الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » السياسة » نظريات وفكر سياسي » الفكر السياسي عند الغزالي والماوردي وابن خلدون – الدكتور العلامة فتحي الدريني

الفكر السياسي عند الغزالي والماوردي وابن خلدون – الدكتور العلامة فتحي الدريني


الفكر السّياسي عند الغزالي والماوردي وابن خلدُون – الدكتور العلامة فتحي الدريني

1

عناصر البحث

مقدمة:

آ الفرق بين علم السياسة والفلسفة السياسية.

ب ارتباط «السياسة»- تدبيرًا وممارسة – بما يؤثر في النفس الإنسانية من العقائد والمثُل، أمر ليس في الوسع إنكاره أو تجاهله.

ج- العقائد، والمبادئ، والأهداف السياسية العليا في الدولة، هي التي تصوغ الفكر السياسي العملي الموحّد في الأمة، أفرادًا، وشعوبًا، أو حكامًا ومحكومين، فضلاً عن أنها مبعث الدوافع النفسية لتحقيقها واقعًا، بما تُملي على أربابها، من ترسُّم سلوك عملي معين، واتخاذ مواقف حيوية حاسمة، ولاسيما تجاه القضايا الكبرى المصيرية، وهذا هو السر الذي جعل «السياسة» في نظر الفقهاء المسلمين ذات طابع معياري، يوجه الواقع، أو الكائن السياسي في كل عصر بعد دراسة مشكلاته، وتبيُّن طبائعها، ووزن حلولها، بمقاييسه، ومعاييره يوجّهه إلى ما ينبغي أن يكون عليه أمره، لتتم المطابقة أو التوفيق ما أمكن بين مقتضيات مُثله، ومبادئه، ومقاصده السياسية العليا، وبين الواقع السياسي في الدولة، وهذا ما نعنيه بقولنا: «التدبير، أو السلوك السياسي الرشيد، والهادف».

د- الإمام الغزالي تقديرًا منه للسياسة حق قدرها يرى، أن«السياسة» «مما لا يقوم العالم إلا به» على حد تعبيره وأنها «أشرف العلوم» لشرف موضوعها، وسمو غاياتها، ولا ريب، أن مكانة «العلم» لا تقاس بغير ذلك.

ه- وجه كون السياسة عند الإمام الغزالي «أشرف العلوم» وهذا في اعتباره منشأ سمو مكانة من يتكفل بها، وسبب تمجيده.

و- الفلسفة السياسية في الإسلام على ما استقرت عليه بحوث أئمتها لا تنفك عن الفلسفة الأخلاقية فيه، مما يؤكد طابعها «المعياري» و«التقويمي» لارتباط كلّ منهما بالإرادة الإنسانية الحرة، إذ لا قوام للخُلق إلا بالإرادة، فكذلك«السياسة» فاحتلت «القيم» و«الفضائل الأخلاقية» و«الكمالات النفسية» مكانًا بارزًا في هذه الفلسفة، ومن هنا كان التوجيه، والتقويم للإرادة، وتطهير بواعثها، أن تعتسف وتشتط، أو تتنكّب سبيل الأهداف المرسومة التي تشكل في مجموعها«عناصر المشروعية العليا في الدولة» والتي تنهض عليها «السيادة العامة» حيث يأتمر بمقتضاها الحاكم والمحكوم على السواء.

ز- «المسؤولية السياسية العامة» تقع أصلاً على عاتق الأمة كافة، لأنها هي صاحبة «المصلحة الحقيقية» بمقتضى توجيه الخطاب الإلهي إليها، بتحقيق ما وعدها الله تعالى من الاستخلاف في الأرض، والتمكين لها فيها، بالنص القرآني الصريح، ولا جرم أن «المسؤولية العامة» تقتضي «التكليف العام» وهو إنفاذ التشريع كله، إذ لا مسؤولية حيث لا تكليف، ولا تكليف حيث لا«سلطة» تُمكّن المكلفين من الأداء، وهذه هي«السيادة» الممنوحة للأمة شرعًا، لتدبير شؤونها كافة، والوفاء بالتزامات هذا التمكين لها في الأرض، الذي يعني قيام الدولة، تمكينًا قائمًا أصلاً على عقيدة الاستخلاف بالنص الصريح القاطع.

ح- الإمام الغزالي وكذلك سائر فلاسفة السياسة المسلمين لم يُغفلوا شأن «القوة» إزاء المُثل السياسية، وحيال «التصرف السياسي العام» ممارسة وتدبيرًا، بل اعتبروا «القوة» بكافة أبعادها ووسائلها المادية والمعنوية من قوة الأسلحة ومضائها، ونفاذها، في كل عصر بحسبه، وكذلك شأن القوة«المعنوية» من العلم، والخبرة، في شؤون السياسة، والحرب، والاقتصاد، والاجتماع، وغيرها، وكذلك قوة «النفوذ» التي تتجلى في مشايعة وموالاة ذوي المكانة، والرأي، والتدبير، للدولة، ولرئيسها الأعلى بخاصة، ومن يتبعهم، مما يكوّن رأيًا عامًا يؤيده، أقول كل أولئك من مظاهر«القوة» التي تعتبر عنصرًا تكوينيًا في«مفهوم الدولة» تقوم بقيامها، وتنتفي بانتفائها، ولاسيما بالنسبة إلى جهاز الحكم فيها، على ما نقيم الدليل عليه.

ط- الإمام الغزالي يؤكد، أن«السيادة» مصدرها «الشعب» لتوقف مشروعية الولاية العامة على تأييده لمن يقوم بها، أو على مناصرة الرأي العام له، وإذا كان هذا «نفوذًا» قويًا لا قيام للولاية العامة شرعًا إلا به، أطلق عليه الإمام الغزالي «الشوكة من أهل الشوكة» وهذا شامل بعمومه، للقوة المادية والمعنوية كما رأيت.

ي- «السيادة» أو«السلطة» أو«السلطان القاهر» بما هو قاعدة جوهرية من قواعد السياسة والحكم، وهو«مُدرك الدّولة في فلسفة الإسلام السياسية على ما قرره الإمام الغزالي والماوردي وغيرهما ينبغي أن يكون قرينًا «للعدل الشامل» كما نوهنا لا يريم عنه، ولا كان «الظلم» و«القهر» وهما عدو الإسلام الأول.

ك- تفسير ما بيّنا آنفًا، من «الواقعية السياسية» في فلسفة الإمام الغزالي التي جعلته ينظر إلى «القوة» بمعناها المادي والمعنوي على أنها شرط مسبق، ينبغي توافره فيمن يتولى أمر الأمة عند اختياره، وأطلق عليها «شوكة أهل الشوكة» كما ذكرنا لتورثه «القدرة» على النهوض بأعباء الحكم، ومن ذلك، تأييد كلّ من أولي النفوذ، والرأي، والمكانة، وذوي الخبرة بالمصالح المختلفة، ومن بيدهم زمام «القوة المادية» أيضًا أقول: تأييد هؤلاء، فضلاً عن عامة الشعب، لاختياره رئيسًا للدولة، إذ الشرط إنما يُشرع أصلاً لتحقيق حكمة ما يتوقف عليه، وهي هنا، تحقيق معنا السيادة كملاً بما يشمل «الاستقلال الذاتي للدولة» الذي يرفض مشاركة أي قوة أجنبية في «صنع القرار» أو«حق الأمر» وفي التدبير السياسي بوجه عام داخلاً وخارجًا، وإنفاذ ما تقوم عليه «السيادة» من التشريع الآمر الذي ينبغي أن يبقى مُهيمنًا، لحمل الناس كما يقول الإمام ابن خلدون على مقتضى هذا التشريع، وهو ما يطلق عليه اليوم«سيادة القانون» على كلّ من الحاكم والمحكوم، ضبطًا لأصول المعايش على حد تعبير الإمام الغزالي، وكفالة لاستتباب الأمن في الداخل والخارج، وحماية للصالح العام، وتنميةً له، وتحقيقًا«لوحدة الأمة» التي هي أقصى غاية من غايات الحكم الأساسية، بالقضاء على كافة منازع الأهواء الشخصية بتأثير من المصالح الخاصة التي هي منشأ تضارب الآراء، بما تورث من الشقاق، والتنازع، والتشرذم، على صرح به أئمة الفقه السياسي فيما أوردنا آنفًا من نصوصهم، وصيانة لسلامة الدولة.

ل- اقتران «القوة» أو«السلطان القاهر» بالعدل الشامل كما أسلفنا تأكيد لوجوب «التوفيق» بين استخدام وسائل القوة المادية، وبين مقتضيات العدل، والفضائل الخلقية، لا «الفضائل السياسية» على ما ذهب إليه رائد الفكر السياسي الحديث «ميكافيلي» الإيطالي، ومبدأ «التوفيق» هذا، من أهم خصائص الفلسفة السياسية في الإسلام، وجعلها الإمام الغزالي، قوام مفهوم هذه الفلسفة.

م- واقعية الفلسفة السياسية عند الإمام الغزالي فيما يتعلق بوجوب إقامة الدولة، وتفسير نشأتها.

ن- النظر السياسي الواقعي عند الإمام الغزالي والماوردي وابن خلدون يقوم على اعتبار كلّ من المجتمع، والإنسان والفرد، وحدة طبعيّة، واجتماعية، وسياسية، ومدى علاقة كليهما بكيفية نشوء الدولة.

ص- صلاح أمر الدولة، واستقامة وضعها، وانتظام شؤونها نتيجة للأصل السابق لا يتم إلا على أساس قيام العلاقة التعاونية، بل التكافلية الملزمة بينهما، لتبادلهما التأثير والتأثر.

ع- الإمام الماوردي يرى وبحق أن رعاية الصالح العام للدولة، من قبل الأفراد، شرط أساسي مسبق، لتوفير مصلحتهم، هم، مما يُنبئ أن مصلحة الفرد، لا يتم توفيرها إلا في نطاق رعاية الصالح العام، فالعلاقة طبعية وعضوية، وفطرية، وهذا هو منشأ مبدأ التعاون المشترك على البر والتقوى الذي أرساه القرآن الكريم.

الفكر السّياسي

عند الغزالي والماوردي وابن خلدُن

2

تفصيل البحث

مقدمة:

إن «الفلسفة السياسية» في الإسلام، تقوم على أساس من «العقائدية» أو ما يطلق عليه اليوم «الأيديولوجية» إن صح هذا التعبير، ذلك أن هذه «الفلسفة» بما تقوم عليه من«قيم» ومفاهيم كلية، ومثالية في الوقت نفسه ذات طابع «توجيهي وتقويمي» لا يمكن للباحث في الفلسفة السياسية في الإسلام، أن يتغافل عنه، ومن ثمّ، لم تكن هذه «الفلسفة» تُعنى برصد الظواهر السياسية عن طريق الملاحظة والتجربة، والبحث عن عللها وأسبابها، والقوانين التي تنتظمها، لتنبئ بما سيكون عليه أمر مستقبلها، كنتيجة حتمية لتلك السنن والقوانين، وإن كان هذا أمرًا مطلوبًا شرعًا، لأنه لا يعدو أن يكون نوعًا من الربط بين الحياة السياسية والاجتماعية الواقعية الراهنة، وبين الواقع التاريخي للأمم السالفة، استهداء بتجاربها، وآثار فاعليتها على المسرح التاريخي، ثم رد ذلك إلى أسبابه، وعلله، لقوله تعالى: {يريد الله ليبيّن لكم، ويهديكم سُنن الذين من قبلكم }( النساء: 26) أقول: لم تكن لتُعني هذه الفلسفة السياسية في بحوث أئمة الفقهاء السياسيين المسلمين، برصد الظواهر السياسية، لاشتقاق القوانين التي تنتظمها، وإنما عنيت بدراسة المبادئ، وما تنطوي عليه من قيم، والنفاذ الفكري إلى ما يُسفر عنه تحليلها، واستشراف مراميها، لاتخاذها أساسًا أو منطلقًا «لتقويم» الواقع السياسي للدولة إلى ما ينبغي أن يكون، أو للتوثيق بينهما ما أمكن.

(أ‌) الفرق بين علم السياسة، والفلسفة السياسية:

وعلى هذا، أمكن القول بأن ثمة«علمًا سياسيًا» يقوم على أساس استقراء الظواهر السياسية في الواقع المعيش، لاستخلاص القوانين التي تنتظمها كما أسلفنا وصولاً إلى «تقريرها» والظفر بما تُنبئ عنه تلك القوانين من آثار في المجتمع السياسي، أيًا كان ذلك المجتمع، دون عناية بتوجيهه، أو تقويمه أو تغييره، فكان علمًا «تقريريًا» لا تقويميًا، ولا توجيهيًا، كما ترى.

هذا، ولا يخفى ما لأحداث البيئة وظروفها، من أثر بيّن على تفكير الفيلسوف السياسي، ونفسيته، تجد أصداء ذلك كله في ما يصدر عنه من آراء، وخواطر، وتفسيرات.

هذا، ووجه الفرق بين علم السياسة وبين فلسفتها، أن علم السياسة يقوم أصلاً على إدراك النّسب القائمة والمطابقة للواقع، بينما الفلسفة السياسية، تقوم على إدراك عميق لهذا الواقع، وسبر أغواره، نفاذًا إلى طبيعة مشكلاته السياسية، بغية تقويمه، وتوجيهه في ضوء العقائد والمقاصد السياسية العليا للدولة، وبحثنا يتعلق بهذه الأخيرة.

(ب‌) ارتباط«السياسة» تدبيرًا أو ممارسة بما يؤثر في النفس الإنسانية من العقائد والمثل، أمر ليس في الوسع إنكاره أو تجاهله.

