الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » التاريخ » تاريخ العرب والمسلمين » تجربة محمد علي وبناء الإقتصاد المصري الحديث

تجربة محمد علي وبناء الإقتصاد المصري الحديث


تجربة محمد علي وبناء الإقتصاد المصري الحديث

عبد المجيد راشد : محامى بالإستئناف العالي ومجلس الدولة / باحث دكتوراة بقسم الإقتصاد بحقوق المنصورة وحاصل على درجة الماجستير في الإقتصاد / عضو لجنة التنسيق المركزية بحزب الكرامة

مقدمة ضرورية

كانت مصر تشهد – منذ منتصف القرن الثامن عشر- مخاضا عنيفا، وولدت بواكير نهضة سياسية وإقتصادية على عهد حكم المملوك علي بك الكبير، وساندتها محاولات للتجديد الديني والفقهي على يد شيخ الأزهر حسن العطار "1768 – 1835"، أستاذ رفاعة الطهطاوي.

وكان طبيعيا أن تكون مصر أقدر على التجدد الذاتي، ليس فقط بسبب مزايا الجغرافيا والعمق التاريخي الثقافي الممتد عشرات القرون، ولكن أيضا بسبب تزايد كثافة دورها القيادي على مسرح المنطقة بعد تداعي أدوار دمشق وبغداد وتعثر الآستانة، كانت مصر هي التي هزمت حملات أوروبا باسم الصليب التي إستمرت مائتي عام، ومصر هي التي ردت بقيادة قطز وبيبرس حملات المغول التي إجتاحت بغداد وأنهت حكم العباسيين، ونقل مماليك مصر إلى القاهرة نوعا من الخلافة الإسمية للعباسيين بدأت بالمستنصر "1361" وإنتهت بعزل المتوكل الثالث "1517" على يد السلطان العثماني سليم الأول، ورغم تحولها إلى جزء من الخلافة العثمانية، فقد حافظت على إستقلالها التقليدي المستقر منذ دولة أحمد بن طولون "835 – 884" ودعم دور مصر أن خلافة الآستانة راحت تترنح أمام ضربات أوروبا بنهضتها البازغة، وبدأت أكبر هزائم العثمانيين إثر محاولتهم إحتلال فيينا عام "1683" ونجح الحلف الصليبي الأوروبي في فرض معاهدة "كوشوك" في إبريل 1774 على السلطان عبد الحميد الأول، بعدها فرضت الحماية الأوروبية على المسيحيين في رعايا الدولة العثمانية.

وكانت أوروبا تحاول فتح أبواب مصر لنفوذها، خصوصا الإقتصادي، منذ القرن السادس عشر وكان ممثلو فرنسا في القاهرة والآستانة يقترحون إحتلالها منذ أوائل القرن الثامن عشر، بل أن النمسا كانت تفكر في الإستيلاء على مصر من قبل ذلك.

ففكرة غزو مصر أقدم كثيرا من نابليون في عهد حكومة الديريكتوار، وتعود إلى منتصف القرن السابع عشر وهي أيضا ليست فرنسية فقط، لأن هناك مشروعا آخر روسيا ومشروعا يونانيا، كان دافعهما هو الصراع العنيف مع الإمبراطورية العثمانية، وكانت فكرة غزو مصر هي الحل الإستراتيجي في تلك المشاريع جميعا، لأن ضرب تركيا في مصر هو المفتاح الإستراتيجي السحري.

وسوف نجد الرحالة الفرنسي الأب كوبان في كتابه عن "الحروب الصليبية" يدعو إلى نفس الفكرة في منتصف القرن السابع عشر، كما نجدها في مقترحات بعض القناصل الفرنسيين في البلاط العثماني بالآستانة مثل دنيس دي هاى والماركيز دي فوانثيل وجير رواق، ولكن أخطر هذه المشاريع، مختلفة المصادر، كان هذا المشروع الذي قدمه المفكر الألماني ليبينيز وظل يلح به في مذكراته وخطاباته، ففي هذا المشروع يتحول ليبينيز من مفكر يدعو إلى التوفيق بين الأرثوذكسية والكاثوليكية، وبين أرسطو وديكارت، إلى داعية أهوج لفكرة عسكرية جعلته يعكف على دراسة مبررات الحملة وظروفها السياسية والإجتماعية، بل ودراسة الشواطئ المصرية والمسافة بين فرنسا ومصر وسهولة الإنتقال بالبحر ومدة الإنتقال وعدد التحصينات، وغير ذلك من عوامل "تقدير الموقف" التي يعكف عليها العسكريون بالضرورة.

وقد كتب هذا المشروع الفيلسوف الألماني ليبينيز عام 1672 وأرسله إلى الملك لويس الرابع عشر أقوى ملوك أوروبا و"الملك الشمس" كما كان يوصف، وفيه يدعو الفيلسوف الملك أن يكف عن حروبه الأوروبية مع المسيحية في أوروبا فيعبر البحر إلى مصر، لأن الإستيلاء على مصر سوف يوقف المد العثماني الإسلامي وسط أوروبا ولأن تركيا العثمانية تهدد بولندا والمجر والنمسا.

