أحكام الجنائز


أحكام الجنائز

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله الأول القديم، الواحد الجليل، الذي ليس له شبيه ولا نظير، أحمده حمدا يوافي نعمه ويبلغ مدى نعمائه.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له شهادة عالم بربوبيته، عارف بوحدانيته، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، اصطفاه لوحيه وختم به أنبياءه، وجعله حجة على جميع خلقه، «ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة» سورة الأنفال.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى لا ينزع العلم منكم بعد ما أعطاكموه انتزاعا ولكن يقبض العلماء ويبقى الجهال فيسألون فيفتون فيضلون ويضلون». رواه الطبراني في الأوسط.

ولاشك أن زماننا الحاضر اتسم بقلة العلماء ومدارس العلم وانتشار الجهل في العلوم الشرعية، فكثير من السنن التي كانت معروفة هجرت، وكثير من الأحكام التي كانت من البديهيات أصبحت من البدع المحرمات وما ذاك إلا لغياب العلم والعلماء

ولقد مرت بلاد الإسلام بعصر ازدهار علمي في جميع مجالات الحياة بلغ فيه العلماء المسلمون الغاية العظمى والمثال الذي يحتذى فأثروا العلم والمعرفة، وخلفوا لنا الكثير من المصنفات في جميع مجالات العلوم الشرعية والإسلامية تشبع كل طالب منها وناهل.

ونحن إذ نقوم بنشر أقوالهم في بعض مسائل العلم لا ندعي زيادة علم أو اتساع فهم بل نحن ويعلم الله مجرد نقلة وعالة على موائد السابقين رضي الله عنهم وأرضاهم.

فنسأل الله جلت قدرته أن يثيب كل من ساهم في نشر هذا العلم وإحياء هذه السنن المهجورة وعمل بها.. اللهم آمين.

توطئة

هذه نبدة لطيفة عن الاستعداد للموت ذكرها الإمام النووي في المجموع أحببنا أن نصدر بها البحث ، قال الإمام النووى :

المستحب لكل أحد أن يكثر ذكر الموت لما روى عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «استحيوا من الله حق الحياء، قالوا إنا نستحي يا نبي الله والحمد لله،

قال ليس كذلك، ولكن من استحيي من الله حق الحياء، فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوي، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، ومن فعل ذلك فقد استحيي من الله حق الحياء» رواه الترمذي بإسناد حسن.

ومن مرض استحب له أن يصبر، لما روى أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ادعوا الله أن يشفيني فقال: إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك، قالت أصبر ولا حساب علي» رواه البغوي

ويستحب أن يتداوى لما روى أبو الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إن الله تعالى أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بالحرام» رواه أبو داود.

ويكره أن يتمنى الموت لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابد متمنيا فيقل الهم أحيني مادامت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي» رواه البخاري ومسلم.

وينبغي أن يكون حسن الظنّ بالله تعالى لما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى» رواه مسلم.

وينبغي للمريض أن يحرص على تحسين خلقه، وأن يجتنب المخاصمة والمنازعة في أمور الدنيا، وأن يستحضر في ذهنه أن هذا آخر أوقاته في دار الأعمال، فيختمها بخير، وأن يستحل زوجته وأولاده وسائر أهله وغلمانه وجيرانه وأصدقائه وكل من كانت بينه وبينه معاملة و مصاحبة أو تعلق ويرضيهم، وأن يتعاهد نفسه بقراءة القرآن والذكر وحكايات الصالحين وأحوالهم عند الموت، وأن يحافظ على الصلوات واجتناب النجاسة وغيرها من وظائف الدين، ولا يقبل قول من يخذّّلُُه عن ذلك، فإن هذا مما يبتلي به، وهذا المخذّل، هو الصديق الجاهل العدو الخفي، وأن يوصي أهله بالصبر عليه، وبترك النوح عليه وكذا إكثار البكاء، ويوصيهم بترك ما جرت العادة به من البدع في الجنائز، ويتعاهده بالدعاء له، وبالله التوفيق» انتهى كلام النووي.

وسنذكر في هذه الأوراق أحكام الجنائز المتمثلة في غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ثم دفنه، ولقد قمنا بنقلها من الكتب المعتمدة عند العلماء

فمن كتب الحنفية حاشية ابن عابدين واللباب وشرح الكتاب للغنيمي

ومن كتب المالكية حاشية الدسوقي والفواكه الدواني للأزهري وبداية المجتهد لابن رشد

ومن كتب الشافعية مغني المحتاج للخطيب الشربيني وكفاية الأخيار للغزي والمجموع للنووي والفقه المنهجي

ومن كتب الحنابلة المغني لابن قدامة ودليل الطالب وغيرها من الكتب المعتمدة،

وكذا نقلنا من كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للشيخ الدكتور وهبة الزحيلي.

ونسأل المولى جلت قدرته أن يجعل جميع أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.. اللهم آمين.

ما يُطلب فعلُه بالمسلم حين احتضاره

جاء في كتاب الفقه المنهجي:

1 – الاحتضار:

هو ظهور دلائل الموت على المريض، وبدء السكرات أي نزع الروح عن جسده، فإذا وصل المريض إلى درجة الاحتضار، نُدب لأهله أن يضجعوه على جنبه الأيمن متجها بوجهه إلى القبلة، فإذا صعب ذلك أضجعوه على قفاه وجعلوا وجهه مرفوعا قليلا بحيث يوجه إلى القبلة، وكذا أخمصاه، وهما أسفل الرجل، يُسن توجيههما إلى القبلة.

قال ابن قدامة في المغني:

واستحبه عطاء والنخعي ومالك وأهل المدينة والأوزاعي وأهل الشام واسحاق لأن حذيفة قال: وجهوني، ولأن خير المجالس ما استقبل به القبلة (للحديث الذي رواه أبو داود).

