الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » السياسة » الدور السياسي لحوزة النجف – فاضل الربيعي

الدور السياسي لحوزة النجف – فاضل الربيعي


الدور السياسي لحوزة النجف – فاضل الربيعي

كاتب عراقي

الدور السياسي لحوزة النجف[1]

(آياتها العظام، مصادر المال، التدخل الخارجي)

(الجزء الأول)

خلاصة تنفيذية:

يرتبط صعود الدور السياسي للمرجعية الدينية (الشيعية) في النجف، وتحوّل أقطابها اليوم إلى لاعبين فاعلين على مستوى صنع القرار، بجملة من التطورات والأسباب والعوامل المحلية والإقليمية والدولية، دفعت المدينة المقدسة إلى واجهة الأحداث العنيفة خلال وقت قصير فقط من الغزو الأمريكي للعراق. من بين أكثر هذه الأسباب والعوامل التي جعلت الحوزة في مركز الصدارة والأضواء أهمية، تفكك الدولة وتلاشي مؤسساتها وأدواتها، وتدفق أعداد كبيرة من قيادات الأحزاب الشيعية المنفيّة التي انتقل تعاونها المكشوف مع الأمريكيين إلى مرحلة جديدة وغير مسبوقة من التنسيق. ولا يزال حاضراً بقوة في ذاكرة العراقيين ذلك المشهد المثير الذي تلازم مع المراحل الأولى من الغزو، عندما قطعت مجموعة من الشبان الطريق على الدبابات الأمريكية لحظة دخولها مدينة النجف وهم يصرخون في وجوه الجنود بلغة إنكليزية رديئة:City? yes. imam ali , no (المدينة؟ نعم. ولكن ضريح الإمام علي، كلا [2).

وكان ذلك يعني بوضوح أن جمهوراً من أبناء المدينة المقدسة كان مستعداً، لأسباب براغماتية ربما (ضمان بقاء المراقد المقدسة بعيداً عن المخاطر الجمة، مثلاً) للقبول بفكرة دخول الأمريكيين شرط أن لا يقتربوا من مرقد الإمام علي (ع). لكن هذه الموافقة البريئة بدت في أنظار كثيرين،كما لو أنها صدى لنوع من الترحيب أو القبول الضمني بالواقع الجديد. ويبدو أن منظر الجنود الأمريكيين في شوارع النجف، لم يكن وحده المنظر الذي أثار حنق وسخط الشبان الشيعة.لقد كان هناك منظر آخر أكثر إثارة؛ فهم شاهدوا أحد أبناء المراجع الدينية الكبار يلوّح بيده من داخل دبابة أبرامز.وكان المشهد، بكل ما يتضمنه من دلالات وفي أتم المعاني، صادماً للوجدان الشعبي للسكان المذعورين من مرأى الدبابات العملاقة.وخلال وقت قصير، وبالرغم من المخاوف من اقتحام المدينة المقدسة والنتائج المترتبة على ذلك، تحوّل ضريح الإمام علي نفسه إلى مسرح دام لحادثة قتل مروّعة، ذهب ضحيتها الزائر المعمّم الذي كان يلوّح بيديه.لم يكن ذلك الزائر المبتهج ويا للعجب، سوى الابن البكر للمرجع الشيعي الأعلى الراحل أبو القاسم الخوئي[3]. لقد وصل إلى المدينة مع الدفعة الأولى من القوات التي اخترقت تحصينات الجيش العراقي في النجف. وحين توجه صوب الضريح راجلاً؛فإن أحداً لم يكن ليتوقع حدوث جريمة قتله. كان عبد المجيد الخوئي قادماً من لندن حيث يعيش ويدير هناك منذ سنوات، واحدة من أكبر المؤسسات المالية الشيعية (مؤسسة آل البيت) التي لعبت دوراً خطيراً في إدارة سلسلة من الاتصالات السرية مع الأمريكيين طوال حقبة التسعينات من القرن الماضي.كما ساهمت في تمويل عدد من النشاطات السياسية للجماعات المناهضة للحكم في الخارج، وثمة تقوّلات عن مشاركة فاعلة من نوع ما في الاتصالات المحمومة، داخل لندن وخارجها والتي بحثت في فترات مختلفة، طبيعة مشاركة الأحزاب والجماعات الشيعية في خطة غزو العراق.كانت حادثة قتل الخوئي الابن داخل الضريح مرّوعة بالفعل، وانطوت على دلالات لا حصر لها، أخلاقية ودينية وسياسية؛ إذ هاجمه شبان غاضبون سوف يُعرف عنهم تالياً أنهم ينتمون إلى التيار الصدري[4]، وليسقط الزائر داخل الضريح مضرجاً بدمه.ولكن القتلة لم يكتفوا بذلك؛ بل قطعوه بواسطة السكاكين والسيوف إرباً إربا. ولأن الحادث وقع على خلفية اتهامات شنيعة بالفساد المالي وسرقة ملايين الدولارات من أموال الحوزة، وهي اتهامات لطالما ثارت في الوسط الشيعي وكانت مادة من مواد الصراع والتنافس بين المراجع الكبار، فقد أُضيفت دلالة جديدة ربما طغت على الحادث برمته. لم يأت الخوئي الابن كزائر أو كمنفي يعود بعد سنوات إلى مدينته؛ بل بدا في أنظار قتلته والساخطين عليه كما لو كان فاتحاً أسكرته نشوة النصر. وذلك ما وضع مسألة الفساد المالي في الحوزة داخل إطار جديد ومختلف تماماً، يعيد هذه المرة ربط التلاعب بالأموال في سياق التدخل الأجنبي؛ ولنقل في إطار العلاقة الجديدة والمثيرة للحيرة بين الأحزاب الشيعية والأمريكيين.

