الرئيسية » موسوهة دهشة » الدين » القسم الإسلامي العام » دعوة وجهاد » هل تخلى عمرو خالد عن ( العفة السياسية ) ؟ – وسام كمال

هل تخلى عمرو خالد عن ( العفة السياسية ) ؟ – وسام كمال


هل تخلى عمرو خالد عن ( العفة السياسية ) ؟ – وسام كمال

تقتفي السياسة خُطى عمرو خالد أينما حل. لم تتركه منذ بدأ رحلته مع الدعوة، رغم أنه زهد فيها، وأعلن ذلك دون أن يخشى لومة لائم. لكنه الآن مزق صحيفة مقاطعتها، وخاض بنفسه معترك الحديث السياسي في برنامج "على خطى الحبيب"؛ فما الذي دفعه للتمرد؟ وهل تمرد بالفعل، أم أنه أضغاث تأويلات صحفية لا أساس لها؟.

يتصفح الداعية عمرو خالد وسائل الإعلام في متابعة دقيقة، خاصة ما يُنشر عنه. ويتواصل مع الصحفيين الذين كتبوا عنه بالخير أو بالشر، ويكلف فريقه بتوزيع جديد صناع الحياة على كل وسائل الإعلام المتاحة لهم.

ويتعجب عمرو خالد لأمر هؤلاء الذين يرون في خطابه إسقاطات سياسية لاذعة لنظم الحكم العربية والعالمية. ويصف من يتهمونه بذلك أو يهللون له على السواء بأنهم لم يحللوا خطابه جيدا.

بين بيضة الدين وحجر السياسة

من يتتبع عمرو خالد لن يستطيع أن يضعه في خانة الدعاة أصحاب الفكر السياسي؛ الذين لهم باع في المؤاخذات السياسية على الحكام وأولي الأمر من رجال الدين.

فمن الواضح جدا أن عمرو خالد منذ بداية عهده مع الدعوة التي بدأها في بيوت أصدقائه ورواد نادي "الصيد" من أبناء الطبقة العليا، وعندما دخل لصحن المسجد وعرف الخطابة أمام كاميرات التليفزيون.. سلك طريقا موازيا للفتوى واللغة السياسية؛ ألا وهو طريق الشعبية، وأكد في كل منبر يعلوه أنه ليس أهلا للفتوى، وليست السياسة ملعبه.

ورغم هذا التاريخ من "العفة السياسية" فإن خطابه كان يُؤوّل من قبل البعض على الوجه السياسي. لا أعرف ما السبب؟ هل للهجوم أم لإضفاء المكانة عليه؛ باعتبار أن التحدث في السياسة أصبح شرف رجال الدين في هذا العصر! ويظن الناس أن الرجل الذي يعرض عن الخوض في النقد السياسي إنما هو جبان، وليس بأهل لأن يُتّبع!.

كانت البداية الحقيقية لاتهام عمرو خالد باللعب ببيضة الدين وحجر السياسة عندما أطلق مشروع صناع الحياة، وتعاونت معه بعض الحكومات العربية في إنجاز بعض طموحاته الخيرية؛ مثل مكافحة المخدرات وزراعة الصحراء.

راهنتُ وقتها على أن مزيدا من الدول ستفتح ذراعها لعمرو بعد مبادرتي شرطة دبي ووزارة الزراعة البحرينية؛ فكانت طبول الإصلاح قد بدأت لتوها تقرع أبواب العالم العربي، ويحتاج الحكام ليمتصوا غضب شعوبهم المقهورة أن يسدوا إليهم صنيعا، وليكن التعاون مع داعية محبوب، أغلقت مصر أبواب مساجدها أمامه.

التعاون مع الحكومات والمنظمات

لم يكن أمام عمرو إلا التعاون مع أي حكومة تمد إليه يد العون؛ فشبح الفشل في تطبيق طموحات "صناع الحياة" يلوح أمامه، ومرض التكرار في البرامج الدينية من خلفه. وإن لم يتمكن من التعاون مع أي مؤسسات حكومية أو عالمية فلن يفلح برنامجه إلا في زراعة أسطح بعض العمارات، أو ابتكار طريقة غير تقليدية في وضع الزهور بشكل منسق!.

وكان التطور الكبير والنجاح الساحق بعد أن تشكلت على يديه جمعية "رايت ستارت إنترناشيونال" الخيرية في بريطانيا التي استطاعت أن تسوّق جهوده الإصلاحية في الغرب، خاصة اللجان الخيرية للأمم المتحدة. ويقال: إن تعاون عمرو مع منظمة الصحة العالمية كان السبب في خجل الحكومة المصرية من التضييق عليه، والسماح بفتح منابر الدعوة له في مصر بعد شهر رمضان.

ولم تؤثر على وعد الحكومة المصرية لعمرو بالسماح له بالعودة شائعة شروعه في إنشاء حزب سياسي في مصر. وتقف الشائعة على شبه أساس من الواقع؛ حيث إن عمرو قام بإنشاء عدة جمعيات خيرية في عدة محافظات مصرية، فضلا عن الدول العربية والغربية.