وقال الامام النووي في المجموع:

يستحب أن يستقبل به القبلة،وهذا مجمع عليه، لما رواه الحاكم والبيهقي عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم: حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور رضي الله عنه فقالوا:

توفي وأوصى بثلثه لك يا رسول الله، وأوصى أن يُوجّه إلى القبلة لما احتضر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصاب الفطرة وقد رددت ثلثه على ولده، ثم ذهب فصلى عليه وقال:

اللهم اغفر له وارحمه وادخله جنتك وقد فعلت»

قال الحاكم هذا حديث صحيح قال ولا أعلم في توجيه المحتضر إلى القبلة غيره.

وقال د. وهبة الزحيلي في كتبه «الفقه الإسلامي وأدلته»:

إضجاعه على جنبه الأيمن إلى القبلة، اتباعا للسنة، لقوله صلى الله عليه وسلم: عن البيت الحرام: «قبلتكم أحياء وأمواتا» رواه أبو داود.

ولقول حذيفة «وجهوني» ، وقول فاطمة الزهراء لأم رافع: «استقبلي بي القبلة» رواه أحمد.

ويسن تجريع المحتضر بماء بارد بمعلقة أو قطنة مثلا.

وقال الإمام الشربيني في مغني المحتاج:

ويسن تجريعه بماء بارد كما قاله الجيلي «أحد أئمة الشافعية»، فإذا العطش يغلب من شدة النزع فيخاف منه إزلال الشيطان إذ ورد: أنه يأتيه بماء زلال ويقول له: قل لا إله غيري حتى اسقيك»، نسأل الله سبحانه وتعالى من فضله الثبات لنا وللمسلمين عند الممات.

2 – يسن أن يلقن الشهادة «لا إله إلا الله» بشكل رفيق وبدون إلحاح، وذلك بأن يردد على سمعه كلمة لا إله إلا الله، دون أن يأمره بقولها، لخبر مسلم: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله».

3 – يسن أن يقرأ عنده سورة يس لحديث: «اقرؤوا على موتاكم يس».

رواه أبو داود وابن حبان وصححه، والمقصود بموتاكم من حضره الموت.

والحكمة في قراءتها أن أحوال القيامة والبعث مذكورة فيها فإذا قرئت عنده تجدد له ذكر تلك الأحوال.

قال في الفقه الإسلامي:

واستحسن بعض متأخري الحنفية والشافعية قراءة الرعد أيضا لقول جابر: «إنها تهون عليه خروج روحه».

وقال الإمام الشربيني في مغني المحتاج:

واستحب بعض الأصحاب عنده سورة الرعد لقول جابر «فإنها تهون عليه خروج روحه».

وجاء في الفقه المنهجي:

4 – يسن للمريض الذي يشعر بنذير الموت وسكراته أن يحسن ظنه بالله تعالى، وأن يلقي صور آثامه ومعاصيه وراء ظهره، متصورا أنه يقبل على رب كريم يغفر له الذنوب كلها، مادام محافظا على إيمانه وتوحيده له، للحديث الصحيح: «أنا عند ظن عبدي بي» رواه البخاري ومسلم.

ولخبر مسلم «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله سبحانه وتعالى».

ما يطلب فعله بالمسلم عقب موته

وجاء في كتاب الفقه المنهجي:

إذا مات وفاضت روحه ندب له تنفيذ الأمور التالية:

1 – تغميض عينيه، وشد لحييه بعصابة، ولئلا يبقى فمه مفتوحا،د ولأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أبي سلمة رضي الله عنه وقد شق بصره «أي شخص» فأغمـضه، رواه مسلم.

قال الإمام الشربيني في مغني المحتاج:

قال في المجموع «أي النووي»: ويسن أن يقول عند إغماضه بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الإمام النووي في المجموع:

ويستحسن ما رواه البيهقي بإسناد صحيح في السنن الكبير عن بكر بن عبد الله المزني التابعي الجليل رحمه الله، قال: إذا أغمضت الميت فقل بسم الله ،وعلى ملة رسول الله، وإذا حملت فقل بسم الله ثم تسبح ما دمت تحمله.

وقال الإمام الشربيني في المغني: «ويكره للحائض أن تحضر المحتضر وهو في النزع.

وقال الإمام القيرواني المالكي في رسالته: ويستحب ألا يقربه حائض ولا جنب.

قال ابن عابدين في حاشيته: ويخرج من عنده الحائض والنفساء والجنب.

2 – تليين مفاصله، ورد كل منها إلى مكانه، بأن يلين ساعده ثم يمده إلى عضده، وكذلك رجليه وبقية أعضائه.

قال الشربيني في مغني المحتاج:

وذلك ليسهل غسله فإن في البدن بعد مفارقة روحه بقية حرارة، فإذا لينت المفاصل حينئذ لانت وإلا فلا يمكن تليينها بعد ذلك.

3 – وضع شيء ثقيل على بطنه كي لا ينتفخ فيقبح منظره، كما يندب ستر جميع بدنه بثوب خفيف.

لخبر الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سجى حين مات بثوب حبرة»

والحبرة: نوع من ثياب القطن تنسج باليمن.

قال الشربيني في مغني المحتاج: تعليقا على عبارة الإمام النووي بأن يكون الثوب خفيفا:

لئلا يحميه (أي يزيده حرارة) فيسرع إليه الفساد، ويكون ذلك بعد نزع ثيابه.

4 – يسن نزع جميع ثيابه منه، ووضعه على سرير ونحوه مما هو مرتفع عن الأرض، وتوجيهه إلى القبلة كساعة الاحتضار، وليتولى فعل ذلك أرفق محارمه به، ويحضر عنده الطيب والبخور.

وجاء في الفقه الإسلامي:

ويجوز تقبيل الميت تبركاً ومودةً واحتراماً لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبّل عثمان بن مظعون (رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه)

وقبّل أبو بكر النبي بعد موته» (رواه البخاري).

