الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » السياسة » ملف الإرهاب » الإرهاب الدولي وحقوق الانسان- رؤية عربية – د. عبد الحسين شعبان

الإرهاب الدولي وحقوق الانسان- رؤية عربية – د. عبد الحسين شعبان


الارهاب الدولي وحقوق الانسان: رؤية عربية – د. عبد الحسين شعبان

ولد في مدينة النجف الاشرف (العراق) في / 21 أذار (مارس)1945، درس وتعلّم في النجف و بغداد، وتخرج من جامعة بغداد (من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية) و استكمل دراسته العليا في براغ حين نال درجتي الماجستير والدكتوراه (مرشح علوم) في القانون(دكتوراه فلسفة في العلوم القانونية) واختص في القانون الدولي ( من اكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية).

أكمل دراسته العليا في العام1976 -1977 انشغل بقضايا حقوق الانسان منذ وقت – عمل باحثاًعلمياً ونشر العديد من الكتب والمؤلفات في ميادين القانون والفكر والسياسة الدولية وحقوق الإنسان والاسلام والثقافة والأدب منها : النزاع العراقي – الايراني-، الإنسان هو الأصل – مدخل الى القانون الدولي الإنساني ، الصهيونية المعاصرة و القانون الدولي – المدينة المفتوحة – مقاربات حقوقية حول القدس و العنصرية، – أمريكا و الإسلام …………

1- مقدمات وتطوّرات

لو طرحنا سؤالاً هل هناك رؤية عربية لمفهوم الارهاب الدولي وحقوق الانسان؟ ثم ما هي ملامح هذه الرؤية إن وجدت وعلى أي المعايير تستند، وما هي مكوّناتها؟ مثل هذا السؤال يواجه الباحث فيما إذا كانت هناك رؤية خاصة: دانيماركية أو بريطانية أو ألمانية أو أوروبية أو أمريكية لمفهوم الارهاب الدولي وحقوق الانسان؟ أم أن هناك مشتركاً إنسانياً ومعايير دولية تشكل مرجعية يمكن الاحتكام اليها بمراعاة الخصوصيات الثقافية والدينية، التي ينبغي أن ترفد وتثري المعايير الدولية لا أن تقود الى التحلل منها أو التنكّر لها! كما أن الالتزام والتمسك بالمعايير الدولية لا ينبغي أن يتجاوز على الخصوصيات أو يخضعها بما يؤدي الى فرض الاستتباع وإملاء الارادة بحيث تستخدم كذريعة للهيمنة.

عندما صدرت الطبعة الاولى من كتابي "الاسلام والارهاب الدولي- ثلاثية الثلاثاء الدامي: الدين، القانون، السياسة"، كانت أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية الاجرامية، التي حصلت في الولايات المتحدة تقترب من ذكراها الاولى. وصاحب تلك الاحداث وما بعدها حملة محمومة على المستوى الفكري والثقافي والسياسي فيما يتعلق بالسؤال الكبير صدام أم حوار الحضارات؟ وكانت تلك الاحداث مرتكزاً جديداً في نمط تفكير جديد أو تعزيزاً له أو تبريراً أو تفسيراً، فقد انتهجت قوى وتيارات دولية متنفذة، سياسة قالت انها لمكافحة الارهاب الدولي، بل إنها سعت لتوظيف الأمم المتحدة، باتجاه اصدار قرارات تعبّر عن رؤيتها الخاصة تلك. وصدر خلال الأشهر الاربعة الاولى ما بعد احداث 11 أيلول (سبتمبر) المأسوية، ثلاث قرارات دولية مهمة وخطيرة، وأعني بها:

القرار الاول هو: القرار1368 الصادر عن مجلس الامن الدولي بتاريخ 12 أيلول (سبتمبر) 2001، أي بعد يوم واحد من الحدث الاجرامي العالمي. أما القرار الثاني فقد كان برقم 1373 وصدر بتاريخ 28 أيلول (سبتمبر) من الشهر ذاته والعام ذاته، ولعل هذا من أخطر القرارات الدولية بخصوص الارهاب الدولي، فضلاً عمّا اعطاه من مبررات لما سميّ بالحرب الاستباقية، خصوصاً وانه صدر في اطار نوع من " التعارض" أو الاختلاف مع ميثاق الامم المتحدة، وبشكل خاص أهدافها ومقاصدها، فيما يتعلق بعلاقات الدول مع بعضها، وهو ما أثار ويثير اشكالات فقهية وسياسية، ناهيكم عن تفسيراته وتكيفاته.

أما القرار الثالث فقد كان برقم 1390 وصدر في 16 كانون الثاني (يناير) 2002 أي بعد أربعة أشهر عن القرار الاول، حيث فرض إلتزامات ومسؤوليات على الدول، بشأن مكافحة الارهاب الدولي وتجفيف منابعه والقضاء على بؤره ومصادر تمويله وغير ذلك.

لكنني وانا اعدّ للطبعة الثانية من كتابي بعد نفاذ الطبعة الاولى رصدت عدداً من المستجدات والمتغيّرات، ويمكن القول التطورات التي حدثت في المجتمع الدولي بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية، خصوصاً في أجواء عدائية على المستوى السياسي والفكري، وردود أفعال على المستوى الجماعي والفردي، ناهيكم عن انعكاساتها على البعدين الثقافي والنفسي! ويمكن استعراضها من خلال:

اولاً- احتلال بلدين مسلمين

أعقب أحداث 11 أيلول (سبتمبر) وتحت يافطة محاربة الارهاب الدولي، وقوع بلدين اسلاميين تحت الاحتلال، وأعني بذلك أفغانستان 2002 والعراق 2003، وتعرّض بلد ثالث للعدوان والمقصود لبنان 2006، ناهيكم عن ان التبرير ذاته كان بالنسبة للدول، التي صنّفت ضمن "محور الشر" وأعني بها ايران، أما سوريا فقد وصفت بأنها راعية للارهاب الدولي وبخاصة "الفلسطيني"، اضافة الى دعم " حزب الله" اللبناني.

ثانياً-الارهاب والعنف في العراق

انتشار ظاهرة الارهاب والعنف المنفلت من عقاله في العراق، وبخاصة حوادث التفجيرات والسيارات المفخخة وقطع الرقاب وجزّ الأعناق، وإستفحال الفتنة الطائفية والإثنية وتواصل العقاب الجماعي وإغتيال العلماء والأكاديميين وإستهداف الصحفيين والاعلاميين والأطباء وأصحاب الكفاءات، وتفشّي موجات التكفير والتأثيم والتطهير المذهبي والديني والعرقي، الذي طال أكثر من مليون انسان داخل العراق، كما شهدت البلاد هجرة واسعة قالت الامم المتحدة، انها زادت عن مليوني مواطن منذ الاحتلال وحتى أواخر العام 2006، في ظل حرب أهلية متصاعدة واستمرار الاحتلال وعدم تحديد سقف زمني للإنسحاب. والذريعة الواهية التي تم التعكز عليها لاحتلال العراق هو علاقته بالارهاب الدولي، جعلته من بعد الاحتلال، مرتعاً خصباً للارهاب خصوصاً لتنظيم القاعدة، أو ما سمي بتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين.

ثالثاً-فضائح التعذيب

كشفت الاعوام الستة الماضية عن فضائح عديدة منها: التعذيب المنهجي في سجن أبو غريب وسجن غوانتانامو والسجون السرية الطائرة في اوروبا وبخاصة في بولونيا ورومانيا، مما أثار تداعيات خطيرة على صعيد الرأي العام الاوروبي والامريكي فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الانسان بذريعة مكافحة الارهاب الدولي، وإنخفاض شعبية الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش (الى 31%) وانعكس ذلك في هزيمة الجمهوريين أمام الديمقراطيين في الانتخابات التشريعية النصفية للكونغرس اواخر العام 2006، وكذلك تردّي شعبية رئيس الوزراء البريطاني توني بلير(الى 27 %)، وأثارت هذه الفضائح أسئلة ساخنة أمام الضمير العالمي والعدالة الدولية، خصوصا لجهة مشروعية مقاومة الاحتلال وإدانة أعماله اللاأخلاقية المنافية لكامل منظومة حقوق الانسان، فضلاً عن كونها شكل من أشكال الارهاب الدولي والعقاب الجماعي المحرّم دولياً.

رابعاً-العدوان الاسرائيلي على لبنان

شنّت اسرائيل حرباً مفتوحة وشاملة ضد لبنان، بحجة قيام حزب الله بأسر جنديين اسرائيليين، وقامت بتدبير وتحضير مسبقين، بتدمير وتخريب بنيته التحتية وهياكله الارتكازية، بما فيها الطرق والجسور وقتل المدنيين وقصف المناطق السكانية، تجاوزاً على القانون الدولي الانساني واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها، وإضطّر نحو 800.000 ثمانمائة ألف مواطن لبناني للنزوح من منازلهم، وبخاصة في مناطق الجنوب والضاحية ومناطق أخرى، بعد أن تعرّضت الى أعمال إنتقام وإرهاب بخلاف قواعد القانون الدولي الانساني، وذلك مع سبق الاصرار والترصّد بما يعاظم من المسؤوليات الدولية سواءاً لجهة الاحتلال والعدوان، أو للجهات المتسترة والمتواطئة معه من جهة أخرى، فالولايات المتحدة على سبيل المثال، التي لم تتصرف وفقاً لالتزاماتها المنصوص عليها في ميثاق الامم المتحدة، باعتبارها عضواً دائم العضوية في مجلس الامن الدولي وفقاً للميثاق، الذي يؤكد على وظيفة حفظ السلم والامن الدوليين، باعتبارها هدفاً سامياً للمنظمة الدولية، وكذلك إتخاذ التدابير الضرورية التي يراها مجلس الامن، عند اندلاع النزاع المسلح لحين البحث في تحديد جهة العدوان وتحميله المسؤولية عن تهديد السلم والامن الدوليين.

