعض بان إسرائيل والهند يمكن أن تتعاونا لدرء هذا الخطر. وقال التقرير بأن عملية سلام الشرق الأوسط كانت تشهد تقدماً، وأن البلدان العربية بدأت محادثات مع إسرائيل، كما اتضح من عملية السلام التي انطلقت من مدريد، واستخلص أنه ما دام أن الدول العربية المتطرفة باتت تتعامل مباشرة مع إسرائيل، فلم يعد هناك مبرر للهند للتأخر عن ذلك. ناهيك عن أن منظمة التحرير الفلسطينية قبلت بحق إسرائيل في الوجود وبدأت تتفاوض معها.
ويبدو واضحا أن أحزاب المعارضة الهندية الرئيسة، والتي كانت تتخذ موقفاً موالياً لإسرائيل، قد استغلت هذا الوضع ، فراحت تضغط علي الحكومة الهندية لاقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. وتزعم هذه المطالبات، وفق ما اورده التقرير، حزب جاناتا بهارتيا ممثلاً في زعيمه برامود مهاجان، وسانده في ذلك ياشونت سينغ من حزب ساما جوادي جاناتا، بينما أراد سبرامنيام سوامي (من حزب جاناتا) وكرناجيا توجهاً اكثر تعاطفاً حيال إسرائيل. وأشار برامود مهاجان إلي أن كلاً من الصين وباكستان فد احتلتا أجزاء كبيرة من الهند، ومع ذلك وجدت علاقات دبلوماسية كاملة معهما. وادعي ياشوانت سينغ بان من الواجب إقامة سياسة الهند الخارجية علي المصالح الوطنية، في اشارة واضحة إلي أن الهند التي كانت طيلة تلك السنوات موالية للعرب، فإنها لم تتمكن من نيل دعم البلدان العربية خلال الأوقات العصيبة، في حين كان معظم هذه البلدان موالياً لباكستان.
وحينما أعربت الهند عن رغبتها في الاشتراك في محادثات سلام الشرق الأوسط، ردت عليها الولايات المتحدة وإسرائيل بان ذلك يتطلب علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل. وفي تطور آخر علي الصعيد المحلي، لم يعد رصيد الأصوات الانتخابية الإسلامية نقطة حساسة في حسابات النظام الذي يتولي السلطة في الهند.
وفي ظل السيناريوهات الدولية المتغيرة، توالت الضغوط باتجاه تكريس مناخ مفاده أن اتباع سياسة معادية لإسرائيل لا يعتبر توجهاً دبلوماسياً عاقلاً، وانه يضر بالمصالح الوطنية للهند.
وأخيراً، أكد الباحث الهندي ناز أنه بينما كانت تصر الهند طويلاً علي موقفها المساند للقضية الفلسطينية، كانت تعتقد بان هناك مزايا كبيرة في تطوير صلات أوثق مع إسرائيل، بما في ذلك التعاون في مجالات الزراعة والصناعة والتجارة والعلوم والتقنية المتقدمة والدفاع، وأنه يمكن لتجارب إسرائيل وخبرتها في مجال الزراعة والتقنية المتقدمة أن تعود بفائدة كبري علي الهند.
وجاء في خاتمة هذا القسم من التقرير مايلي: كان اعتراف الهند بإسرائيل يسترشد بالتعقل الدبلوماسي اكثر منه بالأساس الأخلاقي. ولهذا السبب تركت الهند الباب مفتوحاً لإقامة علاقات دبلوماسية كاملة، حسبما يتطلب الموقف. وقد أشار بهارغافا إلي أن نهرو لم ينتقد إسرائيل بشدة أثناء عدوان السويس، وقال: كان نهرو الذي تزعم الحملة المعادية لعدوان السويس ـ ويعكس تماماً وجهة نظر الهند في تلك القضية ـ قد خص بنقده بريطانيا، شريكة الهند في الكومنولث. أما بالنسبة لإسرائيل، فكان يعبر عن الأسف أكثر مما يعبر عن الغضب … ولم يوجد ميل معاد لإسرائيل في التنديد الهندي بالعدوان . وتواصل التعامل غير الرسمي بين الهند وإسرائيل، وسُمح لمسؤولين إسرائيليين بزيارة الهند. فمثلاً جاء موشي شاريت الذي كان وزيراً لخارجية إسرائيل أيام حزب الماباي، مرتين إلي الهند في الخمسينيات. ولا يمكن تجاهل حقيقة انه عندما جاء للهند في المرة الثانية، كان حزبه الماباي في السلطة، وان إسرائيل قامت مع بريطانيا وفرنسا بالعدوان علي قناة السويس عام 1956، كما أن ايغال آلون زار الهند عام 1969، وموشي ديان عام 1977 .