وإن أحب أهل الميت أن يروه لم يمنعوا. لقول جابر: لما قُتل أبي جعلت اكشف الثوب عن وجهه وأبكي.

وفي الفقه المنهجي:

يندب المبادرة فورا إلى تجهيز الميت -أي إلى غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفن- وهذه الأربعة أجمع المسلمون على أنها فروض كفاية تتعلق بجميع المسلمين من أهل البلدة إذا لم يقم أحد منهم بها أثم الجميع.

قال ابن قدامه في المغني:

قال أحمد: كرامة الميت تعجيله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأرى طلحة قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجلوا فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن يحبس بين ظهراني أهله». رواه أبو داود.

ويسارع في قضاء دينه لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نفس المؤمن معلقة بدينه، حتى يقضى عنه». قال الترمذي هذا حديث حسن.

غسل الميت

وهي أول الأعمال التي يبادر بفعلها للإنسان بعد موته.

جاء في الفقه الإسلامي:

وتسن المبادرة لغسل الميت عند التيقن من موته.

وفي الفقه المنهجي:

وأقل الغسل، تعميم بدن الميت بالماء بعد إزالة النجاسة، وأما الأكمل وهي ما تتحقق به السنة فيتبع غاسله الأمور التالية:

1 – يضع الميت في مكان خال على مرتفع كسرير ونحوه، وتستر عورته بقميص أو نحوه.

2 – يجلسه الغاسل على المغتسل مائلا إلى الوراء، ويسند رأيه بيده اليمنى ويمر بيده اليسرى على بطنه بتحامل وشدة ليخرج ما قد يكون فيه. ثم يلف يده اليسرى بخرقة أو قفاز ويغسل سوأتيه، ثم يتعهد فمه ومنخريه، فينظفهما ثم يوضئه كما يتوضأ الحي.

3 – يغسل رأسه ووجهه بصابون ونحوه من المنظفات، ويسرح شعره إن كان له شعر، فإن نتف منه شيء أعاده إليه ليدفنه معه، وهو مذهب الشافعية ويكره أخذ الشعر والظفر عندهم.

وفي كتاب الفقه الإسلامي: وقال الحنفية والمالكية: لا يسرح ولا يحلق شعره، ولا يقص ظفره إلا المكسور.

أما الحنابلة: فقد جوزوا قص الشعر وتقليم الأظفار، لأن ذلك تنظيف لا يتعلق بقطع عضو، فأشبه بإزالة الأوساخ والأدران.

أما المرأة فالمعتمد عند جماهير الفقهاء أنه يندب ضفر شعرها.

4 – وفي كتاب الفقه المنهجي:

يغسل كامل شقه الأيمن مما يلي وجهه ثم شقه الأيسر مما يلي وجهه أيضا، ثم يغسل شقه الأيمن مما يلي القفا، ثم شقه الأيسر مما يلي القفا أيضا، وبذلك يعمم جسمه كله بالماء، فهذه غسلة أولى.

ويسن أن يكرر مثل هذه الغسلة مرتين أخريين، وبذلك يتم غسله ثلاث مرات، وليمزج شيئا من الكافور في الغسلة الأخيرة، إذا كان الميت غير محرم.

والدليل على ما سبق ما رواه البخاري ومسلم، عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نغسل ابنته فقال: اغسلنها ثلاثا أو خمسا و أكثر من ذلك إن رأيتن، وابدأن بميامينها ومواضع الوضوء منها».

وأما إن كان محرما، غُسّل كغيره، دون أن يمس كافورا أو غيره مما له رائحة طيبة.

روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا وقصه بعيره، ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين، ولا تمسوه طيبا ولا تخمّروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبدا، وفي رواية ملبيا».

وقصه: رماه على الأرض وداس عنقه.

تخمروا: تغطوا.

التلبيد: أن يجعل في شعره شيئا من صمغ ونحوه عند الإحرام، ليلتصق بعضه ببعض، فلا يتساقط منه شيئا، ولا ينشأ فيه شيء من الحشرات كالقمل ونحوه.

وجاء في الفقه الإسلامي: من هو الأولى بالغسل؟

يجب أن يغسل الرجل الرجل والمرأة المرأة، كما يؤخذ من الأحاديث السابقة، إلا أن للرجل أن يغسل زوجته، وللزوجة أن تغسل زوجها، فإن لم يوجد لغسل المرأة إلا رجل أجنبي و لم يوجد لغسل الرجل إلا امرأة أجنبية سقط الغسل، واستعيض عنه بالتيمم.

وقال الحنفية: لا يجوز للرجل غسل زوجته ومسّها لانقطاع النكاح.

واعلم أن غسل الميت إنما شرع تكريما له وتنظيفا، فهو واجب بالنسبة لكل ميت مسلم، إلا شهيد المعركة كما سيأتي.

التكفين

وبعد غسله يبادر بتكفينه

جاء في الفقه المنهجي:

وأقل التكفين المطلوب: أن يلف الميت بثوب يستر جميع بدنه ورأسه إن كان غير محرم، والواجب ثوب يستر العورة.

أما أكمله: فإن كان الميت ذكرا، كفن في ثلاثة أثواب بيض، وتكون كلها لفائف طويلة على قدر طوله، عراضا بحيث تلتف كل واحدة منها على جميع بدنه، فيكره أن يكفن بغير الأبيض كما يكره أن يكفن بما يشبه القميص، أو أن يستر رأسه بما يشبه العمامة، لما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت:

كُفّن رسول الله في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة.

سحولية: ثياب بيض نقية لا تكون إلا من القطن.

ولما رواه الترمذي وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قالوا: البسوا من ثيابكم البياض، فإنها خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم».