خامساً- حوادث الاغتيال اللبنانية والارهاب الدولي

رغم اعلان العديد من البلدان عن استجابتها للحملة الدولية لمكافحة الارهاب، الاّ ان بلداً صغيراً مثل لبنان الذي تعرض الى ارهاب دولي جماعي، تعرض في الوقت نفسه الى ارهاب دولي فردي، خلال العامين ونيف الماضيين فقد جرت طائفة من أعمال الارهاب الفردي والجماعي، ويمكن الاشارة الى أبرزها التي تجلّت في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري، في 14 شباط (فبراير) 2005، وما تبعه من تداعيات على الصعيد اللبناني- السوري والاقليمي والدولي، وبخاصة لجهة تطبيق القرار الدولي 1559 الصادر عن مجلس الامن الدولي، وما ترتب على ذلك من إنسحاب القوات السورية من لبنان، ودخول القضية اللبنانية في إطار دولي جديد، ومحاولات إستثمار تقريري المفتشين الدوليين ميليس وبرامرتس، وما تبع ذلك من إحتدام الصراع الداخلي بين الموالاة والممانعة، رغم أن الحوار لم ينقطع بينهما، قبيل العدوان الاسرائيلي (12 تموز/يوليو ولغاية 14 آب /أغسطس 2006)، وقد اشتدّ مثل هذا التباعد بعد ذلك بنزول المعارضة الى الشارع واصرارها على الاطاحة بالحكومة، وكذا الحال تمسك الحكومة بمسألة المحاكمة طبقاً للشروط الدولية.

وأعقب إغتيال الحريري تصفيات لعدد من الشخصيات اللبنانية النافذة، حيث شهدت الساحة اغتيال الصحافي اليساري سمير قصير والامين العام الأسبق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي، والصحافي الليبرالي والنائب جبران تويني ووزير الصناعة بيار الجُميل سليل عائلة الجُميل الكتائبية المعروفة، كما جرت محاولات سابقة لإغتيال الوزير الدرزي مروان حمادة ووزير الدفاع الياس المر والصحافية المسيحية الليبرالية مي شدياق وآخرين.

سادساً-استفحال الارهاب والعنف عالمياً

ترافقت الحملة الدولية لمكافحة الارهاب باستفحال ظاهرة الارهاب والعنف في العديد من بلدان المنطقة وعلى الصعيد العالمي شملت: المملكة العربية السعودية والمغرب والسودان ومصر وسوريا ولبنان والاردن وروسيا والشيشان واليونان واكرانيا واندونيسيا واسبانيا والمانيا وبريطانيا وغيرها. ورغم ارتفاع منسوب الهاجس الامني على حساب الكرامة واختلال معادلة الامن والكرامة سواء على الصعيد العالمي أو الصعيد العربي والاقليمي فان الارهاب استفحل عالمياً، ويستوي في ذلك البلدان المتقدمة، التي ترسخت فيها قيم الحقوق والحريات، أو البلدان المتخلفة او النامية، التي ظلّت تعاني من النقص الفادح في ميدان الحريات والحقوق، ناهيكم عن الحاجة الماسّة الى الاصلاح، الاّ أنه وتحت باب مكافحة الارهاب الدولي اشتدت القبضة الأمنية وتراجع خطط الاصلاح والديمقراطية.

سابعاً- استهداف الاسلام بحجة مكافحة الارهاب

جرت محاولة منظمة لدمغ الاسلام كله بالارهاب والتصيّد بالماء العكر لأخذه بجريرة بعض الاعمال الارهابية، وخصوصاً بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، وهذا الامر أخذ يتردد بنزعة عدائية على لسان مسؤولين ومفكرين واعلاميين ورجال دين في الغرب، بل هناك بعض الاساءات شملت حتى النبي محمد (ص)، لعل آخرها كان ما أطلقه البابا بنديكتوس السادس عشر، في محاضرة بجامعة ريغينسبورغ، من توصيفات على لسان الامبراطور اليوناني مانويل الثاني في القرن الرابع عشر، "باتهام الاسلام بالعنف".

ولعل مثل هذه الاتهامات والتعميمات ( حتى وان تم التراجع عنها أحياناً أو توضيحها) لا يجمعها جامع مع المشترك الانساني والديني، ناهيكم عن الوقائع التاريخية، خصوصاً وانها تصدر من أعلى مرجع في الكنيسة. كل ذلك يحدث ولم تكن قد إنتهت تداعيات نشر صحيفة دانماركية صوراً مسيئة للنبي محمد (ص)، بما سببته من تصدّع العلاقات المسيحية- الاسلامية، ليس على صعيد الحاضر حسب، بل على صعيد المستقبل.

ولعل ما ورد على لسان الرئيس الامريكي بوش(آب/ اغسطس2006) وخلال العدوان الاسرائيلي على لبنان حول "الفاشية الاسلامية" وقبلها الاشارة الى "الحرب الصليبية"، التي قيل انها "زلة لسان" فيما يتعلق بحملة مكافحة الارهاب الدولي، انما يصّب في هذا الاتجاه العدائي، خصوصاً وانه قسّم العالم الى قسمين "اما معنا.. أو مع الارهاب" اي مع "معسكر الخير والنور" او "معسكر الشر والظلام"، وهو الوجه الآخر لما ذهب اليه اسامة بن لادن حين قسّم العالم الى فسطاطين.

ثامناً-الارهاب والديمقراطية

ساهمت احداث 11 أيلول (سبتمبر) في تفاقم النتائج السلبية الخطيرة للسياسة الازدواجية، التي تمارسها الولايات المتحدة ومواقفها الانتقائية إزاء القضايا العربية والاسلامية، خصوصاً لجهة الادعاءات بشأن ربيع الديمقراطية ونعيم الحرية، الذي لا ينتظر العراق وحده بل دول المنطقة، ففي حين أبدت الولايات المتحدة إرتياحها لنتائج " الانتخابات" التشريعية التي جرت في 15 كانون الاول (ديسمبر)2005 في العراق، رغم استمرار الإنفلات الأمني والتقاسم الوظيفي المذهبي والاثني، ورغم الكثير من الملاحظات والتحفظات، التي تنتقص من " شرعيتها"، تلك التي أبدتها جهات دولية محايدة، ولكنها في الوقت نفسه تشكك بنتائج الانتخابات التي أفرزت فوز "حركة حماس" (مطلع العام 2006)، رغم أنّها بإعتراف منظمات دولية محايدة أيضاً، كانت أقّل انتخابات المنطقة من حيث التجاوزات والخروقات، وتصرّ الولايات المتحدة على ضرورة تخلي "حماس" عن برامجها والاعتراف باسرائيل، والاّ فان العقوبات ستنتظرها في محاولة لتأليب الشارع الفلسطيني، ورغم تشكيل حكومة وحدة وطنية واعادة هيكلة السلطة بين الرئيس محمود عباس (فتح) وبين رئيس الوزراء اسماعيل هنية (حماس) الاّ أن الولايات المتحدة وجهات غريبة ما تزال تتعامل بطريقة انتقائية مع الوزراء حسب الانتماءات، ومن الناحية العملية فان العقوبات الاقتصادية، ما تزال مستمرة وما زال نحو 42 عضواً من البرلمان الفلسطيني بمن فيهم رئيس البرلمان "محمود الدويك" إضافة الى 14 وزيراً مختطفين من جانب اسرائيل.

2- الاسلام والغرب: صراع أم حوار الحضارات

نحاول هنا أن نعيد طرح بعض الاسئلة بخصوص علاقة " الاسلامبالسياسة الدولية "، من خلال مقاربة موضوع حوار الحضارات وعلاقته بالارهاب الدولي، خصوصا وان السنوات الماضية 2001-2006، شهدت حديثاً متواصلاً لم ينقطع للحظة واحدة عن موضوع الارهاب الدولي وحروباً مستمرة وعمليات ارهابية جماعية وفردية، وتبريرات كثيرة ومتلاحقة بخصوص تلك الاسئلة الشائكة والملّحة… هل يبرر وجود عمليات ارهابية هدر حقوق الانسان؟ وما هي علاقة الامن بالكرامة؟ والأمن بالحرية؟ وهل ثمة من وسيلة ناجعة لتحقيق العدالة؟ ومن هي الجهة المخوّلة والمفوّضة لإحقاق العدالة الدولية وإنفاذ قواعد القانون الدولي الانساني بعد ان ساد منطق القوة؟!

هذه الاسئلة وغيرها هي التي تواجه الباحثين والمتابعين للشأن الدولي السياسي والقانوني، وقد لا يكون الجواب جامعاً ومانعاً دون إثارة أسئلة اخرى جديدة، ومن خلالها البحث في حيثيات وتفصيلات علاقة ذلك بقضايا حقوق الانسان.

هل يكفي تعليق كل ذلك على أسامة بن لادن أو أبو مصعب الزرقاوي (الذي قتل في العراق في حزيران (يونيو) 2006، لكن الارهاب تعاظم بعد غيابه)، وإن كان دورهما معروفاًً في ذلك، ولكن أعمـال إرهـاب الدولـة والإرهاب الجماعي والعقوبات والاجتياحات والاعتداءات والحصارات والاحتلالات، كلها تظلّ أسئلة مفتوحة: هل يكفي القول إن الهدف هو إصطياد السمكة الخبيثة، حتى لو أدّى ذلك الى تجفيف البحيرة!!