من البدهي أن «الفلسفة السياسية» إنما تُعني أول ما تُعني، بالسلوك أو الموقف السياسي العقائدي الرشيد الهادف، وهذا «السلوك» أو الموقف، إنما هو «انعكاس لمعتقدات الإنسان، ومظهر«لمبادئه» و«مثله» ضرورةً، وإلا كان سلوكًا مُفرغًا من كل قيمة، وكان المجتمع الذي يقوم بتدبير الأمر فيه مثل هذا السلوك غير العقائدي الهادف، غير سياسي بالمعنى الصحيح، لما يفتقد من«القيم» و«الغاية» التي تُحدّد مسار النشاط السياسي فيه، أو لما تتحكم فيه«الصدفة العمياء» نتيجة لمنازع الأهواء، أو لما يتعاور«الإرادة» من الارتجال الذي قد يفضي إلى التناقض في المواقف، أو غياب عنصر«الاتساق» و«المعقولية» في مظاهر التدبير السياسي العام، فينتج عن هذا أن«العقائدية» أو«الأيديولوجية» ذات أثر بالغ في تكوين«وحدة الأسس الفكرية للحياة السياسية في الدولة» بما هي منطلقات عقائدية للنشاط السياسي بالنسبة إلى الفرد بوجه خاص، والمجتمع، والدولة، بوجه عام.

(ج) العقائد والمبادئ والأهداف السياسية العليا في الدولة، هي التي تصوغ الفكر السياسي العملي الموحد في الأمة، أفرادًا وشعوبًا، أو حكامًا ومحكومين، وفي مبعث الدوافع النفسية لتحقيقها واقعًا، بما تملي على أربابها من ترسُّم سلوك عملي معين، واتخاذ مواقف حيوية حاسمة ولاسيما تجاه القضايا المصيرية، وهذا هو السر الذي جعل«السياسة» في نظر الفقهاء المسلمين من مثل الإمام الجويني، والغزالي، والماوردي، وابن خلدون، وابن الربيع، وابن جماعة، وابن الأزرق، والفارابي، وابن رشد، وغيرهم قول: جعل«السياسة» في نظرهم «علمًا تقويميًا» لا تقريريًا، أي ذا طابع «معياري» يوجه الواقع، أو الكائن السياسي في كل عصر بعد دراسة مشكلاته، وتبين طبائعها، ووزن حلولها بمقاييسه ومعاييره أقول: يوجهه إلى ما ينبغي أن يكون عليه أمره، لتتم المطابقة أو التوفيق ما أمكن بين مقتضيات عقائده، ومثله، وبين مظاهر الواقع السياسي في الدولة كما أسلفنا وهذا ما نعني بقولنا:«التدبير أو السلوك السياسي الرشيد، والهادف».

(د) الإمام الغزالي تقديرًا منه«للسياسة» حق قدرها يرى أن السياسة «مما لا يقوم العالم إلا به» وأنها «أشرف العلوم» على الإطلاق على حد تعبيره لشرف موضوعها وسموّ غاياتها، ولا ريب أن مكانة «العلم» لا تقاس إلا بذلك.

وتأسيسًا على هذا، حق للإمام الغزالي، أن يقدّر«السياسة» حق قدرها، إذ اعتبرها«مما لا يقوم العالم إلا به»(1) على حد تعبيره بل نراه يعتبر«السياسة» أشرف العلوم(2)على الإطلاق، إذ يقول رضي الله عنه ما نصه: «أصول لا قوام للعالم دونها»(3) وعدّ منها«السياسة» وهي«للتأليف، والاجتماع، والتعاون على أسباب المعيشة وضبطها»(4)ويقول في موضع آخر:«والسياسة في استصلاح الخلق، وإرشادهم إلى الطريق المستقيم، المنجّي في الدنيا والآخرة»(5).

(ه) وجه كون السياسة عند الإمام الغزالي أشرف العلوم، وهذا في اعتباره منشأ سمو مكانة من يتكفل بها، وسبب تمجيده.

يقول الإمام الغزالي، في شأو السياسة، ورفعة منزلتها من بين سائر العلوم، ما نصه: «وأشرف أصولها أي الصناعات السياسة، بالتأليف والاستصلاح، ولذلك تستدعي هذه الصناعة من الكمال فيمن يتكفل بها، ما لا يستدعيه سائر الصناعات(6)» ثم تراه يبين مراتب هذه السياسة، تبعًا لموضوعها ونفعها، ولشخصية من يقوم بها، ويتولى تدبير شؤون الأمة من خلالها، بما يكفل لها الصلاح، والوحدة والسعادة في دنياها وآخرتها.

على أن مما يلاحظ على أساس تقدير الإمام الغزالي«للسياسة» أنه يرى أن أولى وظائفها «تربية المواطن الصالح» وتكوينه نفسيًا على عين القيم، والمعاني الأخلاقية التي تكفل له الصلاحية «للمواطنة الحقة» في الدنيا، على نحو يوصله إلى الفوز بالسعادة ونعيم الآخرة، مما يؤذن بأن فقهاء السياسة في الإسلام، لا يعرفون الفصل بين الدنيا والدين كما ترى، ولا بين الدنيا والآخرة، ولا بين السياسة بما هي منهج عملي لتدبير شؤون الأمة داخلاً وخارجًا وبين المثل العليا، والقواعد الأخلاقية فيه، على خلاف ما سنرى في«فلسفة السياسة الوضعية» حيث فصلة بين الدين والدنيا فصلاً تامًا، أو بين الكنيسة والدولة، وبين السياسة والأخلاق(7)والقيم الإنسانية.

أما أن أئمة فقهاء السياسة المسلمين، قد استقر تصورهم للفلسفة السياسية في الإسلام على أنها«علم تقويمي» أو«معياري» فذلك ما سنفصل القول فيه، من واقع مصنفاتهم في تعريفهم للدولة، وتفصيل وظائفها.

هذا، وأغلب الظن، أن تمجيد علماء المسلمين للدولة ولرئيسها الأعلى، مشتقٌ مما تنهض به الدولة من وظائف ومهام ذات الأثر البالغ في صياغة أو تكوين المجتمع الإسلامي على نحو من المثالية، والخلقية والإنسانية، بما لا تظفر له بمثيل في واقع المجتمعات السياسية في هذا العالم قديمه وحديثه، وحاضره، ولاسيما المجتمع الإسلامي الأول في عهد النبوة، وعصر الخلافة الراشدة بوجه عام، وتفسير ذلك، أن:

(و) الفلسفة السياسية في الإسلام على ما استقرت عليه بحوث أئمتها لا تنفك عن الفلسفة الأخلاقية فيه كما بيّنا مما يؤكد طابعها«المعياري» و«التقويمي» لارتباط كل منهما بالإرادة الإنسانية الحرة، (إذ) لا قوام للخلق إلا بالإرادة، فكذلك السياسة، فاحتلت القيم والفضائل مكانًا بارزًا في هذه الفلسفة، ومن هنا كان التوجيه والتقيم للإرادة، وتطهير بواعثها، أن تعتسف وتشتط، أو تتنكّب سبيل الأهداف المرسومة التي تُشكّل في مجموعها«عناصر المشروعية العليا في الدولة» والتي تنهض عليها«السيادة العامة» حيث يأتمر بمقتضاها الحاكم والمحكوم على السواء.

لقوله سبحانه:{ وما كان لمُؤمن ولا مُؤمنة إذا قضى اللّهُ ورسُولُهُ أمرًا أن يكُون لهُمُ الخيرةُ من أمرهم} (الأحزاب: 36)ولقوله غز وجل:{قُل هذه سبيلي أدعُو إلى اللّه على بصيرة أنا ومن اتّبعني } (يوسف: 108)ولقوله عز شأنه:{إنّ الّذين قالُوا ربُّنا اللّهُ ثُمّ استقامُوا…} (فصلت: 30) وقوله جل شأنه: {وعد اللّهُ الّذين آمنُوا منكُم وعملُوا الصّالحات ليستخلفنّهُم في الأرض} (النور: 55) إلى غير ذلك من الآية التي تؤكد هذا المعنى.

(ز) المسؤولية السياسية العامة تقع أصلاً على عاتق الأمة كافة، لأنها هي صاحبة المصلحة الحقيقية بمقتضى توجيه الخطاب الإلهي إليها بتحقيق ما وعدها الله تعالى من الاستخلاف في الأرض، والتمكين لها فيها، للنص القرآني الصريح، ولا جرم أن المسؤولية العامة«تقتضي التكليف العام» وهو إنفاذ التشريع كله، إذ لا مسؤولية حيث لا تكليف« ولا تكليف حيث لا سلطة» تمكّن المكلفين من الأداء، وهذه هي«السيادة» الممنوحة للأمة شرعًا، لتدبير شؤونها كافة، والوفاء بالتزامات هذا التمكين لها في الأرض الذي يعني قيام الدولة تمكينًا قائمًا أصلاً على عقيدة الاستخلاف، ولا جرم أنّ التمكين يستلزم التمكُّن من الهيمنة والسلطة والتصرف في السياسة والحكم.

هذا، ويلاحظ أن منطوق الآية الكريمة الأخيرة {وعد اللّهُ الّذين آمنُوا منكُم وعملُوا الصّالحات ليستخلفنّهُم في الأرض}، يتوجه الخطاب فيه بالوعد الإلهي بالاستخلاف إلى الأمة كافة، لا إلى حاكمها خاصة، مما يشير إلى أن «المسؤولية» منصبة أصالة عليها فيما استخلف فيه، من أعباء التكاليف، وعن كيانها المادي والمعنوي كأمة، وهذا يقتضي أن تكون«سلطة التنفيذ» لتلك التكاليف منوطة بها ابتداء، إذ «لا مسؤولية حيث لا تكليف، ولا تكليف حيث لا سلطة للتنفيذ» تمكّن المكلفين من القيام بمقتضيات هذا التكليف، أو التزامات «الاستخلاف الموعود» كما أسلفنا وهذا على وجه الأصالة لا التبعية كما ترى، وهذه هي «السيادة» الممنوحة للأمة شرعًا، والثابتة بموجب «عقيدة» الاستخلاف في الأرض « وهو التمكين للمؤمنين فيها، بما يعني قيام «الدولة» وسلطانها، حتى إذا اختارت بمحض إرادتها من يتولى أمرها في هذا الاستخلاف، وشؤونه وتكاليفه، ويتصرف عليها تصرفًا سياسيًا عامًا على حد تعبير الإمام الكمال بن الهمام في كتابه«المسايرة»(8) كان هذا «وكيلاً» عنها يتجه تصرفه إلى تحقيق«مصلحة الأمة أصالة» لأنها هي صاحبة الشأن الأول، بموجب الخطاب الإلهي في الآية الكريمة التي تلونا آنفًا، لأن«المصلحة الحقيقية» راجعة إليها هي، وهذا هو مفاد القاعدة الفقهية المحكمة التي أرساها الفقهاء:«التصرف على الرعية منوط بالمصلحة» أي بمصلحة الرعية ذات«السيادة» فكانت هي مصدر السلطة في اختيار حاكمها، نائبًا عنها في التصرف في شؤونها السياسية والاجتماعية، وغيرها، تبعًا لمضامين خطابات التكليف الواردة في الكتاب والسنّة.

(ح) الإمام الغزالي وكذلك سائر فلاسفة السياسة المسلمين لم يغفلوا شأن«القوة» إزاء المثل السياسية، أو حيال «التصرف السياسي العام» ممارسة وتدبيرًا بل اعتبروا«القوة» بكافة أبعادها المادية والمعنوية من قوة السلاح، ومضائه، ونفاذه، في كل عصر بحسبه، وكذلك شأن«القوة» المعنوية، من العلم، والخبرة، في شؤون السياسة، والحرب، والاقتصاد والاجتماع وغيرها، وكذلك «قوة النفوذ التي تتخلى في مشايعة وموالاة ذوي المكانة والرأي والتدبير للدولة، ولرئيسها الأعلى بخاصة، ومن يتبعهم، مما يكوّن رأيًا عامًا يؤيده، كل ذلك من«مظاهر القوة» التي تعتبر عنصرًا تكوينيًا في«مفهوم الدولة» تقوم بقيامها، وتنتفي بانتفائها، ولاسيما بالنسبة إلى جهاز الحكم فيها، على ما نُقيم الدليل عليه.

وبيان ذلك: أن فقهاء السياسة المسلمين، قد اتخذوا كلمة«الشوكة» مصطلحًا لهم، للتعبير عن مفهوم«القوة» بجميع مظاهرها، واستهدفت بحوثهم«التوفيق» بين«القوة» من حيث طرق استخدامها، ومواقع ممارستها، وحالات هذا الاستخدام من جهة، وبين مقتضيات المثل السياسة في الإسلام، وغاياته ومقاصده العليا في الحياة الإنسانية من جهة أخرى، بحيث لا يمسُّ استخدام القوة بأي حال من الأحوال،«المشروعية العليا» في الدولة، كيلا تطغى«القوة» ولاسيما المادية، على مبادئ العدل والحق والحرية، والمساواة، والتكافل السياسي والاجتماعي الملزم، وأمهات الفضائل، والكرامة الآدمية، أو الاعتبار الإنساني بوجه عام، سواء في الداخل، أم على الصعيد الدولي، أو تمس العلاقات السياسية الدولية، بتحكيم القوة فيها، ومن هنا، كان وجوب إعداد القوة المادية المرهبة وبأقصى جهد مستطاع، للدفاع عن الكيان المادي والمعنوي للدولة، من كل عدوان خارجي، واقع أو متوقع، إذ لا قيام لدولة دون قوة تحميها، وتدرأ عنها غوائل العدوان خارجًا، والبغي داخلاً، بل أوجب الإسلام استخدام«القوة» لنصرة المستضعفين في الأرض، ورفع الظلم عنهم، نتيجة للاستعمار، والاستكبار في الأرض أيًا كان الظالم، وأيًا كان المظلوم تجد هنا صريحًا في قوله تعالى:{وأعدُّوا لهُم مّا استطعتُم مّن قُوّة ومن رّباط الخيل تُرهبُون به عدوّ اللّه وعدُوّكُم} (الأنفال: 60 ). ولا يخفى ما في قوله تعالى: {مّن قُوّة} من دلالة على التعميم الشامل لكافة صنوفها، ووسائلها، وطبائعها، ماديًا ومعنويًا، ولاسيما «القوة السياسية» كما بيّنا.

