دراسة- ميزان المدفوعات


ميزان المدفوعات

المقدمة:

إن ميزان المدفوعات هو بمثابة الحساب الذي يسجل قيمة الحقوق والديون الناشئة بين بلد معين والعالم الخارجي ودلك نتيجة المبادلات والمعاملات التي تنشأ بين المقيمين في هذا البلد ونظرائهم بالخارج خلال فترة زمنية عادة ما تكون سنة.

و لميزان المدفوعات أهمية كبيرة لأنه من خلال دراسة مفرداته يعكس لنا درجة التقدم الاقتصادي في هذا البلد ويمكننا من تحديد مركزه المالي بالنسبة للعالم الخارجي، لذلك فإنه غالبا ما يطلب صندوق النقد الدولي من جميع أعضائه تقديم قف موازين مدفوعاتها سنويا لكون هذا الميزان من أهم المؤثرات دقة في الحكم المركز الخارجي للعضو.

و في هذا الصدد سنحاول الإلمام بجميع جوانب الموضوع من طرفين ففي الفصل الأول سوف نتطرق إلى ميزان المدفوعات وإختلالاته وفي الفصل الثاني سوف نتعرض لتصحيحات هذه الإختلالات مع التعرض لميزان المدفوعات الجزائري.

الفصل الأول: ميزان المدفوعات وإختلالاته

تعريف ميزان المدفوعات:

يعرف ميزان المدفوعات بأنه السجل الأساسي المنظم والموجز الذي تدون فيه جميع المعاملات الاقتصادية التي تتم بين حكومات ومواطنين ومؤسسات محلية لبلد ما مع مثيلاتها لبلد أجنبي خلال فترة معينة عادة سنة واحدة.(1)

و هو عبارة أيضا عن تقدير مالي لجميع المعاملات التجارية والمالية التي تتم بين الدولة والعالم الخارجي خلال فترة زمنية معينة غالبا ما تكون سنة.(2)

كما أنه في الإمكان تعريفه بأنه سجل لحقوق الدولة وديونها خلال فترة معينة.(3)

و يقوم إعداد ميزان المدفوعات على مبدأ القيد المزدوج، مما يجعله من الناحية المحاسبية متوازنا أي جانب دائن (إيجابي) تندرج تحته كافة المعاملات التي تحصل الدولة من خلالها على إيرادات من العالم الخارجي، وجانب مدين تنطوي تحته جميع المعاملات التي تؤدي الدولة من خلالها مدفوعات العالم الخارجي وتواجه عملية تسجيل العمليات الاقتصادية على ميزان المدفوعات صعوبات مثل مشكلة التفريق بين المقيم والغير مقيم، واختلاف أسس حساب القيم الدولية ومشكلة التوقيت…..إلخ.(4)

أهمية ميزان المدفوعات:

إن لبيانات ميزان المدفوعات دلالاتها الخاصة التي تعبر عن الأحوال الاقتصادية للبلد بغض النظر عن الفترة الزمنية التي تغطيها دراسة هذه البيانات لذلك فإن تسجيل هذه المعاملات الاقتصادية الدولية في حد ذاتها مسألة حيوية لأي اقتصاد وطني وذلك للأسباب التالية:(5)

· إن هيكل هذه المعاملات الاقتصادية يعكس قوة الاقتصاد الوطني وقابليته ودرجة تكييفه مع المتغييرات الحاصلة في الاقتصاد الدولي لأنه يعكس حجم وهيكل كل من الصادرات والمنتجات، بما فيه العوامل المؤثرة عليه كحجم الاستثمارات ودرجة التوظيف، ومستوى الأسعار والتكاليف….إلخ

· إن ميزان المدفوعات يظهر القوة المحددة لسعر الصرف من خلال ظروف الطلب وعرض العملات الأجنبية ويبين أثر السياسات الاقتصادية على هيكل التجارة الخارجية من حيث حجم المبادلات ونوع سلع التبادل، الشيء الذي يؤدي إلى متابعة ومعرفة مدى تطور البنيان الاقتصادي للدولة ونتائج سياساتها الاقتصادية.(6)

· يشكل ميزان المدفوعات أداة هامة تساعد السلطات العامة على تخطيط وتوجيه العلاقات الاقتصادية الخارجية للبلد بسبب هيكله الجامع، كتخطيط التجارة الخارجية من الجانب السلعي والجغرافي أو عند وضع السياسات المالية والنقدية، ولذلك تعد المعلومات المدونة فيه ضرورية للبنوك والمؤسسات والأشخاص ضمن مجالات التمويل والتجارة الخارجية.