ويضيف التقرير: بعد الحرب الإسرائيلية عام 1967، انتقلت قيادة الحركة الفلسطينية إلي ياسر عرفات، زعيم حركة فتح. وعلي ضوء الظروف المتغيرة، تبنت الهند توجهاً نشطاً، وأصبحت تعبر عن مساندتها لمنظمة التحرير الفلسطينية ومعاداتها لإسرائيل. وفي السنوات التالية لذلك، شهد الوضع تغيراً نوعياً. فبدلاً من إهمال نيودلهي لتل أبيب، ظهرت عداوة هندية صريحة لإسرائيل، وكان مرد ذلك في غالب الأمر إرضاء وجهة النظر العربية المتطرفة. وانضمت الهند إلي الحرب العربية ـ الإسرائيلية الباردة، كمعاد حقيقي لإسرائيل. ولم يستطع حتي حزب جاناتا، الذي كان موالياً لإسرائيل، تجاهل العرب. ومن أمثلة مواقف الهند الموالية لمنظمة التحرير الفلسطينية، زيارات وفود المنظمة المتكررة للهند، ودعم الهند النشط للمنظمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة في فترة ما بعد حرب 1973، والاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1975، وقرار الهند منح المنظمة الوضع الدبلوماسي الكامل في آذار (مارس) 1982، وتشكيل لجنة حركة عدم الانحياز حول فلسطين .
بالمقابل ، فقد لاحظ التقرير أن عقد الثمانينيات قد شهد تلطيف الموقف الهندي من إسرائيل، وأنه مع بداية التسعينيات، أصبحت سياسة الهند تجاه إسرائيل واضحة. إضافة الي أن سماح الهند للطائرات الأمريكية أثناء حرب الخليج بإعادة التزود بالوقود اعتبر بمثابة تطور هام في هذا الاتجاه. فضلا عن أن حكومة ناراسيما راو أكملت عملية التطبيع مع إسرائيل وذلك من باب تعديل سياستها بما يتناسب والاوضاع الدولية المستجدة.
ويستخلص التقرير نتائج تطور الموقف من اسرائيل بالعبارات التالية:
ـ إن سياسة الهند في عدم الاعتراف بإسرائيل في بداية الأمر، ثم الاعتراف بها فيما بعد، يدل علي توجه عملي يقظ عند الهند. فقد قال نهرو مبرراً سياسة عدم الاعتراف بإسرائيل: لو أن الهند تلت الاعتراف بإسرائيل في بداية قيامها، بإقامة علاقات معها، لكان ذلك قبولاً بحقائق الحياة السياسية ـ لا اكثر من ذلك. لكن ذلك لم يحدث بسبب الوضع السائد حينذاك، في الداخل وفي الخارج . وفيما بعد كان إدراك الهند بأنها لن تكسب شيئاً من الإحجام عن الاعتراف بإسرائيل هو السبب في الاعتراف الكامل بها. وكما عبر عن ذلك بصدق خرجموالا، فإن إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ليست مبادرة سياسية خارجية ولا هي خطوة تاريخية.. إنها قرار إذعان .
وأخيراً يختتم التقرير هذا القسم بالقول بدأت إسرائيل والهند توجهاً جديداً نحو بعضهما البعض، ووجدتا تفاعلاً في مختلف الميادين الاقتصادية والزراعية والعلمية والدفاعية. والآن، وقد فتحت الهند اقتصادها، فمن المجدي تعزيز مستوي التعاون في مجالي الصناعة والزراعة. وسوف يجد الاقتصاد الإسرائيلي منفذاً لأسواق شرق وجنوب شرق آسيا الغنية عن طريق الهند. وكذلك ستستفيد الهند من التقنية الإسرائيلية والخبرة في زراعة الأراضي الجافة ونظام الري بالتقطير، إضافة إلي مجالات أخري. لقد أفاد كلا البلدين كثيراً من بعضهما البعض، لكن اكبر فائدة لإسرائيل هي الخلاص من حالة النبذ التي عانت منها والتي فرضتها عليها بلدان العالم . وهكذا كوفئ صبر إسرائيل بالتقدم السلس الذي تم به التطبيع، ودفع ذلك الهنود للتساؤل عن تأخرهم في إتمام هذه العملية مدة طويلة من الزمن .

51 Views

عن

إلى الأعلى