لندقق في هذا المنطق ولنبدأ أولاً من بعض المقاربات، وليكن مدخلنا هو مؤتمر ديربن!! حول "العنصرية"، التي اعتبرتها بيئة مشجعة على الارهاب، والذي أنهى أعماله عشية أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، فعلى نحو مفاجئ وغير متوّقع جرى نسف برجي التجارة العالمية في نيويورك ومحاولة نسف البنتاغون في واشنطن في عمل إرهابي وغير مسبوق، وفي ظل ذهول عالمي وحزن كبير، خصوصاً لما أصاب السكان المدنيين الابرياء العزل، مما أدّى الى سرقة الاضواء من ذلك المؤتمر الدولي المهم.

كان المنفّذ في هذه العمليات الإرهابية، أشخاصاً قليلين (أفراد وليسوا جيوش) وبأسلحة بسيطة (سكاكين وأمواس حلاقة) وبوسائل جديدة (طائرات ركاب مدنية)، واقترب الأمر من حالة الحرب وألحق دماراً هائلاً بشرياً ومادياً ونفسياً، لم تكن الدولة أو الدول هي المنفّذة هذه المرة، كما في الحروب، وإنما جماعات غامضة ولم تعلن عن نفسها وقامت بالعمل سراً، لكن ما يجمعها بالحرب هو العنف وحجم الضحايا والعدوان.

لقد ألحقت الأعمال الإجرامية التي جرت في 11 أيلول(سبتمبر) وهي مدانة بكل المعايير الإنسانية والحقوقية والأخلاقية والدينية وغيرها، اهتزازاً مدوياً بنظرية الأمن الاستراتيجي القومي الامريكي، وانعكس ذلك بالتهديدات وردود الفعل الإستراتيجية على المستوى الخارجي في الموقف من الاسلام والمسلمين.

أما تأثيراتها على المستوى الداخلي والمجتمع المدني الامريكي والاوروبي وبخاصة انعكاساتها على الاجانب أو غير الاوروبيين والأمريكيين، فقد ساهمت في تضييق الحريات لدرجة ذكّرت بعهد المكارثية في الخمسينات، حيث تم اعتقال الآلاف من أبناء الجاليات العربية والمسلمة. وبالطبع فإن مثل هذه الاجراءات من شأنها أن تلحق الضرر بقضية حقوق الانسان داخليا على المستوى الامريكي والاوروبي، وانعكس ذلك أيضا على أحكام الطوارىء أو الاحكام العرفية على المستوى الخارجي وعسكرة العالم وبخاصة بعد الحملة الأمريكية الدولية ضد أفغانستان وتنظيم القاعدة وحكومة طالبان، وكذلك بعد الحرب على العراق وما تلاها من تداعيات دولية، عسكرية وفقهية وسياسية وإنسانية خصوصاً لجهة إدعاء إحتكار العدالة والتصرف بمنطق القوة وفقاً لذلك، سواء حدث ذلك بغطاء دبلوماسي او بدونه.

ولم تتورع الولايات المتحدة وبنوع من الابتزاز السياسي، الذي شمل حتى الأمم المتحدة، التي لم ترخّص لها بشن الحرب على العراق، فإختارت التصرف على نحو انفرادي مع بعض حلفائها وخصوصاً بريطانيا استنادا الى القرار 1441، الذي أمهل العراق وهدد باستخدام شتى الوسائل لإرغامه على الامتثال في حال عدم استجابته لقرارات مجلس الأمن الدولي،لكنه لم يفوّض الولايات المتحدة وبريطانيا بشن الحرب، التي تعتبر من وجهة نظر القانون الدولي الانساني والشرعية الدولية وميثاق الامم المتحدة غير شرعية وغير قانونية، بل حرباً عدوانية بكل معنى الكلمة.

وهكذا ذهبت الولايات المتحدة الى الحرب مع بعض حلفائها خارج "الشرعية الدولية"، وحشدت كل طاقتها فيما يتعلق بالتعاون الاستخباري والأمني والتسهيلات اللوجستيه، تلك التي حاولت ان تضفي عليها نوعاً من التقنين بعد الحرب بالاعتراف باحتلالها للعراق بقرار مجلس الامن الدولي رقم 1483 الصادر في 22 أيار (مايو)2003.

وكان الرئيس بوش واضحاً عندما صنّف العالم " إما معنا أو مع الإرهاب" مثلما كان رودي جولياني، عمدة نيويورك الذي قال: " لا مجال للحياد " وصاحب تلك التصريحات التي افترضت نوعاً من الوصاية على المجتمع الدولي، ادعاءات " التفوق" التي تحدث عنها بيرلوسكوني، في إطار مفاضلة بين الإسلام والمسيحية، مما أثار ضجة وردود فعل صارخة في إيطاليا وخارجها، فضلاً عن العالمين العربي والاسلامي، وهي الضجة التي اثارتها تصريحات بوش قبل ذلك عندما قال عن الحملة الدولية ضد الارهاب، انها حرب صليبية، ثم أطلق مصطلح " الفاشية الاسلامية"، عندما كان يتعرض لبنان الى عدوان اسرائيلي في 12 تموز (يوليو) 2006، حيث دام نحو 33 يوماً، في الوقت نفسه وقفت الولايات المتحدة حائلاً أمام إصدار مجلس الامن قراراً يدعو الى وقف اطلاق النار وإنهاء العمليات الحربية، لأنها كانت تنتظر أن تستكمل اسرائيل مخططها في الحرب الشاملة والمفتوحة.

في ظل أجواء مكفهرة بعد احداث 11 ايلول (سبتمبر) طرح المفكر الأمريكي صموئيل هنتنغتون وجهة نظره مجدداً، عندما دعا الى تأصيل فكرة "صدام الحضارات" باعتبار ما جرى في نيويورك وواشنطن وفي أعقاب مؤتمر ديربن حول العنصرية، يؤكد نظريته التي تضمنها كتابه " صدام الحضارات"، الصادر عام 1993 وحسب وجهة النظر هذه، فإن " صراع الثقافات " أمر محتوم، خصوصاً وأن الإسلام بقيمه وتراثه يعتبر العدو الجاهز، الذي يقف بوجه انتصار الليبرالية على المستوى السياسي والاقتصادي، مثلما هي الديانة البوذية والكونفوشيوسية التي تواجه الحضارة المسيحية- اليهودية الغربية.

وهو ما دعا اليه أيضا المفكر الأمريكي المعروف الياباني الاصل فرانسيس فوكوياما الذي اشتهر بنظريته حول " نهاية التاريخ" منذ العام 1989، حين إعتبر ما حدث في العالم يوم 11 أيلول (سبتمبر) هو تأكيد لما ذهب اليه سابقاً، إذ لا بد من تشديد الصراع لإحراز النصر النهائي وتحقيق " العالم المابعد تاريخي"، وإعلان انتصار الليبرالية كنظام سياسي واقتصادي على المستوى العالمي.

وضع المفكران هنتغتون وفوكوياما الإسلام كعائق أمام تقدم البشرية بعد انهيار الشيوعية الدولية، متهمان إياه " بالإرهاب" بما يتطلب شحذ جميع الاسلحة العسكرية والفكرية والسياسية والاقتصادية والنفسية لمقاومته، لأنه حسب وجهتي نظرهما مصدر الارهاب والبيئة المشجعة على إنتاجه وتعميمه. وهو ما سار عليه بيان المثقفين الامريكان الستين بعد احداث 11 ايلول (سبتمبر)، الذي كان أقرب الى البلاغ الحربي منه الى البيان الثقافي او السياسي، رغم انه دعا الى الحوار، لكنه افترض عدداً من الاستنتاجات والاحكام المسبقة.

هكذا كانت محطة 11 ايلول (سبتمبر) مناسبة جديدة في إستهداف الاسلام، سواءاً تحت يافطة " مكافحة الارهاب الدولي" او التطرف والتعصب أو الغلو أو غيرها وإستغّلت الأجواء للتغطية على الإرهاب الصهيوني ضد الشعب العربي الفلسطيني وانتفاضته السلمية المندلعة منذ 28 أيلول (سبتمبر) 2000، خصوصاً بعد وصول مشروع التسوية المعتمد في أوسلو الى طريق مسدود، وهو ما يحمّل الجانب الاسرائيلي المسؤولية عما آلت إليه الأمور، وكذلك بسبب تعنته في الاستجابة لقرارات ما سمي "بالشرعية الدولية"، التي يتم التعامل معها بطريقة انتقائية، ففي حين كان مجلس الامن يفرض قراراته على العراق ويطالبه للاستجابة الكاملة لقرارات الشرعية الدولية، لا نراه يتصرف بالقدر نفسه مع اسرائيل رغم احتلالها للاراضي العربية وتنكّرها الكامل للشرعية الدولية.

وبسبب ذلك إتُخذت الاجراءات واقتُرحت بعض المشاريع، التي تعتبر تهديداً للحريات في الغرب وبخاصة ضد الأجانب، حيث إنتشرت ظاهرة العداء للاجانب xenophobia واستفحلت العنصرية في بعض الأوساط السياسية وأخذت تطوف في برامج العديد من القوى والاحزاب في فترات الانتخابات وبدونها، حيث نوقش مشروع قانون بريطاني يعطي (الحق للسلطات في احتجاز الاجانب وترحيلهم)، بمجرد الشبهات ودون الرجوع الى قرار قضائي صادر عن محكمة مختصة.