وقبل ذلك كانت أوروبا الإستعمارية قد حققت نجاحاتها الأولى بإكتشاف الأمريكتين عام 1493، وسقطت غرناطة في يد فرديناند وإيزابيلا، اللذان مولا في العام نفسه رحلة كريستوفر كولومبس التي إنتهت بإكتشاف أمريكا، ثم تمت لها السيطرة على الشرق الأقصى بعد إكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، ثم نجحت أوروبا في تقليم أظافر القوة العثمانية، بعدها إتجهت أوروبا الإستعمارية بميراثها الصليبي لإحتواء القلب العربي الإسلامي، وكانت حملة نابليون طليعة الزحف، ورغم أن المقاومة البطولية للشعب المصري نجحت في صد الحملة الفرنسية ثم الحملة الإنجليزية بعدها، إلا أن أثر الحملة الفرنسية بالذات ظل باقيا يدغدغ الخيال النهضوي في مصر، فقد جاءت الحملة الفرنسية ومعها لمحات عن العلوم الحديثة التي طورتها الحضارة الأوروبية "نقلا وإضافة للإبداع الحضاري العربي الإسلامي" وجاءت معها بالأساتذة الكبار الذين قاموا بدراسة أحوال مصر والكشف عن أسرار تاريخها القديم. وكان ذلك تحديا إستفز إستجابة تقابله، وقال الشيخ حسن العطار: "إن بلادنا لابد أن تتغير، ويتجدد فيها من العلوم والمعارف ما ليس فيها" وجاءت تجربة محمد على لتضع أمنية شيخ النهضة في الممارسة والتطبيق.

وفي هذه الدراسة الموجزة سوف نتناول تجربة محمد من منظور "الرؤية التاريخية".

تجربة محمد علي وبناء الإقتصاد المصري الحديث

كان محمد علي من بين جميع رؤساء الدول في الشرق الإسلامي، في ذلك العصر، القائد الوحيد الذي يعتبر الإقتصاد أساس السياسة، ومن ثم كان هذا الضابط الألباني الواعي المدرك رجل دولة، والدولة التي كان بصدد إقامتها تتمثل بادئ ذي بدء عام 1805 في دولة قديمة عريقة ترتكز على جيش قوي فعال وتعتمد على نظام إقتصادي قوي حديث يقوم على الإكتفاء الذاتي. [1]

ولكي نفهم سياسة محمد علي الإقتصادية وتوجهاته ينبغي الإشارة إلى أنه لم يكن واليا عثمانيا تقليديا شأن الولاة الذين كانت إسطنبول تقذف بهم إلى باشاوية مصر ولا يفعلون شيئا سوى تحصيل الأموال وإرسالها إلى السلطان مع مخصوص يقال له "الصرجي" أي حامل صرة المال، ولكنه كان قيادة مختلفة من عدة أوجه:-

فهو لم يكن عسكريا محترفا، وإن كانت هذه صورته التي عرفه بها المصريون، بل كان في الأصل رجلا مدنيا عمل بالتجارة وخدم في الجيش العثماني لبعض الوقت

تجربة محمد علي وبناء الإقتصاد المصري الحديث

وكان طبيعيا أن تكون مصر أقدر على التجدد الذاتي، ليس فقط بسبب مزايا الجغرافيا والعمق التاريخي الثقافي الممتد عشرات القرون، ولكن أيضا بسبب تزايد كثافة دورها القيادي على مسرح المنطقة بعد تداعي أدوار دمشق وبغداد وتعثر الآستانة، كانت مصر هي التي هزمت حملات أوروبا باسم الصليب التي إستمرت مائتي عام، ومصر هي التي ردت بقيادة قطز وبيبرس حملات المغول التي إجتاحت بغداد وأنهت حكم العباسيين، ونقل مماليك مصر إلى القاهرة نوعا من الخلافة الإسمية للعباسيين بدأت بالمستنصر "1361" وإنتهت بعزل المتوكل الثالث "1517" على يد السلطان العثماني سليم الأول، ورغم تحولها إلى جزء من الخلافة العثمانية، فقد حافظت على إستقلالها التقليدي المستقر منذ دولة أحمد بن طولون "835 – 884" ودعم دور مصر أن خلافة الآستانة راحت تترنح أمام ضربات أوروبا بنهضتها البازغة، وبدأت أكبر هزائم العثمانيين إثر محاولتهم إحتلال فيينا عام "1683" ونجح الحلف الصليبي الأوروبي في فرض معاهدة "كوشوك" في إبريل 1774 على السلطان عبد الحميد الأول، بعدها فرضت الحماية الأوروبية على المسيحيين في رعايا الدولة العثمانية.

وكانت أوروبا تحاول فتح أبواب مصر لنفوذها، خصوصا الإقتصادي، منذ القرن السادس عشر وكان ممثلو فرنسا في القاهرة والآستانة يقترحون إحتلالها منذ أوائل القرن الثامن عشر، بل أن النمسا كانت تفكر في الإستيلاء على مصر من قبل ذلك.

ففكرة غزو مصر أقدم كثيرا من نابليون في عهد حكومة الديريكتوار، وتعود إلى منتصف القرن السابع عشر وهي أيضا ليست فرنسية فقط، لأن هناك مشروعا آخر روسيا ومشروعا يونانيا، كان دافعهما هو الصراع العنيف مع الإمبراطورية العثمانية، وكانت فكرة غزو مصر هي الحل الإستراتيجي في تلك المشاريع جميعا، لأن ضرب تركيا في مصر هو المفتاح الإستراتيجي السحري.