· إن المعاملات الاقتصادية التي تربط البلد مع العالم الخارجي هي نتيجة اندماجه في الاقتصاد الدولي وبدلك فهي تقيس الموقف الدولي للقطر.

عناصر ميزان المدفوعات:

نظرا لطبيعة المعاملات الاقتصادية المتشبعة والمتشابكة لأي بلد مع بقية العالم الخارجي، فإنه من الصعوبة حصرها وتدوينها بصورة منفردة في ميزان المدفوعات ولذلك يمكنه إعطاء بيان موجز لهذا الحكم من المعاملات وتدوينها في فترات وأقسام مستقلة يضم كل منها نوعا متميزا من المعاملات ذات الطبيعة المتشابهة والمتقاربة الأهداف، لدلك فإن ميزان المدفوعات يتركب من خمسة حسابات هي:(7)

1*الحساب الجاري:

يمشل هذا الحساب على جميع المبادلات من السلع والخدمات والذي يتألف من عنصرين:

أ/الميزان التجاري:

يتعلق بتجارة السلع أي صادرات السلع ووارداتها خلال الفترة محل الحساب،و هو الفرق بين قيمة الصادرات وقيمة الواردات(8) وسمي أيضا ميزان التجارة المنظورة.

ب/ميزان الخدمات: تسجل فيه جميع المعاملات الخدمية مثل خدمات النقل والتأمين والسياحة والملاحة والخدمات المالية…..إلخ ويسمى بميزان التجارة الغير منظورة ( تجدر الملاحظة أن 70 من التجارة الدولية هي تجارة خدمات).

2*حساب التحويلات من طرف واحد:

يتعلق هذا الحساب بمبادلات تمت بين الدولة والخارج بدون مقابل أي أنها عمليات غير تبادلية، أي من جانب واحد وتشمل الهبات والمنح والهدايا والمساعدات وأية تحويلات أخرى لا ترد سواء كانت رسمية أو خاصة.

3* حساب رأس المال:( العمليات الرأسمالية)

تدخل في هذا الحساب جميع العمليات التي تمثل تغيرا في مراكز الدائنية والمديونية للدولة لأن معاملات الدولة مع الخارج لا تقتصر على تجارة السلع والخدمات فقط، بل هناك حركات رؤوس الأموال التي تنتقل من بلد إلى آخر، والتي تنقسم إلى نوعين:

أ/رؤوس الأموال الطويلة الأجل: وهي التي تتجاوز السنة كالقروض الطويلة الأجل، والاستثمارات المباشرة، والأوراق المالية (أسهم وسندات) أي بيعها وشرائها من وإلى الخارج.

ب/ رؤوس الأموال القصيرة الأجل: والتي لا تتجاوز السنة مثل الودائع المصرفية والعملات الأجنبية والأوراق المالية القصيرة الأجل، والقروض القصيرة الأجل….إلخ

و تتم حركة رؤوس الأموال القصيرة الأجل لتسوية ما يحصل بين المقيمين من عمليات في حساب العمليات الجارية وحساب رأس المال الطويل الأجل(9)

و تعد هذه الأشكال من التحويلات الرأسمالية بالنتيجة حقا أو دينا للقطر على الخارج أو العكس، أي أنها قد تضيق أو تنقص تلك الحقوق أو الديون للبلد على العالم الخارجي.

ملاحظة:

عادة ما يطلق على ميزان العمليات الجارية وميزان التحويلات من طرف واحد وحركة رؤوس الأموال الطويلة الأجل مجتمعة لميزان المدفوعات الأساسي ولقد أخدنا بالتقييم السابق فقط من أجل التوضيح والتبسيط.