يلخص هذا المشهد لا الطريقة التي أصبحت فيها النجف في قلب الحدث؛ وإنما كذلك مغزى التشابك بين الفساد المالي وبين ما يدعى – في بعض الأدبيات السياسية الشيعية الناقدة[5]- دور الأصابع الخارجية في التلاعب بمواقف رجال الدين الكبار، وبالتالي علاقة هؤلاء بما يطلق عليه نقّاد الحوزة "الاستبداد الديني في المؤسسة التقليدية"[6]. كانت النجف على امتداد التاريخ السياسي للحوزة تقوم بأدوار مقررّة على مستوى الأحداث الوطنية الكبرى، قلمّا عرف العالم العربي/ الإسلامي شبيهاً لها، فلا الأزهر الشريف في القاهرة ولا جامع الزيتونة في تونس عرف أي منهما دوراً مماثلاً، من حيث القوة والنفوذ الروحي وكمية المال، كالذي امتلكته الحوزة في النجف.حتى أن السلطان عبد الحميد[7] اضطر في مطالع القرن الماضي، إلى خطب وّد المراجع الدينية في النجف بإصدار سلسلة من "الفرمانات" الإدارية الهادفة إلىتهدئة الخواطر، وتوسيع الفرص أمام المجتهدين الشيعة لتطوير المدارس الدينية ونشر التعليم وفقاً للمذهب الجعفري، فانتشرت إذ ذاك المكتبات ودور النشر وراحت الكتب والمجلات تتدفق على النجف من مصر ولبنان[8].كل ذلك بأمل تحييد الحوزة على الأقل، ومن ثم الشيعة بوجه العموم، وإعاقة تحولهم إلى قوة مناوئة للسلطنة أثناء الصراع ضد الخطر الأوروبي. وفي التاريخ السياسي الحديث للعراق لعبت الحوزة أدواراً هامة للغاية على صعيد بلورة موقف الطائفة الشيعية من الدولة، وهو موقف ظل محكوماً بالكثير من الالتباس بفعل التنافر الذي طبع العلاقة بين "الشيعية السياسية"[9] والدولة.ومن المعلوم أن المراجع الدينية توّجت موقفها من الدولة منذ العشرينات، بفتوى تحريم دخول أبناء الطائفة في السلك الوظيفي أو التعلمّ في المدارس الحكومية. اليوم، وبعد مضي نحو أربع سنوات من الاحتلال الأمريكي للعراق، يبدو أن الحوزة الدينية عادت بقوة إلى واجهة الأحداث العاصفة في العراق الجديد مع تنامي وتصاعد أدوارها المقررّة، حتى على صعيد التنافس السياسي ومسار الانتخابات وتشكيل الحكومة. إن الإطار المقترح الذي يسمح برؤية هذا الدور على حقيقته من حيث الحجم والظروف والإمكانيات الواقعية، يمكن أن يُرسم من خلال ثلاثة محاور ذات مضمون تاريخي، شكلت بمجموعها المادة الرئيسة في الصراع والتنافس من أجل السيطرة على المؤسسة الدينية، وهي محاور تحكمت بدور النجف وتطور حوزتها الدينية حتى اللحظة ويمكن تصنيفها على النحو التالي:

1: الاستبداد الديني

(ويقصد به الظروف والعوامل التي أدّت إلى تكريس روح التقليدية في التعليم الديني، وتفاقم العداء، في نظم التدريس المعتمدة، لكل وأي محاولة للتجديد في الفقه الشيعي، وإلى منع وإعاقة نمو تيار حداثي يعيد الحوزة إلى اللحظة التاريخية التي شهدت ولادتها، أي يعيدها إلى لحظة تطوير فكرة الاجتهاد التي ميّزت المذهب الجعفري، وكان ذلك بمثابة خطر داهم واجهته الحوزة ورجالها بمزيد من التشدد والاستبداد)[10]

2: الفساد المالي

(ويُقصد به انعدام أي شكل من أشكال الرقابة على طرق صرف المال الشرعي، أو أوجه توزيعه وشيوع حالات فساد واسعة النطاق. إن مشكلة الفساد المالي مشكلة قديمة وعويصة لا تزال نتائجها تثير الكثير من الجدل)[11]

3: الأصابع الخارجية

(ويُقصد به، بالترابط مع هذين العاملين، وجود دور سياسي خفي للقوى الخارجية.لقد كان هناك على الدوام عامل تنامي الدور الإيراني في الحياة الداخلية للحوزة؛ ولنقل أن الأمر يتعلق بالدرجة الأولى بالنفوذ الخفي للإيرانيين على المراجع الدينية، وبالتالي تفاقم أشكال التدخل الخارجي، البريطاني- الإيراني منذ ولاية داود باشا 1830 حتى عهدي الشاه رضا خان ثم ابنه محمد رضا، وصولاً إلى التدخل الأمريكي في شؤون الحوزة، وتواتر الأنباء عن تنسيق وضحت معالمه أثناء الغزو الأمريكي. لقد أعاد التنسيق الأمريكي مع بعض رجال الدين الشيعة عبر طهران، تذكير الشيعة أنفسهم بتنسيق شبيه ومماثل جرى مع البريطانيين بشكل أخص خلال سنوات1914- 1917 أيام الأسرة القاجارية، وذلك بذريعة المساعدة في التخلص من الاستبداد العثماني)[12]

ليست هذه العوامل مجتمعة مجرد ظاهرات عابرة، أو ثانوية غير ذات قيمة فاعلة في تاريخ المؤسسة الدينية. وعلى العكس من ذلك؛ فإنها تمثل بحق وكما سوف نبيّن، المادة العضوية غير المرئية التي تغلغلت في نسيج الكيان التاريخي للحوزة. إن نمو وتطور المؤسسة الدينية في النجف ظل متلازماً ومترافقاً باستمرار مع وجود هذه العوامل، وهي ليست ولم تكن مجرد ظاهرات في تاريخها، أو مجرد أخطاء في السيرة الذاتية لأقطابها. وثمة دلائل متزايدة على أنها كانت ولا تزال وثيقة الارتباط بعوامل وظروف متشابكة يصعب تخيّل إمكانية الفصل بينها. على أن رؤية هذه العوامل وتحليلها سوف يحدد بشكل حاسم شكل وطريقة فهم الدور السياسي للمؤسسة الدينية. بالضد من هذا، ستغدو أي محاولة تتجنب النظر بعمق في مدى التأثير الذي تركته هذه العوامل، مجرد محاولة عقيمة وربما لا قيمة لها. لقد غدت الحوزة في النجف، وبفضل كمية المال المتكدّس بين أيدي رجالها ومؤسساتها المتعددّة منذ حقبة "وقف أوض/ أوده [13]، وهو مال وفير تدفق عليها طوال قرون عدّة؛ قوة مالية كبرى لا تنافسها أي قوة دينية أو سياسية أو اقتصادية محلية.وهذا المال الوفير جعل من المؤسسة الدينية بسهولة، وحتى من دون أي دور سياسي ملموس في بلد غني مثل العراق، قوة مهيمنة يتعدى نطاق سيطرتها الروحية على الأتباع حدود التوجيه والإرشاد، إلى ما يمكن اعتباره نمطاً فريداً من فرض الالتزام الشعبي شبه الجماعي والتقليدي بكل ما يصدر من فتاوى. وأضحت الحوزة بفضل المال وحده، أشبه بإمبراطورية يديرها بارونات معممّون، يبدون لشدّة زهدهم وتقشفهم الظاهري، وكأنهم مجرد عبّاد زهدوا في الدنيا ولبسوا مسوح الرهبان، وأنهم لشدة شغفهم بالتعاليم الدينية لا يبدون كرجال معنيين بالشأن الدنيوي، ولكنهم في الواقع كانوا يتحكمون في الكثير من الأمور. كان المال "الديني" المتدفق على مؤسسات الحوزة وعلى رجالها بفضل نظام الخمس[14] ولا يزال،عاملاً حاسماً من بين عوامل متشابكة أخرى، يقرّر ويحسم شكل وطبيعة الروابط التي يمكن أن تنشأ بين أبناء الطائفة الشيعية والمؤسسة الدينية، بوصفها روابط شديدة الخصوصية ومن طبيعة متراكبة يلعب فيها الولاء المذهبي التقليدي (الشعبي) دوراً مركزياً. بيد أن المال الديني كان ولا يزال كذلك، موضوعاً من موضوعات نقد المؤسسة الدينية الشيعية. ولطالما أدّى هذا النقد شبه العلني في حالات كثيرة إلى بروز انشقاقات ونشوء صراعات حتى بين المراجع الكبار.

