الرئيسية » موسوهة دهشة » الدين » التصوف و الأخلاق » الحقيقة - المعرفة » أبو يزيد البسطامي .. و الخلل في ( شطحات صوفية ) لعبدالرحمن بدوي

أبو يزيد البسطامي .. و الخلل في ( شطحات صوفية ) لعبدالرحمن بدوي


ابو يزيد البسطامي .. و الخلل في ( شطحات صوفية) لعبدالرحمن بدوي


محمد أحمد طيارة

المجموعة الصوفية الكاملة لـ (أبو يزيد البسطامي) تكشف الخلل في نصوص كتاب عبدالرحمن بدوي (شطحات صوفية)

الشوق قصبة مملكة المحبين، فيها عرش عذاب الفراق منصوب، وسيف هول الهجران مسلول، وغصن نرجس الوحدة على كف الأمل موضوع، وفي كل آن يطيح السيف بألف من الرقاب، قالوا: إن سبعة آلاف من السنين قد مضت، ولكن النرجس لا يزال غضاً طرياً لم يصل إليه كف أي أمل بعد…

البسطامي

يهدف الكتاب الصادر مؤخرا عن دار المدى بدمشق تحت عنوان (المجموعة الصوفية الكاملة) ل (أبو يزيد البسطاطي) الذي قام بتحقيقه محمد عباس إلى تقديم رؤية تفصيلية محققة للبسطامي، عن طريق اقتراح جمع كتاباته الصوفية التي تتركز في مساحة كبيرة منها في النص الشطحي الذي انتشر في البيئة الصوفية الإسلامية في القرن الثالث الهجري، واهتم الكتاب بتقديم موقف ايتمولوجي عن مفهوم الشطح، وعرض خصائص هذا النص الذي يرتبط بمضاعفات اللغة الصوفية ونظمها وبنيتها، عن طريق فحص علاقة هذا المفهوم بمحددات فكرة التأويل التي أنتجت بشكل أو بآخر جانباً فعالاً من المعرفة الإسلامية، وكشفت عن تجليات البناء المعرفي للظاهرة الصوفية.

تتوزع الرؤية المقترحة على تحليل مفهوم الشطح ومحاولة كشف محدداته الجوانية وموقعها في التجربة الصوفية، فقد بدا من المتعثر تقديم تراث هذا الصوفي الذي يعدّ الجذر الأوّل للمشروع الصوفي في الإسلام، وكانت نصوصه الحقل الذي نشأت فيه مباني العقيدة الحلاجية، نقول: بدا من المتعثّر أن تُقدم النصوص دون محاولة فهم حركة ظهور هذه النصوص، بسبب أن مزاعم الفهم المتداول أبقت النظر في نص البسطامي خارج مكوناته المعرفية، فذهبت بمقاصده نحو فكرة أن النص نتاج خيال شعري يمكن التعامل معه من زاوية تأملية نستطيع أن نفرضها على أي نص لغوي للكشف عن مقاصده، ومعرفة أسباب التفكير داخله.

ويثبت المحقق بعض دوافع هذا الكتاب حول تراث البسطامي الذي بقي متاحاً لدراسات تأثرت بنصوص مقتطعة، وقُدّمت هذه النصوص تحت عنوان الشطح الصوفي، كما هو الحال في كتاب عبد الرحمن بدوي “شطحات صوفية” الذي أسهم في إشاعة تصور نفسي انفعالي عن هذه النصوص التي كتبت حقيقة طبقاً لتجربة صوفية عنيت بالوجود بمجمل طبقاته، وقدمّت نظريتها المعرفية ضمن مفاصل المسلك الصوفي الذي تحدى الشرع بنص بديل يتصل بجوهر الشرع ذاته، لينتشر كتاب بدوي بوصفه الوثيقة المتفردة عن هذا الموضوع، فكيف والحال هذه لو عرف القارئ أن الكتاب الذي نشره بدوي ليس هو الكتاب المقصود؛ بسبب أن كتاب شطحات الصوفية الأصلي لا وجود له على الإطلاق، هذا ولو استثنينا مخطوطا وحيدا يقترب من فكرة كتاب بدوي لم يزل يغطيه التراب في إحدى مكتبات بغداد.