4* ميزان حركة الذهب والنقد الأجنبي:

تقيم تسوية المدفوعات عن طريق التعاملات الأجنبية أو الذهب(10)، والذي كان من وسائل الدفع الأكثر قبولا في الوفاء بالالتزامات الدولية، فتسوي الدولة عجز ميزان مدفوعاتها بتصدير الذهب إلى الخارج، كما يمكنها في حالة وجود فائض بشراء كمية من الذهب من الخارج وفقا لقيمة هذا الفائض.

و الذهب الذي يسوي العجز والفائض هو الذي يحتفظ به البنك المركزي أو السلطات النقدية كغطاء أو احتياطي(11)، وهذا الميزان لديه جانب دائن وجانب مدين تقيد فيهما حركة الذهب والنقد الأجنبي.

5/ فترة السهو والخطأ:

تستعمل هذه الفقرة من أجل موازنة ميزان المدفوعات من الناحية المحاسبية ( أي تساوي جانب المدين مع جانب الدائن)، لأن تسهيل العمليات يكون تبعا لطريقة القيد المزدوج، وتستخدم هذه الفقرة أيضا في الحالات التالية:

- الخطأ في تقسيم السلع والخدمات محل التبادل نتيجة اختلاف أسعار صرف العملات.

- قد تؤدي ضرورات الأمن القومي للبلد إلى عدم الإفصاح عن مشترياته العسكرية من أسلحة وعتاد لذلك تم إدراجها بفقرة السهو والخطأ.

6/طريقة التسجيل:

كما قلنا سابقا أن تسجيل العمليات في ميزان المدفوعات يكون طبقا لطريقة القيد المزجوج أي تسجل مرتين في الجانب الدائن وفي الجانب المدين.

بالنسبة للجانب المدين: يأخذ الإشارة السالبة (-) ويشمل:

1- الاستيرادات من السلع والخدمات

2- الهدايا والمنح والمساعدات المقدمة للأجانب ( التحويلات من طرف واحد)

3- رؤوس الأموال الطويلة والقصيرة الأجل المتجهة نحو الخارج

فهذا الجانب يأخذ إما زيادة الأصول الوطنية في الخارج أو تقليل الأصول الأجنبية في الداخل.

أما الجانب الدائن: يأخذ إشارة موجبة (+) ويشمل:

1- الصادرات من السلع والخدمات

2- الهدايا والمنح والمساعدات المقدمة من الخارج ( التحويلات من طرف واحد)

3- رؤوس الأموال القادمة من الخرج

4/أسباب اختلال ميزان المدفوعات:

لقد قلنا آنفا أن ميزان المدفوعات يكون متوازنا محاسبيا نظرا لإتباع طريقة القيد المزدوج. إذن كيف يحدث الخلل في الوقت الذي بكون فبه الميزان متوازنا؟

إن الخلل يكون في اقسام معينة من الميزان وعادة ما يكون العجز في الحساب الجاري باعتباره من أكبر الحسابات والذي يؤدي عجزه إلى إضرار في الاقتصاد الوطني، مما سيؤدي سلبا على قيمة العملة المحلية في سوق الصرف الأجنبي نتيجة لعرض العملة المحلية أكثر من طلب الأجانب عليها لذلك تستخدم السلطات في هذه الحالة السياسات النقدية والمالية لمعالجة الخلل.

و توجد أسباب عديدة تؤدي إلى حدوث هذا الخلل ولعل أهمها:(12)

1- التقييم الخاطىء لسعر صرف العملة المحلية:

توجد علاقة وثيقة بين ميزان المدفوعات وسعر صرف العملة للبلد فإذا كان سعر الصرف لعملة بلد ما أكبر من قيمتها الحقيقية، سيؤدي دلك إلى ارتفاع أسعار سلع البلد ذاته من وجهة نظر الأجانب مما يؤدي إلى انخفاض الطلب الخارجي عليها وبالتالي سيؤدي دلك إلى حدوث اختلال في ميزان المدفوعات.

إما إذا تم تحديد سعر صرف العملة بأقل مما يجب أن تكون عليه سيؤدي دلك إلى توسع الصادرات مقابل تقلص الواردات مما يؤدي أيضا إلى حدوث اختلال في الميزان، لذلك هذه الإختلالات غالبا ما ينتج عنها ضغوط تظخمية والتي تساهم في استمرارية الاختلال في الميزان.