يتركز جزء من الجدل "الشعبي" الدائر حول الحوزة وأملاكها[15] وكل ما يتصل بالأموال وطرق استثمارها وتوزيعها وأشكال الرقابة عليها، وبصورة صريحة لا تنقصها الوقاحة في بعض الأحيان، حول وجود تلاعب وفساد مالي جرى فيه تفريط بثروة الطائفة من جانب بعض المراجع الكبار أو أبنائهم ووكلائهم، كما هو الحال مع قضية أموال الحوزة التي ُأتهم بها الابن البكر للمرجع الراحل آية الله أبو القاسم الخوئي صريع الضريح[16]. كما يتركز على نحو ما، حول مسألة حرمان قطاعات واسعة من أبناء الطائفة المهمشين والمحرومين الذين كانوا يشعرون باستمرار، أنهم حرموا من أموال كانت تتدفق لصالح رعايتهم في الأصل، ومن أجل تحسين شروط حياتهم اليومية.ولا يزال بوسع المرء سماع مثل هذه الشكاوى في أوساط الشبان الشيعة الفقراء الذين ما انفكوا يتساءلون لماذا تذهب الأموال إلى جيوب الأثرياء من المجتهدين، بينما المقصود من أموال الزكاة والخمس أن تعمل على تعديل الشروط الإنسانية للفقراء من الشيعة؟ ومع ذلك، فمن المؤكد أن المال الديني لعب دوراً شبه مباشر في بلورة شكل الصراع وحدوده مع الدولة الوطنية.وفي هذا النطاق تعزو شخصية روحية بارزة[17] إلى المال، دوراً لم يكن في الحسبان بالنسبة للباحثين؛ إذ ارتأت أن الحرص على بقاء نوع من الخصومة مع الدولة حتى ولو كان ذلك ظاهرياً، له علاقة وثيقة بخوف المراجع الدينية، وشعور رجال الدين الكبار بالذعر من أن أي تصالح أو اقتراب من المؤسسات الرسمية،لأن ذلك قد يؤدي إلى توقف تدفق المال الديني (نظام الخمس). وبالتالي حرمان المرجع من الحصول على ما يدعى سهم الإمام (أي حصته) وهي ُخمس الخُمس (ثلاثة أرباع المال المقدم من الفرد للحوزة). كما أن التقارب مع الدولة في أي حال، سوف يعني بالنسبة لدافعي أموال الخُمس والزكاة نوعاً من الأسباب الموجبة للابتعاد عن المرجع الديني، أو تغيير التقليد[18] والانتقال إلى مراجع أخرى. وفي هذه الحالة سوف يخسر المرجع الديني شرعاً، الحق في الحصول على المال أو المطالبة بسهم الإمام أي ُخمس الخُمس من أموال الزكاة. هذه العوامل الثلاثة (الاستبداد الديني والفساد المالي والتدخل الخارجي) هي العناصر الحقيقية التي يشكل أي فهم مستقل ونزيه وموضوعي لها، مفتاحاً ذهبياً لفهم دور الحوزة وأقطابها وآياتها العظام في ميدان السياسة.

الدور السياسي لحوزة النجف (آياتها العظام، مصادر المال، التدخل الخارجي) الجزء الثاني

المراجع العظام[- أقطاب الصراع، الفساد المالي، عوامل وآليات التنافس- إطار عام

يقود حوزة النجف خمسة من كبار المراجع الشيعية هم على التوالي: آية الله علي السيستاني (إيراني الأصل من مدينة سيستان)[2] وآية الله محمد سعيد الحكيم (عربي)[3] وآية الله الشيخ بشير النجفي (باكستاني) [4] وآية الله محمد إسحاق الفيّاض (أفغاني)[5]. وآية الله محمد اليعقوبي (عربي)[6]. يؤلف هؤلاء المراجع الذين يُطلق عليهم تعبير" المراجع العظام[7] "ما يمكن اعتباره مجمعاً قيادياً روحياً وسياسياً. إن معظمهم – تقريباً- أصبح بفعل التطورات التي شهدها العراق منذ احتلاله، مرجعاً سياسياً، فضلاً عن كونه مرجعاً دينياً لأتباعه الروحيين الذين بات معظمهم اليوم من القادة السياسيين. وعلى الرغم من أن هذا الجانب لم يكن أمراً معتاداً أو مألوفاً في الحياة الداخلية للحوزة؛ إلا أن التطورات السياسية السريعة هي التي دفعت بآياتها الكبار إلى واجهة دور سياسي لم يستعدوا لملاقاته قط؛ بل إن الكثير من المجتهدين الكبار، ربما بسبب أصولهم غير العراقية، غالباً ما ترددّوا أو أحجموا عن المشاركة في أي نشاط سياسي محلي له خاصية "الشأن الداخلي". فعلى امتداد تاريخ الحوزة الطويل نسبياً، تعاقب على قيادتها والصعود إلى مركز المرجع الأعلى للشيعة فيها، عدد كبير من آيات الله لم يكن من بينهم سوى عدد قليل فقط من أصول عربية. ومع أن هذا التاريخ يفصح عن نمط من السلاسة والتلقائية في صعود رجال الدين العظام إلى مركز المرجع الأعلى؛ فإنه لم يكن ليخلو من توترات وهزّات متقطعة.وعلى الرغم من مظاهر السلاسة في أشكال انتقال مركز المرجع الأعلى بين المجتهدين العظام عقب وفاة أي منهم؛ فإن المؤسسة الدينية كانت عرضة للانشقاق بفعل ضراوة التنافسات والصراعات الخفية التي كانت تدور في أروقتها حول موضوعين رئيسيين متلازمين:

الأول:

ويدور حول الأصول العرقية (الأثنية) للمرجع الديني. لقد كان هناك على الدوام جدل حول أصول وجذور الأسر والعائلات التي ينحدر منها علماء النجف من المراجع العظام. بيد أن هذا الجدل ظل داخلياً ومُتستّراً عليه ولم يخرج إلى العلن إلا في حالات استثنائية.ولذلك جسدت ميول الأتباع والمقلدين (الذين يفضلون هذا المرجع على ذاك) وبعمق نادر في تاريخ المؤسسات الدينية، فكرة وجود نزاع خفي حول الوطنية بين الإيرانيين والعراقيين حصراً.أي حول درجة ولاء هذا المرجع أو ذاك لهويته الجديدة التي اكتسبها بفضل وجوده في المدن العراقية المقدسة( وبالطبع لا يثار أي نقاش حول الأصول الباكستانية أو الأفغانية). إن التركيز على الأصول الإيرانية للكثير من المراجع الكبار، له صلة عميقة بالتاريخ السياسي المتوتر وربما المأسوي الذي تشكلت العلاقات العراقية/ الإيرانية في إطاره.وحتى اليوم لا يزال الكثير من المراجع العظام يحملون الجنسية الإيرانية، ويرفضون- كما الحال مع آية الله السيستاني- اكتساب الجنسية العراقية.ومع هذا يمكن القول أن الأمر برمته لم يكن ليتصل عضوياً بإثارة مسألة الهوية الوطنية للمؤسسة الدينية، بمقدار ما كان يدور من حول أشخاص بعينهم.ومن المؤكد أن الميول لإثارة موضوع الأصول غير العربية، وفي مراحل مختلفة، تضمنت رغبة جارفة من جانب العراقيين لإحداث توازن أثني مع الإيرانيين داخل المجمع القيادي، يسمح ببروز قيادات وطنية محلية.بهذا المعنى ظل الأتباع والمقلدون يفصلون تلقائياً بين عراقية المؤسسة الدينية، وبين الأصول غير العربية للمرجع الأعلى، فلا أحد تقريباً يشكك في هوية المؤسسة حتى وهو يلمح إلى هذه الأصول.وبصعوبة جمة يمكن العثور على دلائل كافية على وجود أي نوع من الحساسية من جانب الجمهور (الشعبي) تجاه "الأصول الغريبة" لهؤلاء العلماء؛ إلا في الحالات التي بدت فيها كما لو أنها كانت دليلاً على تراخي الروح الوطنية. وفي مطلع القرن الماضي وتحديداً سنوات 1914-1919 تفجر جدل واسع النطاق حول "فارسية" آية الله العظمى كاظم اليزدي، عندما أظهر استعداداً أقل من المطلوب لشحذ الروح الوطنية دفاعاً عن العراق في وجه الاحتلال البريطاني.لكن هذا الجدل من جانب ثان، وربما من غير إرادة المتجادلين، كان يعكس بقوة تنافساً محموماً بين العراق وإيران حول مقدار ونوع النفوذ والسيطرة على المؤسسة الدينية. ومن غير شك؛ فقد اتخذ هذا التنافس في بعض الأحيان، شكل تجاذب ديني بين المدينتين المقدستين قم والنجف.

على أن التنافس بين إيران والعراق (قم والنجف استطراداً) حول الحوزة، كان يتضمن بدوره وفي الجوهر، نوعاً من النزاع الخفي بين التقليدية والتجديد في الفقه الشيعي؛ ففي حين كانت قم تندفع صوب حركة تجديدية مشحونة بتأملات فكرية عميقة وراديكالية، كانت النجف تغوص أكثر فأكثر في تقليديتها وسكونيتها على مستوى الإنتاج الفكري.إن تاريخ الحوزة يحتفظ بصورة نموذجية لواحدة من أكبر مظاهر الشقاق بين المراجع العظام حول جملة من المسائل والمواضيع. وقد وقعت أخطر هذه الصراعات على خلفية مركبّة من التنافس الفقهي والأثنى؛ الموّلد لأشكال متعددة من التجاذب السياسي والثقافي بين الإيرانيين والعرب.ويبدو من هذا التاريخ أن الصراع على مركز المرجعية قد تبلور في عام 1945 على خلفية "وطنية" أكثر وضوحاً، وأثيرت فيه للمرة الأولى وبقوة مسألة الهوية من خلال إثارة مشكلة الأصول العرقية (الأثنية) لرجال الدين المتنفذين.ومع تنامي النزعة الوطنية خلال النصف الأول من القرن الماضي بين رجال الدين الكبار ومقلديهم من العراقيين، وفي إطار نزعة أعمّ كانت تشحنها أجواء النضال الوطني من أجل الاستقلال الحقيقي للعراق؛ تبدى هذا الصراع كما لو كان محاولة عراقية مبكرة لانتزاع مركز المرجعية من أيدي الأقلية الفارسية المقيمة في النجف والتي هيمنت على كل مرافقها.والمثير أن هذا التجاذب الذي عكس بقوة، وجود "أزمة هوية" في المؤسسة الدينية، قد تواصل حتى عام 1960. وطوال عقد ونصف (من عام 1945 حتى 1960) ظلت الحوزة تعيش انشقاقاً مكشوفاً وحاداً، تقاسم فيه الإيرانيون والعراقيون السيطرة موقع المرجع الأعلى.وفي هذه الحقبة الطويلة والمريرة من الصراع انقسمت المؤسسة الدينية إلى حوزتين في قم والنجف.

انحصر التنافس طوال خمسة عشر عاماً متواصلة بين آية الله محسن الحكيم (العراقي) وآية الله حسين البروجردي (الإيراني) المقيم في قم. وفي حين تمسك العراقيون بالحكيم مرجعاً أعلى؛ فإن الإيرانيين ردّوا بالتشبث بمرجعية البروجردي. لقد عكس هذا التطور الفكرة القائلة أن تنافساً محموماً كان يدور فيالخفاء، بين المدينتين المقدستين قم والنجف حول أحقية الاحتفاظ بالمركز الروحي للشيعة، وأن هذا التنافس كان تجسيداً للجدل المُتًسّتر عليه والذي تفجر داخل أروقة الحوزة حول "الهوية". واليوم، تثير التطورات السياسية العاصفة في العراق ومن جديد، الجدل القديم نفسه بما ينبئ بوجود "أزمة هوية" عميقة.