هذا ويشير الإمام الغزالي(9) إلى «القوة» أيضًا بكلمة«السلطان القاهر»(10)وهو عين ما اتخذه الإمام الماوردي من تعبير.

أما«الشوكة» رمزًا للقوة والنفوذ، ومظهرًا من مظاهر«سيادة الدولة» فتجدها في قول ابن تيمية أيضًا فيما نصه:«بل الإمامة عندهم، تثبت بموافقة«أهل الشوكة» الذين يحصل بطاعتهم له، مقصود الإمامة، فإن المقصود من الإمامة، إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان، صار إمامًا»(11)ويؤكد هذا المعنى في مقام آخر حيث يقول:«والقدرة على سياسة الناس، إما بطاعتهم، أو بقهره لهم، أي عند انحرافهم ونشرهم للفوضى، فمتى صار قادرًا على سياستهم بطاعتهم، أو بقهره، فهو ذو سلطان مطاع، إذا أمر بطاعة الله».

(ط) الإمام الغزالي يؤكد أن«السيادة» مصدرها الشعب، لتوقف مشروعية الولاية العامة على تأييده لمن يقوم بها، أو مناصرة الرأي العام له، وإذا كان هذا«نفوذًا» قويًا لا قيام للولاية العامة شرعًا إلا به، أطلق عليه الإمام الغزالي«الشوكة من أهل الشوكة» وهذا شامل بعمومه للقوة المعنوية والمادية.

على أن الإمام الغزالي يجلّي هذا المعنى أيضًا، بما يؤكد أن لا قيام للدولة إلا بالشوكة، ومن معانيها«قوة النفوذ» ومناصرة الرأي العام في الدولة لرئيسها الأعلى، وتأييد الأغلبية له، فضلاً عن القوة المادية، إذ يقول ما نصه:«تقوم الإمامة بالشوكة، وإنما تقوى الشوكة بالمظاهرة، والمناصرة، والكثرة في الأتباع، والأشياع» ثم يضيف إلى ذلك قوله:«وتناصر أهل الاتفاق والاجتماع، أقوى مسلك من مسالك الترجيح»(12)ولكنها هنا شوكة معنوية أي قوة سياسية تقوم على الاختيار الحر، والتأييد الشعبي السياسي، لا على القهر، يؤكد هذا قول الإمام الغزالي، فيما بعد:«فإذا بطل تلقي الإمامة من النص، لم يبق إلا الاختيار من أهل الإسلام، والاتفاق على التقديم والانقياد»(13)أي تأييد الرأي العام للحاكم، قوة سياسية شعبية له وللدولة.

وعلى هذا، فإن الإمام الغزالي، قد أشار إلى مصدر«السيادة» في الدولة، وأنها تتلقّى من أهل الاختيار الحر، وهم الأغلبية الساحقة من الأمة.

على أن الإمام الغزالي يتجه إلى أن«العنصر الجوهري في الأمر، هو«الشوكة» التي يصبح الحاكم الأعلى قادرًا معها على ممارسة السياسة والحكم أو على التصرف السياسي العام على الأمة، حتى إذا حصلت هذه«الشوكة» بمبايعة أو اختيار عدد قليل، ولكن يتبعهم أشياعهم، بحيث يكوّنون بمناصرتهم للدولة، الرأي العام، أو النفوذ السياسي الأغلبي القوي المؤيد لرئيس الدولة، فقد تحقق مناط«السيادة» حينئذ، وكانت رئاسته صحيحة مشروعية(14).

أما القوة المادية الرادعة، فهي في فلسفة الإسلام السياسية «قاعدة جوهرية» من قواعد الحكم، لا قيام له بدونها، وهي ما يطلق عليها«السلطان القاهر» ولكنه مقترن بالعدل الشامل، وفي هذا المعنى يقول الإمام الماوردي(15)ما نصه: ( أما القائدة الثانية: فهي«سلطان قاهر» تتألف برهبته الأهواء المختلفة، وتجتمع بهيبته القلوب المتفرقة، وتنكفُّ بسطوته الأيدي المتغالبة، وتنقمع من خوفه النفوس المتعادية» (16).

ومعنى هذا، أنها أداة لقمع الفتن، والقضاء على أسباب الانحراف، وناشري الفوضى، والعابثين بالأمن، والعائثين في الأرض فسادًا.

هذا، ويرجع الإمام الماوردي هذه القاعدة إلى كونها من مقتضيات«الطباع البشري» حيث يقول في تفسيرها، قاعدةً أساسية من قواعد الدولة:«لأن في طباع الناس من حبّ المغالبة، على ما آثروه، والقهر لمن عاندوه، ما لا ينكفون عنه إلا بمانع قوي، ورادع ملّي»(17).

على أن الإمام الماوردي لا ينكر أن يكون للملكات النفسية العليا، أو الوازع الديني، أثر عميق فعّال في الحمل على مجانبة البغي والظلم، والعدوان، بحيث يتم معها، وتحت تأثيرها«الانكفاف الذاتي» أو الامتناع التلقائي» غير أن ذلك غير مضمون، بل غير واقع في الأعم الأغلب من أحوال البشر، ولذا تراه يقسم علل المنع من الظلم تقسيمًا حاصرًا، يشبه ما يعرف عند الأصوليين بمسلك«السبر والتقسيم» في إقامة الدليل على«علّيّة العلّة» حيث يقول (18):«وهذه العلة المانعة من الظلم، لا تخلو من أحد أربعة أشياء: إما عقل زاجر، أو دين حاجز، أو سلطان رادع، أو عجز صادّ» فإذا تأملتها لم تجد خامسًا يقترن بها، ورهبة السلطان أبلغها، لأن«العقل والدين» ربما كانا مضعوفين، أو بداعي الهوى مغلوبين، فتكون رهبة السلطان أشد زاجرًا، وأقوى ردعًا(19) ومما يؤيد هذا المعنى ما ورد في الأثر: (إن الله يزع بالسلطان، أكثر مما يزع بالقرآن)(20).

هذا، ولا يخرج الإمام الغزالي عن هذا المعنى في تحديده لأثر«القوة المادية» وأنها من مقتضيات الطباع البشرية، وأنها لذلك ضرورية، للقضاء على منازع الأهواء والشهوات، وبواعث المنافسة غير المشروعة، ولاسيما باعث الأنانية والأثرة، حيث يقول في ضرورة «السلطان القاهر» في الدولة، قاعدة أساسية من« قواعد السياسة والحكم»: « وعلى الجملة، لا يتمارى العاقل في أن الخلق على اختلاف طبقاتهم، وما هم عليه من تشتت الأهواء، وتباين الآراء، لو خُلوُّا وآراءهم، ولم يكن رأى مطاع، يجمع شتاتهم، لهلكوا من عند آخرهم، وهذا داء لا علاج له إلا «بسلطان قاهر» مطاع، يجمع شتات الآراء»(21).

وهذا صريح في أن الدولة بسلطانها القاهر، شرط أساسي لبقاء النوع الإنساني، لقوله:«لهلكوا من عند آخرهم».

وتفسير ذلك، أن إنقسام الأمة وتشرذمها، طوائف، وشيعًا، أثرًا لمنازع الأهواء، والمصالح الخاصة، وكذلك تباين الآراء التي هي نتيجة للمطامع، وحب المنافسة غير المشروعة، كل أولئك داء تُمنى به الأمم غالبًا، لما تركز في طباعها من الغرائز الفطرية لا يهذبها ويوجهها الوجهة الصحيحة، إلا العقل والدين عادة، غير أن هذا التهذيب، أو التوجيه، إذا أضحى أمرًا معجوزًا عنه، أو عقيمًا لا يُجدي، لطغيان الأهواء، والمصالح الخاصة المادية العاجلة على«حكمة العقل ووازع الدين» نجم عن ذلك حتمًا«داء عضال» لا علاج له إلا القوة الرادعة، أو«السلطان القاهر» على حد تعبير الغزالي(22)والماوردي(23) لتنظيم الأمور، وليستوثق الشأن، ويجتمع شمل الأمة، وتتحقق وحدتها، بتوحُّد غايتها، وإلا تفرق شملهم، وذهبت قوتها بددًا، وحل التنازع والشقاق محل التآلف، والتدابر والتباغض محل التناصح والموالاة، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم بأبلغ عبارة وأوجزها: { واعتصمُوا بحبل اللّه جميعًا ولا تفرّقُوا.. } (آل عمران: 13) ونهى عن التنازع، لأنه مُذهبٌ للسيادة والعزة لا محالة، ومُفّتت للقُوى بتشتت الآراء والأهواء، لقوله سبحانه: { ولا تنازعُوا فتفشلُوا وتذهب ريحُكُم} (الانفال:8 ). أي قوتكم التي هي قوام سيادتكم وعزتكم.

والواقع، أن فساد النفس بطغيان الهوى، يورث فساد العقل أيضًا، فيسقمه، ويُحبط بالتالي من قوة جولان الفكر فيه، فلا ينفذ له حكم، ألا ترى إلى«العصبية» وما معناها، هي فساد التاثت به النفس الإنسانية أولاً قبل أن تكون فسادًا أو انحرافًا في التفكير، ثم لا يلبث أن يتطرق فساد النفس إلى العقل، فيعبث بسلامة التفكير فيه، أو يُغشّي على منافذ بصائره، إذ«العصبية» ليست إلا انحياز النفس إلى هوىً، أو إلى فئة تعصّبت لرأي من غير دليل، ودون بيّنة من بيّنات الإقناع، حتى إذا تعددت الأهواء، تشتت الآراء المتصارعة ضرورةً، إذ لا جامع لها من منطق سليم يلمُّ شعثها، ويوحّدُ كلمتها، ولعل هذا هو المقصود بما أشار إليه الإمام الغزالي من«الداء العضال» فتعيّنت القوة المرهبة حينئذ، أداة للردع والزجر عن الأنصياع إلى دواعي الأهواء، والانسياق في تياراتها، ولهذا رأينا الإمام الشاطبي يركّز على«وازع الدين أولاً» ويبيّن الغاية القصوى من شرعة الله تعالى، حيث يقول:«ما جاءت الشريعة إلا لتخرج الناس عن دواعي أهوائهم» حتى إذا عجز منطق العقل، ووازع الدين عن ذلك، بتغلب الهوى أو الاستهواء لم يكن ثمّة من سبيل إلا«السلطان القاهر» لما ثبت أنه أمر تقتضيه«طبائع الناس»، كما تقتضيه طبيعة الُملك نفسه، إذ يقول ابن جماعة في كتابه تحرير الأحكام:«لأن الخلق لا تصلح أحوالهم إلا بسلطان يقوم بسياستهم، ويتجرد لحراستهم» (24).

على أن«سلطة الدولة» يقررها القرآن الكريم أمرًا تقتضيه«سُنّة التدافع»أيضًا في المجتمع البشري التي يقررها قوله تعالى:

{ولولا دفعُ اللّه النّاس بعضهُم ببعض لّفسدت الأرضُ}(25) إذ معناه: لو لا أن الله تعالى، أقام السلطان في الأرض، يدفع القوي عن الضعيف، وينصف المظلوم من ظالمه، لتواثب الناس بعضهم على بعض» ثم جاء تنزيل الآية الكريمة بما يدل على أن الله امتنّ على عباده بإقامة سلطة الدولة، بقوله سبحانه: {ولكنّ اللّه ذُو فضل على العالمين}(26).

ولا ريب، أن هذا يرفع من شأن«سلطة الدولة» وقوتها الرادعة، لأمرين:

أولاً: لأنها من مقومات سيادتها على الصعيدين: الداخلي والدولي.

ثانيًا: لأهمية دورها، وغايتها، على النحو الذي رأيت.

ولهذا ترى الإمام الغزالي يشير إلى هذا المعنى بقوله: «وعلى الجُملة، لا يتمارى العاقل في أن الخلق على اختلاف طبقاتهم، وما هم عليه من تشتت الأهواء، وتباين الآراء، لو خُلُّوا وآراءهم، ولم يكن رأي مطاع يجمع شتاتهم، «سلطة الدولة» لهلكوا من عند آخرهم، وهذا داء عضال لا علاج له إلا بسلطان قاهر مطاع» أي الذي يتمثل فيه سيادة الدولة.

فتلخص مما سبق، أن«الفلسفة السياسية في الإسلام» تقوم على أساس من«العقائدية» أو ما يُطلق عليه اليوم«الأيديولوجية» ولذا كانت ذات طابع قومي، وتوجيهي، أو معياري، مما لا يمكن لباحث في الفلسفة السياسية في الإسلام، أن يتغافل عنه، بخلاف«علم السياسة» الذي يُعنى برصد«الظواهر السياسية» ليُستخلص منها«القوانين العامة» التي تسلكها، أو تنتظمها، وبهذا ظهر الفرق بين«علم السياسة» وبين فلسفتها، وبحثنا يتعلق بهذه الأخيرة.