2- أسباب هيكلية:

و هي الأسباب المتعلقة بالمؤشرات الهيكلية لللإقتصاد الوطني وخاصة هيكل التجارة الخارجية ( سواء الصادرات أو الواردات)، إضافة إلى قدرتها الإنتاجية وبأساليب فنية متقدمة، وهذا ما ينطبق تماما على حالة الدول النامية التي يتسم هيكل صادراتها بالتركيز السلعي أي اعتمادها على سلعة أسلعتين أساسيتين ( زراعية أو معدنية أو بترولية )حيث عادة ما تتأثر هذه الصادرات بالعوامل الخارجية المتجسدة في مرونة الطلب الخارجي عليها في الأسواق العالمية كتغير أذواق المستهلكين وانصرافهم عن هذه السلع أو عند حدوث تقدم فني في الخارج يؤدي إلى خفض أثمان السلع المماثلة لصادرات هذه الدول في الخارج.

3- أسباب دورية:

و هي أسباب تتعلق بالتقلبات الاقتصادية التي تصيب النظام الاقتصادي الرأسمالي، ففي فترات الانكماش ينخفض الإنتاج والدخول والأثمان وتزداد معدلات البطالة، فتنكمش الواردات مما قد يؤدي إلى حدوث فائض، وفي فترات التضخم يزيد الإنتاج وترتفع الأثمان والأجور والدخول فتقل قدرة البلد على التصدير وتزيد وارداته مما قد يؤدي إلى عجز في ميزان المدفوعات ويلاحظ أن التقلبات لا تبدأ في نفس الوقت في كافة الدول، كما تتفاوت حدتها من دولة إلى أخرى وتنتقل هذه التقلبات الدورية عن الدول ذات الوزن في الاقتصاد العالمي إلى الدول الأخرى(13)( الشركاء التجاريين) عن طريق مضاعف التجارة الخارجية، وتتأثر بالتالي موازين مدفوعات هده الدول عن طريق ما يصيب مستويات الأسعار والدخول فيها(14)

3- الظروف الطارئة:

قد تحصل أسباب عرضية لايمكن التنبؤ بها وقد تؤدي إلى حدوث اختلال في ميزان مدفوعات القطر كما في حالة الكوارث الطبيعية واندلاع الحروب والتغير المفاجىء في أذواق المستهلكين محليا ودوليا فهذه الحالات ستؤثر عفي صادرات القطر المعني الشيء الذي ينجر عنه انخفاض في حصيلة هذه الصادرات المقدرة بالنقد الأجنبي خصوصا قد يصاحب دلك تحويلات رأسمالية إلى خارج القطر مما يؤدي إلى حدوث عجز في ميزان المدفوعات.

4- أسباب أخرى:

من الأسباب الأخرى التي قد ينشأ عنها اختلال في ميزان المدفوعات كانخفاض الإنتاجية في الدول النامية نتيجة قلة أدوات الإنتاج لذلك تقدم هذه الدول على برامج للتنمية الاقتصادية والاجتماعية يزداد فيها استيرادها من الآلات والتجهيزات الفنية ومستلزمات الإنتاج وغيرها من سلع التنمية لفترة طويلة وتهدف هده البلدان من هدا إلى رفع مستوى الاستثمار الذي غالبا ما يتجاوز طاقتها من الادخار الاختياري، ويترتب عن هدا التفاوت بين مستوى الاستثمار ومستوى الادخار اتجاه نحو التضخم، وهو اتجاه مزمن إذ أنه سنة بعد سنة ونتيجة لهذا التضخم ونظرا لزيادة واردات هذه الدول المتطورة فإنها تعاني عجزا دائما أو مزمنا في ميزان مدفوعاتها(15) وتمول هذه الواردات بقروض طويلة الأجل معقودة مقدما(16).