الثاني:

وكان يدور في نطاق أضيق حول مسألة بدت في أنظار الكثيرين، كما لو أنها تعبر عن نمط غريب وغير مألوف من التنافس، سرعان ما تبلور بوصفه أكبر وأخطر نزاع داخل المجمع الروحي وامتد إلى خارج الحوزة، ليبلغ أسماع المجتهدين الآخرين الذين أصبحوا طرفاً فيه. كان الصراع يدور وبشكل مكشوف حول الأعلمية، أي حول الجدارة والحق من حيث غزارة العلم في تبوء مركز المرجع الأعلى.

وهكذا تلازم الجدل حول الجذور الأسرية والأصول العرقية (الأثنية) للمراجع العظام، مع الصراع فيما بينهم حول الأعلمية.ففي مطلع عام 1992 ومع وفاة الخوئي وعلى خلفية هذا النمط من النزاعات، حدث ما يمكن اعتباره أول لحظة فراغ كبرى في مركز القيادة الروحية.لقد نجمت الأزمة التي تفجرّت علناً حول الأعلمية بعد بروز مطالبين لم تُسمع أصواتهم من قبل.في هذا التاريخ رحل آية الله أبو القاسم الخوئي تاركاً من ورائه أزمة عاصفة أُثيرت فيها بقوة، ربما للمرة الأولى وبهذا القدر من العلنية والوضوح، المسألتان المتلازمتان: الجذور غير العربية لقادة الحوزة والأعلمية.ولم يكن أمراً مفاجئاً أن يتقدم إلى مسرح النزاع رجل مثل محمد (محمد) صادق الصدر[8] الذي قدّم نفسه آنئذ، مستغلاً أصوله العربية وكفاءته العلمية، كمرشح قوي يجمع بين الخصلتين النادرتين. لكن مسار النزاع اتخذ منحى مغايراً لتوقعات الصدر وأنصاره وبشكل مفاجئ ومخيب للآمال، عندما استقر رأي رجال الدين الكبار على اختيار السيد عبد الأعلى السبزواري [9] وكان من سكان النجف.إلى جانب الصدر كان هناك منافس آخر لا يقل هيبة وشعبية في أوساط رجال الدين هو آية الله السيستاني. بيد أن الأغلبية رجحت كفة السبزواري في النهاية.

إلى جانب هذين المتنافسين اللذين زاحما السبزواري على المركز، كان هناك عدد من المراجع الكبار أمثال الفياض والنجفي والشيخ علي الغروي[10] والسيد مرتضى البروجردي[11] ممن أبدوا معارضة قوية منذ عام 1992 لفكرة صعود محمد صادق الصدر إلى موقع المرجع الأعلى. ولكن هؤلاء اكتفوا باستمرار بمراقبة تطورات الأزمة حيث بلغت ذروتها مع وفاة الخوئي.على أنهم ومع استمرار الصدر في تقديم نفسه كمطالب بالمركز، سرعان ما كشفوا عن مواقفهم الحقيقية إزاءه وراحوا يعارضونه علناً. وما انفك النزاع يتواصل بين المراجع العظام حتى مع صعود السبزواري لتُسمع أصداؤه في كل مكان من قم والنجف وكربلاء والكاظمية ببغداد. بعد ثمانية أشهر توفي السبزواري الطاعن في السن. وبذلك أصبح الطريق ممهداً بصورة مفاجئة أمام الخوئي الذي كان أقوى المرشحين. ولكن ومع حلول خريف عام 1998 وقعت حادثة قتل مرّوعة ذهب ضحيتها الشيخ الغروي في طريق عودته من كربلاء، لتعيد المتنافسين إلى دائرة الصراع من جديد وليجري تبادل الاتهامات والشتائم والإهانات الشخصية. لقد بلغت الإهانات المتبادلة بين المراجع العظام في بعض الأحيان مستوى مريعاً، فعلى سبيل المثال،اتهم محمد صادق الصدر خصمه الشيخ الغروي وفي خطبة حماسية في مسجد الكوفة اتسمت بالغضب، وقبيل مصرعه بأشهر قليلة بأنه لوطي[12]. وفي وقت تال، سرت شائعات في النجف أن الصدر كان وراء تحريض الأجهزة الأمنية المحلية لمنع الشيخ الغروي من الصلاة جماعة في الصحن الحيدري (قرب باب الطوسي). وبالفعل تم منع الشيخ من الوصول إلى المكان الذي اعتاد على الصلاة فيه. لكن الأجهزة الأمنية المركزية في بغداد سارعت إلى تطويق هذا القرار، والاعتذار من الشيخ ومبدية تعاطفها معه. كانت هذه المناسبة واحدة من المناسبات النادرة التي تبادر فيها الدولة إلى التعبير عن موقفها المحايد من الصراعات الشخصية والتنافسات الفقهية بين آيات الله. وفي الواقع ثمة الكثير من المبالغات والأوهام بشأن قدرة الدولة العراقية (سواء في عهد الرئيس السابق أو في أي عهد آخر) على التدخل لفض النزاعات المركّبة والمعقدة بين المراجع العظام. ويتضح من سلسلة مترابطة من الوقائع أن الدولة العراقية كانت حائرة وحتى مرتبكة حيال معالجة هذا القدر من التوتر بين رجال الدين. إن عجزها يوحي أحياناً كما لو أنها كانت طرفاً متآمراً. ومن المؤكد أن سلوك محمد صادق الصدر العنيف والساخط والذي يوصف– من جانب خصومه- بالرعونة وخصوصاً تورطه في ممارسات ذات طابع جرمي، هو من النوع الذي يتسبب بالحرج لأي حكومة، بينما تبدو فوائده قليلة للغاية. وعلى الأرجح بدت محاولات الصدر لإيذاء الشيخ الغروي، بمناسبة أو دونها، أبعد ما تكون عن كونها توجيهاً حكومياً أو تفاهماً مع جهة رسمية أو حزبية.كان الشيخ الغروي في الثمانين من عمره، واعتاد على القيام مساء كل يوم خميس بزيارة مرقدي الإمامين الحسين والعباس (ع). وعندما لقي مصرعه أثار شكوكاً قوية بشأن مسار النزاع الذي اتخذ منذ الآن طابعاً جديداً.وطبقاً لشهادة شاهد عيان (شهادة خاصة بالمركز العراقي للدراسات الاستراتيجية[13) حضر تمثيل الجريمة بعد إلقاء القبض على المجرمين؛ فإن الشكوك حامت بالفعل، من حول آية الله محمد صادق الصدر دون غيره من المراجع. يقول شاهد العيان (ص. م): بعد وقوع الجريمة مباشرة وبعد الإعلان عن إلقاء القبض على الفاعلين جرى الاتصال بي من قبل بعض المسؤولين الرسميين، مع عدد من وجهاء مدينتي كربلاء والنجف.هناك شاهدت الفاعلين وهم يعيدون تمثيل الجريمة في مسرحها (خان الربع على الطريق المؤدي إلى النجف).عندما وصلنا إلى المكان كانت هناك ثلاث سيارات، واحدة خاصة بنقل السجناء واثنتان من نوع بيك آب بيضاء اللون وسوبر سيدان موديل 1990 بيضاء اللون أيضاً، ولكن بدت عليها أثار أعيرة نارية ودماء. كان عدد المنفذين خمسة معظمهم من آل بو غانم من سكان منطقة الحسينية في محافظة كربلاء.لقد سمعت بنفسي اعترافات القتلة الذين قالوا صراحة وبوضوح أنهم تلقوا أوامر بتنفيذ القتل من آية الله محمد محمد صادق الصدر، وأنهم امتثلوا لأمره (لأنه فرض عين) أي أمراً واجب التنفيذ وغير قابل للمراجعة.

