الرئيسية » موسوهة دهشة » الفنون » فنون متنوعة » الرسم » الجوانب الفلسفية والتقنية والتعبيرية للبعد الواحد … البعد الواحد يستلهم الحرف

الجوانب الفلسفية والتقنية والتعبيرية للبعد الواحد … البعد الواحد يستلهم الحرف


الجوانب الفلسفية والتقنية والتعبيرية للبعد الواحد…

البعد الواحد يستلهم الحرف

البعد الواحد يستلهم الحرف – جميل حمودي

يقتضي مبدأ اقتباس الحرف في الفن، تم تطويره لكي يعبر عن معناه دراسة البعد الواحد من عدة نواحي.

1- فمن الناحية الفلسفية يمكننا أن نعتبر الفكر المولع باقتباس الحرف في الفن فكرا متجاوزا.انه لا يحاول التعمق في الاستقصاء كمحاولة ذات اتجاه علمي تجريبي بل يحاول التشعب في التجربة المقارنة ما بين العالمين هما (عالم الحرف) اللغوي و(عالم البعدين) التشكيلي. فالبعد الواحد من هذه الناحية هو رؤية إنسانية لا- إنسانية. لأنها تتجاوز عالمها الذاتي نحو افقها الكوني. والفنان المولع باقتباس الحرف لن يكتفي بالفن التشكيلي لذاته لانه سيضيف اليه العلامات الحروفية. ومعنى هذا ان اللوحة الفنية ستصبح اكثر من محاولة تشكيلية لانه اذا كان التشكيل الفني في صلبه تكوينا (مكانيا) فان اقحام العنصر اللغوي يخرج عن صميم هذه الممارسة الى افقها (الزماني). ومعنى هذا ان ما يريد ان يناقشه الفنان حينئذ ليس هو الوجود الانساني ولا المكاني بل مشكلة الوجود المكاني والزماني معا. وهكذا فموضوع البعد الواحد الاساس هو الوجود الكوني نفسه.

ان نظرية البعد الواحد بهذا المعنى تفترض أن المعنى الحقيقي للكون يتحقق بالعودة من الشكل الى أزله الخطي،ومن الحجم الى أزله الشكلي. انه ممارسة للتجاوز (وضمنا التخلف) من خلال العلاقة المعقودة ما بين الذات والعالم الخارجي بحيث لا تصبح هذه العلاقة قيدا يتحجر فيه الوجود الانساني الذاتي بل علاقة متطورة تشعر فيه الذات بكيانها في الوجود الكوني.

ويمكننا رصد الملامح الانسانية – اللاانسانية للبعد الواحد عند مقارنتنا للرؤية السوريالية بالرؤية التأملية.فالرؤية السوريالية هي في صميمها رؤية انسانية لانها ترى ان الشعور ليس هو الشكل الصادق للكيان البشري، ولكن الشكل الصادق له اقتران التعبير الشعوري بطبقاته التحتية للاشعور او بالعقل الباطن.ومن هنا فالاغتراب السوريالي هو اغتراب غير متجاوز لاطاره الانساني. والسوريالي هو انسان مؤمن بانسانيته التامة الموجبة ولكنه يشعر ان الرؤية الاكاديمية كانت تعرقل حقيقته الانسانية حينما تخفي باستمرار الوجه المشرق والصادق لها. وهذا الوجه هو ما تدعوه باللاوعي او عالم الاحلام والهذيان.ومن هنا فهو يعيد برؤيته الجديدة للوجود الانساني حقيقته. أما الرؤية التأملية فترى ان الشعور الانساني بما هو عليه كشعور موجب ازاء الكون يثلب باستمرار الوجود الحقيقي له. لانه لا يكفي للتعبير عن حقيقة الوجود المكاني والزماني معا. الا انه يمكن أن يكون شعورا مثمرا اذا ما أصبح متفانيا بالكون بمجرد أن يستحيل الى وجود سلبي.فاذا كان (المدهش) هو النموذج للانسان السوريالي فان (المتفكر) هو النموذج للانسان المتأمل.. او انسان البعد الواحد.وهذا المتأمل هو انسان يشعر بكيانه الكوني من خلال انسانيته عندما يجعل من سلبيته عنصرا جديدا للتوحد مع الخليقة جمعاء فهو لا يعيش (ذاته) كايجابية ازاء سلبية العالم الخارجي بل يعيش (ذاته) كسلبية ازاء ايجابية نفس العالم. وهكذا فان السطح التصويري وامكانياته للتعبير عن الذات سرعان ما يتقبل ايجابية الحرف اللغوي لاقحام عالمه على عالم اللوحة. لم يعد اذن اقتباس الحرف في الفن سوى الموقف الكوني للمتأمل لانه اقتباس يتوخى الكشف عن وحدة عالمين يعيشهما في آن واحد هما عالم الفكر (اللغوي) وعالم المشاهدة (التشكيلي).

أما من الناحية التقنية. فان البعد الواحد هو عناية بتحوير العلامات اللغوية الى بعد تشكيلي.ذلك انه اذا كانت (حيوية) الملامح الطبيعية هي الشكل الفلسفي لنظرية كاملة في عبادة الالهة المتعددة عبر الفكر الميتافيزيقي في العصور القديمة، وبمعنى آخر اختيار (الاوضاع المثالية) للتعبير عن المعرفة وليس المشاهدة الحسية للتعبير عن الاحساس البصري فان (مبدأ محاكاة الطبيعة) أصبح في العصور الحديثة هو الشكل الفلسفي لنزعة الانسانية والعلمية اما في العصر الراهن فان (التقنية التوفيقية) أي الشكل المعبر عن وحدة الوجود الكوني هو الاطار الجديد للتعبير عن الرؤية المقارنة.ومن هنا اكتشاف مبدأ التلصيق Collage اكتشافا جديدا لتوسيع مثل هذه الرؤية.وفي البعد الواحد تصبح التقنية الفنية محاولة (تلصيقية) وذلك حينما توجد ما بين العلامات الحروفية من جهة.