الفصل الثاني: طرق معالجة الخلل في ميزان المدفوعات

إن وجود اختلال في ميزان مدفوعات قطر ما تعد من أهم المؤشرات الاقتصادية خطورة على الاقتصاد الوطني فيما يتعلق بمركز دلك القطر في المعاملات الاقتصادية الدولية لا سيما في حالة حدوث عجز في الميزان المذكور ولدلك فإنه عادة ما تتدخل السلطات العامة من أجل إحداث التوازن في هذا الميزان كلما أمكن دلك والذي عادة ما يتطلب فترة تمتد إلى سنوات عدة وذلك باستخدام مجموعة من الإجراءات الاقتصادية شريطة عدم إلحاق الاقتصاد الوطني بأضرار جسيمة وعموما هناك طريقتان لتصحيح الاختلال في ميزان المدفوعات وهما:

1- التصحيح عن طريق آلية السوق:

استقر الفكر التقليدي في هذا المجال على قدرة جهاز الثمن على تحقيق التوازن الخارجي، ومع أزمة الثلاثينات من هذا القرن وتحت تأثير أفكار كنز وجهت الأنضر نحو تغيرات الدخل القومي لإعادة التوازن، أما التحليل الحديث فيفسح المجال أمام تغيرات الأثمان وتغيرات الدخل في تفسير التوازن الخارجي للدولة، فضلا عن إدخال العمليات المالية في نطاق هده النظريات بقصد الوصول إلى نظرية شاملة(17).و تأخذ هده الطريقة ثلاث أشكال هي:

أ/ التصحيح عن طريق آلية الأسعار:(18)

و يختص هذا التصحيح بفترة قاعدة الذهب، ويتطلب تطبيق هذه الآلية ثلاث شروط أساسية هي:

& ثبات أسعار الصرف.

& الاستخدام الكامل لعناصر الإنتاج في القطر.

& مرونة الأسعار والأجور ( أي حرية حركتها).

و تمثل هذه الشروط أهم أركان النظرية التقليدية(classical theory) ونلخص هذه النظرية بالاعتماد المتبادل لحركة الذهب من وإلى القطر مع حالة ميزان مدفوعاتها، ففي حالة حدوث فائض في الميزان فإنه يعني دخول كميات كبيرة من الذهب إلى القطر يرافقها زيادة في عرض النقود في التداول الأمر الذي ينجم عنه ارتفاع في الأسعار المحلية للقطر المذكور مقارنة مع الأقطار الأخرى، وستترتب عن دلك نتيجتين، أولهما انخفاض صادرات القطر إلى الخارج نظرا لارتفاع أسعارها من وجهت نظر الأجانب وثانيتهما هو ارتفاع في استيرادات القطر من الخارج نظرا لملائمة أسعار السلع الأجنبية من وجهة نظر مواطني القطر وتستمر هذه العملية حتى يعود التوازن إلى ميزان المدفوعات. أما حالة حدوث عجز في الميزان، فإن النتيجة ستكون متعاكسة ولكنها ستقود إلى توازن الميزان أيضا.

غير أن التغيرات الحاصلة في الأسعار يمكن أن تؤدي إلى تغيرات في أسعار الفائدة طبقا للنظرية الكلاسيكية وهذه بدورها ستؤثر على وضع ميزان المدفوعات ولكن ليس مثلما يؤثر مستوى الأسعار على إعادة التوازن في الميزان ففي الحالة الأولى ( حالة الفائض)

بمقدور البنك المركزي للبلد خفض سعر الفائدة على القروض الممنوحة نظرا لارتفاع السيولة المحلية، مما سيؤدي إلى تدفق الأموال إلى خارج البلد وبالتالي التخلص من الفائض المتاح وإعادة التوازن للميزان ثانية، أما الحالة الثانية ( حالة العجز ) فبإمكان رفع سعر الفائدة من أجل جذب الأموال الأجنبية إلى الداخل وعندها ستزداد السيولة في السوق المالية ز إعادة التوازن للميزان.