وقد إعتمد هذا القانون الذي صدر بعنوان " قانون الأمن والجريمة ومكافحة الإرهاب" في أواخر العام 2001، حيث أعطي للشرطة المدنية صلاحيات واسعة في التحرّي والإستجواب والإحتجاز والإبعاد، بما يعتبر تجاوزاً على التقاليد الديمقراطية البريطانية العريقة، خصوصاً ما يتمتع به الفرد البريطاني تاريخيا من حريات، كما تم اعتماد سياسة مشدّدة إزاء هجرة طالبي اللجوء بما يعطّل منظومة حقوق الانسان الدولية.

وأجاز الرئيس بوش استخدام جميع الوسائل لمكافحة الإرهاب بما فيها استخدام بعض الوسائل غير القانونية مثل التنصت وغيره، وانعكس ذلك على المهاجرين وطالبي اللجوء والأجانب بشكل عام.

هكذا اصبحت بعض البلدان الغربية التي تراكمت فيها التجربة الديمقراطية وتمتعت شعوبها بالحريات أقرب الى نظام الطوارىء أو الاحكام العرفية وكأن "انقلاباً عسكرياً " قد حدث، مثلما يجري في بلدان العالم الثالث التي تعاني من الإستبداد المزمن وأوضاع الطوارىء، ويذهب البعض إلى أن قوانين الطوارىء الحالية المعلنة منها وغير المعلنة (أي بعض الاجراءات المشددة) قد تعيش طويلاً ليس على الصعيد الداخلي، بل على الصعيد الخارجي والدولي، مما اضطر نقابة القضاة الفرنسية الى الاحتجاج ووقع نحو 300 شخصية مذكرة تدعو الى الإقلاع عن الاجراءات الاستثنائية.

الحملة ضد العرب والمسلمين شملت إضافة الى الولايات المتحدة، بريطانيا وعدد من الدول الاوروبية. باختصار أن الإجراءات تلك عطلت أو أضعفت منظومة حقوق الإنسان على المستوى الداخلي في كل بلد وعلى المستوى الدولي، وكان النظام العربي الرسمي وفي العالم الثالث، قد استثمر تلك الاوضاع ليشدد من قبضته بمواجهة حركة المجتمع المدني والحريات العامة وحقوق الانسان، في محاولة لإثبات حسن النية إزاء الولايات المتحدة من جهة وفي تقديم كشف حساب لها بخصوص الإرهابيين ونشاطاتهم وشبكاتهم، التي لم تتورع الولايات المتحدة بالقول أن حملتها قد تستمر زمناً طويلاً وتشمل مسألة مكافحة الإرهاب نحو 40 بلداً وحوالي 60 منظمة وحركة وتياراً.

ولا بد من الإشارة هنا الى بعض التصريحات، التي وردت على لسان بعض المسؤولين الامريكان بإحتمال إستمرار المعركة 10 سنوات، ووضع قائمة في البلدان التي ستطالها وفي مقدمتها العراق، الذي تم احتلاله في التاسع من نيسان (ابريل) 2003، مما أدّى الى إنفجار العنف والإرهاب وردود الأفعال على نحو لا يمكن حسابه.

3- إرهاب أشرار وإرهاب أخيار!

ساهم نكوص المجتمع الدولي من إيجاد تعريف للارهاب في المزيد من الالتباس والابهام رغم وجود ما يزيد عن 12 اتفاقية وتصريح دولي صادرة عن الامم المتحدة منذ العام 1963 بشأن الارهاب الدولي، وكذلك في الإستمرار بسياسات الكيل بمكيالين والازدواجية في التعامل والانتقائية في المعايير خصوصاً بدمغ المقاومة المشروعة بالارهاب.

ولهذا السبب فإن القوى المتحكمّة بالساحة الدولية في الوقت الذي تسارع فيهلإدانة الاعمال الإرهابية الفردية، أو التي تقوم بها جماعات مسلحة، لكنها تشجع وتحمي إرهاب الدولة الجماعي بما فيه احتلال الاراضي وانتهاك حقوق الشعوب في تقرير مصيرها والتجاوز على اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 وقواعد القانون الدولي الانساني، وتجد "مبررات" أو " مسوّغات" لذلك، لكنها ترفض هذه المبررات أو المسوّغات لغيرها!

وحسب هذا المنطق: إن مقاومة الفلسطينيين الذين يريدون استعادة وطنهم وحقهم، إنما هو إرهاب أشرار وأبالسة، وهو إرهاب مذموم، أما بناء جدار الفصل العنصري والمستوطنات والابادات الجماعية وإجلاء السكان من جانب اسرائيل في الضفة والقطاع، فهو إرهاب أخيار يستحق الإعجاب وهو إرهاب محمود، طالما تقوم به اسرائيل " دفاعاً عن النفس" ضد الآخر، الفلسطيني سواءاً كان على مستوى جماعي أو على المستوى الفردي. لعل الاول هو إرهاب فقراء أما الثاني فقد يكون إرهاب أغنياء!

وفي الوقت الذي تضّج وسائل الاعلام الامريكية والغربية باستنكار "إرهاب"حزب الله في لبنان وخصوصاً " أسر" الجنديين الاسرائيليين، فإنها لا تكترث إزاء مأساة الشعب اللبناني والوحشية والبربرية، التي استخدمت لتدميره وتحطيم مؤسساته التحتية وهياكله الإرتكازية وطرقه وجسوره ومرافقه الاقتصادية والحيوية.

الولايات المتحدة تعتبر مقاومة العراقيين لإحتلالها عمل شنيع وبشع من أعمال الارهاب، أما ما تقوم به قواتها من هدر للكرامة وتجاوز على الحقوق، ناهيكم عن وضع اليد على حضارة وتاريخ العراق وآثاره وكنوزه، التي تم تبديدها على مرآى ومسمع من العالم كله، فانما تعدّه عملاً مشروعاً، بل وأحياناً تتبجّح به على أنه نشر للمدنية والتحضّر وتعميم للحرية والديمقراطية.

يضاف الى ذلك تبريرها ممارسة أنواع مختلفة من العقاب الجماعي وحروب الانتقام ضد السكان المدنيين، فضلاً عن التعذيب في سجن أبو غريب والسجون الاخرى.

إن العديد من البلدان العربية والاسلامية، التي تعرّضت للارهاب ولأعمال التفجير من مصلحتها التعاون في اطار مكافحة الارهاب، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون تحت أمرة "حارس دولي" أو صاحب قرار متفّرد ومنحاز الى جانب "العدو" وبعيداً عن معايير العدالة الدولية. إن التعاون السليم ينبغي أن يكون في إطار " الشرعية الدولية " وفقاً لميثاق الامم المتحدة وأجهزتها المتخصصة وآلياتها الخاصة وطبقاً لقواعد القانون الدولي الانساني، أما الإنتقام والثأر والكيدية، فهذه ليست بقاعدة في العلاقات الدولية، إذ إن ذريعة "الأسيرين" لا تبرر العدوان كما إن حجة المقاومة في فلسطين حتى وإن تم إتهامها " بالإرهاب" لا تبرر " حرب الابادة"، وكذلك فإن إدعاء وجود أسلحة دمار شامل في العراق والعلاقة مع الارهاب الدولي، لا تعطي مسوّغاً قانونياً وعادلاً لاحتلال بلد مستقل وذا سيادة.

إن استمرار الزعم بوجود إرهاب أشرار مذموم ووجود إرهاب أخيار محمود، سيؤدي الى تقويض أسس وقواعد القانون الدولي المعاصر، ويجعل منطق الغاب هو الناظم للعلاقات الدولية، أي هيمنة الفوضى والعنف والقوة والارهاب، وليس مبادئ الحق والعدل وحقوق الانسان واحترام حق الدول والشعوب في تقرير مصيرها.

إن زعماً كهذا إنما هو وسيلة زئبقية للتملّص من الالتزامات الدولية، وبالتالي ستصبح الحرب على الارهاب غير محددة بزمن أو بجغرافيا أو بأيديولوجيا، إذ أن كل من يخالف الولايات المتحدة، أو لا يمتثل لسياستها يمكن أن يندرج في خانة الارهاب، حتى وإن كان ضحية الارهاب، بما يؤدي الى خلط الأوراق، وبالتالي خلق بيئات تغّذي الارهاب، وتمدّه بأسباب البقاء طالما تغيب العدالة، ويبتعد الحق وتتعمق الفوارق، وتزداد الهوة بين الحضارات والثقافات، تلك التي يشجّع عليها المتطرفون والمتعصبون والارهابيون من كل الاجناس والاشكال والالوان والقوميات والاديان والبلدان!

الارهاب ليس له وطن وليس له دين وليس له قومية وليس له لغة وليس له جنسية وليس له زمان. الارهاب هو الارهاب، فلا وجود لإرهاب أخيار أو إرهاب أشرار، انما هناك حقوق وعدل وفي المقابلانتهاك وظلم.

4- إحتكار العدالة والحرب الإستباقية!

ظلت مناقشة مسألة الارهاب الدولي مفتوحة منذ العام 1937 في مجلس عصبة الامم وبعد قيام الامم المتحدة، جرت مناقشات كثيرة في لجنة القانون الدولي وغيرها بهدف التوّصل الى تعريف يحدد ماهية الارهاب الدولي، لكنه للآسف الشديد كان الامر شديد التعقيد، ورغم صدور أول اتفاقية دولية بخصوص الارهاب عام 1963، الاّ ان تعريفاً جامعاً مانعاً ظل عسير المنال رغم صدور تعريف لماهية العدوان في العام 1974 عن الجمعية العامة للامم المتحدة.

