الرئيسية » موسوهة دهشة » الدين » الفقه » أصول الفقه وقواعده » تتبع الرخص .. متى وكيف؟ – هشام بن محمد السعيد

تتبع الرخص .. متى وكيف؟ – هشام بن محمد السعيد


تتبع الرخص.. متى وكيف؟ *هشام بن محمد السعيد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فمن المعلوم أن غالب الأصوليين قد تكلموا في (تتبع الرخص) عقيب كلامهم في مسألة (التزام العامي مذهبا معينا)، من حيث إنها مبنية على مسألة التزام المذهب ومخرّجة عليها.

والرُّخصة (بإسكان الخاء وضمها) في اللغة، يراد بها: التخفيف والتسهيل والتيسير، وأصل الكلمة كما يقول ابن فارس: "يدلّ على لين وخلاف شدة".

أما في الاصطلاح فيظهر من خلال تتبّع استعمالات أهل العلم لكلمة (الرخصة) أن لها في عُرفهم معنيين:

الأول: الرخصة الشرعية؛ وهي (ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح)، وهي التي تطلق في مقابل (العزيمة).

وهذا الاستعمال غير مراد في هذا المقام؛ لأنه لا إشكال في الأخذ بها، بل دلت النصوص الشرعية على مشروعية الأخذ بها، كما في قوله: "عليكم برخصة الله الذي رخص لكم" (صحيح مسلم).

الثاني: الرخصة الفقهية، وهو المراد هنا، وقد جاء هذا المعنى وفق الاستعمال اللغوي؛ فهي بمعنى التسهيل والتخفيف، وتتبع الرخص هو طلب التخفيف في الأحكام الشرعية.

وقد ذكر جمع من أهل العلم تعريفات لتتبع الرخص، أذكر منها: قول الزركشي بأنه: "اختيار المرء من كل مذهب ما هو الأهون عليه"، وقول الجلال المحلي: "أن يأخذ من كل مذهب ما هو الأهون فيما يقع من المسائل"، وعرّفه المجمع الفقهي بأنه: "ما جاء من الاجتهادات المذهبية مبيحا لأمر في مقابلة اجتهادات أخرى تحظره".

على أن هناك فرقا كبيرًا بين تتبع الرخص والتلفيق، وهذا الفرق يمكن إيضاحه في الآتي:

1- أن تتبع الرخص يكون بأخذ القول الأخف والأسهل، وأما التلفيق فحقيقته الجمع بين قولين، وبناء على ذلك؛ فإنه قد يكون بأخذ القول الأخف والأسهل، وقد يكون بأخذ القول الأثقل.

2- أن تتبع الرخص يكون في الحكم، ويكون في أجزائه، وأما التلفيق فإنه لا يكون إلا في أجزاء الحكم الواحد، لا في جزئيات المسائل.

3- تتبع الرخص ليس فيه إحداث قول جديد في المسألة، وإنما يتّبع الإنسان رخصة قال بها بعض العلماء، وأما التلفيق فإن القول الناتج عنه لم يقل به أحد من العلماء، وإنما هو جمعٌ أو تصرّفٌ في أقوال العلماء.

حكم تتبع الرخص

اتفق الفقهاء على أن الانتقال بين الأحكام إذا كان للتلهي فهو حرام قطعًا؛ لأن التلهي حرام بالنصوص القاطعة، وذلك كأن يعمل الحنفي بالشطرنج على رأي الشافعي قصدًا للهوى.

وقد نصّ الإمام أحمد وغيره أنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجبًا أو حرامًا، ثم يعتقده غير واجب أو غير حرام بمجرّد هواه، مثل أن يكون طالبًا لشفعة الجوار فيعتقد أنها حق له، ثم إذا طُلب منه شفعة الجوار اعتقد أنها ليست ثابتة اتباعًا لقول عالم آخر، فهذا ممنوع من غير خلاف.

كما ينبغي أن يخرج من محل النـزاع أن المجتهد إذا أوصله اجتهاده إلى رأي في مسألة أنه لا يترك ما توصل إليه، بل عليه أن يصير إلى ما أدّاه إليه اجتهاده.

وقد اختلف الفقهاء فيما عدا ذلك على أقوال، أشهرها ثلاثة:

القول الأول: منع تتبع الرخص مطلقًا:

والقول بالمنع قد ذهب إليه ابن حزم، والغزالي، والنووي، والسبكي، وابن القيم، والشاطبي، ونقل ابن حزم وابن عبد البر الإجماع على ذلك، واختلف أصحاب هذا القول في تفسيق متتبع الرخص على رأيين:

الأول: أنه يفسق، وهو رواية عن أحمد اختارها ابن القيم وغيره، وهو رأي أبي إسحاق المروزي من الشافعية، وخصّ القاضي أبو يعلى التفسيق بالمجتهد الذي أخذ بها خلافًا لما توصّل إليه اجتهاده، وبالعامي الذي أخذ بها دون تقليد.