وسوف نجد الرحالة الفرنسي الأب كوبان في كتابه عن "الحروب الصليبية" يدعو إلى نفس الفكرة في منتصف القرن السابع عشر، كما نجدها في مقترحات بعض القناصل الفرنسيين في البلاط العثماني بالآستانة مثل دنيس دي هاى والماركيز دي فوانثيل وجير رواق، ولكن أخطر هذه المشاريع، مختلفة المصادر، كان هذا المشروع الذي قدمه المفكر الألماني ليبينيز وظل يلح به في مذكراته وخطاباته، ففي هذا المشروع يتحول ليبينيز من مفكر يدعو إلى التوفيق بين الأرثوذكسية والكاثوليكية، وبين أرسطو وديكارت، إلى داعية أهوج لفكرة عسكرية جعلته يعكف على دراسة مبررات الحملة وظروفها السياسية والإجتماعية، بل ودراسة الشواطئ المصرية والمسافة بين فرنسا ومصر وسهولة الإنتقال بالبحر ومدة الإنتقال وعدد التحصينات، وغير ذلك من عوامل "تقدير الموقف" التي يعكف عليها العسكريون بالضرورة.

وقد كتب هذا المشروع الفيلسوف الألماني ليبينيز عام 1672 وأرسله إلى الملك لويس الرابع عشر أقوى ملوك أوروبا و"الملك الشمس" كما كان يوصف، وفيه يدعو الفيلسوف الملك أن يكف عن حروبه الأوروبية مع المسيحية في أوروبا فيعبر البحر إلى مصر، لأن الإستيلاء على مصر سوف يوقف المد العثماني الإسلامي وسط أوروبا ولأن تركيا العثمانية تهدد بولندا والمجر والنمسا.

وقبل ذلك كانت أوروبا الإستعمارية قد حققت نجاحاتها الأولى بإكتشاف الأمريكتين عام 1493، وسقطت غرناطة في يد فرديناند وإيزابيلا، اللذان مولا في العام نفسه رحلة كريستوفر كولومبس التي إنتهت بإكتشاف أمريكا، ثم تمت لها السيطرة على الشرق الأقصى بعد إكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، ثم نجحت أوروبا في تقليم أظافر القوة العثمانية، بعدها إتجهت أوروبا الإستعمارية بميراثها الصليبي لإحتواء القلب العربي الإسلامي، وكانت حملة نابليون طليعة الزحف، ورغم أن المقاومة البطولية للشعب المصري نجحت في صد الحملة الفرنسية ثم الحملة الإنجليزية بعدها، إلا أن أثر الحملة الفرنسية بالذات ظل باقيا يدغدغ الخيال النهضوي في مصر، فقد جاءت الحملة الفرنسية ومعها لمحات عن العلوم الحديثة التي طورتها الحضارة الأوروبية "نقلا وإضافة للإبداع الحضاري العربي الإسلامي" وجاءت معها بالأساتذة الكبار الذين قاموا بدراسة أحوال مصر والكشف عن أسرار تاريخها القديم. وكان ذلك تحديا إستفز إستجابة تقابله، وقال الشيخ حسن العطار: "إن بلادنا لابد أن تتغير، ويتجدد فيها من العلوم والمعارف ما ليس فيها" وجاءت تجربة محمد على لتضع أمنية شيخ النهضة في الممارسة والتطبيق.

وفي هذه الدراسة الموجزة سوف نتناول تجربة محمد من منظور "الرؤية التاريخية".

تجربة محمد علي وبناء الإقتصاد المصري الحديث

كان محمد علي من بين جميع رؤساء الدول في الشرق الإسلامي، في ذلك العصر، القائد الوحيد الذي يعتبر الإقتصاد أساس السياسة، ومن ثم كان هذا الضابط الألباني الواعي المدرك رجل دولة، والدولة التي كان بصدد إقامتها تتمثل بادئ ذي بدء عام 1805 في دولة قديمة عريقة ترتكز على جيش قوي فعال وتعتمد على نظام إقتصادي قوي حديث يقوم على الإكتفاء الذاتي. [1]

ولكي نفهم سياسة محمد علي الإقتصادية وتوجهاته ينبغي الإشارة إلى أنه لم يكن واليا عثمانيا تقليديا شأن الولاة الذين كانت إسطنبول تقذف بهم إلى باشاوية مصر ولا يفعلون شيئا سوى تحصيل الأموال وإرسالها إلى السلطان مع مخصوص يقال له "الصرجي" أي حامل صرة المال، ولكنه كان قيادة مختلفة من عدة أوجه:-

فهو لم يكن عسكريا محترفا، وإن كانت هذه صورته التي عرفه بها المصريون، بل كان في الأصل رجلا مدنيا عمل بالتجارة وخدم في الجيش العثماني لبعض الوقت ثم ساقته ظروف الكساد الإقتصادي الذي صنعته حروب الثورة الفرنسية في أوروبا إلى تلبية دعوة السلطان العثماني على رأس فرقة من الألبان الأرناؤود للإنخراط في الحملة العسكرية التي أرسلت لإخراج الفرنسيين من مصر.

ومن ناحية أخرى فان محمد علي لم يكن تركيا آسيويا بالمعنى الإصطلاحي شأن عناصر السلطة العثمانية ولكنه كان أوروبيا من ألبانيا، ومن معاصرته للنشاط التجاري هناك أدرك أن قوة الدولة تتحقق من الصادرات وليس من الواردات وأن التصدير يعني زيادة الإنتاج وتنويعه لتلبية حاجة الاستهلاك المحلي.