وهكذا فإن التوّصل الى إتفاق بشأن تحديد ماهيته وتعريفه بقيت مسألة مستعصية منذ تأسيس الأمم لمتحدة وقبلها وحتى الوقت الحاضر، بسبب محاولة القوى المتنّفذة وبخاصة الولايات المتحدة،وبشكل خاص بعد أحداث أيلول (سبتمبر)، السعي الى احتكار العدالة وفرض مفهومها الخاص للارهاب ورفض كل " محاولة" للتفريق بين الإرهاب والمقاومة، علماً بأن القواعد القانونية الدولية، تجيز للشعوب المضطهدة او المستعمرة (بالفتح) او التي تتعرض للعدوان والاحتلال، الدفاع عن نفسها، بإستخدام جميع الوسائل بما فيها العسكرية لإستعادة سيادتها واستقلالها وحقها في تقرير مصيرها.

واشترطت العديد من الدول للمشاركة في حملة مكافحة الارهاب، أن يكون ذلك في إطار الأمم المتحدة وآلياتها وفي إطار " الشرعية الدولية"، وبالانسجام مع ميثاق الامم المتحدة بعيداً عن التوظيف السياسي أو الازدواجية في المعايير او سياسة الكيل بمكيالين، وكذلك وفي تحديد واضح "بأن الاحتلال والاستيطان يساوي الإرهاب"، كما أن حق المقاومة أمر مشروع طبقاً لقواعد القانون الدولي، وهو ما حاول مؤتمر الدوحة الاسلامي أن يوّجه الأنظار اليه، كما ذهبت الى ذلك جامعة الدول العربية والمؤتمر الاسلامي وعدد من البلدان النامية، التي عانت من الإرهاب والتطرف والغلو لكنها لا تريد الخضوع الى منطق الهيمنة والابتزاز.

وكان مجلس الامن الدولي قد أكد في القرار 1189 الصادر في 13 آب (اغسطس) 1998 إثر أحداث أوكلاهوما الإرهابية في العام 1995، على واجب كل دولة عضو ان تمتنع عن تنظيم أي أعمال إرهابية في دول أخرى أو التحريض عليه أو المساعدة أو المشاركة فيه أو قبول أنشطة منظمة على أراضيها بهدف ارتكاب هذه الاعمال.

ان أخطر ما ورد في قرار مجلس الامن رقم 1373 الصادر في 28 ايلول (سبتمبر) 2001، هو صدوره ضمن الفصل السابع الخاص بالعقوبات، وان حجيته القانونية تفترض من جميع الدول الأعضاء الالتزام به، والاّ فان مجلس الأمن بإمكانه تطبيق المادة 41 من هذا الفصل الخاص بإتخاذ إجراءات كالحصار الاقتصادي وقطع العلاقات الدبلوماسية وغيرها، وإن لم تطبّق الدولة المعترضة هذه الاجراءات، فبإمكان مجلس الامن تطبيق المادة 42، التي تذهب الى إتخاذ جميع الاجراءات بما فيها المسلحة، فيما إذا لم تمتثل الدولة المعنية لقرارات مجلس الامن.

الشيء الجديد الذي تضمنه القرار 1373 وفيما بعد القرار رقم 1390 الصادر في 16 كانون الثاني (يناير) 2002، هو إعطاء الحق للدولة (وبخاصة المتنفذة) وبالتطبيق الحالي (الولايات المتحدة) في إعلان الحرب ساعة تشاء، وضد من تشاء اذا تأكدت أو إشتبهت ان عدوّها (دولة أو جماعة)، تقوم بعمل ارهابي وذلك دون إعتماد مرجعية دولية كمجلس الأمن مثلاً، وبتعبير أدق فان ميثاق الامم المتحدة، الذي أعطى الحق للدولة في إستخدام القوة العسكرية للدفاع عن النفس حسب المادة 51، قد قلّص هذا الحق بدعوة مجلس الامن للاجتماع لمعالجة الأمر وإعادة السلم والأمن الدوليين الى نصابهما.

لكن القرار 1373 أعطى للدولة حق " إعلان الحرب" أو كما تُعرف بإسم "الحربالاستباقية"، ضد من تعتقد انه يمارس عملاً إرهابياً دون الرجوع الى المرجعية الدولية التي يقررها ميثاق الامم المتحدة، ودون الالتزام بالآليات التي حددها الميثاق وهو ما حصل في أفغانستان والعراق، وهو ما يمكن اعتباره عودة الى القانون الدولي التقليدي، الذي يحرّم " حق الفتح" ويمنع " الحق" في التمتع بمكاسب سياسية جراء شن الحرب.

إن التوّجه الذي يسعى لاحتكار العدالة والتصرف من موقع السيّد والمتنّفذ، بإعتباره القاضي الدولي المخوّل حتى دون محكمة ودون محاكمة، وبالطبع من دون تفويض، إنما يتصرف وفقاً لمصالحه الانانية الضيقة بعيداً عن القواعد السائدة والمعترف بها في العلاقات الدولية وفي القانون الدولي المعاصر، فالانتقام والثأر والكيد هو الذي يحكم علاقة الولايات المتحدة بغيرها وخصوصاً بالاسلام والمسلمين، وهو الأساس الذي تعتمده في علاقاتها الدولية " الخاصة" وليس العلاقات الدولية التي تؤكدها " الشرعة الدولية" القائمة على اساس ميثاق الامم المتحدة، وهو ما يثير أسئلة خطيرة حول مستقبل الأمم المتحدة ومبادئها ودورها في حل المنازعات الدولية، ناهيكم في تحقيق أهم أغراضها وهو حماية السلم والامن الدوليين.

وبالطبع فإن الانتقام والثأر والكيد ليس بقاعدة في العلاقة الدولية إذ أن استمرارها سيؤدي الى تقويض أسس وقواعد القانون الدولي المعاصر، التي توطدت على مدى حقبة زمنية طويلة نسبياً، ويجعل من منطق الغاب هو الناظم للعلاقات الدولية وليس المساواة والتكافؤ بين الدول والشعوب، وهذا يؤدي الى هيمنة الفوضى والعنف والإرهاب والقوة، بدلاً من مبادىء الحق والعدل والإنصاف وحقوق الإنسان واحترام حق الدول والشعوب وخياراتها الحرة في تقرير مصيرها، صغيرها وكبيرها.

إن منطق تسوية الحسابات السياسية يثير قلقاً مشروعاً حتى بين أوساط مؤيدة لمواقف وسياسات الولايات المتحدة، خصوصاً وأن الاهداف الامريكية ظلت زئبقية وغير محددة بسقف زمني، ناهيكم عن أن نتائج التحقيقات بخصوص "المتهمين" بممارسة الارهاب الدولي على مستوى الدول او الجماعات او الافراد لم تنشر ولم يطلع عليها حتى حلفائها في " حملة التحالف الدولي"، فكيف إذن سيتم مواصلة حملة غير محددة الأهداف ومبهمة الأدلة وربما ملتبسة؟ ولعل النموذج العراقي كان مثالاً صارخاً لزيف الادعاءات وبطلان الدعاوى، وقد لا يكون بعيداً عن استهداف أطراف أخرى بعيدة كل البعد عن منطق الإرهاب إلا أنها لا تؤيد نهج الولايات المتحدة وبخاصة إزاء القضايا العربية والإسلامية وقضايا التحرر بشكل عام.

إن الحرب الطويلة الأمد التي ارادتها الولايات المتحدة، هي ليست ضد أسامة بن لادن ومعاقل طالبان وتنظيم القاعدة ( المتهمون بالإرهاب وبالتفجيرات الإجرامية التي حدثت في 11 أيلول/سبتمبر)، وضد العراق التي احتلت اراضيه، وضد لبنان بحجة وجود حزب الله، وضد اقامة دولة وطنية فلسطينية حقيقية وفقاً لحق تقرير المصير بزعم فوز حماس وبرنامجها " المتطرف"، بل انها يمكن ان تشمل كل أعداء الولايات المتحدة أو من لا تروق لها سياستهم ونهجهم، وإلاّ فإن مكافحة الإرهاب وإقتلاعه من جذوره، وتعقّب المرتكبين وبخاصة المسؤولين عن الحوادث الإجرامية وتفجيرات سبتمبر، أمرٌ لا يمكن الوقوف ضده خصوصاً إذا كان ضمن إطار "الشرعية الدولية"، وسيكون من واجب الدول ومسؤوليتها المشاركة فيه بشكل جدي.

وإذا كان من حق الولايات المتحدة الدفاع عن النفس بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، وبالتالي حق تعقّب المرتكبين وإلقاء القبض عليهم وإحالتهم الى القضاء وإنزال العقاب بهم وفقاً للمبادئ السائدة في القانون الدولي المعاصر، فإن توسيع دائرة الإتهام وقبل استكمال التحقيقات الدقيقة لمعرفة الفاعلين، أثار الكثير من الاسئلة حول ما الذي تقصده الولايات المتحدة بالإرهاب اولآً؟ إذ يمكن إدراج الكثير تحت هذه الخانة، التي قد تشمل أعمال المقاومة ضد الإحتلال والإستيطان والإستيلاء على الأراضي والأوطان فهل من حق الولايات المتحدة رغم وقوع العدوان عليها احتكار العدالة بعيداً عن الشرعية الدولية وميثاق الامم المتحدة وقواعد القانون الدولي؟.

إن تحديد المتهمين وتسميتهم بالإسم أفراداً أو جماعات أو دولاً وإستكمال التحقيقات، وفي إطار الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية، التي يمكن أن تقدّم رأياً استشارياً، يضع حدّاً للتفسيرات والرغبات، كما أنه يحشد الطاقات جميعها، كي ينال المرتكبون الجزاء العادل الذي يستحقونه.