بمصرع الشيخ الغروي، بدأت حقبة مثيرة من التنافس المرير حول مركز المرجع الأعلى، وبدا أن الصدر تخلص من أحد أخطر معارضي صعوده.بيد أن حادث القتل أثار فزع المراجع العظام الذين راحوا يراقبون بذعر تطور التنافس واتخاذه منحى جديداً.ولذا انزوى معظمهم في منزله، وبصعوبة بالغة كان يمكن رؤيتهم وجهاً لوجه حتى من أخلص أتباعهم. قبل هذا الوقت بقليل وقع حادث خطير؛ إذ توفي بصورة غامضة معارض آخر للصدر هو الشيخ مرتضى البروجردي، وذلك ما ضاعف من المخاوف والشكوك بشأن دور ما للدولة العراقية في تطور النزاع بين المراجع العظام. لكن مسارعة الدولة للكشف عن قتلة الغروي، وتشديد الحراسة الشخصية لتأمين حماية خاصة لرجال الدين، بدد تلك المزاعم والتقوّلات، وأعاد وضع المسألة برمتها في الإطار الذي جرت فيه، أي التنافس الشخصي المحموم.

على أن تدابير الدولة العراقية برغم ذلك لم تساهم إلا بشكل محدود في تبديد هذه المخاوف؛ وعلى العكس من ذلك ثارت أسئلة حائرة حول السبب الذي دفع الحكومة إلى الإحجام عن اتخاذ إجراء قانوني ضد آية الله محمد صادق الصدر؟ وفي الواقع وطبقاً لشهادة خاصة من ضابط أمن كبير سابق (حصل عليها المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية)[14] فإن الدولة كانت تشعر بالحرج الشديد من الدخول في قلب صراع ضار ومحتدم من هذا النوع، ربما لخشيتها "من استغلاله من جانب خصومها، ومن جانب إيران التي ما برحت تكيل لها التهم " بالتدخل في شؤون الحوزة". كما أن خشيتها المفرطة- في حال تدخلها ضد الصدر- من فقدان السيطرة على مجرى الأحداث، أو حتى من تعقد الأمور خصوصاً وأن الصدر كان مستعداً للدفع بالمواجهة مع الدولة شوطاً أبعد، ساهمت إلى حد ما في تفاقم هذه المخاوف.

الرسم البياني التالي يوضح سنوات صعود آيات الله إلى مركز المرجع الأعلى خلال قرن كامل

آية الله العظمى محمد كاظم اليزدي[15] (إيراني) 1903-1919 توفي في 30 حزيران

آية الله العظمى الميرزا محمد تقي الشيرازي (إيراني) من نهاية أيار 1919- حتى 17 آب 1920

آية الله فتح الله الأصفهاني -شيخ الشريعة- (إيراني) من آب 1920- إلى 18 كانون الأول 1920

آية الله العظمى سيد أبو الحسن الأصفهاني[16] (إيراني) 1921- 1945.

آية الله محسن الحكيم (عراقي) الانشقاق، آية الله حسين البروجردي[17](إيراني) (لنجف) 1945 -1960 (قم)

آية الله محسن الحكيم1960-1970 آية الله الخوئي (أذربيجان إيران) 1970-1992

آية الله السيد عبد الأعلى السبزواري (إيراني)1992-1993

آية الله السيد علي السيستاني ( إيراني) 1994 – وحتى اليوم

وخال سنوات الاحتلال الثلاثة 2003-2006 التي أعقبت الإحتلال تطور فيها عدد التلاميذ قياساً على ما كان عليه الحال في عهد انتظام السابق. فحتى وقت قريب قبيل احتلال بغداد كان الخمسة الكبار يشرفون على عدد محدود للغاية من التلاميذ، قد لا يتجاوز بضع مئات من طلاب العلوم الدينية في النجف، وهؤلاء ُيعدّون من التلاميذ الرسميين الذين تتم تهيئتهم ليصبحوا في المستقبل آيات الله[19]. أما اليوم؛ فإنهم يشرفون على عدد أكبر من التلاميذ والموارد المالية. لقد كشف جدول أعده مركز الدراسات الإستراتيجية العراقية عن التطور اللافت في أعداد التلاميذ (الذين تدفقوا على مدارس الحوزة في النجف خلال وقت قصير لا يتعدى ثلاث سنوات). كما أنه يشير إلى نمط جديد من التدفق شبه الجماعي ومن جانب شرائح اجتماعية فقيرة ومحلية في الغالب؛ إذ من النادر أن يلاحظ الباحث – في التاريخ التعليمي للمؤسسة الدينية-مثل هذه الأعداد من طلاب العلم الذين يتدفقون من مدن الجنوب( الديوانية والناصرية والبصرة).إن التفسير المنطقي الذي يمكن أن ينصرف إليه ذهن الباحث أو المحلل، يقول بوجود ترابط بين تحللّ وتلاشي الدولة وبين هذا النمط من التدفق.بيد أن محو الدولة في نيسان/ إبريل2003 وتلاشي كل شكل من أشكال الرقابة التي كانت تضبط الانتساب إلى المدارس الدينية وتقوم بتنظيمه، قد يكون سبباً وحسب من بين أسباب أخرى، لعل في مقدمتها صعود دور الحوزة السياسي، وحرص الجماعات السياسية الدينية على الزج بأعداد أكبر من أنصارها في هذه المدارس، وذلك من اجل إعداد جيل جديد من رجال الدين الشباب.إن تحليل هذا النمط من التدفق شبه الجماعي، يلزمنا برؤيته في سياق صعود موجة جماهيرية كبرى يحركها رجال الدين.