2- والمناخ التشكيلي لها في اللوحة. ومن هنا ايضا فان الحرف ياخذ دوره في التقنية كشاهد من شواهد عالم اللغة عند حضوره في صميم السطح التصويري.انه في الواقع يظل محاطا بهالة من عالم التصور اللغوي بالاضافة الى ملامحه المرتبطة بفن الخط العربي المقتبس.فالحرف المقتبس والمساحة المرسومة هو شاهد بلاغي: انه بالاحرى كل التراث الصوتي والرمزي للعالم الفكري الذي يمكن قراءته. صحيح ان التقنية التحويرية هنا ستحيل الحرف بدوره الى علامة تشكيلية سواء بتنويعه اللا- لغوي او تبعيضه الا انه يظل عبر تصور المشاهد في عالم اللغة.وباختصار ان التقنية التوفيقية لفن البعد الواحد تبدو كمحاولة للجمع بين المواد المختلفة الا انها في صميمها تجمع ما بين عالمين.. فهي اذن تلصيق فكري واضح.

3- اما من الناحية التعبيرية للبعد الواحد فان المناخ الحروفي مناخ غني يجمع الابعاد الداخلية والخارجية للامكانات الابداعية في الفن. ان للخط العربي اساليب متنوعة في التعبير. فهناك الاسلوب الكوفي المركز وهناك الاشكال الاخرى ذات الزخم المنحني كالاسلوب النسخي والثلثي والفارسي الخ.. وفي جميع الاحوال فان اقتباس الاشكال المتنوعة للخط تظل حبلى بالقيم الشكلية والزخرفية له في حين يصبح اقتباس الحرف المستعمل استعمالا اعتياديا كاسلوب الكتابة اليدوية وكتابات الاطفال والكتابات الحائطية.. نظل جميعها معبرة عن صميم النفس البشرية التي تطرح نفسها بصورة عفوية زاخمة بالتعبير والوعي واللاوعي معا. او بمعنى اخر ان اللوحة المشحونة بالحرف من هذا القبيل يكاد التعبير فيها يمثل ما يعطيه جهاز السيسموغراف من علامات.. فهناك اسلوب الكتاب للمرحلة التعليمية أي الكتابة الطلابية وخاصة في مرحلة الدراسة الابتدائية،وهناك أسلوب الكتابة على جدران المدينة وهو ملئ بالقلق والخوف والعفوية،كما انه زاخر باشارات التعمية والكبت والتضليل. ان البعد الواحد في ضمه لهذه الاشكال الكتابية يتوخى اذن التعبير عن النفس البشرية وهي في حالة التقائها مع الطبيعة الجدار او الطبيعة الارض. ومن هنا دوره التعبيري في الفن.

شاكر حسن آل سعيد – الحرف والكتابة في الفن بين الشرق والغرب

منذ اقل من نصف قرن كانت الفنون – في جميع انحاء المعمورة – عرضة لتغيرات شاملة. وان التقدم العلمي مسؤول مرتين عن هذا: بتسهيل وسائل السفر السريعة التي تكفل تنقل الانسان وانتاجه بين مختلف الاماكن، من ناحية،وبتحسين وسائل الانتاج نفسها من ناحية اخرى. وهكذا تحقق التعارف المتبادل بين فنون قطر وآخر بسرعة متناهية وبشكل واسع المدى، بدل أن يكون ذلك عن طريق الاكتشاف البطئ،وتغلغلت التأثيرات السريعة المباشرة، بدل التبادل الجزئي المتردد.والفنانون الذين يزداد عددهم في العالم يوما بعد يوم، يقومون الان بأسفار طويلة ويعيشون خارج بلادهم ثم يعودون اليها وهم يحملون تأثيرات مختلفة توسع آفاق التقاليد التي توارثتها بلادهم تاريخيا والتي كانت لها الاهمية الكبرى. ومن هذا ينتج تطور عميق في التسلسل الحضاري وفي التأثيرات التي يتاتى منها نوع جديد من الاساليب التي يمكن ان نسميها ما ((فوق الوطنية)) وهي غالبا ما تكون مقبولة في كل مكان،ومن ناحية اخرى فان امكانية تحقيق متاحف النسخ المطبوعة قد غيرت الكثير من القيم الاصلية التي ظلت متوارثة عبر الزمان والمكان.

وهذا الحدث الهام الذي هو نشوء ((الفن العالمي))، (مع كل الاتجاهات والاشكال التي يمكنه أن يتخذها،والوسائل المنوعة التي يتحقق بها، والاساليب حتى المتناقضة منها والتي يمكنها ان تتعايش)، الا يكون بحد ذاته تكريسا عاليا للاصالة الخلاقة عند الشعوب، أم ترى هو مجرد ترتيب أقل أو أكثر تعقيدا للعناصر الفنية المعروفة؟. يظهر ان العكس اصح وان كان هناك التقاء في بعض النقاط، فان ذلك قد حصل عن طريق تحرك القوى الاساسية والعميقة، وليس عن طريق التقليد الاعمى والتأثر السطحي. واننا نعتقد ان اهم كل هذه اللقاءات الجديدة هو اللقاء على صعيد الحرف. فكيف كان ذلك؟ لعل من المستحسن ان نختبر هذه المسالة من خلال الفن في ركائزها الاساسية الثلاثة،الشرق الاقصى. الشرق الأوسط والغرب.