إن إقدام الولايات المتحدة على " الرّد المنفرد" والأدق هو " الانتقام" حتى وإن حظيت على دعم وتعاون دولي محدود (التحالف)، إلا انها لم تحصل على تفويض دولي شرعي، لم يكن يستهدف ردع العدوان بقدر ما كان للانتقام وفرض الهيمنة وإدعاء احتكار العدالة، وذلك أمرٌ لا يقرّه القانون الدولي كما هو معروف، وهو ما حصل في العراق من جانب الولايات المتحدة وكذلك في لبنان من جانب اسرائيل.

لكي لا يتم خلط الاوراق، فلا بد من التمييز بين الإرهاب والمقاومة وهو المطلب الذي يتمسك به العرب والمسلمون، وهو ما يميّز الرؤية العربية عن غيرها، لما تمثله من خصوصية وقوع العدوان عليها وكونها هي الضحية، ان مثل هذا التمييز بين منطق الارهاب ومنطق المقاومة، هو الذي ينبغي التمسك به، لانه يمثل مطلباً مشروعاً وعادلاً وقانونياً، ولذلك سارعت إسرائيل في ظل الأجواء الحزينة التي خيّمت على العالم جراء أحداث ايلول (سبتمبر) المأسوية، الى تصعيد إرهابها ضد المقاومة الفلسطينية، متهمة أعمالها بالإرهاب بعد أن فشلت في الفترة السابقة في القضاء عليها، ناهيكم عن تبرير إجراءاتها التعسفية بحقها بعد إدانة العالم بما فيه تقرير المفوضة السامية السابقة لحقوق الانسان السيدة ماري روبنسون في تشرين الثاني (نوفمبر)2000. وكذلك تقرير ميشيل وتنيت، اللذان حاولا أن يوازنا بين العنف والعنف المضاد، لكنهما لم يستطيعا أن ينكرا حقيقة استمرار الاحتلال والاستيطان الصهيوني.

ولكي لا يكون العرب والمسلمون ضحية " الإرهاب ضد الإرهاب " بحيث تنتهك أبسط حقوقهم، فلا بد من التوقف إزاء صيحات كثيرة وغاضبة وانتقامية في ردود أفعال غير عقلانية حصلت بعد أحداث أيلول (سبتمبر) 2001 في بعض الأوساط الدنيا العربية والإسلامية، التي شهدت رغم محدوديتها مظاهر ابتهاج غير إنسانية ولا يجمعها جامع مع المهمة النبيلة والمشرفة للمقاومة العادلة والمشروعة والساعية حالياً الى توفير حماية دولية للفلسطينيين، الذين هم ضحايا الإرهاب الإسرائيلي من أجل حقهم في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة.

ومثل هذه الدعوات والأعمال الانتقامية ضد المدنيين، قد برزت بعد إحتلال العراق، خصوصاً القتل والذبح وأخذ الرهائن وقطع الرؤوس أمام عدسات التلفاز، التي شملت الصحفيين الاجانب وبعض العاملين في المؤسسات الانسانية والخيرية. ومثل هذه الاعمال التي تؤدي الى ترويع المدنيين، لا يجمعها جامع مع حق المقاومة المشروع لإنهاء الاحتلال، وهو حق يقرّه القانون الدولي وجميع الشرائع والأعراف الدولية والانسانية والدينية.

واذا كانت الدعوة اليوم تنطلق عاليا ضد الإرهاب، فإن نكوص المجتمع الدولي في إيجاد تعريف للإرهاب سيساهم في المزيد من الالتباس والإبهام، خصوصاً في هذه الظروف الدقيقة وسياسات الكيل بمكيالين والازدواجية في التعامل والانتقائية والتجزيئية، التي تريدها الولايات المتحدة، مما يتطلب من مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الانسان، ناهيكم عن جهد دبلوماسي في المحافل الدولية من أجل إيجاد تعريف يتم التوافق عليه للإرهاب الدولي لا يتعارض مع مبادىء العدالة وحقوق الانسان، وإلاّ لماذا يصبح العربي والمسلم وأبناء الجنوب بشكل عام "إرهابيون"، في حين تمارس إسرائيل سياسة عنصرية إجلائية استيطانية منذ قيامها وحتى الوقت الحاضر، وتشن حروباً وأعمال إرهاب سافر ضد السكان المدنيين العرب، بما يخالف اتفاقية جنيف لعام 1949 والبروتوكول الاول الملحق بها لعام 1977 (ستة حروب) وتُعفى من المساءلة والعقاب عن عدم تطبيق قرارات الشرعية الدولية خصوصا القرار 242 و338 و425 ؟

ولا بد هنا من لفت الانتباه الى أن البعض يتجه لإدانة الإرهاب الفردي ولكنه يحاول تبرير إرهاب الدولة، وفي الوقت نفسه يريد النيل من المقاومة الوطنية التي تستهدف طرد المحتل والدفاع عن الوطن متهماً أعمالها بالإرهاب وممارسة العنف، فإنه يتناسى إرهاب الدولة أو الحكومة ضد شعب بكامله. كما أن البعض الآخر يبرر الارهاب الفردي وقتل المدنيين الابرياء بحجة الصراع مع العدو والاستخفاف بأرواح البشر، ولعل النظرة الحقوقية والانسانية المتوازنة، حتى التي تتجه إدانة الارهاب بجميعاشكاله ومظاهره ومبرراته.

وفي الوقت الذي يدين القانون الدولي ومواثيق حقوق الانسان، الإرهاب الفردي والجماعي للجماعات والدول والافراد فإنه يقف الى جانب المقاومة وحقها المشروع في استخدام جميع الوسائل بما فيها المسلحة دفاعاً عن الوطن المغتصب والأرض المحتلة والاستيطان غير المشروع.

إن أحداث ايلول (سبتمبر) كانت إختباراً تاريخياً حقيقياً لمدى الإيمان والتمسك باحترام حقوق الإنسان، ومهما تكن حجة مكافحة الإرهاب وهي مبرر مشروع احياناً، فإنها لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتجاوز على حقوق الإنسان ومبادئه الأساسية، إذ إنه لا يمكن المساس بها في كل الأوقات سواءاً زمن السلم او زمن الحرب، وليس هناك أي مبرر للتجاوز عليها ولا يمكن بحجة حماية الأمن قبول التجاوز على الكرامة أو الحرية. إن معادلة الأمن ينبغي أن تكون متوازية مع القواعد الدولية لحقوق الانسان وقواعد القانون الدولي المعاصر ومبادىء العلاقات الدولية.

بعد انتهاء فترة الحرب الباردة وتفكك المنظومة السوفيتية، بدأت الولايات المتحدة تفتّش عن عدو جديد ليحل محل الاتحاد السوفيتي، وهذا العدو تركّز في الإسلام اولاً وبشكل خاص ما يسمى " بالأصولية الإسلامية" وثانياً ما يسمى "بالإرهاب الدولي" بما فيه أعمال المقاومة، في محاولة لخلق نوع من الإبهام والغموض والالتباس بين الإرهاب والمقاومة وثالثاً السلاح التدميري الشامل، والذي تمتلكه دولاً ليست صديقة للولايات المتحدة او تعتبر عدواً لها، مثل: إيران والعراق وكوريا الشمالية وكوبا، وهي دول الشر حسب المنطق الامريكي، وتعتمد على ممارسة الارهاب الدولي.

إن هذا التصنيف ارتبط بقدرة هذه البلدان على إنتاج وتصنيع الأسلحة، كما دخل في مفهوم الإرهاب خطف الطائرات والأشخاص، إضافة الى المافيات الخاصة بالمخدرات وغسل الاموال وغيرها.

ورداً على سؤال حول سقوط الاعداء التاريخيين وفيما إذا كان التاريخ لا يستطيع ان يسير الاّ بوجود أعداء طبقاً للقائد العسكري " سلا" في قرطاجة أجاب هنتنغتون: اذا لم نجد اعداء فعلينا ان نلفّقهم أو نخترعهم!

لقد استفردت الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بما سمّي بالشرعية الدولية، وانطلاقاً من ذلك وبالارتباط مع التطور الدولي وانهيار أنظمة أوروبا الشرقية الشمولية وصعود نجم الافكار الديمقراطية وحقوق الانسان، حاولت الولايات المتحدة أن تضع في سلّم أولوياتها وكجزء في الشرعية الدولية، مجموعة أهداف تسعى لتحقيقها، تقوم على منع انتشار الأسلحة التدميرية في جميع أنحاء العالم، باستثناء إسرائيل وتأكيد حرية السوق وتبنى الاقتصاد الحر في إطار العولمة وتكييف مبادىء الشفافية والتعددية وحقوق الانسان، بما يخدم اهدافها وسياساتها وبما يساعد في مكافحة الإرهاب وعمليات غسل الاموال وغيرها.

ويسمي د. جورج ديب الخبير القانوني والمستشار الرئاسي اللبناني هذه الاجندة الامريكية بالدستور العالمي الجديد بحيث يعطى للولايات المتحدة " حق التدخل" مثلما حدث في هايتي عام 1994 وقبلها في الصومال عام 1992-1993 والعراق بسبب غزو الكويت عام 1990-1991، وفيما بعد باستمرار الحصار الدولي الجائر (الذي دام 13 عاما) ومناطق الحظر الجوي والملاذ الأمني في شمال وجنوب العراق (وفيما بعد شن الحرب على العراق واحتلاله 2003) أو في كوسوفو، بما وسع من محاولات استخدام القوة ليس لإعادة السلام والأمن الى نصابهما، بل لفرض النموذج الذي تريده الولايات المتحدة مثلما توّجت هذه النظرية على نحو صارخ في أفغانستان والعراق، ويراد تطبيقها في مناطق أخرى.