وفي الفقه الإسلامي:

ويشترط في الكفن ألا يصف البشرة، لأن ما يصفها غير ساتر، فوجوده كعدمه، ويجب أن يكون الكفن طاهرا فلا يجوز تكفينه بالمتنجس مع القدرة على الطاهر.

ويستحب أن يحسن كفن الميت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كفن أحدكم أخاه، فليحسن كفنه» رواه أحمد ومسلم.

وتحسين الكفن واجب عند الحنابلة مستحب عند غيرهم. ويقصد بالتحسين ملبوس مثله في الجمع والأعياد.

وفي الفقه المنهجي:

وإن كانت أنثى، ندب أن تكفن في خمسة أثواب بيض، هي: إزار يستر من سرتها إلى أدنى جسمها، وخمار يستر رأسها وقيمص يستر أعلى جسمها إلى ما دون الإزار، ولفافتان تحتوي كل منهما على جميع جسدها.

لما رواه أبو داود وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تكفن ابنته أم كلثوم رضي الله عنها في ذلك.

وهذا في غير المحرم كما علمت، فإن كان الميت محرما وجب كشف رأسه، لما مر من حديث الذي وقصته ناقته وهو محرم، ووجه المرأة المحرمة في هذا كرأس الرجل.

وقال الحنفية والمالكية يستر جميع البدن سواء محرم أو غيره.

ويجب أن يكون قماش الكفن من جنس ما يجوز للميت لبسه لو كان حيا، فلا يجوز أن يكفن الذكر بالحرير البلدي، وينبغي أن يجعل على منافذ جسمه وأعضاء سجوده قطن عليه حنوط، أو كافور، وتشد خرق على اللفائف، ثم تحل في القبر.

الصلاة على الميت

وبعد أن يكفن الميت يصلى عليه.

ذكر ابن قدامه في المغني:

والصلاة على الميت فرض كفاية بالإجماع لقول النبي صلى الله عليه وسلم «صلوا على من قال لا إله إلا الله» أخرجه الدارقطني وأبو نعيم.

وفي كتاب الفقه المنهجي:

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، فخرج إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربعا» ولا تصح إلا بعد غسله.

وفي الفقه الإسلامي:

من هو أولى بالصلاة على الجنازة:

قال الحنفية: السلطان أو نائبه فإن لم يحضر فالقاضي، فإن لم يحضر فإمام الحي ثم يقدم الولي الذكر للميت الأقرب فالأقرب.

وقال المالكية الحنابلة: أحق الناس بالصلاة على الميت من أوصى الميت أن يصلي عليه، ثم الوالي أو الأمير ثم الأولياء العصبات على ترتيب ولايتهم في النكاح.

وقال الشافعية: الولي أولى بالإمامة من الوالي، فيقدم العصبات ثم ذوو الأرحام.

حالة اجتماع الجنائز:

اتفقت المذاهب على جواز الصلاة على الجنائز المتعددة دفعة واحدة، واتفقوا على أن أفراد كل جنازة بصلاة أفضل، ويقدم الأفضل فالأفضل، لأن الإفراد أكثر عملا وأرجى قبولا. وقال الحنفية: تصف الجنائز صفا عريضا ويقوم الإمام عند أفضلهم.

وذكر ابن قدامه في المغني:

فإن كانوا أنواعا كرجال وصبيان وخناثي ونساء، قدم الرجال ثم الصبيان ثم الخنائي ثم النساء.

وقال النووي في المجموع:

والسنة أن يقف الإمام عند رأس الرجل وعند عجيزة المرأة لما روى أن أنسا رضي الله عنه صلى على رجل فقام عند رأسه وعلى إمرأة فقام عند عجيزتها، فقال له العلاء بن زياد (أحد التابعين) هكذا كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على امرأة عند عجيزتها وعلى الرجل عند رأسه قال نعم. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.

وقال الحنفية: يصلي عند صدر الرجل.

شروط الصلاة على الميت:

يشترط في المصلي لصحة صلاة الجنازة شروط الصلاة من إسلام وعقل وتمييز وطهارة وستر عورة وطهارة عن النجاسة في البدن والثوب والمكان واستقبال القبلة والنية وغيرها من شروط الصلاة. (ذكره في الفقه الإسلامي).

كيفيتها – ذكر في الفقه المنهجي:

1 – يكبر تكبيرة الإحرام ناويا الصلاة على الميت.

2 – فإذا كبر، وضع يديه على صدره مثل الصلاة العادية، وقرأ الفاتحة.

3 – وإذا أتم الفاتحة كبر تكبيرة ثانية، رافعا يديه إلى شحمة أذنيه، ثم وضع يديه مرة أخرى على صدره، وقرأ أي صيغة من صيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأفضلها الصلاة الإبراهيمية وهي:

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد» وقد ثبت هذا بأحاديث صحيحة، رواها البخاري ومسلم وغيرهما.

4 – ثم يكبر التكبيرة الثالثة، ويدعو للميت بعدها، وهو المقصود الأعظم من الصلاة على الميت.

روى البخاري عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: صليت خلف ابن عباس رضي الله عنهما على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، فقال: ليعلموا أنها سنة.

وروى النسائي بإسناد صحيح عن أبي أمامة بن سهل رضي الله عنه أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات، ولا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرا في نفسه.

وأقل الدعاء أن يقول: اللهم ارحمه أو اغفر له.

فيدعو أولا بهذا الدعاء:

«اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان» (رواه الترمذي، وأبو داود).

ثم يقول: «اللهم هذا عبدك وابن عبديك… وإن كانت أنثى قال: اللهم هذه أمتك وابنة أمتك، خرج من روح الدنيا وسعتها، ومحبوبه وأحبائه فيها، إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وحدك وأن محمدا عبدك ورسوله، وأنت أعلم به منا.

اللهم إنه نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيرا إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك، شفعاء له.

اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عنه، ولقه برحمتك رضاك، ولقه برحمتك الأمن من عذابك، حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم الراحمين».