وقد اعتمد عمرو في تشكيل هذه الجمعيات على شباب يتواصل معه عبر الفاكس والبريد الإلكتروني والمنتديات الإلكترونية، رغم أنه ليس بينهم على أرض مصر. فظن البعض أنه يشكل جبهات سياسية من الشباب المتدين، كما يستخدم الإخوان المسلمون الشباب المتدين بالجامعات، إلا أن عقل رجال "أمن الدولة" كان واسعا هذه المرة.

وقد يكون إعراض عمرو خالد عن لقاء رئيس حزب الغد بمصر د.أيمن نور وسيلة لطمأنة عمرو للمسئولين في مصر على أنه رجل دعوة فقط. فهناك معلومة أقرب إلى الصواب أن نور سعى لاستغلال شعبية عمرو في كسب مغانم سياسية في الانتخابات الماضية، لكن عمرو آثر السلامة.

وجاءت بعد ذلك محطة المؤتمر الذي عقدته "صناع الحياة" في لندن، ولم يؤثر هذا المؤتمر كثيرا على مستوى العالم العربي رغم دعوة عدد من الساسة والمسئولين العرب. إنما كان التأثير الأكبر في إضفاء العالمية على جهد عمرو خالد.

وخرجت شائعة أخرى بعدها أقرب إلى المزاح؛ أن الحكومة المصرية طلبت من عمرو وقف برنامج صناع الحياة وقت الانتخابات الرئاسية حتى لا يؤثر على النتيجة!.

مفاجأة "على خطى الحبيب"

كان الوضع أقرب إلى المفاجأة في محطة "على خطى الحبيب". إذ رأى كثيرون في هذا البرنامج منبرا سياسيا جديدا لعمرو خالد، بعد أن اعتكف في خانة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في برامجه السابقة.

وكانت هناك أسباب دفعت أولي التأويل إلى تحميل كلام عمرو خالد في برنامجه عبقا سياسيا. فهناك عاملان أساسيان تسببا في تسييس خطابه؛ ألا وهما:

أولا: الإسقاطات السياسية التي خاض فيها عمرو خالد:

من عادة عمرو أن يقطع قصصه عن الصحابة والتابعين بفواصل واقعية، فيقوم بقص حكاية من التراث، ولكن يجعلها في صورة ومضات يفصل بينها إسقاط على الواقع. وكان من الطبيعي أن يقوم عمرو بالإشارة إلى بعض المواقف السياسية الواقعية، وإن قلل منها عمرو في حلقاته الأخيرة، ربما بعد نصيحة البعض له بذلك.

ومن نماذج القضايا السياسية التي عالجها بالإسقاطات، مع ملاحظة أن الظروف السياسية العالمية وتأثره الإيجابي بالكتابات الاستشراقية قد أثرت كثيرا في إضفاء هذه النكهة السياسية على البرنامج:

- قضية حرية الاعتقاد والفكر في السيرة النبوية والتراث الإسلامي. واستعرض في ذلك عدة مواقف للرسول صلى الله عليه وسلم، خاصة في المدينة؛ إذ أبى أن يفرض دينه على أهل المدينة من اليهود بعد أن صارت المدينة في قبضته. ولم يكن الاختلاف الديني سببا في أي خلاف له مع الآخرين.

- عالج عمرو قضية الإرهاب، وذكر أن من أسبابه: غياب الديمقراطية، والفهم المغلوط للدين، وعدم احترام واجبات المواطنة، وتأويل الدين بما لا يناسب ظروف العصر، وانتهاك حقوق الأقليات الدينية؛ وهو ما نتج عنه فتن طائفية في بعض الدول الإسلامية، عكس الواقع الذي كان يحياه الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال عمرو في ذلك: "عايزين نثبت للعالم أننا رحمة للعالمين؛ لأن الدنيا مش مصدقة، ومتصورة إننا سبب الإرهاب في العالم".

- دعا إلى "حوار الأديان" في مقابل "صراع وتصادم الحضارات". ودلل على احتفاء الدين الإسلامي بتكامل الرسالات السماوية الثلاث؛ لأنها خرجت من رحم واحدة. وكانت أدلته في ذلك أن الرسول جاء ببشرى رجل مسيحي صالح، وإشادة الرسول بملك الحبشة؛ لأنه مسيحي عادل، واحترامه للديانة اليهودية، وصلاة الرسول بالرسل في المسجد الأقصى دلالة على تواصل الرسالات لخدمة البشرية.

- خاطب عمرو خالد المسيطرين على العالم الآن من ساسة وإعلاميين ورجال أعمال، وطلب منهم في أكثر من موقف ألا يكونوا كقريش؛ الذين عرفوا أن محمدا رسول الله على حق، لكن مصالحهم الشخصية حالت دون الاعتراف به. وطالب رجال الأعمال في أكثر من مرة أن يستثمروا قوتهم الاقتصادية في نفع المسلمين.وحث الإعلاميين على تقديم ما يُصلح الأمة لا ما يمسخ هويتها.