هذا، وأشرنا إلى أن ارتباط السياسة تدبيرًا أو ممارسة أو ما يطلق عليه «فن السياسة» أو«فن الحكم» أقول إن ارتباط هذه السياسة بما يؤثر في النفس الإنسانية عادة، من العقائد، والمثل، والمبادئ، أمر ليس في الوسع إنكاره أو تجاهله.

وبيّنا كذلك، أن المبادئ، والأهداف السياسية العليا للدولة، هي التي تصوغ «الفكر السياسي العلمي الموحّد في الأمة، بما ترسي من«وحدة الأسس الفكرية» التي من شأنها أن توحّد الاتجاه السياسي بوجه عام، وتحدّد الغاية التي يستهدفها هذا الاتجاه، مما يورث التصرف السياسي على الأمة، قوة رأيها العام، وتأييده له، وهذا من أكبر العوامل على نجاح الدولة في سياستها، مما ييسر لها سبل الوصول إلى أهدافها.

وبيّنت كذلك، أن«وحدة الأسس الفكرية» هي مبعث الدوافع النفسية لتحقيق الأهداف السياسية العليا للدولة، بما تُملي على أربابها، منة اتخاذ«مواقف حيوية حاسمة» ولاسيما تُجاه قضاياه الكبرى المصيرية !! ولعل هذا هو السر الذي جعل«السياسة» في نظر الفقهاء المسلمين «فلسفة» تقويمية ذات طابع معياري وتوجيهي في المقام الأول، للسيطرة على منازع الأهواء المغرضة التي هي وليدة المصالح الخاصة غالبًا، وهو«أكسير مفهوم السياسة» عند الإمام الغزالي والماوردي وغيرهما، إذ جمعوا على أنها«تدبير الأمر بما يصلحه» أو«تدبير الأمر لاستصلاح الخلق، وحملهم على مراشدهم».

وهذا«المعنى» هو الذي حمل الإمام الغزالي على أن يعتبر السياسة«أشرف العلوم» على الإطلاق، بالنظر إلى شرف موضوعها، وسموّ غايتها، بل هي في تصوره مما لا قيام للعالم إلا به» على حد تعبيره لما يرى أن من أولى وظائفها«تربية المواطن الصالح» وتكوينه نفسيًا وعقليًا على عين القيم والمثل، والفضائل الإسلامية، وهو ما أطلق عليه كلمة «استصلاح الخلق» و«حمل الناس على مراشدهم» كما أشرنا.

هذا، وبيّنا كذلك أن تمجيد علماء المسلمين للدولة ولرئيسها الأعلى بوجه خاص، مشتقٌّ مما تنهض به الدولة في الإسلام من أعباء جسام، ومهامّ ووظائف كبرى ذات الأثر البالغ في تكوين وصياغة المجتمع الإسلامي على نحو مثالي، وعقائدي، وخلقي، وتكافليّ ملزم، بل وإنساني عام، ولهذا لا تنفكُّ الفلسفة السياسية في الإسلام عن الفلسفة الأخلاقية فيه، مما يؤكد طابعها المعياري والتقويمي، بخلاف النظريات السياسية الوضعية التي فصلت الدين والخلق عن السياسة فصلاً تامًا، وسيأتي تحليلنا لهذه السياسة، ومناقشة آراء فلاسفتها ونقدها بعد مقارنة أصولها بأصول الفلسفة السياسية في الإسلام.

وأشرت إلى«مكانة» القوة «بجميع أنواعها وطبائعها ووسائلها في الفلسفة السياسية في الإسلام، وهي ما يُطلق عليه في اصطلاح علمائنا«الشوكة» أو«السلطان القاهر» وقلنا إن بحوثهم استهدفت«التوفيق» بين«القوة» من حيث طرق استخدامها، ومواقع ممارستها، وحالات هذا الاستخدام، من جهة، وبين مقتضيات المثل السياسية في الإسلام، وبيّناته، وغاياته، أو مقاصده العليا في الحياة الإنسانية من جهة أخرى، بحيث لا تمس ممارستها«المشروعية العليا» في الدولة، سواء على الصعيد الداخلي أم الدولي.

هذا و«القوة» في الفلسفة السياسية في الإسلام منوطة بالعدل الشامل دائمًا، لا تنفك عنه، على ما نوّه به الإمام الغزالي والماوردي والجويني، وأبو يعلى، وغيرهم، من فقهاء السياسة، كيلا تطغى«القوة» على مبادئ العدل والحق، والحرية، والمساواة، والتكافل السياسي والاجتماعي الملزم، وأمهات الفضائل، والكرامة الآدمية، أو الاعتبار الإنساني بوجه عام.

وأشرنا كذلك، أن«سلطة الدولة» مما تقتضيه طبائع البشر، بل مما يقتضيه معنى«الملك» نفسه، لأن المنع من التظالم بين الناس تنحصر علته في أحد أمور أربعة:«وازع الدين، ورادع العقل، وعامل العجز، والسلطان القاهر» حتى إذا ضعف الوازع الديني، وتغلب الهوى على كلمة العقل، كان الداء العضال، ولا دواء له إلا القوة الرادعة، ليستوثق الأمر، وتتوحد الكلمة، وتجتمع الشمل، وتتوفر أسباب السيادة والعزة، ونتابع البحث في هذا الموضوع الهام.

(ي) السيادة أو السلطة، أو«السلطان القاهر» بما هو قاعدة جوهرية من قواعد«السياسة والحكم» أو هو مُدرك للدولة في فلسفة الإسلام السياسية ينبغي أن يكون قرينًا«للعدل الشامل» لا يريم عنه، وإلا كان«الظلم» و«القهر» وهما عدو الإسلام.

تجد هذا«الاقتران» بيّنًا في بحث الإمام الغزالي، والماوردي وغيرهم، أبّان تفصيلهم للقواعد التي تستند إليها الدولة، حيث جعلوا«السيادة» أو السلطة«حجر الزاوية» في كيانها.

صحيح أن«السيادة» إنما تعني في المقام الأول«سيادة التشريع» والمبادئ، وهيمنة المثل والمقاصد العليا في الدولة التي تفتقر إلى التنفيذ، من قبل الرئيس الأعلى الذي يملك«حق الأمر» صنع القرار، غير أن«القوة» المادية من لوازم هذا التنفيذ في الداخل، ليستقيم شأن الأمة، بل ومن مقتضيات السيادة نفسها، ولحماية الدولة من العدوان الخارجي، برًا وبحرًا وجوًا.

وتعليل ذلك، أن«السلطة العليا» في الدولة في نظر الإسلام إنما تعني«الأمر والنهي» على وفق ما جاء به الشرع، وأن الاستئثار بهذا الحكم تنفيذًا، هو حق لولي الأمر، بمقتضى نيابته عن الأمة في تنفيذ شرع الله فيها، تحصيلاً لمصلحتها العليا، وهو ما أشار إليه صاحب كتاب المسايرة من أنه:«التصرف السياسي العام على المسلمين»(27) أي بمقتضى الشرع، غير أن هذا«التصرف» قد لا يتم إلا أن يكون مقترنًا بالإكراه المادي، في كثير من الأحوال، ومن هنا كانت القوة المادية من عناصر«السيادة» أو مستلزماتها، وتتجلى أهميتها في اعتبارها من«قواعد السياسة والحكم» حيث حصرها الماوردي فيما يلي: (دينٌ متّبع، وسلطان قاهر، وعدل شامل، أمن عام، وخصب دائم، وأمل فسيح )(28).

وتناول فيما يلي تفصيلاً وتحليلاً للقواعد التي تتصل بالسيادة بإيجاز، وتبين ما بينهما من علاقات تلقي ضوءًا في مجموعها على مفهوم«السيادة» في الإسلام، وقيوده، بما اتضحت في فلسفة الإمام الماوردي السياسية بوجه خاص.

(أ‌) ابتداء الماوردي بقاعدة«الدين» بمفهومه العام، من العقائد والفضائل، والعبادات، والتشريع، ومعلوم أن الإسلام جامع بين العقيدة، والعبادة، والشريعة، بحيث يؤلف من هذه العناصر«كُلاً لا يتجزأ» وهو يمثل«الوحي» المنزّّل، كتابًا وسنّة.

والدين بهذا المعنى الكامل، أساس في استصلاح الخلق، وتربية المواطن الصالح ظاهرًا وباطنًا، ولاسيما في صرفه عن شهواته، وخلق الوازع الديني لديه بما يؤصّل عامل المراقبة الذاتية، والمحاسبة للنفس في السر والجهر على السواء. هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، ينهض«الدين» تشريعًا ومثلاً وقيمًا بالمشروعية العليا في الدولة التي يتقيد بها الحاكم والمحكوم على السواء، فالدولة في الإسلام هي«المثل العليا» والمبادئ، والقواعد العامة المهيمنة، حالة التنفيذ والحركة من قبل الجهاز الحاكم، ومن قبل المواطنين أيضًا على السواء حالة الامتثال والعمل، حق الأمر بمقتضى الشرع من قبل أولي الأمر، والطاعة والتنفيذ من قبل أفراد الأمة، ولهذا استحق الدينُ التقديم، لكونه القاعدة الأساسية الأولى في كيان الدولة، والعامل الأول في صلاحها، واستمرار نفوذها، وهذه هي«سيادة القانون» فالدولة في الإسلام دستورية كما ترى.

ب- أما«السلطان القاهر» فهو«القوة» التي تكفل«الإكراه المادي» الذي يُفتقر إليه عند التنفيذ، إذا ما استعصى القيام به طوعًا، لأن«الحق» أو«العدل» لا بد له من«قوة» تحميه وتنفذه، وتتمثّل هذه«القوة» فيما يحافظ على الأمن داخلاً، وفيمن يذود عن«السيادة» نفسها من العدوان الخارجي، برًّا، وبحرًا، وجوًا، كما قدمنا، فهي«سيادةٌ» الشأن فيها أن تتمثل في الإمام المطاع.

على أن للسلطان القاهر دورًا هامًا في جمع شتات الأمة عند التفرق والتنازع تحت تأثير المطامع والأهواء، بعامل«الأنانية» و«حب السيطرة» والمنافسة غير المشروعة، وهذا من«طبائع البشر» فكانت«القوة» إذن من مستلزماتها، لتحقيق وحدتها، وجمع شملها على ما بينا.

هذا فضلاً عن أن«السلطة» التي من شأنها أن تحقق مقتضيات«السيادة» تصون الحقوق، وتسعى إلى تجسيد«المقاصد العليا» في الدولة، واقعًا، وهذا هو«الالتزام السياسي» الذي يجعل «القوة» في خدمة القانون، والحق، والعدل.

ج- أما«العدل الشامل» فهو القاعدة العظمى التي تردُ قيدًا على«السلطان القاهر» كما أسلفنا، ولا ريب أن هيمنة«العدل» إنما تعنى«هيمنة التشريع نفسه» إذ العدل مشتق منه، لا من أمر خارج عنه، على ما ذهب إليه بعض فلاسفة السياسة الوضعية، بجعلهم ما يسمى«القانون الطبيعي» هو«المهيمن» على التصرف السياسي العام من قبل الحاكم العادل، أو الحاكم المطلق، على نحو ما نرى في فلسفة«هوبز» الاستبدادية، أو ميكيافيلي الإيطالي من قبله، أو«جان بوران» الفقيه الفرنسي(29). مما لا يتسع المقام هنا لتفصيل القول فيه، ولكن هذا لا يحول دون تناول تلك الفلسفة بالبحث بإيجاز.

هذا، ومن المعلوم أن«القانون الطبيعي» أمر مبهم، بل قد اتخذ ظهيرًا للفلسفة الفردية التي اشتقت منها«نظرية القانون» في دول أوروبة الغربية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وأوائل هذا القرن العشرين، وإن كانت آثاره مستمرة إلى يومنا هذا في كثير من الدول.

هذا، و«العدل الشامل» عند الإمام الماوردي يُرادُ به «التشريع النظري والتنفيذ أو التطبيق العملي في كافة وجوه التصرف السياسي العام كليهما، أي ما يتعلق بتنفيذ التشريع القائم في شتى مجالاته، وبما يستلزم أيضًا، من«سلطة التشريع الاجتهادي» من أهله، ولعل هذا النوع الأخير من«السلطة التشريعية» في الإسلام، ولاسيما ما يتعلق منه بسياسة الدولة، وتدبير أمر الأمة وشؤونها، في الداخل، وعلاقاتها السياسية على الصعيد الدولي يمثل كما قلنا«حجر الزاوية» في مفهوم«السيادة» في الإسلام، وتفصيل أو تحليل«قواعد سياسة التشريع» أمر يفتقر إلى بحوث مطولة ليس هذا مقامه، ومن هنا يُفهم مضمون قوله تعالى: {وأعدُّوا لهُم مّا استطعتُم مّن قُوّة}

هذا، ولعل«هيمنة» التشريع الإسلامي نصًا وروحًا ومقاصد عليا على التصرف السياسي العام، بما يمثل «العدل» في كافة وجوهه ومناحيه، هو المعنى الذي أشار إليه الإمام الماوردي، بوصفه«للدين» بأنه«مُتّبع» ووصف«العدل» بأنه«شامل» إذ العدل لا يتجزّأ، ولا يتبدل، وإلا كان ابتداعًا لا اتباعًا، وظلمًا ومفسدة، لا إنصافًا، ومصلحة.