ويبين المحقق ان الكتاب الذي قدّمه بدوي اعتمد على مخطوط يتناول ذكر مناقب البسطامي وشذراته وأقواله فقط، ولا علاقة له بشطحات الصوفية، ولم نعرف لم غيّر بدوي اسم الكتاب واختلق له تسمية من خياله، بينما المخطوط الذي أشرنا إليه ويتناول معظم شطحات الصوفية لم يزل مخطوطاً، وبقدر تعلق الأمر بكتابنا هذا، فإننا أُلزمنا بمراجعة كل هذه الملابسات، فراجعنا المخطوطات التي اعتمدها بدوي أولاً وقابلناها بكتابه المطبوع فصُدمنا للمسافة بين المخطوط والمطبوع، ودهشنا للجناية التي ارتكبها بدوي بحق البسطامي، فمنها ما يتعلق بتلك القراءة الناقصة للنصوص، والنواقص التي تجاوزها بدوي بقلب شجاع من جهة، والاخفاق الكبير في ترشيح النص الكامل، الذي كان من الممكن الوصول إليه عن طريق المقابلة بين النصوص من جهة ثانية، وكان لابد من جمع كل المخطوطات التي ورد فيها ذكر البسطامي، فضلاً عن المخطوط الذي اعتمده بدوي، وعند اكتمال المصادر المتعلقة بآثار هذا الصوفي استخرجنا كل الشذرات والشطحات، وقمنا بالمقابلة بين النسخ التي حصلنا عليها، فتوصلنا إلى مجموعة صوفية نادرة أضاءت لنا لحظة البسطامي الصوفية، فاقترحنا شكلاً لهذه الشطحات ينسجم والسياق الصوفي المتعلق بالبسطامي، من خلال التنبه للبنية المكثفة لهذه.

وقد رتب المحقق أجزاء الكتاب طبقاً لموقع النتاج الصوفي في سياق الثقافة الإسلامية في عصر البسطامي، فمراعاة طبيعة الترتيب قد يشكل خط قراءة هذا النتاج، فجاء ترتيبنا لنطاق مادة الكتاب وفقاً لهذه النظرة.

وتناول في الجزء الأوّل من المقدمة مفهوم الشطح بالتحليل والتأصيل، وتحدثنا في الجزء الآخر عن فكرة الكتاب وعلاقتها بمشروع بدوي المختلق، ولم يتأثر موقف الكتاب بهذا الموضوع لولا أننا حاولنا أن نشير إلى كتاب بدوي بقدر علاقته بفكرة تقديم النصوص الكاملة للبسطامي ومن هنا وجدنا ضرورة الكشف عن حقيقة كتاب بدوي.

إن هذ ا الكتاب قد انشدّ إلى مقترح توفير وثيقة تتضمن كل نصوص البسطامي، تلك النصوص التي أثبت التحقيق نسبتها إلى البسطامي، فابعد المحقق مجموعة – وهي قليلة لحسن الحظ – من هذه النصوص عن متن الكتاب لكونها لا تنتسب إلى البسطامي، ومعظمها قد ورد في كتب التصوف المتأخرة، ففضلنا اعتماد كبريات المصادر الصوفية بين مخطوط ومطبوع لترشيح مادة هذا الكتاب، فخلصنا إلى مجموعة رائعة من النصوص الشطحية تشكل متن الكتاب الذي لا غنى عنه عند قراءة القرن الثالث الهجري قراءة صوفية كونه يتضمن كل نتاج البسطامي، وألحقنا كتاب (شطحات الصوفية) الأصلي بآخر الكتاب، بعد أن قمنا بتحقيقه على نسختين فريدتين، وبذلك نكون قد قدّمنا كل ما له علاقة بالشطح من جهة، وكشفنا عن مخطوط نادر ونفيس له تأثير مباشر في دراسة الشطح من جهة ثانية، وفضلاً عن ذلك أننا بعملنا هذا نكشف عن اللبس الذي تسبب فيه عبد الرحمن بدوي، وربما حققنا له في الوقت نفسه رغبة قديمة كانت تداعب خياله لزمن طويل وهي اصدار كتاب شطحات الصوفية الأصلي.

الشطح

التجربة ودلالة المعنى المزدوج

@ تشكل المغامرة الصوفية في الإسلام الجوهر الأساسي الذي دفع التفكير الإسلامي إلى منطقة البحث المؤثر عن المطلق، ونموذج هذه المغامرة هو الصوفي الذي تقترب صورته من صورة الرومانسي الحالم في المخيال العام، الذي يتعامل مع هذا النموذج بفهم أنه يحيا خارج الذات، وخارج حقائق العالم.

والتصور الإسلامي العام، هو ذلك التصور الذي منح ذاته جوهراً يحلل من خلاله الديني والزمني، والابتعاد عن أية مغامرة يصعب احتواؤها من جهة، والتصدي لأي خطاب معاكس من جهة ثانية، ليترتب على ذلك شيوع تصور تفسيري ملتبس أخذ به التصور الإسلامي العام وهو بصدد تأويله لثقافته الخاصة.

إن انتشار صفة الرومانسي الحالم كمرادف للصوفي، لم يستطع إلغاء حقيقة أنه لم يكن حالماً أبداً… أنه الممثل الوحيد في الإسلام للفكر الواقعي، وهذا الفكر في حقيقته جهد صادق من المطابقة بين التجربة والقول… وقد نبّه روجيه ارنالديز إلى فكرة أن صوفية الإسلام قد كشفوا عن العمى الذهني وهم يواجهون المشاكل الفلسفية الحقيقية (3)، وأشار إلى أن فكر الصوفية قد تطوّر في لا واقعية واضحة؛ بسبب أن ما يلفت انتباه الصوفية في أثناء بحثهم ليس الوجود وخفاياه، وإنما المصاعب التي يضعها أمام عقليتهم هذا النص لأفلاطون، وذلك النص لأرسطو، أو مفاصل الخلاف بين نظمها المنظور إليها في إطار التجريد (4)، بفهم أنها أنظمة مغلقة، انعزلت عن الوسط الذي ولدت فيه..