الثاني: أنه لا يفسق، وهو رواية أخرى عن أحمد، وقال بها ابن أبي هريرة من الشافعية.

واستدل أصحاب القول الأول بالآتي:

1- أن الله تعالى أمر بالردّ إليه وإلى رسوله، واختيار المقلّد بالهوى والتشهي مضاد للرجوع إلى الله ورسوله.

2- أن تتبع الرخص مؤد إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها؛ لأن له أن يفعل ما يشاء ويختار ما يشاء، وهو عين إسقاط التكليف، فيُمنع سدًا للذريعة.

3- أن القول بتتبع الرخص يترتب عليه مفاسد عظيمة، منها:

أ- الاستهانة بالدين، فلا يكون مانعًا للنفوس من هواها، ومن مقاصد الشرع إخراج الإنسان عن داعية هواه، والقول بإباحة تتبع الرخص فيه حث لإبقاء الإنسان فيما يحقق هواه.

ب- الانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلاف، ثم إنه لا يوجد محرّم إلا وهناك من قال بإباحته إلا ما ندر من المسائل المجمع عليها، وهي نادرة جدًا.

ج- انخرام قانون السياسة الشرعية بترك الانضباط إلى أمر معروف، فتضيع الحقوق، وتعطّل الحدود، ويجترئ أهل الفساد.

د- إفضاؤه إلى القول بتلفيق المذاهب على وجه يخرق إجماعهم.

ويعضد أصحاب هذا القول مذهبهم بالآثار المروية عن السلف في ذم تتبع الرخص، ومن ذلك قول الأوزاعي: "من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام"، وعن سليمان التيمي قال: "لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشرّ كله".

كذلك فقد روي عن إسماعيل بن إسحاق القاضي قال:" دخلت على المعتضد فدفع إلي كتابًا نظرت فيه، وكان قد جمع له الرخص من زلل العلماء وما احتجّ به كلٌ منهم لنفسه، فقلت له: يا أمير المؤمنين مصنف هذا الكتاب زنديق، فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد فأُحرق ذلك الكتاب".

القول الثاني: جواز تتبع الرخص:

والقول بالجواز قال به من الحنفية السرخسي وابن الهمام وابن عبد الشكور وأمير باد شاه، واستدلوا بالآتي:

1- الأدلة الدالة على يسر الشريعة وسماحتها ؛ كقوله تعالى: "يُريدُ اللهُ بكُمُ اليُسر ولا يُريدُ بكُمُ العُسر" (البقرة/185)، وقوله: "وما جعل عليكُم في الدّين من حرج" (الحج/78)، وقول عائشة رضي الله عنها: "ما خُيّر النبي بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا" (صحيح البخاري)، وغير ذلك من النصوص الواردة في التوسعة، والشريعة لم ترد لمقصد إلزام العباد المشاق، بل بتحصيل المصالح الخاصة، أو الراجحة وإن شقّت عليهم.

ونوقش هذا الدليل بأن السماح واليسر في الشريعة مقيّد بما هو جار على أصولها، وليس تتبع الرخص ولا اختيار الأقوال بالتشهي بثابت من أصولها، بل هو مما نُهي عنه في الشريعة؛ لأنه ميلٌ مع أهواء النفوس، والشرع قد نهى عن اتباع الهوى.

2- أنه لا يمنع منه مانع شرعي، فللإنسان أن يسلك الأخف عليه إذا كان إليه سبيل.

ونوقش هذا الدليل كذلك بعدم التسليم؛ لأن تتبع الرخص عملٌ بالهوى والتشهّي، وقد نهي عنه.

3- أنه يلزم من عدم الجواز استفتاء مفت بعينه، وهذا باطل.

ونوقش بأن اللازم باطل، بل هو مأمور بتقليد من يثق بدينه وورعه دون الاختيار المبني على الهوى.

4- أن الخلاف رحمة، فمن أخذ بأحد الأقوال فهو في رحمة وسعة.

ونوقش بأن الخلاف ليس في ذاته رحمة بل هو شر وفرقة، ولكن مراد من أطلق الخلاف رحمة: أن فتح باب الخلاف والنظر والاجتهاد رحمة بالأمة، بحيث يكون التكليف مربوطًا بما يراه المجتهد بعد النظر في الأدلة.

القول الثالث: جواز الأخذ بالرخص بشروط:

واختلف المشترطون على أقوال: فقيّد العز بن عبد السلام الجواز بألا يترتب عليه ما يُنقض به حكم الحاكم؛ وهو ما خالف النص الذي لا يحتمل التأويل، أو الإجماع، أو القواعد الكلية، أو القياس الجلي، وتبعه القرافي وزاد شرط ألاّ يجمع بين المذاهب على وجه يخرق به الإجماع.

هذا وقد زاد العطار على شرط القرافي شرطين، هما:

أ- أن يكون التتبع في المسائل المدونة للمجتهدين الذين استقرّ الإجماع عليهم، دون من انقرضت مذاهبهم.