فاما الشرق الاقصى، فانه حتى انقطاع التسلسل الاستيتيكي وظهور تأثيرات التقنية الغربية، كان قد عرف نوعين من الفنون التشكيلية ذات البعدين:وهما التصوير الزيتي والحفر.فأما الاول فأنه تستعمل فيه طبعا الريشة، ولكن بطريقة مختلفة تماما عما يحدث في الغرب. فهنا لا تستعمل الريشة الا لوضع الحبر الصيني المخفف بالماء قليلا او كثيرا (وهنا يمكن تحقيق اهمية الطبقة اللونية) وبصورة عامة يكون ذلك لوضع قيمة لونية واحدة:الاسود. اما طريقة استعمال الريشة فانها مستوحاة من العنصر الاساس: وهو الكتابة.ونوعية هذه الكتابة التي تتألف من اشارات ورموز طغت وما تزال تطغى على كل المظاهر التقليدية لفن الرسم في الشرق الاقصى. والكتابة بالاشارات والرموز تحمل في طياتها المعنى والقيمة التشكيلية في وقت واحد،فالرمز ينطلق من حقيقة انه يشير ويدل على الطبيعة التي هو خلاصة لها ةبديل شديد التركيز للتذكير بها. وقد اصبح الرمز معادلا للفكرة،كما اصبحت مجموعة الرموز اكثر من مجرد كمية حسابية بسيطة: بل امها صارت شيئا متكاملا او بالاحرى فكرة جديدة.ومن ناحية اخرى فان في وضع الاشارة اة الرمز Sign ابتداء من تقنية عظيمة المطاوعة وغنية بامكانيات التحول الشكلي، وهو ما يختلف تماما عن الكتابة الابجدية المتسلسلة والسريعة التي يعرفها الغربيون، شئ من الحساسية،بل اكثر من ذلك ايضا، بالنسبة لشخصية الكاتب (او الخطاط) فانها تكون محملة بشاعرية وبجمال تشكيلي ذي صبغة فردية. ومنذ أقدم العصور كان فن الخط واحدا من أهم الفنون الاساسية، ان لم يكن هو الاهم فعلا.وقد ابرزت الكتابة الغربية وجود الانسان، حيث وضع عصرنا الحاضر فن التخطيط في مكان هام ربما جعله أساسا لفلسفة ما: فانه يعلن عن صفات التعبير للفعاليات الرائدة التي تظهر بصورة واضحة في الكتابة، وفي تحليل التشويهات العفوية للنموذج. فالكتابة الغربية لا تدرس. وعلى العكس من ذلك فان الكتابة في الشرق الاقصى تدرس، وتحيط بها التأملات، وهي مرغوبة وجذابة حينما تأخذ قوالبها القياسية في الخط.والتحليل الذي يمكن ان نقوم به لها لا قيمة له كما لا علاقة له باللاشعور، بل العكس انه يستطيع تمييز الموهبة الفنية الخلاقة والمتأملة. اما استعمال الفرشاة المدببة في الكتابة فهو فن له قواعده واصوله ويستند الى صياغة يتطلب تعلمها وقتا طويلا. والمسألة لا تقتصر على التقليد فحسب. بل ان هناك اساليب متعددة للخطوط- التقليدية التي تمثل في حقيقتها فلسفة متكاملة.