و نلخص كلما سبق في:

ب/ التصحيح عن طريق سعر الصرف:

و هي الآلية المتبعة في حالة التخلي عن قاعدة الذهب الدولية ( سيادة نظام العملات الو رقية خلال الفترة الممتدة ما بين الحربين العالميتين )، واتخاذ نظام سعر صرف حر (19) وعدم تقيده من قبل السلطات النقدية. وتتلخص هذه الآلية في أن القطر الذي يعاني من حالة عجز في ميزان مدفوعا ته عادة ما يحتاج إلى العملات الأجنبية وبالتالي سوف يضطر إلى عرض عملته المحلية في أسواق الصرف الأجنبية، بيد أن زيادة عرض العملة المحلية سيؤدي إلى انخفاض سعرها في الأسواق المذكورة وعندها ستغدو أسعار السلع والخدمات المنتجة في دلك القطر منخفضة مقارنة بالسلع والخدمات الأجنبية فيزداد الطلب على منتجات القطر، وهكذا تزداد صادراته مقابل انخفاض استيرادا ته نظرا لارتفاع أسعار المنتجات الأجنبية في هذه الحالة وتستمر هذه العملية حتى يعود التوازن إلى ميزان المدفوعات، أما في حالة وجود فائض في الميزان فإنه يحدث العكس تماما.(20) ج/ التصحيح عن طريق الدخول:(21)

تعتمد هذه الطريقة على النظرية الكينزية التي تهتم بالتغيرات الحاصلة في الدخول وآثارها على الصرف الأجنبي وبالتالي على وضع ميزان المدفوعات وأهم شروط النظرية هي:

& ثبات أسعار الصرف.

& جمود الأسعار ( ثباتها).

& الاعتماد على السياسة المالية وخاصة الإنفاق العام للتأثير على الدخل تحت تأثير مضاعف الإنفاق.

و تتلخص هذه النظرية في أن الاختلال الحاصل في ميزان المدفوعات سيؤدي إلى إحداث تغير في مستوى الاستخدام والإنتاج للبلد وبالتالي في مستوى الدخل المحقق وذلك تحث تأثير مضاعف التجارة الخارجية(22)، فحينما يسجل ميزان المدفوعات لبلد ما فائضا جراء التزايد في صادراته ومنه سوف يرتفع مستوى الاستخدام في تلك الصناعات التصديرية فتواكبها زيادة في معدل الأجور ومن تم الدخول الموزعة وسيترتب على زيادة الدخول تنامي في الطلب على السلع والخدمات بنسبة أكبر نتيجة لعمل المضاعف فترتفع الاستيرادات مما يؤدي إلى عودة التوازن إلى الميزان. ويحدث العكس في حالة وجود عجز في الميزان، غير أن العديد من الاقتصاديين الكنزيين لا يرون ضمانا لمعالجة الخلل في ميزان المدفوعات بهذه الطريقة ذلك لأنه في حالة العجز فإن انخفاض الدخل قد لا يكون بنفس مقدار الانخفاض الحاصل في الإنفاق وما يجر بدوره إلى انخفاض في الطلب على الصرف الأجنبي ولهذا السبب وحده يمكن أن تتدخل السلطات العامة من أجل إجراء تغييرات مناسبة (مقصودة ) في الدخل بالقدر الذي يؤدي إلى إعادة التوازن في ميزان المدفوعات وطبقا للنظرية الكينزية يمكن أن تقوم السياسة المالية بدور هام في هذا المجال وذلك من خلال التغيرات في الإنفاق كاستخدام الضرائب مثلا، ففي حالة وجود عجز في الميزان يمكن إجراء تخفيض في الإنفاق العام بفرض ضرائب على الدخول مثلا وتحث تأثير المضاعف سيؤدي دلك إلى انخفاض أكبر في الدخل وبالتالي في الطلب الكلي بمافي دلك الطلب على الاستيرادات، وهذا يعني انخفاض الطلب على الصرف الأجنبي، وعندها سيعود التوازن إلى الميزان وينطبق دلك أيضا في حالة وجود فائض في الميزان ولكن بصورة متعاكسة علاوة على دلك تستطيع السلطات المالية استخدام السياسة النقدية لمعالجة الخلل في ميزان المدفوعات، غير أن الكينزيين لا يعتدوا عليها مقارنة بالسياسة المالية ومن أهم أدوات السياسة النقدية هي سعر الفائدة حيث يتم خفض عرض النقد في التداول الذي يؤدي بدوره إلى رفع سعر الفائدة مما سيؤثر على حجم الإنفاق الكلي نظرا لانخفاض الإنفاق الاستثماري في هذه الحالة، وهو ما يشجع على تدفق رؤوس الأموال للداخل وعندها سيتحسن موقف ميزان المدفوعات.