وقد أدرك محمد علي بثاقب نظره الخطرين المتلازمين اللذين غدت مصر معرضة لهما في زمنه، مثلها مثل باقي العالم غير الغربي وهما:-

أولا: خطر أن تتجاوزها الثورة الصناعية الثانية – الرئيسية- التي كانت تنطلق حينذاك بملء سرعتها في الغرب

ثانيا: خطر الإبقاء في ظل مثل هذه الظروف على سياسة الباب المفتوح التي لابد أن تجعل الإقتصاد المصري أكثر تعرضا لخطر تعديات أوروبا المنطلقة نحو التصنيع. [2]

ولمواجهة هذين الخطرين أقام محمد على عمليا، عبر فترة عشرين عاما، إقتصادا مخططا – قبل أن تصبح هذه الكلمة معروفة بوقت طويل- مستفيدا من نصيحة بعض الفرنسيين من أنصار سان سيمون الذين كانوا جزءا من بطانته – وكان قوام هذا النظام هو إستيلاء الدولة على كل الفائض المتاح وإنشاء قطاع دولة كبير شرع في خطة طموحة للتصنيع وإقتباس أفضل ما كان بإستطاعة الغرب أن يقدمه إلى مصر في مجال المعرفة العلمية وبل وجوانب معينة من الثقافة. [3]

فبعد أن إستقرت السلطة السياسية في يد محمد علي إثر تخلصه من تهديد إنجلترا، "حملة فريزر 1807"، والتي كانت تحرض السلطان العثماني ضده، وإبعاده للسيد عمر مكرم 1809 ممثلا لزعامة شعبية رفعته إلى كرسي الولاية، ثم تخلصه أخيرا من المماليك 1811، تفّرغ لبناء إقتصاديات مصر في الزراعة والصناعة والتجارة، وما يرتبط بكل منهم من مجالات. [4]

كان الإقتصاد المصري قبل حكم محمد على في غالبه أقرب إلى إقتصاد الحاجة منه إلى إقتصاد السوق، فضلا عن ركوده العام وتدهوره طوال فترة الحكم المملوكي – العثماني، إذ لم تكن هناك تنمية زراعية حقيقية، أو إهتمام حقيقي بالري نظرا لأن الحكومات المملوكية- العثمانية المتعاقبة كانت من أصول بدوية لا خبرة لها بالزراعة، الأمر الذي أدى إلى تصحر كثير من الأراضي الزراعية وتضاؤل خصوبتها فضلا عن أن نظام الإلتزام في جمع الضرائب "الخراج" أرهق الفلاح بسبب تحصيل أموال أكثر من المقرر "برانى"، وجعل من الملتزم صاحب سطوة ونفوذ بين الفلاحين، حتى إعتقد علماء الحملة الفرنسية بأن الملتزمين ما هم إلا نبلاء، ومن ثم إتجه نابليون للقضاء عليهم أسوة بما فعلت الثورة الفرنسية تجاه أمراء الإقطاع.[5]

أما الصناعة قبل محمد علي فكانت ما تزال يدوية بسيطة لم تصل إلى الآلية التي حققتها أوروبا بفعل الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر، وكانت طوائف الحرف الصناعية وهي تنظيمات ذاتية حرة قد خضعت للحكومة، وأصبحت مشيخة الطائفة منصبا يتولاه من يدفع أكثر فلم تعد الطائفة والحال كذلك وسيلة للإرتقاء بشئون الحرفة.

وأما التجارة وهي وسيلة أساسية في تدوير رأس المال فقد كسدت في مصر بسبب تحول جانب كبير من التجارة العالمية "الترانزيت" إلى رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا بعد الكشوف الجغرافية، كما تأثرت التجارة الداخلية بعدم إستقرار الأمن وإشتداد النزاع بين الفرق العسكرية المتناحرة والغارات المتلاحقة لبدو الصحراء على القرى الآمنة، كما أدت إتفاقيات الإمتيازات التجارية بين الدولة العثمانية والدول الأوروبية والتي بدأت في عام 1535 مع فرنسا إلى سيطرة الأجانب على تجارة الصادرات عن طريق قناصلهم. [6]

كانت تلك هي صورة الإقتصاد المصري بشكل عام عشية القرن التاسع عشر. ولذلك كان من الطبيعي أن تأتي الزراعة في المكان الأول في إطار الإصلاحات الإقتصادية، ومن المعلوم أن جميع الأراضي بإستثناء أراضي الوقف كانت في أواخر القرن الثامن عشر موزعة على الملتزمين، وكانت مهمة الملتزم الأساسية تتمثل في "جباية الضرائب الواجبة على قريته أو مجموعة القرى الخاضعة لإلتزامه ونقل هذه الضرائب إلى الخزانة المركزية أو الإقليمية". [7]

ومع ذلك فقد أخذت حقوق الإنتفاع التي حصل عليها الملتزمون بالتدريج تنتقل في أغلب الأحيان لصالح عائلاتهم بحيث أن ملكية الدولة أصبحت أشبه بقطعه من اللحم المفتت، تحول دون إقامة الدولة الحديثة المركزية التي يحلم بها محمد علي، ومن ثم فقد عمد محمد علي إلى القضاء على التناثر، وتشتت إيرادات الأراضي والفوضى، والواقع أن الأراضي الزراعية في مصر عام 1805 والتي كانت تبلغ مساحتها مليوني فدان كانت مقسمة إلى ست فئات:-

1- أراضى الأبعديات أو الشفالك، وتضم مائتي ألف فدان كان محمد علي قد وزعها على أفراد أسرته ورجال الدولة وقواد الجيش وهي أراضي معفاة من الضرائب.