هذا، ووصف الدين بأنه«متبع» يشمل أمورًا ثلاثة فيما نرى:

1 عدم إحداث أو ابتداع شيء لم يثبت أنه من الدين لا نصًا، ولا دلالة، ولا روحًا، ولامقصدًا، وهذا المعنى مشار إليه في تعريف الماوردي لجهاز الحكم في الدولة بقوله:«خلافة النبوة(30)» في«حراسة الدين» أي من الابتداع فيه، أو التهجم عليه، أو تعطيله عن التنفيذ، أو المخالفة عن أمره.

2 الاستنباط الدقيق للأحكام على أساس المنهج العلمي الأصولي.

3 التطبيق الدقيق، والاجتهاد فيه، بحيث يراعي تفهم الواقع، وظروفه الملابسة، وإدراك النص أو القاعدة الواجبة التطبيق عليه، ثم الوقوف على مآله، والتبصُّر بنتائجه المتوقعة، آخر الأمر، بعد استشراف غايته.

هذا، و«شمول العدل» في الإسلام، إنما يعني تناوله فيما يتنازل لمجالات الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والإدارية، والقضائية، فضلاً عن السياسة، وبيان ذلك:

أ – أن «العدل الاجتماعي» بوجه خاص، ينهض به مبدأ « التكافل الاجتماعي الملزم» في الإسلام، بما يؤمن من الكساء، والغذاء، والسكن، لكل فرد بالغ عاقل من أفراد الدولة، فضلاً عن رعاية جانبه الصحي، والعلمي، والعملي، وغير ذلك، فالعدل الاجتماعي هو أساس«الحقوق» الاجتماعية التي توصف اليوم بأنها حقوق جديدة.

ب- وأما«العدل الاقتصادي» فيتبدى في تحريم«الاستغلال» بكافة وجوهه من مثل الربا، والاحتكار، والغبن الفاحش، والغش، والغرر، والتعسف، وكذلك في تحريم، القمار، والرشوة، وسائر طرق الكسب غير المشروعة، ورعاية الصالح العام.

هذا، ومن أهم وجوه«العدل الاقتصادي» إقرار الإسلام«للملكية الفردية» في مفهومها الاجتماعي والإنساني، بحيث تبقى«مشروعية» التصرف فيها قائمة، ما دام المعنى الاجتماعي والإنساني مرعيًا، أداءً لوظيفتها الاجتماعية، دون تعسف، أو استغلال، أو إضرار بالصالح العام.

هذا، ويتبدى أيضًا، إقرار مبدأ «تكافؤ الفرص» في النشاط الاقتصادي مع مراعاة حق الغير من الأفراد، والمجتمع، والدولة.

(ج) وأما «العدل السياسي» والإداري، فأساسه «تولية الأكفياء في الوظائف العامة» وتقديم الأكفأ على الكفء، دون محاباة، بسبب من قرابة، أو مودة، أو موافقة في بلد، أو لأي سبب كان، مما لا يتصل بالكفاءة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من ولّى رجلاً، وهو يرى أن غيره خير منه، فقد خان الله ورسوله). ويتصل بالعدل السياسي، منح كل فرد في الدولة إذا كان بالغًا عاقلاً، وعلى قدر من الثقافة «حق شوراه» وحقه في «الترشيح» إذا توافرت فيه شروطه، تحقيقًا لمشاركته السياسية عملاً، وإفساح المجال أمامه لتحقيق ذاته وملكاته، وصيانة للطاقات العلمية أن تهدر، وفي إهدارها من الأضرار بالصالح العام ما لا يخفى.

وكذلك مبدأ «وضع الرجل المناسب، في المكان المناسب» أو ما يطلق عليه الماوردي «رجل الوقت» لأنه من «العدل السياسي» وكذلك «إعطاء كل ذي حق حقه سياسيًا واجتماعيًا» ومن هنا كان التفاوت في «العطاء» على أساس التفاوت في «الكفاءات» والخدمات، عملاً بقوله تعالى: {ولكُلّ درجاتٌ مّمّا عملُوا} (الأنعام: 142) وقوله عز وجل: {وأن لّيس للإنسان إلا ما سعى} (النجم: 39) والعدل لا يتجزأ، في الدنيا والآخرة.

هذا، ومن العدل السياسي في الإسلام، تحريم «استغلال النفوذ» باتخاذ «المناصب في الدولة» وسيلة إلى ذلك، وحديث «ابن اللتبيّة» ظاهر لا يخفى على أحد.

هذا، ويرى الإمام الطوسي، وجوب التحري عن «الشخصيات ذوي الكفاءات» للوقوف على مدى كفاءتهم، ونزاهتهم، إذا ما أريد تعيينهم في «الوظائف الحساسة» في الدولة، وذلك مما يتصل بالعدل السياسي بسبب إذ يشترط ما يلي:

1- أن يكون ذا«كفاءة» وخبرة، تتعلق بالمنصب العام الذي يتقلده، وهذا هو مبدأ «التخصيص».

2- أن يكون نزيهًا عفيفًا مترفعًا عن استغلال المنصب، لمنافع مادية تعود على شخصه.

3- ألا يجمع بين وظيفتين.

4- ألا يجعل لعلاقات الصداقة تأثيرًا على أعمال السياسة العامة.

5- أن يبتعد عن كل ما من شأنه الإضرار بمصلحة المجتمع، والدولة.

6- ألا يجعل لنساء موظفي الدولة ذوي المناصب العالية تدخلاً في شؤون الحكم(31).

وعلى هذا، لا يتصور للحكم قيام في شرعة الإسلام إلا أن يكون مستندًا إلى أساسين جوهريين:

أولهما: «سيادة الدولة» بمقوماتها من «المشروعية العليا» التي تتمثل في «الدين» تشريعًا، وعقائد، وفضائل، ومقاصد، دون تحريف له، أو ابتداع فيه، كما يشمل«سلطة التشريع الاجتهادي» الجماعي من أهله، أي الشورى التشريعية في حدود مفاهيمه، وقواعده، وروحه، في كل ما يجد من أحداث ووقائع، لا تناولها النصوص الجزئية، وهذه «السلطة» في التشريع الاجتهادي الجماعي، تبدو أكثر ما تبدو في «سياسة التشريع» التي تختلف عن «الفقه العام الثابت» لأن «سياسة التشريع»(32) في الإسلام، تقوم أساسًا على «التوفيق» بين المبادئ العامة، والقواعد الكلية، وبين الواقع السياسي القائم، ووضع الأصوليون «خططًا تشريعية» تمثل «المنهج العلمي» في الاجتهاد التشريعي، مما يطلق عليه الأصوليون اصطلاح: الاستحسان، والاستصلاح، والاستصحاب، والعرف، وسدّ الذرائع، وقد أوسعها الإمام الغزالي رضي الله عنه بحثا في كتابه القيّم «المستصفى» وهذه الخطط كفيلة أن تمدّ الدولة بما تحتاج إليه من تشريعات، ونظم، وإجراءات، في شتى مجالات الحياة، وتعتبر هذه «السلطة الاجتهادية التشريعية الجماعية» الأحكام المستنبطة الواجب تنفيذها عن طريقها، من صميم «سيادة» الدولة، بل إن السيادة «يكاد ينحصر مفهومها لدى بعض فلاسفة السياسة الوضعية(33)، في «حق تنفيذ التشريع» نصًا ودلالة، واجتهادًا، مصحوبًا بوسيلة الإكراه المادي، عند الاقتضاء، وهذا يفضي بنا حتمًا إلى اعتبار «السلطان القاهر» عنصرًا ضروريًا في مفهوم «السيادة» أي من صميم الولاية العامة على الأمة، أو من مستلزماتها على الأقل، وسيأتي مزيد تفصيل في هذا الموضوع.

الثاني: «العدل الشامل» تنفيذًا، وتطبيقًا، إذ «لا قيام، ولا بقاء لحكم على ظلم» وفي هذا المعنى يقول الإمام الماوردي ما نصه: «كما أن السلطان، إن لم يكن على «دين» تجتمع به القلوب، حتى يرى أهله الطاعة فيه فرضًا، والتناصر عليه حتمًا، لم يكن للسلطان لبث، ولا لأيامه صفو، وكان سلطان قهر، ومفسد دهر، ومن هذين الوجهين، وجب إقامة إمام يكون «سلطان الوقت» وزعيم الأمة، ليكون الدين محروسًا بسلطانه، والسلطان جاريًا على سُنن الدين وأحكامه»(34).

ولا ريب أن سنن الدين وأحكامه، هي «العدل» بعينه، بل هو المهيمن على التصرف السياسي العام على الأمة، موجّهه «سيادة الأمة» لذلك مقيدة، ضبطًا لشؤونها، وصونًا للحق فيما بينهما، ونشرًا للأمن في ربوعها، وتوحيدًا لكلمتها، بالقضاء على أسباب الفوضى، والشر، والفساد، وعلى تشتت الآراء التي مبعثها منازع الأهواء والمصالح الخاصة المادية العاجلة، وحماية لحدود الدولة، وعملاً دائبًا على صلاح أمرها جملة، بإزالة كافة العوائق التي تعترض سبيل تقدمها، وازدهارها. وهذه هي «المصلحة العام» التي تعتبر أهم ركن من أركان «العدل» في الإسلام في أقوى صوره، وأبهى معارضه، بل «المصلحة العامة» هي أساس «مشروعية الولاية العامة» والتصرف السياسي على الرعية، منوط بالمصلحة« أي بمصلحة الرعية، إذ هي المسوغ لذلك التصرف، والمبرر لمشروعيته، ولولا مصلحة الأمة لما كان لتولية رئيس الدولة عليها أي وجه، ولما كان له حق الولاية، والنصرة، والطاعة عليها، ذلك من بدائه نظام الحكم في الإسلام.

(ك) تفسير ما بيّنا آنفًا، من «الواقعية السياسية» في فلسفة الإمام الغزالي التي جعلته ينظر إلى «القوة» بمعناها المادي والمعنوي على أنها شرط مسبق، ينبغي توافره فيمن يتولى أمر الأمة عند اختياره، وأطلق عليها «شوكة أهل الشوكة» كما ذكرنا لتورثه «القدرة» على النهوض بأعباء الحكم ومن ذلك التأييد أولي النفوذ، والرأي، والمكانة، وذوي الخبرة بالمصالح المختلفة، ومن بيدهم زمام «القوة» المادية، أقول: تأييد هؤلاء فضلاً عن عامة الشعب لاختياره رئيسًا للدولة، إذا الشرط إنما يشرع أصلاً، لتحقيق حكمة ما يتوقف عليه، وهي هنا، تحقيق معنى «السيادة» كملاً، والاستقلال الذاتي الذي لا يسمح بالمشاركة في «حق الأمر» والتصرف داخلاً وخارجًا، لأي قوة أخرى خارجية أجنبية، وإنفاذ ما تقوم عليه «السيادة» من التشريع الآمر الذي ينبغي أن يبقى مهيمنًا، على الحاكم والمحكوم، ضبطًا لأصول المعايش على حد تعبير الإمام الغزالي وكفالة لاستتباب الأمن في الداخل والخارج، وحماية للصالح العام، وضمانًا لتنميته وتقدمه وازدهاره، وتحقيقًا لوحدة الأمة التي هي أقصى غاية من غايات السياسية والحكم، بالقضاء على كافة منازع الأهواء الشخصية بتأثير من المصالح الخاصة التي هي مبعث تضارب الآراء، بما تورث من الشقاق، والنزاع، والتشرذم على ما صرح به أئمة الفقه فيما أوردنا آنفًا من نصوصهم(35) وصيانة لسلامة كيان الدولة بوجه عام.

وتفسير ذلك:

أن هذا شرط «خارجي» يتوقف عليه صلاحية الرئيس الأعلى، وكفاءته، للقيام بشؤون الحكم والسياسة، أو بالأحرى، تحقيق «حكمة مشروعية ولايته العامة» والمقصد الأساسي منها.

هذا، والشرط أصوليًا إنما يشترط لتحقيق حكمة ما يتوقف عليه على حد تعبير الإمام الشاطبي(36) غير أنه ليس شرطًا ذاتيًا من مكونات شخصيته المعنوية بحيث يتصل بالخصائص والمؤهلات، وقد لا يكون له يد في توفيره.

والحكمة في اشتراطه، أنه يتصل بالسلطة العامة، من قبل أنه يوفر عنصر التأييد المعنوي والمادي المدعّم لمركزه، بما في ذلك من تأييد الرأي العام في الدولة، أو انعقاد «الإرادة الشعبية» على توليته سلطة الحكم التي تكفل نجاحه في ممارستها، وفي هذا المعنى يقول الإمام الغزالي ما معناه: «إلا أنه يشترط كذلك ، توافر شروط «خارجية» من «القدرة» على الحكم التي تقوم على «شوكة أهل الشوكة» الموجّهتين لتأييد الإمام»(37) مما يدل على إيمانه بوجوب توافر «السيادة» في الدولة التي تتمثل في الإمام المطاع»(38) ولا ريب أن «الطاعة» هنا، إنما تعني الامتثال «لحق الأمر» وطاعة الأمة أقرب تحقيقًا إذا كانت قد انعقدت إرادتها على اختيار حاكمها ابتداءً، وعلى اقتناعها بتعاونها معه ماديًا ومعنويًا بقاءً واستمرارًا.

وبدهي، أنه يدخل في مفهوم «شوكة أهل الشوكة» الجيش، والقوات المسلحة.

(ل) اقتران «القوة» أو «السلطان القاهر» بالعدل الشامل، تأكيد لوجوب «التوفيق» بين استخدام وسائل القوة المادية، وبين مقتضيات العدل، والفضائل الخلقية لا الفضائل السياسية، على ما ذهب إليه رائد الفكر الإسلامي الحديث «ميكيافيلي» ومبدأ «التوفيق» هذا، من أهم خصائص الفلسفة، فليس الحق للأقوى، بل القوة لخدمة الحق، وإقامة العدل، وتدعيم الأمن والسلم.