نستنتج من المعطيات السابقة أن بمقدور السلطات العامة التدخل في إعادة التوازن لميزان المدفوعات باستخدام السياسة المالية أو النقدية لمعالجة حالة عدم التوازن في الاقتصاد سواء عند حدوث تضخم (بسبب العجز في الميزان) أو كساد اقتصادي ( بسبب الفائض في الميزان ) ويطلق على هذه المعالجات بسياسات الاستقرار.

د/ طريقة المرونات ( أو التجارة):(23)

أظهرت النظريتان الكلاسيكية والكينزية بعض العيوب في تفسير التصحيحات الممكنة للاختلال الحاصل في ميزان المدفوعات، حيث اعتمدت كلتاهما على ثبات أسعار الصرف التي قلما توجد في الوقت الحاضر بعد انهيار نظام القيمة المعادلة في عام 1971 وانتشار نظم الصرف القائمة على التعويم، فقد استندت النظرية الكلاسيكية على مجموعة من الفروض الغير واقعية في حين أكدت النظرية الكينزية على أهمية السياسة المالية في معالجة الخلل في ميزان المدفوعات والتي أدت إلى نتائج اقتصادية واجتماعية غير مرغوب فيها.

جاءت طريقة المرونات لتعتمد على التغيرات المترتبة على تغيير سعر صرف العملة ( خصوصا من خلال إجراء تخفيض قيمة العملة ) والتي ستؤثر على الموقف التجاري للبلد المعني حيث ستزداد الصادرات وبالتالي ستؤثر على عرض الصرف الأجنبي أو الطلب عليه، ومن تم سيتأثر وضع ميزان المدفوعات، فتخفيض قيمة العملة المحلية حسب هذه الطريقة قد لا تؤدي إلى الهدف المرجو منها ودلك للأسباب التالية:

1- أن نجاح تخفيض قيمة العملة المحلية ( أي زيادة سعر الصرف الأجنبي ) سيتوقف في المقام الأول على مرونة الطلب لى الصادرات للبلد واستيرادا ته.

2- آثار عملية تخفيض قيمة العملة تعتمد على معطيات مهمة للاقتصاد المعني وخاصة مدى القدرة الاستيعابية ( الامتصاص) له، أي على درجة التوظف السائد في الاقتصاد ( إن كان في حالة توظف كامل أو قريب منها أو دونها ) حيث أن لكل من هده الأوضاع آثارها المختلفة على حالة التكييف لميزان المدفوعات.

2/التصحيح عن طريق تدخل السلطات العامة:

يحدث كثيرا ألا تدع السلطات العامة في الدولة قوى السوق شأنها لإعادة التوازن لميزان المدفوعات لما يعنيه هذا من السماح بتغيرات في مستويات الأثمان والدخل القومي، وهو ما يتعارض مع سياسة تثبيت الأثمان واستقرار الدخل القومي عند مستوى العمالة الكاملة، وهي السياسة التي تعطيها الدولة أولوية بالنسبة للتوازن الاقتصادي الخارجي وفي هذه الحالة تلجأ هذه السلطات إلى العديد من السياسات لعلاج اختلال ميزان المدفوعات (24). فهناك إجراءات تتخذ داخل الاقتصاد الوطني وإجراءات تتخذ خارج الاقتصاد الوطني، فالإجراءات التي تتخذ داخل الاقتصاد الوطني تتمثل في:

* بيع الأسهم والسندات المحلية للأجانب للحصول على العملات الأجنبية في حالة حصول عجز في الميزان.

* بيع العقارات المحلية للأجانب للحصول على النقد الأجنبي.

* استخدام أدوات السياسة التجارية المختلفة للضغط على الإستيرادات مثل نظام الحصص أو الرسوم الجمركية إضافة إلى تشجيع الصادرات من أجل تحقيق التوازن في ميزان المدفوعات.

* استخدام الذهب والاحتياطات الدولية المتاحة لدى القطر في تصحيح الخلل في الميزان.

أما الإجراءات التي تتخذ خارج الاقتصاد الوطني تتمثل في:

· اللجوء إلى القروض الخارجية من المصادر المختلفة مثل صندوق النقد الدولي أو من البنوك المركزية الأجنبية أو من أسواق المال الدولية….الخ.