2- ثم أراضي الإلتزام التي حوّلها – بعد مذبحة المماليك في القلعة 1811- وتصفيتهم في مصر العليا 1812 إلى أراضى أوسية، وتشمل مائة ألف فدان منحها محمد علي كتعويض للمماليك حتى لا تحرم عائلاتهم من كل مصدر للعيش.

3- ثم أراضي المشايخ أو مسموح المشايخ والمصاطب وهي تمثل 4% من الأراضي الزراعية في كل قرية بمجموع 154 ألف فدان، سلمت للعلماء الذين كانوا في نفس الوقت يقومون بعمل الملتزمين.

4- ثم أراضى الرزقة وهي ستة آلاف فدان معفاة من الضرائب، منحت هدايا أو عطايا للخبراء الأجانب العاملين في مصر.

5- ثم أراضى الأثر التي بقيت خالية وأعطيت للفلاحين.

6- وأخيرا أراضى العربان التي أراد محمد علي أن يستقر فيها البدو. [8]

وقد أدى إنفراد محمد علي بالحكم إلى إنتهاجه سياسة مختلفة لتشغيل آليات جديدة دفعت الإقتصاد قدما إلى الأمام وربطته بإقتصاد السوق، وفي خلال ستة أعوام "1808 – 1814" قام محمد علي بسلسلة من الإجراءات إنتهت إلى تغيير أوضاع حيازة الأرض الزراعية حيث ألغى نظام الإلتزام العثماني وتم ضبط أراضى الأوقاف بإ سم الدولة وأعاد توزيع حيازة الإنتفاع على الفلاحين حيث خصص لكل أسرة ما بين ثلاثة إلى خمسة أفدنة حيازة حسب قدرة كل منها وفقا لعدد أفرادها ولا تنزع الأرض من المنتفع إلا إذا عجز عن دفع ما عليها من أموال، وقد أصبحت هذه الأراضي فيما بعد أساس الملكية الصغيرة وإلى جانبها إستحدث محمد على حيازة الأبعديات والجفالك التي أصبحت أساس الملكية الكبيرة وإستحدث ما عرف بمسموح المشايخ والمصاطب، 5% تقريبا من زمام القرية، للوجهاء والذي أصبح أساس الملكية المتوسطة فيما بعد، وبهذه السياسة أوجد محمد على شرائح إجتماعية إرتبطت بنظامه. [9]

لقد أجمع الخبراء على الثناء على سياسة محمد علي في الأخذ بأساليب الزراعة الحديثة، فقد إستحدث أساليب جديدة في الزراعة من شأنها زيادة الإنتاج حيث إستقدم مدربين وخاصة من بلاد اليونان، وأنشأ مدرسة للزراعة وعمل على إستغلال مياه نهر النيل الإستغلال الأمثل عن طريق شق القنوات والترع وإقامة القناطر للإستفادة بالمياه طوال العام، فقد أمر،عن طريق السخرة، بحفر ثلاث وثلاثين ترعة وبخاصة ترعة المحمودية الشهيرة وأقام خمسة عشر جسرا وثلاثة وعشرين سدا فوق النيل. وكذلك فقد نوّع محمد علي المحصولات الزراعية وأدخل نباتات جديدة لم تعرفها التربة المصرية من قبل سواء لأهميتها للسوق العالمية أو لأهميتها للإنتاج المحلي بديلا عن الإستيراد، ومن ذلك نبات الفوه الأحمر الذي يستخدم في الصباغة ونبات النيلة الهندية الزرقاء والكندر "نوع من التيل" والقرطم الذي يستخرج منه العصفر والسلجم والسمسم والحناء وقصب السكر والزئبقي والبن وأشجار التوت لتربية دودة القز.

ومن جانب آخر فقد كثف زراعة القطن منذ عام 1821 حتى بدأ تصديره من عام 1827 والذي حقق للدولة – صاحبة الإحتكار في مجال التجارة الخارجية- دخولا هائلة ففي عام 1845 بلغ المحصول 424.995 من القنطار وهو ناتج 212.472 من الفدان بزيادة وقدرها 400% خلال عشرين عاما، وكان يدخل مصانع الغزل المصرية من هذا المحصول 80.000 قنطار كحد أقصى ويبقى حوالي 344.995 قنطار للتصدير. وقد ألزم محمد علي الفلاح بزراعة ما يقرره من الحاصلات النقدية على وجه الخصوص وتحقيقا لتنظيم الزراعة والإطمئنان إلى ما تدره كانت الحكومة تزود الفلاح الحائز بلوازم الزراعة من بذور وأدوات يخصم قيمتها من حجم المحصول عند تسليمه وتوريد الباقي لشونة الحكومة بالسعر الذي تحدده الحكومة لتطرحه في السوق المحلي والخارجي بسعر منافس لتحقيق فائض لخزينة الدولة. [10]

لقد وفرت سياسة محمد علي الزراعية رأس المال اللازم لتحويل الإقتصاد الزراعي المصري من إقتصاد غذائي إلى إقتصاد يقوم على محصول نقدي وذلك دون التضحية بإنتاج الحبوب التي كان يقوم عليها الإقتصاد الزراعي المصري منذ البداية. [11]

ومع ذلك فإن المراقبين الأذكياء في ذلك العصر لم يخطئوا التقدير فقد أدركوا أن الأمر لم يكن مجرد العمل على الأخذ بالأساليب العصرية وتنظيم الدولة، إنما يتعداه إلى تأكيد إستقلال مصر في مواجهة الدول الأخرى "كما يرى بحق، جون بورنج ممثل انجلترا في مصر. [12]

لقد إستطاع محمد علي خلال عقدين من الزمن أن يحدث إنقلابا في الإقتصاد المصري ويحدث تغييرا جذريا في النظام الإقتصادي السائد [13].