هذا، وتفسير اقتران «القوة» أو «السلطان القاهرة» بالعدل الشامل كما أسلفنا أنه تأكيد لوجوب «التوفيق» بين «القوة» ومقتضيات العدل، وهو أهم خصائص الفلسفة السياسية في الإسلام.

يدلك على هذا، أن القرآن الكريم، حين رمز إلى «القوة» بالحديد، في سورة الحديد، الذي فيه بأس شديد، ليكون خادمًا، وحاميًا، ومدعمًا «للبيّنات» التي ترسم طريق العدل في السياسة والحكم، وتبين معالمه، فضلاً عما ترسى من أصول «القيم الإنسانية» و «الفضائل الخلقية» في مثل قوله عزّ وجل: {لقد أرسلنا رُسُلنا بالبيّنات وأنزلنا معهُمُ الكتاب والميزان ليقُوم النّاسُ بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأسٌ شديدٌ}(الحديد: 25) فكان «العدل» هو الهدف الأسمى، من إرسال الرسل، وإنزال الكتب السماوية، أقول: إن القرآن الكريم حين رمز إلى «القوة» بكلمة الحديد عقب ذلك، فإنما قصد إلى الإشعار بأن «القوة» إنما شرع وجوب إعدادها، من أجل تدعيم تلك «البينات» وتطبيقها، وهو « القسط» فلا تعلو «القوة» على البينات والعدل في شرع الإسلام، وإلا انهار المجتمع، ودالت الدولة، وعم الفساد، وهو ما أشار إليه الإمام الماوردي آنفًا، فالقوة كما ترى عماد السياسة الرشيدة والحكم العادل، بل ومن مستلزمات «سيادة الدولة».

وعلى هذا، فقد استقر في تصور فلاسفة السياسة المسلمين، أن «القوة» شرعت سندًا للحق، والعدل، الدين، وقيمه، فليست «القوة» المادية مقصودة لذاتها أو مُحكّمة في سياسة الدولة، ولا في علاقاتها الخارجية في نظر الإسلام بل «العدل» هو الأساس في كل ذلك، إلا كانت السيادة « للقوى» الغاشمة في العالم على النحو الذي سنرى في فلسفة السياسة الوضعية(39)، إذ جعلت «الحق للأقوى لا للأعدل» وهذا هو منشأ الفساد في الأرض، والسبب الرئيسي الاضطراب العالمي، ولهذا وجب على المسلمين إعداد القوة بجميع وجودها ماديًا ومعنويًا أصلاً وتكوينًا في مقومات الدولة، لحماية الحق والعدل والأمن والسلم، أن يبغي عليها، وعملاً بمقتضى ما أرسى القرآن الكريم نفسه من «سنة التدافع» في المجتمع البشري، المقرر بقوله تعالى: {ولولا دفعُ اللّه النّاس بعضهُم ببعض لّفسدت الأرضُ} على ما بيّنا.

هذا، ورفعًا للعدل على غارب القوة، فرض القرآن الكريم على المؤمنين، أن يكوّنوا أنفسهم تكوينًا خاصًا بمقتضى ما أرسي في أصوله من قيم، وتوجيهات بحيث يقدرهم على النهوض بمهمة «القوامة» على «العدل» في العالم كله، إذا صياغة أنفسهم أولاً على عين المثل القيم الإنسانية الموضوعية المطلقة، والفضائل الإسلامية، كفيلة بأن تجعلهم مؤهلين لتلك «القوامة» بل جديرين بالقيادة والريادة، أحقّاء بالعمل السياسي على إقامة مرفق «العدل» واقعًا بي البشر، لأنه حق إنساني مشترك، لا يعبث بميزانه اختلاف الدين، أو لغة، أو لون، أو عنصر، بل وفرض عليهم التضحية بالأموال والأنفس في سبيل تحقيق ذلك، لقهر الظلم والبغي والعدوان في الأرض –أيًا كان الظالم وأيًا كان المظلوم- ومحق مظاهر آثاره من الوجود البشري، وهذا مطلب شاق، وجدُّ عسير، ولكنه ممكن التحقيق، إذا فهم –في ظل هذا المبدأ- سرُّ قوله تعالى: {وأعدُّوا لهُم مّا استطعتُم مّن قُوّة} وهذا التعميم في «القوة» شامل لكافة أنواعها، ماديًا ومعنويًا.

أما أنه سبحانه قد فرض على المؤمنين أن يكوّنوا أنفسهم تكوينًا خاصًا، ليكونوا أهلاً «للقوامة» على مرفق «العدل» المطلق إقامة، وتنفيذًا وإشرافًا في العالم كله، فتجد ذلك صريحًا في مثل قوله عز وجل: {يا أيُّها الّذين آمنُوا كُونُوا قوّامين بالقسط شُهداء لله}(النساء: 135). بإطلاق، وفعل الأمر «كونوا» أمر تكوين، على سبيل الوجوب، وقوله جل ثناؤه: {قُل أمر ربّي بالقسط}(الأعراف: 29).والأمر يقتضي الفرضية الوجوب، وفي أرفع مستوى يرقى إليه الطلب الإلهي، وقد خوطب به الرسول صلى الله عليه وسلم لإظهار أهمية «العدل» كيلا يتهاون في شأن «العدل» أحد، ولو كان رسولاً مصطفى، فكانت أمته مخاطبة به من باب أولى، ولاسيما من بيدهم مقاليد الحكم، وأزمّة شؤون السياسة.

على أن القرآن العظيم _اهتمامًا منه بشأن «العدل» الذي قامت على أساسه السموات والأرض- التفت إلى ذوي السياسة، ورجال الدولة، بوجه خاص، ففرض عليهم تطبق مبادئ العدل، فيما يتولون من شؤون الناس عامة، ورعيتهم خاصة، بقوله سبحانه بصريح مادة «الأمر» وهو أقوى وجوه الطلب والفرضية: {إنّ اللّه يأمُرُكُم أن تُؤدُّوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتُم بين النّاس أن تحكُمُوا بالعدل}(النساء: 58). ولا يخفى ما في التعبير بكلمة «الناس» من العموم، مما لا يمكن معه قصرُ تطبيقه على المسلمين خاصة، وهذا يؤكد قولنا آنفًا، إن «العدل»(40) في الإسلام، حق إنساني مشترك.

وعلى هذا، فقد ظهر جليًا فيما نحسب أن أساس فلسفة السياسة والحكم في الإسلام، إنما هو «العدل» المطلق بين البشر، بما يفيد «الشمول» دون تخصيص، وهو ما قرره الإمام الماوردي في صدد بيانه للأسس التي تقوم «الدولة» حيث يقول: وأما القاعدة الثالثة: فهي «عدل شامل»(41) ثم يعقّب على ذلك بقوله: وليس شيء أسرع في خراب الأرض (العالم) ولا أفسد لضمائر الخلق (بإطلاق) من الجور «وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بئس الزاد إلى المعاد، العدوان على العباد)(42). بإطلاق كما ترى وهذا سموّ في المعنى السياسي بالغ الشأن في القيمة الإنسانية.

وأما الإمام الغزالي، فقد بحث في «أصول العدل والإنصاف» وأفرغها في عشرة أصول –كما أشرنا- في كتاب المعروف: «التبر المسبوك في نصيحة الملوك» مما سنفصل القول فيه في مقامه من هذا البحث(43) إن شاء الله تعالى.

(م) واقعية الفلسفة السياسية عند الإمام الغزالي –فيما يتعلق بوجوب إقامة الدولة، أو تفسير نشأتها- تبدو في أمرين:

أولهما: أن تكوين «المجتمع السياسي الصالح» لا يتم إلا بنظامين:

نظام الدنيا، ونظام الدين، دون فصل، تلبية لمطالب الجسد، ومطامح الروح، وإلا كان فقدان التوازن، برعاية أحدهما دون الآخر، واستحالة استقامة أمره واقعًا وعملاً، ولن يتأتّى له أن يحقق في حياته المستوى الإنساني الرشيد، فضلاً عن أن «المجتمع» الإنساني لا يمكن أن يسوده نظام ذو مشروعية عليا، يلتزم بها الحاكم والمحكوم على السواء، إلا بالدولة، وإلا فقد خاصيته السياسية، إذ لا مجتمع سياسيًا بدون نظام ومشروعية عليا، وهو ما أشار إليه الإمام الغزالي آنفًا في مقدماته ونتائجه المنطقية، وهذا التفسير الفلسفي لنشأة الدولة، وضرورتها، وضرورة إقامة ولي أمرها، قد تأكد بالأدلة القاطعة التي وردت في الكتاب والسنّة وعمل الصحابة، ومن بعدهم، حيث نهضت كلها، بوجوب إقامة الدولة، وطاعة أولى الأمر فيها(44)، على ما سيأتي تفصيله في مقامه، إن شاء الله تعالى، ولكن وكدنا منصبٌّ هنا، على بيان واقعية الإمام الغزالي في فلسفته السياسية.

هذا، وتبدو واقعية الإمام الغزالي في فلسفته السياسية أيضًا، عند البحث في كيفية نشأة الدولة، لا في أدلة أصل نشأتها فحسب، إذ تراه، يتناول في هذا الموضوع مفصلاً في كتابة الإحياء(45) حيث يورد أمورًا كثيرة هي واقعية فعلاً، ومشاهدة، ومحسوسة، لأنها تمثل «حاجات المجتمع البشري ومطالبه في كل عصر« فكان في هذا المجال فيلسوفًا سياسيًا واجتماعيًا معًا.

ثم إنه كفيلسوف سياسي نراه مخطط للدولة المثالية، تخطيطًا لا يستعصي على التطبيق، تجد هذا مفصلاً فيما أسماه أصول العدل والإنصاف(46)، على ما أشرنا.

أما الحاجات والمطالب التي تفسّر لنا كيفية نشوء المجتمع والدولة، فقد فصلها الغزالي تفصيلاً يومئ إلى أهميتها، وواقعيتها، في آن معًا، وأنها نمت وتكاثرت على سبيل التطور، فمن ذلك الحاجة الماسة إلى أصول الصناعات وآلاتها على اختلاف أنواعها، وحاجة الإنسان الفرد إلى الاجتماع، إشارة إلى كونه كائنًا اجتماعيًا بطبعه، وهذا ما سنفصل القول فيه في الفقرة التالية، وحاجة المجتمع إلى إنشاء البلاد، ومرافقها العامة، من الطرق، وإقامة الجسور، والقناطر، والمدارس، وما إلى ذلك، وحاجته إلى التجارة، والأسواق، ولكن المهم في الأمر هو إشارة الإمام الغزالي إلى حاجة المجتمع أو الأمة «إلى أهل السياسة» للقيام برعايتها، وإنمائها وتنظيمها… فإذا كانت هذه الحاجات والمطالب الحيوية، وغيرها كثير وهي تتطور بحكم التقدم العلمي قائمة في كل عصر وبيئة، يفتقر إليها المجتمع منذ نشوئه ابتداءً، وفي استمرار الحياة الإنسانية فيه، فإن افتقار إلى «أهل السياسة» –على ما أشار إليه الإمام الغزالي يغدو حاج فطرية، وضرورية، لأنها كامنة في طبيعة المجتمع الإنساني، لسبب بسيط، هو أن رجال السياسة والحكم بحكم مؤهلاتهم ووظائفهم يصلحون لتدبير شؤون الأمة، داخلاً وخارجًا، ويسوسونها على حد تعبير الإمام الغزالي «بقانون السياسة» إذ من المشاهد المحسوس، أن الأمور لا تنتظم في مجتمع ما، أو تسير فيه الحياة على استقامة، بحيث يستتب الأمن فيها، وتصان الحقوق والحرمات، وتحمى الأوطان من المغيرين والأعداء، إلا بالدولة، أو القائمين بشؤون السياسة والحكم فيها، بلا يتصور –في فلسفة الإمام الغزالي والماوردي وابن خلدون- أن يقوم مجتمع ما، دون أن يسبقه قيام الدولة ونشوئها.

(ن) النظر السياسي الواقعي عند الإمام الغزالي والماوردي وغيرهما يقوم على اعتبار كلّ من المجتمع، والإنسان الفرد، وحدة طبعية، واجتماعية، وسياسية، ومدى علاقة كليهما بكيفية نشوء الدولة.

هذا بالنسبة إلى الأمة أو المجتمع الإنساني، بوصفه مجتمعًا، ولكن «الواقعية السياسية» قد حملت الإمام الغزالي على ألا يغفل شأن «الإنسان الفرد» في حد ذاته، على اعتبار أنه «وحدة طبعية» «ووحدة اجتماعية» و «وحدة سياسية» في آن معًا، وعلى أساس هذا النظر السياسي الواقعي، طفق الإمام الغزالي، يفسّر لنا كيفية نشوء الدولة على أساس من حاجة هذه «الوحدة» المتعددة الجوانب، ومدى علاقتها بالمجتمع، ثم صلتها معًا بكيفية نشوء الدولة، على ما أشرنا.

وبيان ذلك:

أن الإمام الغزالي وغيره من فلاسفة السياسة المسلمين، يرى أن للمجتمع من حيث هو، حاجات ومطالب خاصة به، يفتقر إليها بحكم طبيعته، وإن هذه «المرافق والمؤسسات، والخدمات» لن يتم تحقيقها والقيام بها على الوجه المجدي والأكمل إلا في ظل دولة، لمحدودية طاقات الأفراد عن النهوض بها على هذا الوجه، فكانت الدولة شرطًا لقيام المجتمع نفسه، وانتظام شؤونه، ومرافقه، وهذا أمر «واقعي» لا سبيل إلى إنكاره، أو تجاهله.