· بيع جزء من الاحتياطي الذهبي للخارج.

· بيع الأسهم والسندات التي تملكها السلطات العامة في المؤسسات الأجنبية لمواطني تلك الأقطار للحصول على النقد الأجنبي.(25)

و نشير أخيرا إلى أنه لعلاج اختلال التوازن لابد من معالجة أسبابه وهذه هي الكيفية التي يتعين بها فهم سياسة التسوية بمعناها الحقيقي(26) ولا حاجة لنا هنا إلى التأكيد على الترابط والتداخل في سياسات التسوية القومية في الدول المختلفة، إذ في المحيط الاقتصادي الدولي هناك ارتباط بين عجز ميزان مدفوعات بعض الدول وبن فائض البعض الآخر وما لم تتلاق الأهداف والأساليب فقد تصبح إعادة التوازن على مستوى الدولي أمرا مستحيلا(27).

جدول يوضح انخفاض العملة:

المصدر د. سامي عفيفي حاتم ص 112

· النقاط المرجعية في البحث:

(1) عرفات تقي الحسني *التمويل الدولي * الطبعة 2، دار مجدلاوي للنشر،عمان،2002،ص،115

(2) طارق الحاج *علم الاقتصاد ونظرياته*دار الصفاء للنشر والتوزيع،عمان1998،ص182

(3) زينب حسين عوض *العلاقات الاقتصادية الدولية* دار القدح للطبع والنشر، الإسكندرية 2003،ص100

(4) محمد زكي شافعي * مقدمة في العلاقات الاقتصادية الدولية * دار النصرية العربية، بيروت ص62

(5) عرفات تقي الحسني مرجع سبق ذكره ص115

(6) زينب حسين عوض مرجع سبق ذكره ص101

(7) عرفات تقي الحسني مرجع سبق ذكره،ص116-118

(8) محمد زكي شافعي مرجع سبق ذكره، ص63

(9) زينب حسين عوض مرجع سبق ذكره ص104

(10) طارق الحاج مرجع سبق ذكره ص184

(11) محمد عبد العزيز عجمية * الاقتصاد الدولي * الإسكندرية 2000 ص46

(12) عرفات تقي الحسني مرجع سبق ذكره ص125-127

(13) محمد عبد العزيز عجمية مرجع سبق ذكره ص 52

(14) زينب حسين عوض مرجع سبق ذكره ص108

(15) محمد عبد العزيز عجمية مرجع سبق ذكره ص 52

(16) زينب حسين عوض مرجع سبق ذكره ص108

(17) د زينب حسين عوض الله * الاقتصاد الدولي *،دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية 1999 ص111

(18)د عرفات تقي الحسني *التمويل الدولي * الطبعة 2، دار مجدلاوي للنشر،عمان1999،ص128- 129- 130

(19) د سامي عفيفي حاتم *التجارة الخارجية بين التنظير والتنظيم * الدار المصرية اللبنانية 1994 ص102

(20) عرفات تقي الحسني،1999 مرجع سبق ذكره ص130

(21) نفس المرجع ص 130- 131- 132

(22) مضاعف التجارة الخارجية هو النسبة بين الزيادة الكلية في الدخل والزيادة الأولية في قيمته التي تترتب على الزيادة في الصادرات.

(23) عرفات تقي الحسني،1999 مرجع سبق ذكره ص134

(24) زينب حسين عوض الله * الاقتصاد الدولي *مرجع سبق ذكره ص117

(25) عرفات تقي الحسني،1999 مرجع سبق ذكره ص 142

(26) سياسة التوازن بأوسع معانيها تعني السير على نظام يحقق النمو الاقتصادي الأمثل بأدنى حد من اختلال التوازن داخليا وخارجيا

(27) العقبة الرئيسية في سبيل تنسيق سياسات التسوية هي اختلال الرأي بشأن الأهداف سواء عند المفاضلة بين عدة أهداف في نفس الدولة أو بين أهداف عدة دول.

البحث من إعداد:

محمد سعدوني – جامعة بشار – الجزائر

[email protected]

التجارة والزراعة والصناعة والهندسة بحوث ودراسات موقع الشامسي دوت نت

143 Views

عن

إلى الأعلى