والمهارة الحقة التي يصل فيها فن استعمال الفرشاة اوجه،تجعل هذا الفن قريبا من الطريقة المسماة باﻠ Lavis (وهي التي تتشرب فيها الفرشاة بمزيج من الحبر والماء قصد تخفيف بعض التسطيحات من كثافة اللون) وفن التصوير هنا يتبع نفس هذه الطريقة بصورة عامة. على ان حركة الخطوط ودينامية اللمسة تتبع بجوهرها اشكال الحروف. الا ان هذا لا يعني اعتبارنا لفن الرسم في الشرق الاقصى مجرد تجميع للحروف، فالامر على عكس ذلك تماما، حيث يوجد هنالك رمز واحد أو حرف واحد،شامل والمنظر الطبيعي ليس في الواقع عبارة عن خلق طبقات متعاقبة من الحروف والاشارات التي تدل على الماء والاشجار والجبال،بل ان هناك اشارة واحدة تعطى للعناصر المؤلفة اماكنها في الانشاء مع القيم التشكيلية التي تتسربل بها،والمعنى الذي تعبر عنه. وفي الغرب، يتألف فضاء توضع في حيزه الاشياء التي لا يمكن لها الا أن تكون اشكالا، بينما يكون الامر في الشرق الاقصى بتأليف مجموعة من الهيئات تخلق بتكاملها فضاءا خاصا بها.ولا شك ان من الممكن ان نقوم بتحليل أي قطعة فنية اما سبب ايجادها فلا يحضرنا:فهي موجودة امامنا كشئ متكامل، وكجسم حي وهبته ((الحياة))، هذه القوة الغامضة، كل وجودهالمادي. فالتحليل لا يمكنه التدخل الا بعد الاستيعاب المباشر والكامل للقطعة الفنية ومدلولها. اما العلاقات البسيطة التي توجد بين العناصر المؤلفة للقطعة الفنية فليست بذات اهمية لذاتها فحسب، لانها في الحقيقة ليست اكثر من مظاهر جزئية، بالمستوى الادنى، للفكرة الروحية الشاملة، ولاتخلق التكامل لانها هي التي أوجدها التكامل. وبنفس هذه الروحية فان الاثنان ((الكتابة)) و((الرسم)) ارادا التأكيد على الاستقلالية الذاتية لكل منهما في مجال التنفيذ.وان كان الاثنان قد تحقق التأليف فيهما عن طريق الرموز الابجدية، وان فيهما احترام بين للاصول اللغوية ولتركيب الحروف، فان كلا منهما قد هيأ لذاته حدودا واضحة: فالكتابة مصدر للافكار التي تتضمنها الحروف والرموز،والرسم تعبير عن الطبيعة.وهكذا استطاع التاثير الغربي ان يلعب في اتجاهين متضادين: الاول يقود الفنان من الشرق الاقصى لاتخاذ أسلوب الفكر الغربي حيث لا نجد في النتاج الفني غير المعنى الذي جاء عبر آلاف السنين من الحضارة، ولاعلاقات الثانوية الملائمة تماما،بينما لا يهتم الثاني بالامور التقنية التقليدية الاتية من الغرب قدر اهتمامه بالروحية الجديدة التي ظهرت في بداية هذا القرن، وخاصة التجريدية وبعض الاساليب الشكلية.وقد اعطى الاتجاه الثاني انطباعا غريبا: فهو ينطلق من امكانيات الصياغة في الخط لخلق رموز وحروف منفصلة عن بعضها الى جانب اشكال سبق وجودها وكانت من قبل دون أي مضمون روحي تعرفه الكتابة،وجعلها تبتكر بحرية تامة مضمونا روحيا جديدا. وفن الخط التقليدي لا يخفى على احد ويمكن الحكم عليه من الناحيتين الروحية والتشكيلية، الا ان من الممكن قراءته كذلك.اما الحروفية الجديدة فانها لم تعد تقرأ. وهكذا فان الصفات الاساسية للفن في الشرق الاقصى تظل باقية،الا ان هناك محاولة ورغبة في اكنشاف مرحلة جديدة لا تعتمد على الاشكال التقليدية او العناصر الطبيعية.

اما الشرق الاوسط فان له طريقته الخاصة في الفن، وهي دون شك اقرب الى ما هو معروف في الفن الغربي. ومع ذلك فقد تطورت في بعض الحضارات اساليب لها ارتباط بالحرف والكتابة بالذات. ولا داعي هنا لرجوعنا الى طرائق التشذيب للاشكال الحيوانية في الفن التي ترجع اصولها الى حضارة سهول آسيا، الا اننا سنحاول مع الغرب، ان نرجع الى الشكل الحروفي الذي جاء من آسيا متغلغلا في اعماق الزخارف الايرلندية. وكانت في الاجيال السامية قد تطورت اساليب كتابية ((مجردة)) استندت الى جمالية الحرف بسبب منع الدين لتصوير ذوات الروح. فقد عمد الفنانون العرب الى استخدام الحروف في تشكيلاتهم الزخرفية. والحقيقة ان من السهل التعرف الى بعض الاصول التي نالها التشذيب الفني بكثير من الابتكار، والمختصون بهذه الامور يعرفون كيف يكتشفون من خلال التركيبات الزخرفية المعقدة ذات المظاهر التجريدية الخطوط، مناظر الصيد والمعارك الحربية ومشاهد الحب. ويظهر هنا بصورة خاصة في زخارف السجاد. وعلى أي حال فان الجزء الاكبر من الفن العربي يتألف من تركيبات كتابية.

وبسبب منع الذين لتصوير ذوات الروح- الامر الذي ربما بالغ به المتحذلقون- فلم يبق أمام الفنانين غير امكانية تحقيق الزخارف النباتية والتجريدية والهندسية.ولعل الاخيرة كانت كذلك من احسن ما برع به الفنانون العرب الذين عرفوا كبق يجعلون منها عنصرا مشاركا رائعا مع فن العمارة. والاولى (النباتية) تتدرج بالتطوير الاسلوبي الى الثانية (التجريدية) ثم الى الثالثة. وان احترام تعاليم الكتاب المقدس (القرآن)، وربما كذلك بقاء التذوق الخاص للكتابات الذي ظل متوارثا منذ اقدم الحضارات في البلدان التي كان فيها الحجر ملكاً،وكل ما بقي من النصب التذكارية يثير أفكارا عمرها آلاف السنين تتردد في مادتها وفي وحدتها المعمارية،ربما كان هذا مما دفع الفنانين الى استعمال الآيات القرآنية كعناصر زخرفية، تتضمنها تلك الكتابة العربية التي تتحشد فيها اعظم الامكانيات التشكيلية.وهنا تبدأ أروع مغامرة عاشها الفن العربي: فقد صارت الكتابة معه تخفق فيها الحياة وتصبح اكثر طراوة واكثر صلابة، تركض في سطورها المتساوقة أو تتشكل في قوالبها الهندسية،حيث يمكن للخط الكوفي ان يتخذ الف شكل وشكل، وان يعطى ولادات جديدة لاساليب عديدة اخرى، للوصول الى حيث تصبح القراءة في المستحيل، وتصير الوظيفة الزخرفية عملية تأملية او تربوية قريبة من الصلاة. ولنحاول ان نبتعد عن الخطأ الذي يدعي بان الفن العربي لم يقترب ابدا من الطبيعة: فان هناك العديد جدا من روائع الاشكال الطبيعية،والمناظر الحية التي جعلته يستحق الكثير من التعظيم. اننا هنا أمام المثل الوحيد لكتابة أبجدية ولد منها فن حقيقي. أما الكتابات الاغريقية والرومانية والسلافية والرومية، وحتى النصوص المنحوتة بلغات الهند وآسيا الجنوبية رغم ان هذه الاخيرة ذات طابع زخرفي،بل اكثرها جمالا زخرفيا،فان أيا منها لم تعط أي عطاءيمكن معه وضعها على نفس مستوى الكتابة العربية.