هذا وأجمع علماء الإسلام على أن إقامة مرافق الدولة، ومؤسساتها من الفروض الكفائية، وعلى حسب الاختصاص والخبرة، مما سنفصل القول فيه.

أما الأمر الثاني الذي يفسر لنا كيفية نشوء «الدولة» واقعيًا في نظر الإمام الغزالي والماوردي وغيرهما فهو حاجات «الفرد» نفسه أيضًا من حيث هو كائن اجتماعي وسياسي، على استقلال، إذ لا يجوز الخلط بين حاجات الفرد، وحاجات المجتمع، لأن كل منهما كيانًا خاصًا، ومصلحة مستقلة، تجب مراعاتها، وإلا فلن يستقيم أمرهما وشؤونهما، بالنظر السياسي السطحي الذي يجانب الدقة في تمييز «مكونات الواقع» ولا ريب أن إغفال أي منهما هو منشأ ما ينتاب التدبير السياسي من الفشل، لمنافاته أو تجاهله لطبائع الأشياء.

أضف إلى ذلك ما قدمنا آنفًا، من أن «طبائع الناس» بما فطروا عليه من «الغرائز» وما رُكّب في أصل جبلتهم من «الأنانيات» و «الشهوات» حتى إنهم ليندفعون تحت تأثيرها إلى التهافت عليها، دون اقتصارهم على تحصيل ما يكفي حاجاتهم، وبالطرق المشروعة، أقول: إن طبائع الناس وما فطروا عليه، سبب رئيسي من أسباب نشوء الدولة، تجد هذا بيّنًا صريحًا بالنسبة إلى طبيعة الفرد، في قول الماوردي: «اعلم أن الله تعالى، لنافذ قدرته، وبالغ حكمته، خلق الخلق بتدبيره، وفطرهم بتقديره، فكان من لطيف ما دبّره، وبديع ما قدّر، أن خلقهم محتاجين، وفطرهم عاجزين، ليكون بالغنى منفردًا، وبالقدرة مختصًا، حتى يشعرنا بقدرته أنه خالق، ويعلمنا بغناه أنه رازق، فنذعن بطاعته رغبة ورهبة، ونقر بنقصنا، عجزًا وحاجة»(47).

وبيّن أن هذا يفيد الإنسان مدني بطبعه، غير أن الإمام الماوردي، فسر ذلك تفسيرًا روحيًا ودينيًا خالصًا، كما ترى.

ثم يضيف الإمام الماوردي في بيان صريح لهذه «الحقيقة الفطرية» إلى ذلك قوله: ثم جعل الإنسان أكثر حاجة من جميع الحيوان، لأن من الحيوان ما يستقلُّ بنفسه عن جنسه، والإنسان «مطبوع» على الافتقار إلى جنسه، واستعانته صفة لازمة لطبعه، وخلقة قائمة في جوهره» ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: {وخُلق الإنسانُ ضعيفًا} (النساء: 28) هذا فيما يتعلق بالإنسان الفرد.

(ص) صلاح أمر الدولة واستقامة أمرها، وانتظام شؤونها نتيجة للأصل السابق لا يتم إلى على أساس من الوفاء بحاجة المجتمع، وحاجة الفرد، كلاً على استقلال، وعلى أساس قيام العلاقة التعاونية، بل التكافلية الملزمة بينهما، لتبادلها التأثير والتأثر.

أما ما يتعلق بالمجتمع، والعلاقة الفطرية اللازمة التي لا تنفك بين المجتمع والفرد، فتجدها بيّنة في قوله: «واعلم أن صلاح الدنيا معتبر من وجهين: أولهما: ما ينتظم به أمور جملتها، والثاني: ما يصلح به حال كل واحد من أهلها، فهما شيئان: لا صلاح لأحدهما إلا بصاحبه» فقوله: «ما ينتظم به أمور جملتها أي الدنيا فالمقصود المجتمع والدولة، هذا شيء، وقوله بعد ذلك: «ما يصلح به حال كل واحد من أهلها» فالمقصود به الإنسان الفرد.

ثم يشير الإمام الماوردي إلى العلاقة القائمة بينهما، وأنها لازمة لا تنفك، وأن بينهما تأثيرًا وتأثرًا، متبادلاً، صحة وفسادًا، إذ يقول فيما نصه: «لأن من صلحت حاله، مع فساد الدنيا (أهلها ويعني المجتمع) واختلال أمورها، لن يعدم أن يتعدّى إليه فسادها، ويقدح فيه اختلالهما، لأنه منها يستمدّ، ولها يستعد».

(ع) الإمام الماوردي يرى وبحق أن رعاية الصالح العام للدولة من قبل الأفراد، شرط أساسي مسبق، لتوفير مصلحتهم هم، مما ينبيء أن مصلحة الفرد، لا يتم توفيرها إلى في نطاق رعاية الصالح العام، فالعلاقة طبعية فطرية، وهذا هو منشأ مبدأ التعاون المشترك على البر والتقوى الذي أرساه القرآن الكريم.

يؤكد الإمام الماوردي ضرورة أن يهتم الإنسان الفرد بأمر دنياه ومجتمعه، بل وأن يحرص على المصلحة العامة، ذلك لأن مصلحة أمته، ومجتمعه، شرط أساسي يتوقف عليه توفير مصلحته هو، واستقامة أمره، في خاصة شؤونه، لأن الأصل، تبادله معه التأثير والتأثر بحكم الفطرة، مما ينبيء عن «وحدة المصلحة» و «وحدة المصير» إذ يقول فيما نصه: «ومن فسدت حاله مع صلاح الدنيا، وانتظام أمورها، لم يجد لصلاحها لذة، ولا لاستقامتها أثرًا، لأن «الإنسان دينا نفسه، فليس يرى الصلاح إلا إذا صلحت له، ولا يجد الفساد إلا إذا فسدت عليه، لأن نفسه أخص، وحاله أمس، فصار نظره إلى ما يخصه مصروفًا، وفكره على ما يمسه موقوفًا» فالعلاقة فطرية، وطبيعة، ولذا كانت لازمة، ولا تنفك، لأن ما منشؤه الفطرة، وطبائع الأمور، لا يمكن التغافل عنه، أو عدم إقامة التدبير السياسي على أساسه، وهذا دليل بيّن على أن الإسلام لا يضاد طبائع الأشياء، بل يقدُرُها قدرها، وعلى هذا الاعتبار، أرسى الإسلام مبدأ «التعاون» على البر والتقوى بإطلاق، في قوله تعالى: {وتعاونُوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونُوا على الإثم والعُدوان} (المائدة: 2) في وجهيه: الإيجابي والسلبي، كما ترى، وهو الأصل الذي نشأ عنه مبدأ «التكافل الاجتماعي» والسياسي، والاقتصادي، والخُلقي، الملزم، لإطلاق النص، فتبدّى لك، أن قضية أن الإسلام «دين الفطرة» ليست زعمًا مُفرغًا من المحتوى، ولا دعوى مُرسلة!!

على أن الإمام الماوردي، قرر هذا المعنى، في عبارته الصريحة التي لا لبس فيها ولا إبهام، بما يفيد أن مبدأ التعاون، أو التكافل، بما هو فطري، وضروري، أضحى قوامًا للحياة الإنسانية، في تماسكها، وتناسقها، وانتظامها، بل وقوّتها، واستعصائها على التهافت والانهيار، تجد هذا في قوله: «واعلم أن الدنيا، لم تكن قط، لأهلها مسعدة، ولا عن كافة ذويها، معرضة.. واتفاقهم بالمساعدة والتعاون« ويفسر الماوردي وجوب التعاون، باختلاف الناس مدارك، ورزقًا، لأن هذا التفاوت في الناس، هو الذي يدفعهم إلى الائتلاف بالمعونة، ولو استووا فيها لما استقام أمر الحياة.

هذا وبالله التوفيق.

الفكر السياسي

عند الغزالي والماوردي وابن خلدون

2

منهج البحث موجهًا ومفصلاً

أولاً: أصولاً الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، مقارنة بأصول الفكر السياسي الإسلامي التي استقرت في فلسفة الإمام الغزالي، والماوردي، وابن خلدون، نعرضها فيما يلي:

(أ) إن «ميكيافيلي» هو الذي أثار مسألة العلاقة بين السياسة، وبين القيم الإنسانية، أو بين السياسة، وبيد الدين جملة، فكان أن فصل السياسة عن كل أولئك، فصلاً تامًا، وحاسمًا، بإرسائه مبدأ «السياسة أولاً» ومبدأ «الغاية تبرر الوسيلة» ومبدأ «الحق للأقوى» ومبدأ ما أسماه «الفضائل السياسية» ومبدأ «فن الوصولية» و «التكتيك السياسي» بوجه عام، وهذه الأصول التي نهضت بالفلسفة «السياسة الميكافيلية»هي التي تلقاها رواد الفكر السياسي الحديث، بل والمعاصر أيضًا –تلقوها ميراثًا فكريًا مقدسًا، حتى في هذا القرن العشرين، ولاسيما خلال النصف الأول منه على وجه التحديد، بما تقيم الدليل عليه.

(ب) مردُّ تمييز «الفلسفة السياسية الوضعية بين «الفضائل الخلقية» وبين ما تطلق عليه اصطلاح «الفضائل السياسية» على النحو الذي نراه لدى ميكافيلي في كتابه «الأمير» صدى لفصله «القيم الإنسانية والدين جملة، عن السياسة، فصلاً تامًا، وحاسمًا كما أشرنا أقول: مرد هذا التمييز، أن «الغاية» المتوخاة من هذه «الفضائل السياسية» تحتم اعتبارها، وإيثارها على تلك، بل قد تستوجب هذه الفضائل السياسية في نظر ميكيافيلي ومن معه اتخاذ أساليب موغلة في الوحشية والبربرية عند الاقتضاء، لأنها هي التي تتفق –في الواقع- وطبيعة السياسة، من حيث هي «فن» واقعي قائم بذاته ليس من مصالحها، وغاياتها، الدين وتعاليمه، ومثله، وفضائله، لتباينهما، طبيعة وهدفًا، فلا مجال إذن للفضائل الأخلاقية، والقيم الإنسانية، وتعاليم الدين، على الصعيد السياسي!!!

على أن تلك القيم، والمثل العليا، وفضائل الدين، وتعاليمه السامية في نظر هؤلاء الفلاسفة السياسيين، وفي مقدمتهم ميكيافيلي لا تعرى عن نوع فائدة مرجوة في بعض الظروف، إذ يمكن أن يكون لها دور في المجال السياسي، ولكن في حالات نادرة، وذلك حين يمكن اتخاذها، على أساس أنها مجرد وسيلة تقتضيها «الضرورة» وعلى سبيل الاستثناء، وحسب، لا على أنها «أصل مقصود لذاته» حال السعة والاختيار، أو بعبارة أخرى، أنها تمارس لا على أساس أنها عنصر جوهري في مفهوم السياسة، أو غاية قصوى من غاياته.

وبدهيُّ، أنه إذا اختلف الأمران، أو تباينا، مفهومًا، وطبيعة، وهدفًا، اختلفا وسيلة وذرائع، إذ الوسيلة تأخذ حكم غايتها، بل الغاية هي التي تبرر الوسيلة، وتتحكم في تكييفها، أيًا كانت طبيعتها الأصلية.

(ح) العدل الدولي في نظر رواد الفكر السياسي الحديث، والمعاصر أصل عتيد، ولكن مؤداه: أن «الحق للأقوى» لا للأعدل بالمفهوم الخلقي، والديني، والفطري.

وترتب على هذا الأصل أمور ثلاثة:

أولها: «تجزئة مفهوم العدل الدولي» حتى غدا جزئيًا، أو نسبيًا، لا مطلقًا، وهذا النظر هو منشأ الشرور في العالم.

الثاني: (وهو أساس الأول) «تجزئة مفهوم الإنسان العام» ومرد ذلك التمييز، هو العنصر واللون.

الثالث: تحكيم القوة في العلاقات السياسية الدولية، أثرًا للتجزئة في مفهومي كل من العدل الدولي، والإنسان العام، وصدى لاستبعاد المبادئ والقيم الخالدة التي تعارفت عليها الأمم، منذ القدم، فضلاً عن تعاليم الشرائع السماوية التي أرسلت مبدأ «الكرامة الإنسانية» مصدرًا لحقوق الإنسان العام، حيثما كان، وفي أي عصر وجد.

(د) تركز مفهوم السياسة أو استقر جوهرها في فلسفتها الحديثة والمعاصرة في كونها «فن الوصولية» أو ما يطلق عليه اليوم «التكتيك السياسي» وهذا مشعر بأنه مفهوم «ذرائعي» لا موضوعي، ومصلحي خاص، لا قيمي، ولا إنساني.

(ه) «الوصولية» في مفهومها الحديث والمعاصر هي فن اتخاذ «الوسائل» التي من شأنها أن توصل إلى غايات ثلاث:

أولها: استعمار الشعوب المستضعفة، بأسلوب أو بآخر، لاستنزاف خيراتها، وثرواتها، أو التوسع الاستيطاني العنصري في أراضيها، واقتلاع أهلها الشرعيين منها.

الثانية: الاستعلاء، أو الاستكبار في الأرض، وبسط رواق الهيمنة الدولية بالنسبة إلى الدول الأقوى التي تملك ناصية القوة الرهيبة والمدمرة.