فإن كان الميت طفلا قال بدلا من هذا الدعاء الثاني:

«اللهم اجعله فرطا لأبويه وسلفا وذخرا وعظة واعتبارا وشفيعا. وثقل به موازينهما وأفرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتنهما بعده ولا تحرمهما أجره».

وهذه الأدعية التقطها الشافعي رحمه الله تعالى من مجموع الأخبار، وربما ذكرها بالمعنى، واستحسنها أصحابه.

وأصح حديث في الباب ما رواه مسلم عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة، فسمعته يقول:

«اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدل له دارا خيرا من داره، وأهل خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة وقه فتنة القبر وعذاب النار»

قال عوف: فتمنيت أن لو كنت أنا الميت، لدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الميت.

عافه: خلصه مما يكره.

5 – ثم يكبر الكتبيرة الرابعة ويقول بعدها: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله» (رواه أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم).

6 – ثم يسلم تسليمتين عن يمنيه ويساره كل تسليمه كتسليمة الصلوات الأخرى.

روى البيهقي بإسناد جيد، عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة.

وهذا الذي ذكرناه هو قول الحنفية والشافعية، وقال المالكية والحنابلة: يسلم تسليمة واحدة فقط. (راجع الفقه الإسلامي).

صلاة المسبوق

ذكر في الفقه الإسلامي:

اتفق الفقهاء على أن المسبوق يتابع إلامام فيما لحقه ويتم ما فاته، ولكن لهم تفصيلات في كيفية الإتمام.

فمذهب الحنفية والمالكية

قال في حاشية ابن عابدين:

والمسبوق ببعض التكبيرات لا يكبر في الحال بل ينتظر تكبير الإمام ليكبر معه للافتتاح (وتكون هذه التكبيرة هي الأولى للمسبوق ويتم مافاته بعد فراغ الإمام).

وإن خشي المسبوق رفع الميت على الأعناق «أي بعد انتهاء صلاة الإمام» يكبر نسقا «أي بشكل متابع بدون دعاء». فلو جاء المسبوق بعد التكبيرة الرابعة للإمام فاتته الصلاة، وهذا ما ذهب إليه المالكية أيضا.

ومذهب الشافعية

قال في مغني المحتاج:

ويكبر المسبوق ويقرأ الفاتحة وإن كان الإمام في غيرها، ولو كبر الإمام أخرى (أي تكبيرة أخرى) قبل شروعه في الفاتحة كبر معه وسقطت القراءة عنه، وإن كبرها وهو في الفاتحة تركها وتابع الإمام، وإذا سلم الإمام تدارك المسبوق باقي التكبيرات بأذكارها.

ومذهب الحنابلة

قال في المغني: يستحب للمسبوق في صلاة الجنازة قضاء ما فاته منها، فإن سلم ولم يقض ما فاته من التكبيرات صحت صلاته.

الصلاة على القبر

اتفق الفقهاء على جوز الصلاة على القبر إذا لم يكن صلى على الميت، أما إذا كان قد صلى عليه فقد كره الحنفية والمالكية الصلاة على القبر مرة أخرى وأجازه الشافعية والحنابلة، وقال الحنابلة لا يصلي بعد شهر.

الصلاة في المسجد

كره الحنفية والمالكية الصلاة على الجنازة في المسجد، وأجازها الشافعية والحنابلة.

الصلاة على الغائب

تكره الصلاة على الغائب عند الحنفية والمالكية، وذهب الشافعية والحنابلة إلى جوازها، وتتوقف عند الحنابلة بمدة شهر كالصلاة على القبر. «راجع الفقه الإسلامي».

تشييع الجنازة

جاء في الفقه المنهجي:

اتباع الجنازة وتشييعها إلى القبر مستحب للرجال، لما رواه البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع الجنازة، وعيادة المريض، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، ونصرة المظلوم. رواه البخاري.

ويستحب أن لا ينصرف عائدا إلا بعد أن يدفن الميت، روى البخاري، ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهد حتى تدفن كان له قيراطان. قيل: وما القيراط؟

قال: «مثل الجبلين العظيمين». أي من الأجر.

أما النساء فلا يستحب لهن ذلك، بل هو خلاف السنة، وخلاف وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لما رواه البخاري ومسلم عن أم عطية رضي الله عنها قالت: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا. أي لم يشدد علينا» في النهي ولم يحرم علينا الاتباع.

ولما رواه ابن ماجه عن علي رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا نسوة جلوس، فقال: «ما يجلسكن»؟ قلن: ننتظر الجنازة.

قال: «هل تغسلن»؟ قلن: لا.

قال: «هل تحملن»؟ قلن: لا.

قال: «هل تدلين فيمن يدلي؟» – أي هل تنزلن الميت في القبر؟ – قلن: لا.

قال: «فارجعن مأزورات غير مأجورات»

أي عليكم إثم، وليس لكن أجر، في اتباعكن الجنازة وحضور الدفن.

سنن تشييع الجنازة – جاء في الفقه الإسلامي

1 – الإسراع بالجنازة:

يستحب الإسراع بالجنازة «أي فوق المشي المعتاد ودون الخبب أي العدو السريع لكراهته – بحيث لا يضطرب الميت على الجنازة. لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أسرعوا بالجنازة فإن تكن صالحة فخير تقدمونها وإن تكن سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» رواه البخاري ومسلم.

2 – الخشوع والتفكر:

يستحب لمتتبع الجنازة أن يكون متخشعا، متفكرا في مآله، متعظا بالموت، وبما يصير إليه الميت، ولا يتحدث بأحاديث الدنيا، ولا يضحك، قال سعد بن معاذ رضي الله عنه: «ما تبعت جنازة فحدثت نفسي بغير ما هو مفعول بها».