النسب وأشكال القرابة بين المراجع

باستثناء المراجع العظام في الحوزة (مجمع الخمسة الكبار) الذين ينحدّرون من أصول غير عربية؛ فإن الكثير من المراجع الكبار( العرب) خارج الحوزة في النجف وكربلاء والكاظمية، يرتبطون مع بعضهم البعض بروابط نسب وقرابات دموية مباشرة.مثلاً القرابة التي تجمع كلاً من باقر الصدر ومحمد صادق الصدر وحسين إسماعيل الصدر ( الكاظمية) ومقتدى الصدر

النموذج التالي يوضح طبيعة هذه القرابات:

عبد الهادي الصدر

محمد صادق إسماعيل محمد باقر( الصدر)

محمدحيدر _ حسين جعفر

مصطفى _ مقتدى _ مؤمل_ مهيمن

ولتوضيح طبيعة هذه القرابات ونمط تشابكها مع التنافس الروحي والصراع الدامي على المرجعية، تسوق شخصية روحية[23] بارزة الحادثة التالية وهي ذات دلالة خاصة لأنها تلقي الضوء على الطبيعة المتراكبة للتنافس بين أبناء العمومة من رجال الدين الكبار:

عندما فجرّ محمد محمد صادق الصدر صراعه ضد المرجعية في النجف، وقدم نفسه كصاحب أفضلية في بلوغ مرتبة المرجع الأعلى للطائفة، طلب من حسين إسماعيل الصدر (ابن عمه) أن يقلده، أي أن يصبح من مريديه وأتباعه على جري عادة التقليد عند المراجع. لكن حسين رفض الطلب لأنه كان يقلد آية الله السيستاني، فأرسل محمد صادق الصدر من يطلق النار على حسين الذي نجا من الموت. فيما بعد اعترف المتهم بإطلاق النار أنه ُأرسل من قبل محمد صادق الصدر. بعد ذلك تصاعدت تهديدات محمد صادق لابن عمه حسين حتى أرغمه على القبول بعودة جعفر (بن محمد باقر الصدر) إلى كنف أخته، زوجة مصطفى بن محمد صادق الصدر. ولكن ما أن بلغ جعفر العشرين من عمره عام 1998 حتى قام بتهريبه سرّاً إلى إيران. وهكذا تراكمت الاتهامات وتنوعت من حول آية الله المُطالب – دون جدوى- بحق الاعتراف بأعلميته وجدارته في تولي موقع المرجع الأعلى.

الصراع مع آل الحكيم ومصرع صادق الصدر[24] (والد مقتدى).

المنظور الجديد الذي يقترحه هذا البحث لحادث مصرع محمد (محمد) صادق الصدر والد مقتدى، يُلاحظ ما يلي: إن القرابات الدموية المباشرة دخلت في نسيج الصراع حول المرجعية، وأن الاغتيال الذي تعرض له محمد محمد صادق الصدر يقع في قلب مجموعة من العوامل الثقافية والفقهية والسياسية.في هذا الإطار تزعم شهادة شخصية من رجل دين بارز "أن الدولة في عهد الرئيس صدام حسين لا علاقة لها بحادث الاغتيال"و" أن المعلومات المؤكدة تؤيد حقيقة أن جهة إيرانية كانت لها مصلحة مباشرة في التخلص من الصدر المنافس العنيد للمرجعية التقليدية في النجف". وتقول (في مقابلة خاصة[25) أن مقتدى الصدر استقبل بعد مصرع والده أحد مدراء الأجهزة الأمنية في الفرات الأوسط، وكان يحمل مبلغاً كبيراً من المال من القيادة العراقية (فقال مقتدى وهو يتسلم المبلغ: ابلغ سلامي للقيادة واشكر لهم موقفهم وأنا على ما كان عليه والدي معكم ولكن وين يروحون مني أولاد الحكيم[26] ).وإلى هذا فإن واقعة حضور محمد باقر الحكيم في مجلس عزاء مسجد أعظم في قم بإيران، والذي أقيم على روح الصدر، تدل على مصداقية الرأي القائل بوجود خلافات كبيرة بين الرجلين، لأن الشبهات حامت في النجف الأشرف من حول الحكيم. كما دارت شائعات خارج العراق عن صلته بموضوع اغتيال الصدر مدعوماً من الإيرانيين. والدليل الذي ُيعرض في هذا النطاق، كما تزعم شهادة الشخصية الروحية البارزة أن (القاتل اعترف بفعلته مع المجموعة التي قامت بالتنفيذ، وهو مواطن إيراني يدعى أحمد أردبيلي وأن هذا تلقى تعليماته من مهدي هاشمي المسؤول عن حركات التحرر وأن السلطات العراقية قامت بإعدام القتلة بحضور مقتدى نفسه). وتدعم رواية هامة لشخصية أمنية عاشت في قلب هذه الأحداث ( لقاء أجراه الباحث[27) فكرة وجود علاقة للحكيم والإيرانيين باغتيال الصدر، وأن ( مقتدى يعلم جيداً أن والده كان ضحية مؤامرة اشترك فيها الحكيم). وبوجه الإجمال اتسمت العلاقة بين أسرة الحكيم وأسرة الصدر بالتوتر الذي بلغ في بعض المراحل، حدود تبادل الكراهية العلنية والاتهامات. وفي التسعينات من القرن الماضي اتهم آل الحكيم، آية الله محمد صادق الصدر بالاستيلاء عنوة على كل المدارس الدينية والمكتبات التابعة لهم، وهي مدارس ومكتبات ظل يديرها المرجع الشيعي محمد سعيد الحكيم لسنوات.لكن الدولة العراقية سارعت إلى انتزاعها من يده وإعادتها إلى آل الحكيم[28]. ويبدو أن حادث مصرعه كان بمثابة المادة المفجرّة والصاعقة في هذا التوتر.وثمة معلومات مؤكدة أن المعارك التي نشبت في النجف بين مقتدى الصدر وأتباع السيستاني ( صيف 2004) دارت بعد أنباء عن تجريف قبر الصدر من قبل فيلق بدر الذي يتبع المجلس الأعلى (بقيادة عبد العزيز الحكيم). لئن جرى التغاضي عن هذه الواقعة، وبدلاً عنها جرى التركيز على تصوير الصراع ضد آل الحكيم كما لو أنه صراع ضد الاحتلال الذي مكنهم من فرض سطوتهم على النجف؛فإن تاريخ التنافس والمماحكات بين الأسرتين ظل يرمي بثقله على أي حادث جديد بما في ذلك تدمير قبر محمد صادق الصدر.