ثم أصيب الفن العربي بنكسة:فقد أضاع فن الخط العربي الزخرفي صفاته الخلاقة المجددة، وتحولت الاساليب التصويرية نحو نوع من القوالب الاكاديمية.وتوجب الانتظار،حتى الالتقاء بالفن الغربي لكي تستعيد حرية الخلق الفني حياتها من جديد. الا انه ام يستمر بتطوره في مجال الحرف.ومع ذلك فمنذ بضع عشرة سنة اكتشف بعض الفنانين المسلمين بان في امكانية الكتابة العربية ان تصبح من جديد ينبوعا لالهام تشكيلي رائع. ةان الحرف اومجموعة الحروف (الكلمة) يمكنها ان تعطي ولادة لتأليفات تشكيلية ممتازة. وكانت التأثيرات الجديدة للفن التجريدي قد دفعت البعض للبحث عن ايحاءات حروفية او كتابية.الا ان تلك البحوث لم تؤد الى مثل ما حدث في الشرق الاقصى حيث مال الفن الى الاسايب الفنية في الغرب. انما كانت هناك فكرة اصيلة. وقد اعطانا العراق الفنان جميل حمودي الذي جاء ليبحث في هذا الحقل الجديد. وقدسار هذا الفنان من خلال فنون الرسم والحفر والنحت عبر الاسايب الواقعية والتجريدية ليظل وفيا لهذه الفكرة بالذات. الا ان الروح التي يعمل بها هذا الفنان تظل اكثر قربا من الطابع الغربي منها الى طابع الشرق الاقصى.

واما الغرب، فمثل ما المحنا سابقا، حيث انه قد عرف من قبل مرحلة من مراحل التعبير الفني التخطيطي. اﻠﮕﺭافيكي وقد كانت هذه المرحلة متصلة بالزخرفة وعالمها فحسب. جاءت من الشرق وفرضت نفسها في الزخارف والمنحوتات الرومانية.وجاءت من سهول آسيا الشمالية فوصلت حتى ايرلندا بمخطوطاتها التي وجدت في شعبها أرضا خصبة نمت فيها. وانه من الواضح لنا تلك الروحانية التي تشع من حول تلك الطبيعة فيها.ثم كان هناك ظهور الشعب السلتي الذي أضاف واغنى اسلوب التعبير ذلك. ومع ذلك فان السنين الاخيرة.- مع ظاهرة الفن التجريدي- هي التي شهدت تطورات البحث عن الحرف. فعم كان الفنانون يبحثون؟ كانوا يبحثون عن وسائل للتعبير لا شبيهة لها في الطبيعة قط،متباعدة او متجمعة،لان هذه الاشكال تؤلف وسيلة منطقية أكثر انغمااسا في مجال التعبير: وقد تطورت حتى اصبح لها معتى دقيق وثابت، وصارت نوعا ما من الابجدية او لغة معروفة من قبل جميع اصحاب الافكار المتصلبة ومن ثم لغيرالقادرين، رغم اندحارهم كما اراد السرياليون، على ان يتقبلوا افكارا جديدة تنبذ الافكار القديمة. فقد كان من الواجب العثور على الوسيلة التشكيلية- ما دام الفن الحديث يريد ابراز استقلاليته التشكيلية- للتعبير بالنغم، بالشكل الخالص من كل تركيب طبيعي، وبالاحساس الفني.فالموضوع اذن هو العثور على لغة جديدة، يمكن التفاهم بها رغم انها ابتكار فردي،لغة يمكن بها اثارة المشاهد عن طريق احساسه،عبر المعنى او في حدود ما رمى اليه المؤلف. فالمشكلة اذن ان يبتكر رمز يتضمن رسالة روحية وعاطفية معا.