3 – ستر نعش المرأة:

يندب عند المالكية والشافعية والجنابلة ستر نعش المرأة قال ابن عبد البر: فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من غطي نعشها في الإسلام ثم زينب بنت جحش.

4 – المشي أمام الجنازة:

يسن عند الفقهاء المشي أمام الجنازة وبقربها لما روى ابن عمر رضي الله عنهما: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة» رواه أحمد وأصحاب السنن.

دفن الميت

وبعد تكفينه يبادر بدفنه

جاء في الفقه المنهجي:

أقل ما يجب في دفن الميت أن يدفن في حفرة تمنع انتشار رائحته وتمنع تسلط السباع عليه، مستقبلا فيها القبلة.

وأكمل ذلك أن يتبع فيه ما يلي:

1 – أن يدفن في قبر بعمق قدر قامة الرجل المعتدل وبسطة يديه إلى الأعلى، وأن يوسع قدر ذراع وشبر.

روى أبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح، عن هشم بن عامر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قتلى أحد: «احفروا وأوسعوا وأحسنوا».

2 – يجب أن يضجع على يمينه وأن يوجه إلى القبلة، بحيث لو لم يوجه إلى القبلة وردم عليه التراب، وجب نبش القبر وتوجيهه إلى القبلة، إن لم يقدر أنه قد تغير. ويندب أن يلصق خده بالأرض.

3 – يسن أن يكون القبر لحدا إن كانت الأرض صلبة لخبر مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال في مرض موته، ألحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا، كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم.

واللحد تجويف يفتح في الجدار القبلي للقبر، بمقدار ما يسع الميت، فيوضع الميت فيه، ثم يسد فم هذا التجويف بحجارة رقاق كي لا ينهال عليه التراب.

فإن كانت الأرض رخوة ندب أن يكون القبر شقا. والمقصود به شق في أسفل أرض القبر بمقدار ما يسع الميت، ويبنى طرفاه بلبن أو نحوه، فيوضع الميت فيه، ثم يسقف الشق من فوقه بحجارة رقاق، ثم يهال فوقه التراب.

4 – يسن أن يسل الميت من قبل رأسه، بعد أن يوضع عند أسفل القبر، ويمدد برفق في القبر.

روى أبو داود بإسناد صحيح أن عبدالله بن يزيد الخطمي الصحابي رضي الله عنه، أدخل الحارث القبر من قبل رجلي القبر وقال: هذا من السنة.

5 – ويسن أن يدخل القبر لتسويته أقرب الناس إليه من الذكور، وأن يقول الذي يلحده: «بسم الله وعلى سنة رسول الله» للاتباع.

روى أبو داود، والترمذي وحسنه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا وضع الميت في القبر قال: «بسم الله، وعلى سنة رسول الله»، وفي رواية «ملة» بدل سنة.

قال في الفقه الإسلامي:

واختلفوا في تسطيح أو تسنيم القبر، فقال بعضهم أن التسطيح أفضل، وقال بعضهم: أن التسنيم أفضل.

التسطيح: هو تسوية التراب على القبر، أما التسنيم: فهو أن يجعل التراب مرتفعا كسنام الجمل».

قال في مغني المحتاج: ويرفع القبر شبرا فقط.

ولا يدفن اثنان في قبر إلا للضرورة، فإن دفن قدم أفضلهما. ولا يجلس على القبر ولا يوطأ.

6 – وقال في الفقه الإسلامي: يندب أن يرش القبر بماء، وأن يوضع على القبر حصى، وعند رأسه حجر أو خشبة لما رواه الشافعي مرسلا أنه صلى الله عليه وسلم رش على قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه حصباء».

وقال الشافعية لا بأس بتطييب القبر.

7 – يكره تجصيص القبر (أي تبييضه بالجبس) والكتابة والبناء عليه، جاء في الفقه الإسلامي:

يكره تجصيص القبر لما روى جابر رضي الله عنه: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبور وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها» رواه مسلم.

وأما الكتابة على القبر، فمكروه عند الجمهور، سواء اسم صاحبه أو غيره، ودليلهم الحديث السابق.

وقال الحنفية لا بأس بالكتابة على القبر إن احتيج لها حتى لا يذهب الأثر ولا يمتهن، لأن النهي وإن صح فقد وجد الإجماع العملي بها فقد اخرج الحاكم النهي عنها من طرق ثم قال:

هذه الأسانيد صحيحة، وليس العمل عليها، فإن أئمة المسلمين من المشرق إلى المغرب مكتوبا على قبورهم، وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف، ويتقوى بها أخرجه أبو داود بإسناد جيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل حجرا، فوضعها عند رأس عثمان بن مظعون، وقال: أتعلم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي».

والخلاصة أن النهي عن الكتابة محمول على عدم الحاجة.

ويكره الجلوس على القبر والمشي عليه لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» رواه مسلم.

حكم السقط والشهيد

وذكر في الفقه المنهجي: والسقط: هو الولد النازل قبل تمامه.

والشهيد: هو الذي يقتل في معركة تدار دفاعا عن الإسلام، ولرفع لوائه.

فأما السقط فله حالتان:

الحالة الأولى: أن لا يصيح عند الولادة، فإن لم يكن قد بلغ حمله أربعة أشهر بعد، لم يجب غسله ولا تكفينه ولا الصلاة عليه، ولكن يستحب تكفينه بخرقة والدفن دون الصلاة.

الحالة الثانية: أن يصيح عند الولادة أو يتيقين حياته باختلاج ونحوه، فيجب في حقه الصلاة مع جميع ما ذكر، فلا فرق بينه وبين الكبير

روى الترمذي وغيره، عن جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الطفل لا يصلى عليه، ولا يرث ولا يورث حتى يستهل».

(استهل: من الاستهلال وهو الصياح أو العطس أو حركة يعلم بها حياته).

وأما الشيهد: وهو من مات من المسلمين في جهاد الكفار. فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ويسن تكفينه في ثيابه التي قتل بها.