فهل من الممكن تصور مثل هذا الإتجاه داخل الإطار الإقتصادي الزراعي وحده.؟ إن محمد علي كرجل حرب ورجل سلطة كان يدرك إحتياجات الجيش والدولة، فإتجه بعزم وإصرار نحو الصناعة آخذا بنصيحة الأجانب الذين كان يستميلهم إلى بلاطه أمثال: كلوت وجوميل وبوكتى والكولونيل سيف. [14]

وقد بعث محمد علي المرحلة الأولى لنمو الصناعة في مصر عن طريق إقامة صناعات حديثة ومتنوعة تحت سيطرة الدولة وقام بتطوير هذا القطاع تطويرا جذريا تمثل في تغيير شكل الوحدة الإنتاجية وتطور أسلوب الإدارة والرقابة الصناعية، وإنتهج محمد علي في ذلك طريق التنمية المستقلة القائمة على التمويل الذاتي والإعتماد على الموارد الداخلية للدولة، ولم يعتمد على الخارج مبتعدا في ذلك عن الحصول على قروض أو معونات أجنبية ولأنه كان يراها وسيلة للنيل من إستقلال مصر وسيادتها [15].. وفي سبيل ذلك فقد إعتمد محمد علي في تمويل الصناعة على عدة مصادر ترتكز على أرباحه من الإحتكارات والتجارة وخاصة تجارة القطن وكذلك أرباحه من المشروعات الصناعية القائمة فعلا وأيضا الضرائب وبخاصة ضريبة الأرض. [16]

ففي المرحلة الأولى للتصنيع والواقعة بين عامي 1816 و1818 حافظ الإنتاج الصناعي على طابعه الحرفي، فقد إستمر نفس الحرفيين بمهنهم البدائية في عملهم، لكن محمد علي كان يزودهم بالمواد الأولية التي يعيدونها إليه بعد تصنيعها مقابل أجور تدفع لهم، وفي هذه المرحلة جني محمد علي نتائج الإحتكار الذي بدأه عام 1816 [17].. مما مهد للمرحلة الثانية والتي بدأت من عام "1818 – 1830" وهي مرحلة الصناعة الكبرى وبخاصة صناعة النسيج ومصانع التسليح والأخذ بالأسلوب الجديد في الصناعة الذي يقوم على إحتكار المواد الأولية وإنشاء المصانع التي تستخدم البخار كمصدر للطاقة، وتكونت الوحدات الصناعية الكبيرة التي تتولاها الدولة.

وفي مجال التجارة تولت الدولة تجارة الصادرات بعد أن كان الأجانب يقومون بها طبقا لنظام الإمتيازات، كما تولت تجارة الواردات أيضا، ولو أن محمد علي لم يكن يسمح بالإستيراد إلا للمستلزمات الضرورية للإنتاج ويتصل بتسهيل الإنتاج الزراعي والصناعي والتجارة وتوفير وسائل النقل والمواصلات ومن هنا عمل محمد علي على تمهيد الطرق البرية وتنظيم البريد والتلغراف وبناء أسطول تجاري، وإصلاح الموانئ وتطهير البحر الأحمر من القرصنة لإستخدامه لمرور التجارة بدلا من الدوران حول إفريقية عن طريق رأس الرجاء الصالح. [18]

لقد كانت أبرز ملامح التغير في الإقتصاد المصري على يد محمد علي هو تحول الإقتصاد المصري من إقتصاد اكتفاء إلى إقتصاد تبادل يتجه إلى السوق العالمية بعد أن كان يستهدف السوق المحلية أساسا، وكذلك بدء عصر الزراعة الكثيفة بدلا من الزراعة الواسعة نتيجة لإدخال الري الدائم وإرتفاع الرقعة الزراعية من مليوني فدان سنة 1805 إلى 3.856.000 فدان سنة 1840 حيث كانت معظم هذه المساحات تخضع لنظام الري الدائم كما تركز أغلبها حول الدلتا [19]، وإدخال محاصيل جديدة نقدية بحيث تم تنويع المركب المحصولي تنويعا كبيرا، كما تم زيادة الإنتاج الزراعي دون أن يكون ذلك على حساب محاصيل الحبوب والغذاء التي كانت أساس الزراعة المصرية منذ القدم وعلى رأس هذه المحاصيل كان القطن، أيضا فقد أرسى محمد علي قاعدة صناعية كبرى لأول مرة في تاريخ مصر الحديث، فهو أول من أدخل نظام المصنع بمفهومه الحديث في مصر بعد أن كان يتم الإنتاج في المنازل أو في ورش صغيرة واستخدم الآلات الحديثة المتطورة في المصانع وإهتم بتدريب العمال المصريين عليها ولم يكتف بإستيراد الفن الإنتاجي الأوروبي فقط، إنما قام بتطويعه لخدمة الصناعة المصرية [20].. وكذلك إحتكار محمد علي للتجارة خاصة الصادرات والواردات.