– أشار لأهمية الانفتاح الإيجابي على الآخر؛ لأن الرسول كان رجلا منفتحا لا يرفض أفكار الآخر التي قد تساهم في بناء المجتمع، فقبل بمشورة سلمان الفارسي عليه في حفر الخندق، وهي فكرة خرجت من رحم الحضارة الفارسية.

- حذر من خطورة عدم اندماج المسلمين في الغرب في مجتمعاتهم بالشكل الذي لا يؤثر على دينهم؛ حتى لا يصيروا عالة اجتماعية ونفسية على المجتمع. فلا بد أن يفيدوا هذه المجتمعات التي يعيشون في خيراتها، مثلما فعلت أم سلمة؛ إذ كانت تصنع الجلود لأهل الحبشة مع المهاجرات.

- ركز عمرو في إسقاطاته على ما يفعله الغرب بنا؛ إذ يمتص مواردنا إلى الآن؛ لأننا لم نستطع بعدُ أن نتخلص من لعنة الاستعمار الأجنبي، وصرنا في ركب التبعية واللامبالاة. واستشهد من السيرة بموقف أهل المدينة الذين أبوا أن يضحوا بنصف خير مواردهم نظير إنهاء الحصار عليهم في غزوة الخندق.

- نبه إلى أن ما نحن بصدده الآن من حرب على الإرهاب المزعوم، واحتلال للعراق، هو حرب عالمية ثالثة لا محالة. ولا بد أن نتيقظ للكرب الذي نعيشه، ونسعى لتغيير هذا الواقع المؤلم الذي فُرض علينا.

- نبذ عمرو استعانة البعض بقوى خارجية على النظام الحاكم، مهما زاد ظلمه. فلم يستعن الرسول على قريش بأي قبائل أخرى، بينما كان بمقدوره أن يستغل تناقضات الوضع السياسي في مكة.

- حلل مفهوم السياسة "النظيفة" التي اتبعها الرسول في التفاوض والحوار، والتي يجب أن يتبعها ساسة اليوم. فلم يستغل الرسول يوما سلطته كحاكم في إكراه أحد على الدين، وصمد أمام الإغراءات السياسية التي عرضتها قريش عليه؛ لأن سياسته نظيفة لا تقبل المساومة.

- أشاد بأهمية الشراكة الدولية؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم خرج للاعتمار في صلح الحديبية بالمسلمين وبغير المسلمين، وتحالف كثيرا مع القبائل الأخرى التي كانت وقتها على غير دين الإسلام.

ثانيا: استخدام لغة سياسية عصرية في سرد السيرة:

ربما يكون أفضل ما أضافه عمرو خالد للسيرة استخدامه للغة عصرية مألوفة في شرح السيرة النبوية. وهذا يرجع كما قلنا لاهتمامه بمقارنة الأديان في رسالة الدكتوراة، ولحياته في لندن لفترة، جعلته يحرص على تبسيط الدين بلغة حديثة. ومن أمثلة عباراته السياسية:

- أقام محمد صلى الله عليه وسلم "مؤتمرا صحفيا" في الكعبة. وحرص على عرض "مبادرات" على الكفار. وأنشأ "رأيا عاما" و"ديمقراطية" بين المسلمين. ونظم فريقا من المسلمين يعمل في "المخابرات" في الجزيرة العربية. وجعل من أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب "مراقبين للجودة" على حفر الخندق في المدينة. وكان النبي "رجل سلام"؛ والدليل على ذلك أنه وضع "خطة مضادة" في صلح الحديبية لـ"إحراج قريش سياسيا"؛ فإن كان متعطشا للدماء لما كان فعل ذلك. وعلّم الرسول صحابته في هذا الصلح أيضا أن يتمتعوا بـ"ضبط النفس" حتى يشيع السلام. وفرض الرسول "حظر تجول" على الناس بعد فتح مكة.

- كان صلح الحديبية "معاهدة سلام حقيقية".

- نعت الصحابة بأسماء سياسية؛ فقد أطلق على جعفر بن أبي طالب "المتحدث الرسمي للصحابة"؛ وهم "لاجئون في الحبشة".

- وضع الرسول -الحاكم المنتخب للمدينة- "دستورا" يحكم أهلها. كما أسس مفهوم "المواطنة" بين اليهود والمسلمين.

وفي النهاية أعتقد أن عمرو خالد صار "داعية عالميا"، وهذا هو السر الحقيقي وراء تمرده على نظرية "العفة السياسية" التي كانت عماد دعوته. فانفتاح عمرو خالد على المؤسسات العالمية مثل الأمم المتحدة، وتواصله مع جمعيات خيرية غربية؛ لا بد أن يكون له أثر على خطابه، والقضايا التي يتناولها. ولو استطاع أن يكتب كما يعظ شفويا؛ لصار من أهم الكتاب الإسلاميين على مستوى العالم.



**باحثة إعلامية في المركز العالمي للوسطية بالكويت.

islamonline.net

20 Views

عن

إلى الأعلى