بهذا المعنى إستخدمت الولايات المتحدة القوة العسكرية قبل إستخدام السياسة، وتم ذلك على نحو صارخ خلال العمليات الحربية في أفغانستان والعراق، ونقل عشرات الأسر الى جزيرة غوانتانامو او اخفاء سجناء قسراً في سجون سرية في اوروبا (بولونيا ورومانيا) ونقلهم المستمر في الطائرات عبر اراضي بلدان اوروبية بإجراءات حاطة بالكرامة تخالف اتفاقيات العام 1949، كما حدث خلال أعمال قصف عشوائي لسكان مدنيين دون مبرر على الاطلاق، بما يتعارض مع قواعد القانون الدولي الانساني وكذلك ما حصل لسجناء أبو غريب في العراق وبقية السجون في العراق ناهيكم عن اجتياح مدن عراقية وأحياء سكنية بكاملها واستخدام سياسة الارض المحروقة والعقوبات الجماعية مثلما جرى في الفلوجة والنجف والرمادي وسامراء والموصل والبصرة والديوانية ومدينة الثورة (الصدر) وديالى وأحياء الأعظمية والشعلة والدورة في بغداد وغيرها.

5- الإرهاب والمقاومة في القانون الدولي

أعطى القانون الدولي المعاصر والإنساني للمقاومة الحق في الدفاع عن النفس، سواءاً حدث العدوان أو الاحتلال أو الاستيطان، وقد كانت وثائق مؤتمري لاهاي لعام 1899 و1907 تؤكد الحق في المقاومة وهو ما أكده ميثاق الامم المتحدة، الذي ابرم في سان فرانسسكو عام 1945، حين حرّم استخدام الحرب واستخدام القوة وسيلة لحل المنازعات الدولية، في حين كان عهد عصبة الامم قد قيّد استخدام القوة بينما حرّم ميثاق باريس (ميثاق بريان كيلوك لعام 1928) الحرب العدوانية.

لقد أقصر ميثاق الأمم المتحدة، حق استخدام القوة على الدفاع عن النفس وحق تحرير الارض المحتلة، أي أنه أعطى هذا الحق لحركات المقاومة الشعبية، وكان ذلك إعترافاً بواقع حصل إبان الحرب العالمية الثانية، حيث هبّت شعوب أوروبا لمقارعة المعتدي النازي.

ولعل الإعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948 والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، اللذان دخلا حيّز التنفيذ عام 1976، وكذلك المؤتمرين الدوليين في طهران عام 1968 وفيينا عام 1993 حول حقوق الانسان، قد تجاوبت مع تطلعات الشعوب بخصوص حقها في المقاومة والتحرير، وهو الذي اعتبر قاعدة في القانون الدولي، خصوصاً بصدور قرار الجمعية العامة للامم المتحدة لعام 1970 الذي اعاد وجوب تجنّب الحروب العدوانية والنزاعات المسلحة وتأكيد حق المساهمة في حركات المقاومة من اجل الحرية، ومعاملة المقاومين او المنتفضين ضد الاحتلال كأسرى حرب عند إلقاء القبض عليهم، وهو ما أكده قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2625 عام 1970 المعروف بقرار "التعايش السلمي".

وقد أكدت مجموعة من القرارات الدولية الصادرة عن الجمعية العامة للامم المتحدة بما فيها الاعلان المتعلق بمبادىء القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة التي دعمت حق الشعوب باستخدام جميع الوسائل، بما فيها الكفاح المسلح للحصول على الاستقلال والتحرير من ربقة الاستعمار والاحتلال.

وهنا لا بد من الاشارة الى البروتوكول الدولي الملحق باتفاقيات جنيف الصادر عن المؤتمر الدبلوماسي عام 1977 والخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، الذي يعتبر تطويرا للقانون الدولي الانساني لجهة الحق في المقاومة، لكن " تسيّد" وهيمنة قطب واحد على العلاقات الدولية وضع المجتمع الدولي أمام إختبار جديد حول صدقية الشعارات المرفوعة، خصوصاً تلك التي تتبجح بقضايا بحقوق الانسان من جانب القوى المتنفذة رغم أنها أصبحت جزءاً من مسار كوني ولا يمكن كبحه.

وإذا كان الصراع الآيديولوجي في فترة الحرب الباردة قد دفع الى استخدام حق الفيتو بين عام 1945 و1988 نحو 274(مئتان واربع وسبعون مرة) فإنه لم يُستخدم سوى ستة مرات بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبخاصة في سنوات 1988-1994، ذلك بعد هيمنة الولايات المتحدة على القرار الدولي، وسعيها لتبرير إرهاب رئيس الوزراء الاسرائيلي ارئيل شارون ضد الشعب العربي الفلسطيني، الذي تعتبره رجل سلام، بل والاخطر من ذلك حين شقت الولايات المتحدة عرى الشرعية الدولية يوم ذهبت الى الحرب على العراق بمعارضة فرنسا وروسيا عضوا مجلس الامن الدولي الدائمين وتحفظ الصين عضو مجلس الامن الدولي الدائم وإحتجاج ألمانيا وعدد من دول حلف شمال الاطلسي والعديد من بلدان العالم في جميع القارات.

والأكثر من ذلك هو إستخفافها بالرأي العام العالمي ومؤسسات المجتمع المدني وحقوق الانسان، التي نظّمت تظاهرات شملت عشرات الملايين في اكثر من 400 مدينة أساسية في العالم إحتجاجا على شن الحرب على العراق.

إن حوار الحضارات وبخاصة في ظل العلاقات الدولية الراهنة، يطرح أسئلة ملّحة وراهنية بشأن الموقف من الارهاب الدولي، الذي هو الآخر يثير أسئلة كثيرة بحاجة الى إجابات معمّقة إنطلاقاً من الموقف إزاء قضايا حقوق الانسان والعدالة والحق في المقاومة، وانعكاساتها على نطاق كل بلد من جهة وعلى النطاق العالمي، وفي ذلك إحدى تحديات العدالة الدولية واحترام الانسان كقيمة عليا بعيدا عن المصالح الانانية الضيقة.

لقد سكتت الولايات المتحدة عن أنظمة صديقة أو ساومتها، حين شعرت في لعبة التوازنات الدولية، أنها تخدم من حيث تريد او لا تريد استراتيجياتها، والاّ لماذا تحركت قضية حقوق الانسان في العراق بعد غزو النظام العراقي للكويت عام 1990، في حين كانت قضية ملتهبة وساخنة منذ اكثر من عقدين من الزمن قبل هذا التاريخ، خصوصا لجهة إستهداف الفاعليات الثقافية والفكرية والدينية وما قيل من قصف حلبجه بالسلاح الكيماوي وحملة الانفال ضد الاكراد وحملة التهجير التي شملت نحو نصف مليون عراقي الى ايران بحجة التبعية الايرانية، وغيرها من أعمال القمع والتعذيب والارهاب الداخلي.

إن هذا يثير الكثير من الاسئلة المشروعة ويلقي ظلال الشك حاليا حول ادعاءات واشنطن بالاصلاح والدمقرطة ليس في العراق حسب، الذي أخذ الناس يتندّرون ويتفجّعون في الآن ذاته، لحقيقة ما يحصل على الأرض من إستباحات ومحق وهدر سافر وإذلال للكرامة، بل على الصعيد العربي والاقليمي وربما العالمي، الذي ينتظر نتائج ما سيتمخض عنه الوضع العراقي حيث يستمر نزيف الدم ما يزيد على أربعة أعوام!!وكذلك في إستحقاقات الوضع اللبناني بعد عدوان 12 تموز(يوليو)2006، فهل حقاً أن ذلك من قبيل صدام الحضارات أم استهداف الاسلام كدين من جانب جماعات متطرفة ومنغلقة وهي ما يُطلق عليها إسم "المحافظون الجدد" أو " المسيحية المتصيهنة"، او بتأثير " اللوبي الصهيوني" ونفوذه في الولايات المتحدة، أم هو حوار على الطريقة الامريكية!؟

6- الاسلامفوبيا والاسلاملوجيا

أعتقد أن جزءاًً من مشكلة الراهن والمستقبل، تكمن في المتراكم السلبي والموروث اللامتسامح، والذي تجري محاولات لاجتراره بهـدف الحفـاظ علـى سكونية المجتمع وانظمة الحكم السائدة، التي لا تقبل بالتنوّع والاختلاف والتسامح والديمقراطية، ومثل هذا الأمر يجد صداه داخل المجتمع عبر تيارات متطرفة ومتعصبة تحمل " راية الاسلام" أو ما نطلق عليه " الاسلام السياسي"، فقسم كبير منه يحاول توظيف تعاليم " الاسلام ضد الاسلام"ولأغراض سياسية ضيقة، وهو ما نطلق عليه اسم " الاسلاملوجيا"، الذي يقابله في الغرب ويزداد التهويل به، يحرّض على الاسلام ويعاديه ويثير المخاوف منه وهو ما نسميه: الاسلامفوبيا :

"الرهابمن الاسلام"، كجزء من الزينوفوبيا " الرهاب من الاجانب"، تلك التي يقابلها في عالمنا العربي والاسلامي الغربفوبيا: العداء لكل ما هو غربي، باعتباره غريباً وكل غريب وأجنبي مريب، وبالتالي يدخل في خانة الخصم أو العدو، وغيرها منالتهم والاستعداءات الجاهزة!