واننا هنا سوف لا نتبع التجريديين البوريتانيين الذين لا يقبلون الا الرموز التي ليس من بينها وبين الطبيعة أي علاقة- وهذا في الواقع- موقف خيالي لا ينطبق على واقع الامكانيات التصورية للانسان وطراوتها في التجانس، وفي الاستعارات المكونة له. والاساس هو ان يكون الشكل المستعمل منفصلا بصورة كافية عن المصطلحات المعروفة، وعن المفاهيم التقليدية. وليس من واجب الشكل او الحرف ان يعطيا رسالتهما الا بالدرجة الثانية بنوع من اللف والدوران الذي يكمن فيه اقتراحه ابتداء من الترجمة الاولى. فمن اللازم اذن ان نجد الحرف الاصيل (باوسع ما في هذه الكلمة من معنى)، وان نكون في هذا الحرف قوة حسية كافية. وهذايغنينا عن الشكلية والروح الاكاديمية ولا يمكنه أن يكون الا من انتاج الفنانين المبتكرين حقا سواء كان ذلك من ناحية التقنية او الاشكال او من الناحية الروحية.وعدد كبير من الفنانين ذهبوا في هذا المنطق. بعد قرون من التقدم البطئ الذي كان يحققه الفن الواقعي الذي كان وحده الممثل الطبيعي، والذي اوصله فعلا الى مستويات عالية. الا ان رد الفعل ضد المادية التي انطبع بها عصرنا قد أظهر بلورة البحوث في هذا المجال. ومنذ بول كلي الذي ظل دائما على صلة بالطبيعة- رغم كل ما يمكن ان يقال في ذلك- حتى الفنانين التجريديين الذين يتحمسون تارة للابتكار الصافي ويتركون وجدانهم يعبر عن نفسه او انهم يحاولون الاستعانة بالعمليات العقلية لبناء الرائعة الفنية التي تكون في البداية سلبية بسبب رفضها للاشكال الطبيعية،ثم تصبح لها قيمة حسية، وحتى الفنانون الشكليون يحاولون اليوم ان يوجدوا من جديد ركيزة جوهرية من ركائز الفن الكلاسيكي الا ان القدماء فكروا بكل شئ قبل ان يتوضح التوازن في العلاقات بين ما يمثل الطبيعة وما يحمل في مضمونه من قيم روحية. والكل، او لنقل اكثر الفنانين اليوم، يريدون ابراز الالتماعة الدالة على التجاوب المباشر والمضمون الروحي. وفي كل الحالات يظهر ان هناك حاجة لهذا التحول في عصرنا وعلى الصعيد العالمي. فالانسان المبتكر يعترف بتقدم التطورات التقنية العلمية (فكل شئ اصبح الان مادة علمية،حتى الفن استفاد من ذلك وعليه في رأينا ان يثبت جدارته امام التطور العلمي)، الا اننا في نفس الوقت نخشى الفضيحة- ونعني بذلك ان الناحية الخلاقةفي الانسان ترفض اكثر فاكثر ان تضيع شخصيتها.وعلى هذا فما هو مصير التبادل الروحي؟وهل علينا ان نفكر بان الانسانية ستبلغ يوما ما المخطط الروحي السامي الذي يصبح فيه التعبير بالحرف لغة المعرفة،أو على الاقل الميتافيزيقية؟ ليس هناك ما يثبت هذا الان. لكننا نعتقد ان المسيرة تتجه نحو هذا وان تالجهود التي تحيط بالحرف وبالكتابة التشكيلية تجمع اليوم حولها فناني العالم المعاصر.

روبير فرينا – ماذا وجدت

لقد شاهدت الفن الحديث ودرسته مقابلة دوما بينه وبين الفن العربي في الشرق الاوسط.فوجدت الاخير منهما ايضا بهي الالوان ساحرا،وفي الوقت نفسه معقدا ومزخرفا، حتى لقد شعرت انه من الضروري ان تتهيأ لذلك الفن الخالد دفعة قوية تخرجه مما هو عليه من الجمود،وتحريره من السطحية، وتقريه من فن عصرنا الحاضر المتصف بجدية التعبير وبالحركة والقلق. وقد طالما اعجبت في سن طفولتي بالخطوط العربية المتشابكة على ابواب المساجد, المحيطة بالقباب والمآذن, وسحرت بها. لقد رأيت في منازل دمشق القديمة سقوفا وجدرانا مزخرفة،وكذلك رأيت الآثار الباقية في غير دمشق من الاقطار العربية. ووقفت طويلا اتمتع بمنظرها. ولما ذهبت الى أمريكا تعلمت أمورا اخرى عن تاريخ الخط العربي، وتبينت الاهمية الجوهرية القديمة للحروف العربية, ووقفت على رحلتها الطويلة خلال العصور, وعلى ما طرأ عليها من تغييرات كثيرة حتى انتهت الى الشكل الذي نجدها عليه اليوم. ولقد أوحى الي ذلك ان الخط العربي الذي هو عبارة عن معان مجردة, والذي هو في جوهره رمزي, يجب ألا ينظر اليه كأنه مجرد ابعاد واشكال هندسية. فان هذه النظرة في اعتقادي،من وجهة التصميم الفني تسئ الى فردية كل حرف وتسلبه حريته في التعبير وفرديته، وتمنع ان يكون تصميما فنيا. ذلك بأن كل حرف من حروف الخط العربي فيه القابلية الكافية وله شخصية متحركة قادرة على ان تكون صورة مجردة، وفوق ذلك فان له تلك الصفة الفردية الظاهرة التي تساعد على صيغ كاملة تعطي معنى خاصا او فكرة،او تمثل حادثا جديدا أو قديما.

اني لارى كل حرف من حروف العربية كصورة مجردة يؤدي معنى خاصا,وان تلك الحروف على اختلافها في التعبير تصبح مصدرا للالهام. فحرف ((الياء)) له شخصية جبارة تعبّر عن معان كثيرة. وحرف ((ع)) الذي لا نظير له في الابجدية الانكليزية هو حرف قوي فعال، يتضمن في اللغة العربية معنيين مختلفين،فهو من جهة يعني نبع الماء، ومن جهة أخرى يعني العين التي يبصر بها التاس، وأما حرف ((ل)) فانه يعطي حركات رقيقة موسيقية. أما وقد آمنت بذلك،فقد جعلت من الحروف العربية قواعد لرسومي، فأخذت اتدرج في تحويلها من أشكال سطحية بسيطة الى صور للفكر متحركة. ومع ان فكرتي هذه ما زالت في دور التجربة، الا انني اكتشفت ان في الحروف العربية امكانيات تؤثر في ارباب الفن وتحملهم على ان يتخذوا منها مادة لعملهم الفني، كما تؤثر في سائر الناس من أرباب الفن وتجعلهم ينظرون اليها على انها صور تتضمن معاني وأفكارا، لا مجرد خطوط ملونة.