لما رواه البخاري، عن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في قتل أحد بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم.

وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء.

فإن جرح في المعركة، وبقيت فيه حياة مستقرة بعد انتهاء القتال، ثم مات، لم يعتبر شهيدا من حيث المعاملة الدنيوية، وغسل وصلى عليه كالعادة، ولو كان موته بالسراية من الجرح.

والحكمة من أن الشهيد لا يغسل ولا يصلى عليه: إبقاء أثر الشهادة عليهم والتعظيم له باستغنائهم عن دعاء الناس لهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده، ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء كهيئته حين كلم: اللون لون الدم والريح ريح مسك». رواه البخاري ومسلم، واللفظ له.

(كلم: جرح. كهيئته: كحالته).

التعزية

جاء في الفقه الإسلامي:

هي أن يسلى أهل الميت ويحملهم على الصبر بوعد الأجر، ويرغبهم في الرضا بالقضاء والقدر، ويدعو للميت المسلم.

وتكون إلى ثلاثة ليال بأيامها، وتكره بعدها إلا لغائب، حتى لا يجدد له الحزن، ولإذن الشارع في الإحداد في الثلاث، بقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل لإمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام، إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا»

رواه البخاري ومسلم.

والتعزية بعد الدفن أفضل منها قبله، لأن أهل الميت مشغولون بتجهيزه، ووحشتهم بعد الدفن لفراغه أكثر.

يجوز عند الحنفية الجلوس للتعزية في غير المسجد ثلاثة أيام ويكره عندهم المبيت عند أهل الميت.

وكذا رأي المالكية في الجلوس للتعزية ثلاثة أيام.

وقال أصحابنا من الشافعية:

وتكره التعزية بعد ثلاثة أيام، لأن التعزية لتسكين قلب المصاب والغالب سكون قلبه بعد الثلاثة، فلا يجدد له الحزن.

وكره الشافعية والحنابلة الاجتماع في مكان للتعزية، لما في ذلك من استدامة الحزن.

ويجوز عند الحنفية والشافعية تعزية المسلم للكافر، وتكون بألفاظ ليس فيها دعاء للميت مثل: «أعظم الله أجرك».

ويحرم عند الحنابلة تعزية الكافر، لأن فيها تعظيما للكافر، كبداءته بالسلام.

وفي كتاب فقه العبادات: لبشير الشقفه (في المذهب المالكي):

ولا يعزى مسلم بقريبه أو زوجته الكافرين، فقد شرط مالك في التعزية الإسلام.

وقال الإمام النووي في الأذكار:

وروينا في سنن ابن ماجه والبيهقي بإسناد حسن، عن عمرو بن حزم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله عز وجل من حلل الكرامة يوم القيامة».

زيارة القبور

جاء في الفقه المنهجي:

زيارة القبور التي دفن فيها مسلمون، مندوبة للرجال بالإجماع، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». رواه مسلم

وعند الترمذي «فإنها تذكر الآخرة». ولا يندب لها وقت محدد.

أما النساء فيكره لهن زيارتها لأنها مظنة للتبرج والنواح ورفع الأصوات، روى أبو داود وغيره، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لعن الله زائرات القبور».

ولكن يسن لهن زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينبغي أن يلحق بذلك قبور بقية الأنبياء والصالحين، شريطة أن لا يكون تبرج واختلاط وازدحام والتصاق بالرجال، ورفع أصوات، مما هو مظنة الفتنة، وما أكثره في زيارتهن!!.

وإذا دخل الزائر المقبرة، ندب له أن يسلم على الموتى قائلا:

«السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» رواه مسلم، وليقرأ عندهم ما تيسر من القرآن، فإن الرحمة تنزل حيث يقرأ القرآن، ثم ليدع لهم عقب القراءة، وليهد مثل ثواب تلاوته لأرواحهم، فإن الدعاء مرجو الإجابة، وإذا استجيب الدعاء استفاد الميت من ثواب القراءة. والله أعلم.

البكاء على الميت

ذكر في الفقه الإسلامي:

يجوز بالاتفاق البكاء على الميت قبل الدفن وبعده لما روى جابر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«يا إبراهيم ، إنا لا نغني عنك من الله شيئا ، ثم ذرفت عيناه، فقال له عبد الرحمن بن عوف:

يا رسول الله، أتبكي، أو لم تنه عن البكاء؟

فقال: لا، ولك نهيت عن النوح» رواه الترمذي.

أما الندب:

فهو تعداد محاسن الميت، فيحرم لحديث، «ما من ميت يموت فيقدم باكيهم ، فيقول: واجبلاه، واسنداه، أو نحو ذلك ، إلا وكل به ملكان يلهزانه، أهكذا كنت» رواه الترمذي وحسنه.

واللهز: الدفع في الصدر باليد وهي مقبوضة.

وأما النوح: فهو رفع الصوت بالندم فيحرم لخبر «النائحة إذا لم تتب تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب» رواه مسلم.

والسربال: القميص.

وأما الجزع: بضرب صدر ونحوه كشق جيب ونشر شعر، وتسويد وجه، وإلقاء رماد على الرأس، ورفع صوت بإفراط في البكاء، فهو حرام أيضا.

لخبر: الشيخين: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية».

وفي الصحيحين: «أنه صلى الله عليه وسلم بريء من الصالقة، والحالقة، والشاقة».

فالصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة.

والحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة.

والشاقة: التي تشق ثيابها.

وينبغي للمصاب أن يستعين بالله تعالى ويتعزى بعزائه، ويمتثل أمره في الاستعانة بالصبر والصلاة، ويتنجز ما وعد الله به الصابرين حيث يقول سبحانه: {وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}.