لقد أثار الشطح لبساً كبيراً حول اللغة الصوفية عموماً، وضاعف من تعقيد المساحة التقنية للاصطلاح الصوفي، ففي حال عرض الاصطلاح على المعاجم العربية فإنها لا تكشف لنا حقيقة عن تفصيل دقيق للكلمة…

والشطح في لغة العرب هو الحركة، يقال: شطح يشءطح إذا تحرك، فالشطح لفظة مأخوذة من الحركة، لأنها حركة أسرار الواجدين إذا قوي وجدهم، فعبّروا عن وجدهم ذاك بعبارة يستغرب سامعها..

ومن خلال التعريفات التي أشرنا إليها آنفاً يتوفر أن نحدد مدلول التلقي الذي يقوم على محددين أساسيين، الأول: ارتباط فكرة الشطح بفكرة (الدعوى)، والثاني: إن شكل التعبير محكوم بالغرابة والغموض إلى حد بعيد لعدم مطابقته لمعرفة المتلقي، أو لعدم إمكانية مقايسته مع أي منهج أو مفهوم لدى المعرفي الديني للمتلقي، وسنعالج فكرة الدعوى في ما بعد بسبب اعتقادنا أنها تشكل أحد أهداف الشطح…

حول التصور السابق دارت مواقف الصوفية في القرنين الثالث والرابع الهجريين، والبؤرة الأساسية التي تم تحديدها لفهم الشطح تتركز في (المفارقة الإلهامية)؛ لأنها الوحيدة التي توفر لنا فرصة فهم مبالغات الصوفية..

إن صدور الشطح عن الصوفي بفعل حركات تثير أعماقه المحضة، وعندما يزداد عنف الشطح باجتياح أنوار التجلي لهذه الأسرار سيدخل المشطوح وعياً (ما فوق شخصي) يتمظهر على شكل تصريحات وكشوفات، في الوقت الذي يتخلل عقله في أنوار الإلهام الذي أقامه، ليشتعل بنيران الرغبة الجامحة في المحبوب السرمدي على الرغم من وصوله إلى رؤية الحجاب الموضوع على عتبة الجلال كما اصطلحت الصوفية.

يعدّ البسطامي من مؤسسي مدرسة الشطح في الإسلام، كان جده زرادشتياً واتفقت المصادر التي ترجمت له على هذا النسب: طيفور بن عيسى بن آدم بن سروشان من بسطام إحدى مدن إقليم قومس في الجنوب الشرقي لبحر الخزر طبقاً لمتابعة المستشرق رينولد نيكلسون، لم تفصّل المصادر التي ترجمت للبسطامي في تفاصيل حياته وتلخصت المعلومات التي ذُكرت في قضية جده الزرادشتي، وصراعه مع السالمية، وخروجه من بسطام أكثر من مرة بسبب ذلك الصراع، ومن ثم تحدثت المصادر عن بقائه ببسطام وتثبيت سنة وفاته بسنة 261ه.

كانت هذه المعلومات المقتضبة هي الانعطافات التي تتوقف عندها المصادر دون أن تفصّل في طبيعة كل منها، ولا يتوفر لنا الجزم بما ذكرته المصادر الفارسية المتأخرة عن طفولته، بسبب أنها تشكل في مجالها النهائي صياغة متأخرة لفكرة بطل التصوف الفارسي، الذي ألهب خيال شعراء فارس وصوفيتها، بسبب انحداره عن الأصل الفارسي، ولا يمكن حقيقة أن ننكر تلك النزعات التي اجتاحت فكر البسطامي ليقوم ببثها في فضاء الثقافة الإسلامية، فنقلت لنا بتلك اللغة التي تقترب من لغة الشعر المناخ الشرقي وأخلاقياته الروحانية، ولكن أفكاره ومواقفه احتوت الكثير من خصائص الفكر الهندي والفارسي واليوناني، وكان البسطامي بحق ذلك الثيوصوفي الهلليني الذي هيأ الأرضية المناسبة لظهور الحلاج. ورغبة من المحقق في إتمام الفائدة واستكمال الأدلة على ما ذهب إليه ألحق كتاب (شطحات الصوفية) الأصلي المسمّى ب (الفتح في تأويل ما صدر عن الكمّل من الشطح) بآخر الكتاب ليتبين القارئ المشهد الشطحي بأكمله، والكتاب يعد وثيقة هامة لم تنشر من قبل تشكل حلقة جديدة في النص الصوفي، ستسهم دون شك في توسيع الدرس الصوفي عموماً، واللغة الصوفية.

المصدر: موقع الأمبراطور

56 Views

عن

إلى الأعلى