لذلك فإنه من منتصف ثلاثينيات القرن التاسع عشر وبعد قرابة عشرين عاما من تطبيق هذه السياسة بدأت الدول الأوروبية تدرك أن ثمة شيئا يحدث في مصر لا يتفق مع الإمتيازات التي تتمتع بها تلك الدول في أنحاء الولايات العثمانية، ذلك أن قناصل الدول الأوروبية وهم تجار بطبيعة الحال ويقومون بدور الوكيل التجاري في مصر لاحظوا أن محمد علي ألغى دورهم فلا أحد يشتري عن طريقهم شيئا ولا أحد يبيع لهم شيئا، ومن ثم بدأت شكاياتهم لدولهم من أن محمد علي لا يطبق نظام الإمتيازات، وكانت إنجلترا أسبق الدول الأوروبية تضررا من سياسة محمد علي الإقتصادية فهي دولة صناعية ويمثل الإنتاج الصناعي مصدرا أساسيا للدخل العام بها، ومن ثم فأنها بحاجة شديدة إلى تصريف الإنتاج في السوق الخارجية تحقيقا لزيادة الموارد من ناحية ولتدوير رأس المال من ناحية أخرى، وكانت السوق المصرية أحد مجالات إنعاش الإنتاج الإنجليزي بهذا المعنى، إلا أن سياسة محمد علي كان من شأنها أن تؤدي إلى إصابة شرايين الإقتصاد البريطاني بجلطة دموية تؤثر تدريجيا على نشاط الدورة الحيوية لرأس المال البريطاني. [21]

ولذلك فقد لجأت الحكومة البريطانية إلى وسيلة أخرى لتشجيع محمد علي، هذا "المحتكر" على فتح السوق المصرية أمام المنتجات الإنجليزية، ومن ثم أبرمت معاهدة تجارية جديدة مع السلطان العثماني عرفت باسم "بلطة ليمان"، نسبة إلى مكان عقدها، تقضي بأن تفتح أسواق الولايات العثمانية للبضائع الإنجليزية مقابل تحصيل 9% جمارك و3% في حالة التصدير من الولايات، لعل ذلك يشجع محمد علي، غير أن محمد علي رفض تنفيذ الإتفاقية لأن تنفيذها يعني تقويض دعائم سياساته الإقتصادية والتي كان عودها قد بدأ يشتد ويترسخ، فما كان من السلطان العثماني إلا أن أعطاه مهلة عام للتنفيذ، إلا أن محمد علي تمسك بموقفه وأبى أن ينصاع إلى التهديد، وفي أغسطس 1839 إنتهى عام المهلة دون أن يتراجع محمد علي عن موقفه، ثم كان ما كان من تحالف القوى الأوروبية بزعامة إنجلترا مع السلطان العثماني للإيقاع بمحمد علي، ولكل طرف أسبابه لكن الهدف واحد، السلطان العثماني كان يخشى تهديد محمد علي بالزحف على إستانبول، وإنجلترا التي تريد فتح السوق المصرية، وأخيرا تم المراد بمقتضى إتفاقية لندن في يوليه 1840.

والدليل على أن سياسة محمد علي الإقتصادية كانت السبب في الإيقاع به، أن اتفاقية لندن نصت فيما نصت عليه، على أن محمد علي ملزم بتنفيذ الإتفاقيات التي يعقدها السلطان العثماني مع أي دولة وهي إشارة إلى إتفاقية "بلطة ليمان" وحاول محمد علي أن يراوغ لعدم تنفيذ المعاهدة بتشجيع من فرنسا إلا أنه لم يكن هناك مفر في النهاية من الإذعان، ثم تغيير سياساته الإقتصادية وبداية الرجوع عنها في عهد أولاده. [22]

كان محمد علي باشا – إذن- صاحب مشروع سياسي نهضوي يهدف في المقام الأول إلى بناء قاعدة عسكرية وسياسية حديثة ذات شأن تقي المشرق العربي عدوان الغرب لا عن طريق المواجهة وإنما عن طريق التزود بأسباب المنعة والقوة التي تحقق نوعا من توازن القوى مع الغرب وتجعل الأخير يتعامل مع الدولة العثمانية معاملة الند للند، لذلك فقد سعى إلى أن يقيم في مصر "دولة نموذجية" حديثة توفر له فرصة إقامة دولة إسلامية قوية من خلال تطبيق نموذج مصر على الدولة العثمانية ذاتها، فقد صرح يوما لبعض خلصائه برغبته في الوصول إلى الآستانة، وخلع السلطان وتولية ابنه الصبي وتنصيب نفسه وصيا عليه لتتاح له فرصة إصلاح الدولة كلها، وهكذا كانت مصر – عند محمد علي- قاعدة انطلاق لمشروع سياسي إقليمي يعتمد على بناء قوة عسكرية كبيرة حديثة، وبناء مثل هذه القوة يحتاج إلى موارد مالية ضخمة تقصر دونها خزانة والى مصر التي كانت تعتمد على الخراج والمكوس، ولا يستطيع محمد علي أن ينشد تلك الموارد من مصادر خارجية كالآستانة مثلا، فقد جعله الحرص على إستقلال قراره السياسي ينفر من فكره الإستدانة ويرفضها عندما عرضت عليه في العقد الأخير من حكمه، فلا مفر أمامه من أن يدبر الموارد اللازمة لمشروعه السياسي من مصر ذاتها وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا إذا إستطاعت "الدولة" أن تضع يدها على موارد البلاد كلها، تديرها وتنميها بالقدر الذي يوفر الأموال اللازمة لبناء القوة العسكرية الحديثة، بما تتطلبه تلك القوة من مؤسسات إنتاجية وخدمية، ومن ثم كانت السياسات الإقتصادية التي نفّذها محمد علي – تدريجيا- وإنتهت بوضع الإقتصاد تحت إدارة السلطة المركزية وتعبئة الموارد لخدمة المشروع السياسي الإقليمي وإدخال تغييرات هيكلية على النظام الإداري وما إرتبط بذلك من تطور في التعليم، صحوة ثقافية.[23] وعلى الرغم من أن السبب المباشر لإنهيار تجربة محمد علي الرائدة كان التدخل الجماعي للدول الأوربية، وهزيمته العسكرية فى الحرب معها، أي الظروف الخارجية، فان السبب العميق الجذور لهذا الإخفاق يكمن في الظروف الداخلية، وفشل محمد علي في تشكيل "كتلة تاريخية" من كل القوى والفئات الاجتماعية صاحبة المصلحة في الدفاع عن منجزات التجربة وإستيعاب دروسها وتنظيم صفوفها للوقوف ضد كل محاولات اجهاضها.