ثواب قراءة القرآن والدعاء على الميت

جاء في كتاب الفقه الإسلامي:

1 – أجمع العلماء على انتفاع الميت بالدعاء والاستغفار بنحو «اللهم اغفر له، اللحم ارحمه» والصدقة وأداء الواجبات البدنية المالية كالحج: لقوله تعالى: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان}. ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سلمة حين مات.

2 – واختلفوا في وصول ثواب العبادات البدنية المحضة كالصلاة وتلاوة القرآن إلى الميت، فذهب الحنفية والحنابلة ومتأخروا الشافعية والمالكية إلى القول بوصول القراءة إلى الميت، وذهب متقدموا المالكية والشافعية إلى عدم وصولها.

وجاء في كتاب «دفع الافتنان»:

جواز الجلوس للتعزية والقراءة للأموات.

قال الشيخ الموفق ابن قدامه إمام الحنابلة في زمانه:

«فصل» ولا بأس بالقراءة عند القبر وقد روى عن أحمد أنه قال: «إذا دخلتم المقابر اقرؤوا آية الكرسي وثلاث مرار «قل هو الله أحد» ثم قل: اللهم إن فضله لأهل المقابر».

وقال الخلال: حدثني أبو علي الحسن بن الهيثم البزار شيخنا الثقة المأمون قال: رأيت أحمد بن حنبل يصلي خلف ضرير يقرأ على القبور.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من دخلا المقابر فقرأ سورة (يس) خفف عنهم يومئذ وكان له بعدد من فيها حسنات».

وقال ابن قدامه أيضا: إنه إجماع المسلمين فإنهم في كل عصر ومصر يجتمعون ويقرؤون القرآن ويهدون ثوابه إلى موتاهم من غير نكير.

وقد ذكر الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على قبر فقال:

أما إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة. وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله قال: فدعا بعسيب رطب فشقه اثنين ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا ثم قال لعله أن يخفف عنهما ما لام ييبسا.

قال رحمه الله في شرحه لهذا الحديث ما نصه: واستحب العلماء قراءة القرآن عند القبر لهذا الحديث لأنه إذا كان يرجى التخفيف بتسيبح الجريدة فتلاوة القرآن أولى، والله أعلم.

وقال السيوطي في كتاب «شرح الصدور»

أخرج أبو القاسم الزنجاني في فوائده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من دخل المقابر ثم قرأ فاتحة الكتاب. و«قل هو الله أحد» (سورة الاخلاص)، و«ألهاكم التكاثر» (سورة التكاثر)، ثم قال: اللهم إني قد جعلت ثواب ما قرأت من كلامك لأهل المقابر من المؤمنين والمؤمنات، كانوا شفاء له إلى الله تعالى.

وقال في موضع آخر:

وأما القراءة على القبر فجزم بمشروعيتها أصحابنا وغيرهم، قال الزعفراني، سألت الشافعي رحمه الله عن القراءة عند القبر فقال: لا بأس به

وقال النووي رحمه الله في شرح المهذب: يستحب لزائر القبور أن يقرأ ما تيسر من القرآن،ويدعو لهم عقبها نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب، وزاد في موضع آخر: وان ختموا القرآن على القبر كان أفضل

وكان الإمام أحمد بن حنبل ينكر ذلك أولا حيث لم يبلغه فيه أثر، ثم رجع حين بلغه.

وأخرج أبو محمد السمرقندي مرفوعا: من مر على المقابر وقرأ «قل هو الله أحد» إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجره للأموات، أعطى من الأجر بعدد الأموات».

وجاء في كتابه العاقبة في ذكر الموت والآخرة للإمام أبي محمد عبد الحق الأشبيلي:

واعلم أن الميت كالحي فيما يُعطاه ويُهدي إليه، بل الميت أكثر وأكثر، لأن الحي قد يستقل بما يهدي ويستحقر ما يتحف به، والميت لا يستحقر شيئا من ذلك ولو كان مقدار جناح بعوضة، أو وزن مثقال ذرة لأنه يعلم قيمته وقد كان يقدر عليه فضيعه.

ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الميت كالغريق في قبره ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديق له، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها».

والأخبار في هذا كثيرة.

واعلم أن قبور الصالحين لا تخلو من بركة، وأن زائرها والمسلم عليها والقارئ عندها والداعي لمن فيها لا ينقلب إلا بخير ولا يرجع إلا بأجر، وقد يوجد لذلك أمارة ويبدو منها بشارة.

وجاء في كتاب تسلية أهل المصائب للإمام محمد المنبجي الحنبلي:

تستحب القراءة عند القبر، لأنه قد صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أوصى إذا دفن، أن يقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها

والمشهور عن الإمام أحمد، أن القراءة في المقبرة وعند القبر لا تكره. وان اجتمع أناس وختموا القرآن وأهدوا ثوابه للميت فإنه يصل إليه بمشيئة الله تعالى ورحمته.

قال الإمام السيوطي في شرح الصدور:

واستدلوا على الوصول بالقياس على ما تقدم من الدعاء والصدقة، والصوم والحج والعتق، فإنه لا فرق في نقل الثواب بين أن يكون عن حج أو صدقة أو وقف أو دعاء أو قراءة، وبالأحاديث الآتي ذكرها، وهي وإن كانت ضعيفة، فمجموعها يدل على أن لذلك أصلا، وبأن المسلمين مازالوا في كل عصر، يجتمعون ويقرؤون لموتاهم من غير نكير، فكان ذلك إجماعا، ذكر ذلك كله الحافظ شمس الدين بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي في جزء ألفه في المسألة.

وكذا قال الإمام ابن قدامة في المغني والقرطبي في التذكرة والنووي وغيرهم من الأئمة الأعلام.

واشترطوا إن كانت القراءة في غياب الميت أن يعقب القراءة الدعاء بوصول الثواب له.

والله أعلم.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

almostaneer.com/show_bhoth.aspx?id=8

46 Views

عن

إلى الأعلى