لقد امتزجت صور الكراهية والعداء الأسري بين الفريقين، بصور التنافس السياسي وحتى المزايدات والمناورات. وعلى الأرجح؛ فإن ارتباط اسم آل الحكيم بالغزو الأمريكي للعراق، تبدى كفرصة ذهبية بالنسبة للصدر للانتقام من خصومه.ولذا تداخل عامل القرابة التي حطمتها التنافسات، مع عامل الموقف الوطني من الاحتلال الأمريكي، وهذا الأخير بالرغبة في لعب دور واسع يقطع الطريق على آل الحكيم داخل الجمهور الشيعي؛ لتصبح- هذه العوامل – جميعاً مادة متفجرّة جديدة تغذي العداء المستعر.ومع ذلك، فإن الأحداث والظروف سرعان ما دفعت الأسرتين المتصارعتين إلى التعاون بأشكال وصور مختلفة، جسدتها أخيراً قصة التنسيق بين جيش المهدي وفيلق بدر[29]. كما أن الأحداث والظروف هي دفعت الصدريين إلى تناسي ما كانوا يعتبرونه " دوراً قذراً " لآل الحكيم في مساعدة الأمريكيين. إن قصة " الأصابع الخارجية " التي لطالما أُثيرت في الجدال حول الحوزة، تبدو أكثر وضوحاً حين يجري سرد منظم ودقيق لتاريخ الاتصالات الشيعية- الأمريكية المبكرة برعاية إيرانية غير مباشرة، وبمرافقة مرجعية الخوئي.

—————————————–

الهوامش

[1] يقصد بالحوزة المؤسسة الدينية التاريخية للطائفة الشيعية في النجف الأشرف. وهي المركز الذي يتجمع فيه الخمسة الكبار لإدارة الشؤون الروحية للرعايا من أبناء الطائفة. لكن، وخارج أسوار الحوزة ينتشر عدد كبير من المجتهدين الكبار الذين يعدّون من المراجع، ولهم أتباع ومقلدين ومكاتب في المدن المقدسة في كربلاء والكاظمية في بغداد.

[2] في تلك اللحظات العصيبة كانت الدبابات قد أصبحت في الشارع المؤدي إلى المرقد.وبصعوبة بالغة فهم الجنود الأمريكيون معنى الترحيب بهم داخل المدينة شرط أن لا يقتربوا أكثر.إن الفصل التعسفي بين المدينة والمرقد المقدس لا مكان له في الوجدان الشعبي العراقي (والعربي/ الإسلامي) ولذا بدا هذا الموقف شاذاً وغريباً

[3] الخوئي: من أصول أذرية إيرانية (أذربيجان إيران)

[4] في هذه الحادثة ظهر لأول مرة تعبير التيار الصدري.

[5] أنظر عادل رؤوف: عراق بلا قيادة: قراءة في أزمة القيادة الإسلامية الشيعية في العراق، منشورات المركز العراقي للاعلام والدراسات 2002-دمشق

[6] حول الاستبداد الديني وتقليدية الحوزة، يمكن العودة إلى كتابنا (ما بعد الاستشراق:الغزو الأمريكي للعراق و بزوغ عصر الكولنياليات البيضاء- بيروت، 2007، منشورات مركز دراسات الوحدة العربية)

[7] حول التدابير التي اتخذها السلطان عبد الحميد، انظر، مثلاً كتبنا (الجماهيريات العنيفة ونهاية الدولة الكاريزمية في العراق، دار الأهالي / دمشق 2005)

[8] أنظر حول ذلك مؤلف د.علي الوردي (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث)

[9] يجب التمييز بوضوح بين المواقف التقليدية لأقطاب الحوزة، وبين مواقف الأحزاب الشيعية. ليس هناك تطابق حتمي أو تلقائي. وذلك ما بينته سلسلة مترابطة من الوقائع. إن مفهوم " الشيعية السياسية " يبدو ملائماً من أجل هذا التمييز.

[10] عُرف المذهب الجعفري (الأثني عشري) بالقوة الساطعة للاجتهاد الفقهي. لكن رجال الدين الشيعة وخلال القرون الثلاثة الأخيرة لم يطوروا في الواقع أي مفاهيم أو حلول فقهية جديدة. في هذا الإطار قدم عادل رؤوف نقداً ممتازاً للرسائل التي قدمها آيات الله.حول ذلك أنظر : عراق بلا قيادة- مصدر مذكور.

[11] حول التلاعب بأموال الحوزة أنظر، مثلاً كتابنا (ما بعد الاستشراق- مصدر مذكور، ورؤوف: عراق بلا قيادة- مصدر مذكور أيضاً)

[12] حول التدخل الإيراني وأصابع البريطانيين الخفية، أنظر مثلاً: كتابنا (ما بعد الاستشراق- مصدر مذكور) وأنظر كذلك: ج. ج. لوريمر (تاريخ الخليج)

[13] وقف أوض/ اوده: أنظر: ج. ج. لوريمر وكتابنا (ما بعد الاستشراق – مصدران مذكوران)

[14] نظام الخُمس: خُمس المال المستخرج كزكاة يقدم إلى أحد المقلدين.

[15] لا توجد أي معلومات دقيقة عن كمية المال المستثمر. ولكن مصادر عدة تقدر الأموال بمليارات عدة من الدولارات. وهناك تقوّلات شائعة عن وجود نحو أربعة مليارات في قبضة مؤسسة آل البيت وحدها.

[16] حول أموال الطائفة واتهام أحد أبناء الخوئي، راجع مثلاً: رؤرف – مصدر مذكور

[17] شهادة يحتفظ مركز الدراسات الاستراتيجية بنسخة خطية منها.

[18] نظام التقليد نظام ثقافي راسخ الجذور. ولذلك يتوزع أبناء الشيعة على عدد كبير من المراجع.

—————————————————–

arabrenewal.org

56 Views

عن

إلى الأعلى