ب- ألا يترك العزائم رأسًا بحيث يخرج عن ربقة التكليف الذي هو إلزام ما فيه كلفة.

أما ابن تيمية فقد قيد الجواز بأن يكون على سبيل اتباع الأرجح بدليله، وفي ذلك يقول: "من التزم مذهبًا معينًا ثم فعل خلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك، ومن غير عذر شرعي يبيح له ما فعله، فإنه يكون متبعًا هواه، وعاملا بغير اجتهاد ولا تقليد، فاعلا المحرم بغير عذر شرعي، فهذا منكر.. وأما إذا تبين له ما يوجب رجحان قول على قول، إما بالأدلة المفصلة إن كان يعرفها ويفهمها، وإما بأن يرى أحد رجلين أعلم بتلك المسألة من الآخر، وهو أتقى لله فيما يقوله فيرجع عن قول إلى قول لمثل هذا، فهذا يجوز بل يجب وقد نص الإمام أحمد على ذلك".

أما مجمع الفقه الإسلامي، فقد نصّ على أن الرخص في القضايا العامة تُعامل معاملة المسائل الفقهية الأصلية إذا كانت محقّقة لمصلحة معتبرة شرعًا، وصادرة عن اجتهاد جماعي ممن تتوافر فيهم أهلية الاختيار، ويتصفون بالتقوى والأمانة العلمية.

ونصّوا على أنه لا يجوز الأخذ برخص الفقهاء لمجرد الهوى؛ لأن ذلك يؤدي إلى التحلّل من التكليف، وإنما يجوز الأخذ بالرخص وفق الضوابط الآتية:

أ- أن تكون أقوال الفقهاء التي يُترخّص بها معتبرة شرعًا، ولم توصف بأنها من شواذ الأقوال.

ب- أن تقوم الحاجة إلى الأخذ بالرخصة دفعًا للمشقة، سواء أكانت حاجة عامة للمجتمع أم خاصة أم فردية.

ج- أن يكون الآخذ بالرخص ذا قدرة على الاختيار، أو أن يعتمد على من هو أهل لذلك.

د- ألا يترتب على الأخذ بالرخص الوقوع في التلفيق الممنوع، وألا يكون الأخذ بذلك القول ذريعة للوصول إلى غرض غير مشروع، وأن تطمئن نفس المترخص للأخذ بالرخصة.

وهذا الأخير هو ما يظهر رجحانه – والله أعلم – فلا ينبغي إطلاق القول بالمنع ولا بالجواز، بل الظاهر أن القائلين بالمنع يبيحون الترخص بالضوابط المذكورة ولو لم يصرّحوا بذلك، وكذا المجيزون لا يجيزون إلا بمراعاة الضوابط المذكورة، فتكون المسألة -مع مراعاة تحرير محل النـزاع- قريبة لأن تكون محل اتفاق، وأن حقيقة الخلاف إنما هي فيما بُنيت عليه مسألة تتبع الرخص، وهي مسالة التزام العامي مذهبًا معينًا.

سبب الخلاف وثمرته

لعل الخلاف في المسألة عائد إلى أمرين:

الأول: التلفيق، فعلى القول بمنع التلفيق يُمنع من تتبع الرخص، وعلى القول بجواز التلفيق يتخرج الخلاف في تتبع الرخص.

الثاني: وهو الأقرب، هل يجب على العامي التزام مذهب معيّن؟ فمن قال بوجوب ذلك منع تتبع الرخص، ومن قال بعدم وجوب التزام مذهب معين وإنه يجوز مخالفة إمامه في بعض المسائل أجرى الخلاف في تتبع الرخص.

وكذا تتبّع المجتهد للرخص، يمكن أن تبنى على مسألة تقليد العالم للعالم؛ فمن منع منع تتبع الرخص، ومن أجاز أجرى الخلاف فيه.

أما ثمرته فقد ذكر الزركشي أن من فروع المسألة: هل يجوز للشافعي مثلا أن يشهد على الخط عند المالكي الذي يرى العمل به أو لا؟ صرّح ابن الصبّاغ بأنه لا يجوز، وهو ظاهر كلام الشافعية، فإنهم قالوا: ليس له أن يشهد على خط نفسه، والظاهر الجواز إذا وثق به وقلد المخالف، ويدل عليه تصحيح النووي قبول شهادة الشاهد على ما لا يعتقده؛ كالشافعي يشهد بشفعة الجوار.

وذكر من الفروع: أن الحنفي إذا حكم للشافعي بشفعة الجوار، هل يجوز له أم لا؟ فيه وجهان أصحهما: الحلّ، وهذه المسألة تشكل على قاعدتهم في كتاب الصلاة أن الاعتبار بعقيدة الإمام لا المأموم.



محاضر بقسم أصول الفقه بكلية الشريعة – الرياض

*نقلا عن موقع المسلم بتصرف

اسلام أون لاين

28 Views

عن

إلى الأعلى