مديحه عمر – حضارية البعد الواحد

ان الاتصال الفني بالحرف ذو جذور روحية بالتاريخ وذو علاقة مباشرة مادية باليوم. وما ((البعد الواحد)) الا ممارسة فنية جديدة،ورؤيا انسانية نحو الحرف كشكل ني وكرمز حضاري، ذات علاقة اندماجية بشخصية الانسان الشرقي المعاصر الممارس بصريا وفكريا وروحيا للحرف العربي. انه خروج عن التحديد الهندسي الى استلهام شكلي… كأي عمل فني يتجاوز الموجود الى ابعاد اعمق واشمل..ويكتشف المعاني العميقة الاكثر انسانية في الحياة،في جسد الانسان في الفضاء وفي الكون.أما التفسيرات المادية فهي من اختصاص العلم (كالتشريح والفسلجة والفلك والفيزياء الخ..). و((البعد الواحد)) تجاوز للمعنى اللغوي (الذي هو من اختصاص اللغة والادب) الى المعنىالتشكيلي المجرد. ولا شك ان هذا هو اكتشاف بعد جديد للحرف.ان الحرف العربي الذي يتميز بجمالية تعبيرية واضحتين يشد المشاهد اليه بصرف النظر عن معناه اللغوي.وفي الفن المعاصر نجد الكثيرين من الفنانين الغربيين دهشوا به أمثال (كلي،ميرو، باومايستر، آرب، تابس، كلاين، نوفيللي، راوشنبرك، هارتنك والاخرين).وهكذا دخل الحرف العربي في تاريخ الفن العالمي بشخصية تأملية وتعبيرية جديدة،واكتسب بذلك بعدا آخر.ان لهذا الاكتشاف اهميته.فقد غابت حقيقته التشكيلية هذه منذ ولادته وتاحت في زحام المعاني اللغوية والمخارج الصوتية حتى زمن متأخر. اتبحث الان في مولد الحرف عند الانسان.. الانسان الذي اراد ان يكتي.ففي البدء كان للحرف شخصيتين منفصلتين تم دمجهما ذاك الانسان القديم في شئ واحد هو الحرف التراثي. هاتان الشخصيتان هما الشخصية البصرية ( أو الشكلية ) والشخصية الصوتية ( الفونوتيكية ). الشخصية الاولى البصرية هي ما يهتم بها الفنانون، اما الشخصية الثانية فهي من اختصاص اللغويين والمسرحيين والمغنين.

والان يبرز السؤال الصعب. لماذا رسمت يد الالكاتب الاول الحرف بهذا اللين والانسياب والصعود والتقاطع، وليس بشكل آخر. لماذا رسمت الوار بالتفافة خطية لا مركزية ولماذا تكون السين من ثلاثة ايقاعات قصيرة دائرية ورابعة كبيرة متحررة.وقد تكون هناك صلة ما بين الحرف كصوت والحرف كرسم.. ولكن هذه العلاقة تبدو لي ساذجة وغير مقنعة وآنية. أنا اعتقد ان العلاقة هي اهم واعمق من ذلك،ولها صلة بسايكولوجية الشعب الذي ينتمي اليه الحرف. لنتأمل شكل الحرف العربي، الذي يبدأ في رأس وبداية مركزة دقيقة مضبوطة ويستمر حتى يتلاشى في ذيل منساب. بداية محددةالاتعاد وبعدها تذوب النهاية في فضاء غيبي الابعاد.تماما كحياة البدوي.. يبدأ يومه بخيمة ضيقة المساحة قريبة الجدران ثم يخرج ليغيب بعدها في صحراء فسيحة لا بعدية.ويبدأ ذهنه كل صباح في تركيز وتخطيط حياتي يومي ثم يتلاشى في لا أبالية الرياحوالرمال والضياء والزمن. ان دراسة الاصول النفسية والمجتمعية لتكوين الحرف العربي ذات اهمية ملذة،آمل ان تثير اهتمام المختصين قريبا. لقد منحت الشخصية البدوية للحرف العربي الكثير من العاطفية والجمالية والفضائية اذا ما قارناه بالحرف اللاتيني الذي ولد في المدينة (كخطوط مستقيمة متصاعدة تخضع لهندسة يابسة). وفنانو ((البعد الواحد)) هم باحثون يستقصون جمالية وحضارية الحرف العربي ويقرأون الذهنية البدوية، والتعبيرية العاطفية والاكتناز الحضاري فيه. ان الحرف العربي يعيش كأي موجود عضوي. ولد بدائيا ثم استكمل ملامحه وبعدها بدأ يزين نفسه بالحركات والنقاط واستمر يتطور في الخط الكوفي والاشكال الاخرى وسيظل يتطور ويتغير تبعا للمرحلة الاجتماعية التي يعيشها.ويسير الزمن ليبعث الخط من جديد وسط هذا العصر.ذي الهموم والمشاكل الحديثة..الالة والحركة والفضاء والابعاد الروحية للانسان المعاصر الذي يعيش أزمة الصراع ما بين الموجود ومعطيات العلم المذهلة ومفاجئاته. و((البعد الواحد)) مرحلة حضارية في حياة الحرف يعامل بها لا كقطعة متحفية ولا كشكل هندسي مفروض. ولنما كمخلوق حضاري..وهي مرحلة تاريخية تنتمي الى جوهره والى المستقبل. ولمنتسبي ((البعد الواحد)) معالجات منوعة بالنسبة للفنان الممارس.. فهذا يهتم بصوفيته والاخر بعلميته وميكانيكيته وثالث بعاطفيته التشكيلية… انها خيوط قوس قزحية في حزمة ضوئية معاصرة.