والدرس المهم الثاني الذي ينبغي إستخلاصه من تلك التجربة، هو وعي أوروبا بما يمكن أن تشكّله

الوحدة العربية من خطر على مصالحها ومطامعها الإمبريالية، وإستعدادها للجوء إلى تدابير صارمة لإجهاض أي مشروع لها، إذ كان محمد علي قبل مواجهته النهائية مع أوروبا، قد مد حكمه إلى الحجاز وأجزاء مهمة أخرى من الجزيرة العربية، وإلى سوريا الكبرى، حيث رحّب به السوريون بإعتباره محررا لهم من الإمبراطورية العثمانية المستبدة والمتفسخة ومناصرا للعنصر العربي داخل الإمبراطورية، على الرغم من أنه هو نفسه كان من أصل ألباني، ولا ريب في أن هذه الصحوة للقومية العربية وإمكان تحقيق الوحدة العربية على يد حاكم تقدّمي حازم، كان من الأسباب الرئيسية – إن لم يكن السبب الرئيسي- وراء مواجهة أوروبا له [24]

cdabcd

الهوامش

[1] د. انور عبد الملك: نهضة مصر ,, الهيئة المصرية العامة للكتاب ,, القاهرة ,, ط-1 ,, 1983 ,, ص- 24

[2] د. فوزي منصور: خروج العرب من التاريخ ,, القاهرة ,, مكتبة مدبولي ,, ط-1 ,, 1993 ,, ترجمة ظريف عبد الله وكمال السيد ,, ص- 131، 132

[3] د. فوزي منصور: المرجع السابق ,, ص- 132

[4] د. عاصم الدسوقي: محمد علي باشا وبناء اقتصاديات مصر ,, مجلة الهلال ,, دار الهلال ,, اكتوبر 1998 ,, ص- 71

[5] المرجع السابق، نفس الصفحة

[6] د. عاصم الدسوقي: المرجع السابق,, ص- 71، 72

[7] د. انور عبد الملك: نهضة مصر ,, الهيئة المصرية العامة للكتاب ,, القاهرة ,, ط-1 ,, 1983 ,, ص- 24

[8] المرجع السابق ,, ص- 25

[9] د. عاصم الدسوقي: محمد علي باشا وبناء اقتصاديات مصر، مرجع سابق ,, ص- 72

[10] د. انور عبد الملك: نهضة مصر ,, الهيئة المصرية العامة للكتاب ,, القاهرة ,, ط-1 ,, 1983 ,, ص- 27

[11] Helen Anne B.Rivlin: The agricultural policy of Mouhammad Ali in Egypt ,, Haruard u. p. cambridge ,, mass ,, 1961 ,, p. 69 & 70

[12] د. انور عبد الملك: نهضة مصر ,, مرجع سابق ,, ص- 28، 29

[13] د. نوال قاسم: تطور الصناعة المصرية منذ عهد محمد علي حتى عهد عبد الناصر ,, القاهرة ,, مكتبة مدبولي ,, 1987 ,, ط-1 ,, ص- 78

[14] د. انور عبد الملك: نهضة مصر ,, مرجع سابق ,, ص- 29

[15] محمد فؤاد شكري: بناء دولة محمد علي ,, القاهرة ,, لجنة التأليف والترجمة والنشر ,, 1948 ,, ص- 245

[16] د. نوال قاسم ,, مرجع سابق ,, ص- 49

[17] د. انور عبد الملك: سابق ,, ص- 29

[18] د. عاصم الدسوقي: مرجع سابق ,, ص- 73، 74

[19] د. جمال حمدان: شخصية مصر ,, دراسة فى عبقرية المكان ,, الجزء الثالث – شخصية مصر التكاملية ,, عالم الكتب ,, القاهرة ,, 1984 ,, ص- 22

[20] د. نوال قاسم: مرجع سابق ,, ص- 84

[21] د. عاصم الدسوقي: سابق,, ص- 75

[22] المرجع السابق، ص 76

[23] د. رؤوف عباس: المشروع السياسي لمحمد علي باشا ,, مجلة الهلال ,, القاهرة ,, دار الهلال ,, اكتوبر 1998 ,, ص- 41، 42

[24] د. فوزي منصور: مرجع سابق، ص 134

hgfehg

[email protected]

arabrenewal.org/articles/11/2/EINEE-aIaI-Uai-aeEaCA-CaAPEOCI-CaaONi-CaIIiE/OYIE2.html

77 Views

عن

إلى الأعلى