يمكن القول إن في الغرب حداثة وثقافة ومستودع هائل ولا حدود له منالعلوم والتكنولوجيا، إضافة الى الجمال والعمران والفن والادب، وقد تعلمّنا منها الكثير وأفادت منه البشرية كثيراً، وقد وقف الغرب الثقافي والانساني، الى جانب قضايانا العادلة وفي مقدمتها " حقوق الشعب العربي الفلسطيني"، اما الغرب السياسي فتحكمه المصالح ويقوم على فلسفات وآيديولوجيات، قد تتعاكس مع مصالحنا وأهدافنا خصوصاً مواقفه وممارساته السلبية والضارة إزاء قضايانا.

العرب والمسلمون ليسوا كلهم " أبالسة" أو " شياطين"أو " تنظيمات القاعدة"، كما يفكرّ ويتعامل بعض المسؤولين في الغرب بمن فيهم مفكرون (فوكوياما وهنتنغتون وبيان المثقفين الامريكان الستين بعد 11 ايلول/سبتمبر2001)، كما ان الغرب ليس كلّه استكبار وهيمنة واحتلال وعدوان، كما يفكّر بعض المتطرّفين والمتعصبين في عالمنا العربي والاسلامي من أمثال أسامة بن لادن والظواهري، ففيه قيم ثقافية وإنسانية وجمالية ومجتمع مدني، كان سبّاقاً بل أكثر من مجتمعاتنا في الاحتجاج على شن الحرب على العراق، وكذلك في التضامن مع الشعب الفلسطيني واللبناني… وهذه النظرة الشمولية الإستباقية الوحيدة الجانب من الطرفين تشكّل نقيضاً للإعتدال والوسطية، خصوصاً في العلاقة مع الآخر، والاكثر من ذلك هي نقيض للواقع والعقل، سواءاً صدرت عبر تصوّر مسبق من الغرب السياسي ولأهداف سياسية محددة أو صدرت من بعض الجماعات الاسلاموية أو المتعصبة، التي تستند الى التعميم وهو الصخرة التي يتكأ عليها المتعبون، أو الذين لا يريدون استخدام العقل!

واذا كانت محطة 11 ايلول (سبتمبر) 2001 الارهابية، قد تركت تأثيراتها السلبية على مجمل الوضع الدولي، فان هذه التاثيرات والتراجعات الخطيرة، يمكن أن تُقرأ لاحقاً في مجرى الاحداث، باعتبارها محطة جديدة لإظهار عزم القوى المتنّفذة والمتسيّدة في العلاقات الدولية، على المضي في نهج إنفرادي أو بالتحالف مع بعض "الاصدقاء" ضد الغالبية الساحقة من سكان المعمورة.

كما يمكن في ضوء التأثيرات السلبية الخطيرة على حقوق الانسان أن نقرأ، نمو وانتشار التيارات الاصولية- السلفية المتعصبة، المتطرفة الشديدة الغلو في العالمين العربي والاسلامي، خصوصاً في ظل عدم إنفاذ العدالة وهضم الحقوق واستمرار الاحتلال والعدوان والتوزيع غير العادل للثروة ناهيكم عن شحّة مساحة الحريات وانتهاكات حقوق الانسان، ولعل نموذج العراق المأسوي خير دليل على ذلك. ومنذ ايلول (سبتمبر)2001، ارتفعت موجة التكفير والتأثيم، وبدلاً من ان تسهم حملة " مكافحة الارهاب الدولي" في تقليص حجم الاعمال الارهابية، الاّ أن الموجة الارهابية إتسعت وشملت بلداناً كثيرة، من مركزها الاساسي اليوم وهو العراق المحتل، والموعود بديمقراطية وحرية لكونه "النموذج"، لكنه المسكون بالمفخخات والقتل اليومي على الهوية والتفجيرات والحرب الاهلية الطائفية والاثنية وتفشي الفساد والرشوة والبطالة وتدهور الخدمات الضرورية، بحيث يصبح العيش بحد ذاته مسالة بالصدفة ومحفوفة بالمخاطر، الى اندونيسيا وتركيا ومصر والمملكة العربية السعودية واليمن والاردن والمغرب واسبانيا وبريطانيا وغيرها من البلدان التي شهدت عمليات ارهابية.

وفيما يخصنا أعتقد أنه لا يمكن للاسلام كدين أن يتقدم وأن يتفاعل مع الحضارة الكونية، إن لم يأخذ قسطه من التسامح، بمعنى الاعتراف بالآخر، والبحث عن حلول وسط يمكن قبولها بما لا يبتعد عن مبادئ العدالة والحق، هكذا يصبح المشترك والتعايش وقبول الآخر أساساً وليس إلغائه او اقصائه او تهميشه!

ان استعراض حلقات مضيئة في التاريخ الاسلامي أمرٌ يمكن البناء عليه، اضافة الى القرآن والسّنة، مثل: حلف الفضول الذي أتفق عليه فضلاء مكّة، حين إجتمعوا في دار عبدالله بن جدعان، وقرروا إنصاف المظلوم وأن لا يدعوا أهل مكّة أو من دخلها من سائر الناس الاّ وأعادوا اليه الحق بأخذه من ظالمه (وهو من أحلاف الجاهلية، الذي أبقى عليه النبي محمد(ص) بعد الاسلام) ودستور المدينة الذي إعترف بالآخر ومنحه الحقوق (قبل اكثر من 1400 سنة)، وصلح الحديبية مع المشركين، والعهدة العمرية التي منحها عمر بن الخطاب(رض) عام 15 هـ الى المسيحيين والبطريرك صفيرنيوس عند فتح القدس ووثيقة فتح القسطنطينية، التي إعترفت بحقوق الآخر (المسيحي) ودينه وممتلكاته وطقوسه وشعائره وغير ذلك، لكن الأصح بتقديري هو نقد التجربة ومراجعة بعض جوانبها الفكرية وبخاصة السلبي منها، ولا بد من اخذ السياق التاريخي بنظر الاعتبار بهدف إستشراف المستقبل وبحثاً عن المشترك الانساني والتواصل الحضاري والتفاعل الثقافي.

متى يؤتى هذا الفكر ثماره ويقرأ المسلمون كتابهم على هدى التاريخ والنقد التاريخي ويقدمونه للآخر، وليس مجرد أحكام سرمدية لا علاقة لها بالزمان والمكان. وكما سبق لهم أن ألغوا الرقّ عملياً ولم يلغوا التنزيل المتعلق به، وكيف جمّد عمر بن الخطاب(رض)، العمل بالعقوبات الصارمة في عام الرماده، أي عام "القحط" وغيرها دون أن يلغي التنزيل! يتمنى المرء أن يسرع المسلمون والمتدينون منهم بشكل خاص لحاقاً بالعالم المتقدم وفي بلدانهم، الى منح الحرية الكاملة لأبناء الديانات الاخرى من المواطنين غير المسلمين في التعبير عن أنفسهم، ليس فقط في العبادات وإقامة الشعائر والطقوس، ولكن في توّلي المناصب العليا في الدولة على أساس المساواة في الحقوق والواجبات، مسلمون ومسيحيونوبقية الاديان وكل من الاقليات القومية والاثنية واللغوية، شراكة ومساواة ومواطنة كاملة وليس "رعايا " و"أهل ذمة" او غير ذلك من اسباب التمييز.

ولا بد هنا من اعتماد معايير الكفاءة والنزاهة والاخلاص لإظهار التسامح الإسلامي بوجهه الحقيقي، وبما ينسجم مع متطلبات الدولة الدستورية الحديثة والمواطنة الكاملة، دون تمييز لأي سبب كان وفي إطار مجتمع موحد، الذي هو تعبير عن الرغبة بعيش مشترك ومساواة تامة، فذلك السبيل للعيش مع بقية الشعوب والامم الاخرى لتحقيق السلام العالمي هدف الانسانية جمعاء وأساس فكرة التسامح التي تعتمدها الاديان وتستند اليها الفلسفات.

ولعل مثل هذه الامور يمكن أن يضطلع بها الفقهاء ورجال العلم والمثقفون، الذين يمكن أن يمهّدوا السبيل بقراءة جديدة للتاريخ، انسجاماً مع روح العصر والتطور العلمي والتكنولوجي والمساواة التي تتطلبها الدولة العصرية ومعايير حقوق الانسان.

ولا بد هنا من إجراء حوارات موّسعة على الصعيدين العربي والدولي وبخاصة على مستوى النخب الفكرية والثقافية والسياسية الحاكمة وغير الحاكمة، وكذلك في قطاعات المجتمع المدني بما فيها المؤسسات الدينية لتأكيد مبادئ المساواة وعدم التمييز في القانون وأمام القضاء وفي الواقع العملي، تمهيداً لترسيخ تقاليد احترام الرأي الآخر، بما يؤدي الى إصلاح الخطاب الديني والبحث عن المشتركات الانسانية لبني البشر ووضعها في إطار قانوني دستوري بعد بثها كمفاهيم ومن ثم حقوق حين يتبناها المجتمع، الى أن تتبلور لتصبح قواعد ونصوصاً قانونية تتصدر الدساتير، ومن ثم إيجاد الآليات المناسبة لحمايتها عبر مؤسسات معتمدة وبهذه التوجهات يمكن الانفتاح والحوار والتواصل مع الآخر والتعايش والاعتراف واحترام الخصوصيات، في اطار المشترك الانساني، ولعل ذلك يشكل جوهر النظرة المستقبلية لجدلية علاقة الاسلام بالتسامح وليس باجترار الماضي أو هروب إليه، وإنما لدوره في العلاقات الدولية في الحال والاستقبال!!

التجديد العربي

63 Views

عن

إلى الأعلى