وعلى سبيل المثال: أنا رجل علم (طبيب) وذو حساسية فنية لسنوات خمس مضت أزاء (الدائرة). أثارت في الاهتمام التشكيلي والفلسفي، واشاهدها دوما تساهم في كل المرئيات في الخطوط والسطوح. وفي المعاني الخلفية الحياتية. ثم وجدت في الحرف العربي الكثير من الرؤيا الدائرية والانسياب القوسي والترديد الموسيقي.ولا أشك ان اتصالا عميقا يحدث مع الحياة ومع التراث عند ممارستي الحرف في صوري. نحن عندما نزور معرضا ونقف امام لوحة، لا نرى صورة وشكلا استاتيكيا جامدا وانما عملا فنيا ناميا. تبدأ طاقة مولده وخلقه من الحياة والارض ثم تنعكس الى ضمير وشعور الفنان وتتفاعل عميقا حتى تلد اللوحة،والولادة غالبا ما تكون عسيرة ذات ارهاصات،ما بين ما يريده الفنان وما يستطيع انجازه.ثم تخرج الصورة لتتنفس الحياة وترى الضوء والناس ويروها.. ولكنها تبقى تواقة الى العيش والديمومة والى مقومات البقاء. وبكلمة اخرى تحس اللوحة بالتوق الى التميز والى المساهمة في زخم الحضارة الانسانية الزاخر.وهذا هو البعد الحضاري للصورة. وهو البعد المهم في العمل الفني وأي عمل آخر.وهو بعد كوني.. بعد ان تجاوز الانسان وجوده وارضه وانتمى الى المعرفة الكونية.على هذا الاساس يشتغل المهتمون بالبعد الواحد. ويبقى سؤال أزلي عنيد يتردد.. ما هو مقدار هذه المساهمة؟ مهما يكن الامر فهي محاولة..ولكل محاولة اصيلة رصيدها الحضاري.. لابد لها يوما ان تثمر وتساهم وتثبت وجودها وتسبغ عليها كلمة ((نعم)).

د.قتيبة الشيخ نوري – عن الحرف..جواب

سئلت مرة عن الهدف او القصد الذي يرمي اليه الفنان بادخال الحرف العربي الى الفن التشكيلي..

ولعل في السطور التالية بعض من جواب:

أعتقد ان الهدف واضح بيّن وهو متشعب فيه ازدواجيات كثيرة ففي الوقت الذي يكتشف خلاله الفنان ان في الحرف العربي ينبوع غزير من الامكانيات التشكيلية الخالصة يرتبط فكره ارتباطا حسيا دفينا بأكثر من بعد حضاري ينبعث من استيحاء هذا الحرف. ثم ان ذلك يأتي بعد مرحلة شبيهة بالصراع الذاتي الذي لا بد أن يعيشه الفنان فترة ينضج فيها تحسّسه بالقيمة التراثية التي تتمثل بحضور الحرف الذي هو أساس وعنصر مكوّن قبل أن يصبح كلمات ومعان ولغة شعب وحضارة تخصه.

فالقصد الذي يرمي اليه الفنان يمكن اختصاره بأنه الرجوع الى الاصالة واخضاع الشكل الفني الى قواعد حضارية ذات مقاييس اتنيكية معينة.فاستيحاء الحرف العربي واستلهامه من قبل فنان غير عربي لا يذهب الى أبعد من مجرد وضع الشكل الفني الظاهر والالتزام بقواعد فنية خارجية لا تتصل بالاعماق ويسهل فيها الالتباس والخلط. بينما هو بالنسبة للفنان العربي ارتباط وثيق بأصول حضارته المتكاملة التي لها حدودها ومقاييسها الخاصة.وبما ان للحرف قيم روحية تتغلغل في النفس الانسانية حتى في أبسط حالاتها،فان ذلك يجعل من الفنان انسانا يسعى للتعبير عن شئ فيه من القدسية والسمو ما يرفع عمله الفني الى مستوى رفيع يتميز بالصفاء والتجرد دون ان يفقد علاقته الصميمة بالمجتمع أو ان تضعف حيويته وانسانيته.

وهكذا نرى ان في ادخال الحرف العربي الى الفن التشكيلي المعاصر اهداف متعددة وليس هدف واحد،أهمها هو توجيه عملية الابتكار الفني بالاسس الاصيلة التي تتميز بها قوميته ويشدّه الى أرضه والى الطبيعة التي عاش فيها. كما ان ذلك يهيئ للفنان ان يستفيد من طراوة الحرف العربي المعروف بجمال شكله ومطاوعته للتغيير والتبديل- شأنه شأن التغم الموسيقي يتنقل من آلة الى اخرى- لتحقيق المنظور التشكيلي الذي يقرب الموضوع من التجرد والخلوص،دون ان يتنازل عن المدلول أو ان يتبعثر فيه المفهوم. ومن ميزات الحرف العربي الذي يستلهمه الفنان انه يشدّنا الى صورة ازدواجية القيمة حيث أنه يقترح بتلقائيته الغنية منطلقا فكريا بنفس الوقت الذي يصير فيه وجودا شكليا يكاد لا يحزر انتماؤه الى موجودات الطبيعة مظهريا ولا يتبرأ منها كذلك،لانه مستخلص من أعماق الوجود الانساني.والوجود الانساني في جوهره:شكل ومضمون.

———————————-

المطبوع الثاني بمناسبة المعرض الثاني للبعد الواحد

في المتحف الوطني للفن الحديث- بغداد آذار- 1973

iraqfineart.com

40 Views

عن

إلى الأعلى