الثالثة: التفوق العنصري، لتكون أمة هي أربى من أمة، كثمرة للاستعمار، أو الدافع إليه قبل التحقيق.

(و) وجهة نظر الفلسفة الوضعية الغربية بوجه خاص ولدى روادها في العصر الحديث، والمعاصر إلى قضية «الاستعمار»، اقتضتهم أن يفسروا «ظاهرة الوجود الاستعماري في المجتمع البشري «تفسيرًا ملفقًا»، وقائمًا على أصل موهوم، يتفق وما ارتأوه من مفهوم خاص للسياسة، وطبيعتها، ودورها، وغاياتها، وقوام هذا التفسير في تأملهم الفلسفي: أن الاستعمار «ظاهرة طبيعية» أي تقتضيها طبائع الأشياء، وتحتمها سنن الوجود، بل هي ثمرة منطقية ومعقولة للتفاوت الحضاري والعلمي بين الأمم والشعوب، وليست أمرًا يشكل عدوانًا، أو بغيًا، أو ظلمًا، أو فسادًا في الأرض.

(ز) وأيضًا، مما يبرر وجود ظاهرة «الاستعمار» –في اعتقادهم- أنه أنجع وسيلة للتمكين من خلق «المجال الحيوي» بالنسبة إلى الدول الأقوى، والأغنى، والأكثر تحضرًا وتقدمًا، لتتخذ من ذلك «المجال الحيوي» مصرفًا لقواها الفائضة العارمة، الأمر الذي يفسر –في نظرها- سبب نشوء حقها الطبيعي والمعقول في ضرورة الاستيلاء على «المواقع الاستراتيجية» في البلاد المستعمرة، تمكينًا لها من الدفاع عن مجالاتها الحيوية هذه، وذلك ببسط هيمنتها الدولية –سياسيًا، واقتصاديًا، وعسكريًا –بفضل ما تملك من فائض القوة، وما ارتقت إليه من بالغ الشأو في « العلم» و «الحضارة المادية» وعملاً بما ابتدعته هي من سنة «البقاء للأصلح» الذي يسوّغ إبادة الجنس.

(ح) إن من أصول هذه السياسة –في المجال الداخلي- أن من «الحمق» و «العجز» بل ومن «الغباء» أن يخلص رئيس الدولة لشعبه أو أمته !!! أو أن يرعى مصالحهم على نحو يفوق رعايته لمصالحه الخاصة –بل ينبغي- حتى يتمكن من الاحتفاظ بمنصبه، ويبقى في «سدة الحكم»- أن يحقق أمورًا ثلاثة:

أولها: القوة.

الثاني: الشهرة.

الثالث: العظمة.

(ط) «السيادة» باعتبارها أهم ركن من أركان الدولة، يراها الفيلسوف الإنجليزي المشهور «هوبز» ملكًا خاصًا لمن أسماه «العملاق» أو «التنين» ومقصورًا عليه، ويعني به « رئيس الدولة الأعلى» مما يشعر أن «الرعية» أو «المواطنين» بالنسبة إليه «أقزام» قد سلبوا حقوقهم الطبيعية، ولاسيما في السلطة، وغدوًا بلا وجود سياسي، ولا كيان شرعي، بل ترى «هوبز» هذا على سبيل المثال وهو أعظم فيلسوف سياسي في العصر الحديث وفي نظر الإنجليز أنفسهم، تراه يرفع من شأن «العملاق صاحب السيادة» ليبلغ به مستوى «إله صغير» «لا يُسأل عما يفعل» بناء على أصل وهمي فلسفي سياسي، قد ابتدعه هو، ومؤداه: أن السيادة في الدولة، قد انعقدت منذ البداية، لرئيسها الأعلى، دون أن تلقي على عاتقه «التزامًا» ما، أو تتجه إليه أي «مسؤولية» ويسوغ «هوبز» هذا النظر، ويفسره بأمر وهمي أيضًا، مستمد من بنات أفكاره هو إذ لا وجود في الواقع التاريخي فضلاً عن السياسي مفاده: «أن رئيس الدولة، إنما يملك «حق السيادة» وحده وهو «حق الأمر» ويتصرف تصرفًا سياسيًا عامًا، على الأمة، وفق إرادته الحرة المطلقة، ودون قيد، سوى ما أسماه «القانون الطبيعي» وهو قانون مبهم، وغير مستور، وقد اتخذ سندًا فلسفيًا، وظهيرًا قويًا للمذهب الفردي إبان الثورة الفرنسية أقول يفسر «هوبز» منشأ هذه «السلطة المطلقة» لرئيس الدولة، بأنه لم يكن طرفًا في «العقد» الموهوم الذي اعتبره أساسًا لنشوء الدولة، وإنما هو عقد أبرم فيما بين الرعية أنفسهم –بعضهم قبل بعض فلا يتجه عليه بالتالي أي التزام، أو مسؤولية، لأنه في تصوره لم يكن طرفًا فيه!!

ثانيًا: مقارنة هذه الأصول، بأصول الفلسفة السياسية في الإسلام.

(أ) «المعايير» أو «الموازين» التي اصطنعتها السياسات الدولية ولاسيما في هذا القرن قد ثبت بالبحث المستقصي، أنها انحدرت ميراثًا فكريًا مقدسًا من «مفاهيم السياسة الميكيافلية».

(ب) ميكيافيلي ومن دار في فلكه من رواد الفكر السياسي الحديث أو المعاصر لم يقيموا أفكارهم على أساس من مبادئ متكاملة، أو أصول منطقية معقولة، أو تفكير فلسفي موضوعي ناضج، بقدر ما جاءت أفكارهم ثمرة تجارب واقعية قاسية قد عاشوها، فكانوا معنيين بتصوير الواقع الظالم، على أنه هو الأصل، ويحاولون تغييره بالأسلوب عينه، من الظلم، والقهر، والتسلط، والذرائع غير الإنسانية، دون محاولة منهم معالجة الأوضاع القائمة بما يرتقي بالأمة والساسة إنسانيًا.

(ح) التبرير الملفق في الفكر السياسي الوضعي، لظاهرة الاستعمار في المجتمع البشري، بمقولة: أن «الوجود الاستعماري» أمر يستلزم نشوءه قيام الدول الكبرى الموفورة القوة، والحيوية، العلم، أو التي بلغت شأوًا بعيدًا في التقدم الحضاري بوجه عام في كل عصر.

(د) أصول الإسلام في فلسفته السياسية هي على النقيض من اتجاه الفلسفة السياسية، ومنها محاربة الإسلام للتمييز العنصري الذي استوجب الاستعمار السياسي والاقتصادي، والعسكري، لتكون أمة هي أربى من أمة، وأن جعل الناس شعوبًا وقبائل –في ضوء الحكمة القرآنية- أمر واقعي، وليس تفاضلاً شرعيًا، بدليل أنه جعل مسبوق بوحدة الأصل، من ذكر أو أنثى، مما يشعر بالوحدة الإنسانية!

(ه) يرسي الإسلام أصول الأخلاق التي لا تنفصل عن أصول فلسفته السياسية مطلقًا، لوحدة التشريع الآمر فيهما، ويربطها بالبصيرة الفطرية، إيذانًا بثبات ماهيتها، أن تنتابها عوامل التغيير البيئية، أو التقاليد الموروثة، أو تتعاورها كثرة طُرُوّ الأعراف، وتباين البيئات، لأن «حقائق الأشياء لا تتبدل».

(و) مناط السياسة الرشيدة العادلة في نظر السياسي الإسلامي، ولاسيما في الفكر الخلدوني هو «إنسانية الإنسان» مما يتنافى مع مبدأ تبرير الغاية للوسيلة، إذ «الفضيلة» أو المصلحة المشروعة، غاية، لا تبرر الوسيلة، أسلوبًا، إذ كانتا متنافيتين، لأنهما وحدة لا تتجزأ، مفهومًا وحكمًا.

(ز) مفهوم «العدل الدولي» في نظر ميكيافيلي بما يفسره بكونه «مصلحة الأقوى» هو على «النقيض» تمامًا من «مفهوم العدل» –في ميزان الإسلام، وبينات هداه، وأصول الحق فيه.

(ح) القوة، في مفهوم السياسة الوضعية التي انحدرت إليها ميراثًا من الفكر السياسي الميكيافيلي بدليل اعتبارها أنها هي «العدل الدولي» بعينه، أيًا كان طبيعتها وأهدافها وهي التي أطلق عليها القرآن الكريم «الطاغوت» أو الطغيان والفكر، لأنه كفر بالله تعالى، وكفر بالقيم الإنسانية الخالدة!!

(ط) «الفضائل السياسية» في مفهوم السياسة الوضعية لدى روادها المحدثين والمعاصرين تمثل «موقف الإثم الكبرى» في شرعة الإسلام، أو «كبائر الإثم» في مفاهيمه السياسية.

(ي) مفهوم «السيادة» في تصور الفيلسوف السياسي الإنكليزي «هوبز» في العصر الحديث، يمت إلى مفهوم «القوة» بسبب، بما هي تعبير واقعي عن إرادة «العملاق» المطلقة، حتى بالنسبة إلى شعبه، أو أمته، فضلاً عن الشعوب والأمم الأجنبية الأخرى!

(ك) خصائص الحاكم الأعلى –في الإسلام- مقارنة بخصائصه في الفلسفة السياسية الوضعية، وفي ضوء الفكر السياسي لدى رواده المحدثين، والمعاصرين.

(ل) «العقد السياسي» الذي توهمه الفيلسوف الإنكليزي «هوبز» تفسيرًا لنشوء الدولة، وتبريرًا لإطلاق سلطة الحكم، لم يقع، لا في الماضي، ولا في الحاضر، ولا نظن أن أحدًا يخاله يقع مستقبلاً أبدًا، لما في من نزول الأمة عن سيادتها جملة، وسلب الأفراد حقوقهم الأساسية، وإهدار مصالحهم الحيوية الحقيقية، واستبداد سلطة الحكم، بحجة فلسفية ملفقة، مؤداها: أن «الحاكم الأعلى» لم يكن طرفًا فيه، فلا يسأل عما يفعل، بخلاف «عقد البيعة» في الإسلام وأساسه مبدأ الشورى السياسية فهو عقد حقيقي، واقعي، من خصائصه «إمكانية التطبيق» ماضيًا، وحاضرًا، مستقبلاً والحاكم طرف أساسي فيه، والمسؤولية فيه متبادلة، بين الراعي والرعية، «الإمام راع و مسؤول عن رعيته» وهو وكيل عنها، في تنفيذ شرع الله فيه.

(م) «السيادة» في الدولة، وما تستلزمه من «السلطة العامة» في الفكر السياسي الإسلامي، وفي تصور الإمام الغزالي، والماوردي، وابن خلدون.

(ن) «الأمة» بكاملها، هي التي تمارس مقتضيات «السيادة» واقعًا وعملاً، بما تورثها من «السلطة العامة»، إذ «لا سيادة بلا سلطة» وإن كانت السيادة نظريًا إنما تعني «هيمنة التشريع» و «حق الأمر» وهو في الأصل حق الله تعالى: {إن الحُكمُ إلاّ للّه}(الأنعام: 57)

(ص) الأساس الفقهي «لحق الأمة» في ممارسة مقتضيات «السيادة» أنها هي صاحبة «المصلحة الحقيقية في السياسة والحكم، شرعًا» بدليل توجيه الخطاب الشرعي إليها قرآنًا وسنة بالتكليف الآمر، إذ التكليف أحكام، والأحكام معللة بمصالح الأمة «العباد» كما هو معلوم والحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بأفعال المكلفين، وأول مظهر ذي شأن لسلطان الأمة هو حقها في انتخاب رئيسها الأعلى عملاً بمبدأ الشورى وبإرادتها الحرة، وكيلاً عنها في ممارسة حق السيادة عملاً، على مقتضى النظر الشرعي، لتدبير الأمر، والقيام عليه بما يصلحه!.

(ع) ينبغي التمييز ابتداء، بين «السيادة» التي تعني «المشروعية العليا» نظريًا وبين ما تقتضيه من «السلطة العامة» في حالة الحركة والتنفيذ، الممثلة فيما يسمى «السلطة التنفيذية» التي ينبغي أن تطاع، إذا كانت أوامرها وتصرفاتها، مطابقة للمشروعية العليا، وهي «السلطة» المشار إليها بقوله تعالى:{ولتكُن مّنكُم أُمّةٌ يدعُون إلى الخير ويأمُرُون بالمعرُوف وينهون عن المُنكر} (آل عمران:104)

ولا ريب، أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، تعبير موجز شامل، يتضمن التشريع كله، والمشار إليها أيضًا بقوله تعالى: {أطيعُوا اللّه وأطيعُوا الرّسُول وأُولي الأمر منكُم} (النساء: 59)

(ش) من المفروض أن تكون أوامر «السلطة» وتصرفها السياسي العام، على سمت «المشروعية العليا» ومطابقًا لها، فتستوجب «حق الطاعة» على الأمة، وهذه هي «دولة القانون» أو «الدولة الدستورية» غير أن «السلطة العامة» قد تنحرف عن « مقتضيات المشروعية العليا» فتفقد بذلك «حق الطاعة والنصرة»، فالسيادة والسلطة العامة إذن في التشريع الإسلامي أمران مختلفان، تصورًا، ووقوعًا، وإن كان من المفروض أن يتطابقا تصورًا، وما صدقا.

(ف) الإمام الغزالي، إذ يؤكد ضرورة «السلطة العامة المركزية الموحدة» للدولة، حيث يطلق عليها «السلطان القاهر» الذي يتمثل في «ولي الأمر» المطاع، أقول: إذ يؤكد الإمام الغزالي «ضرورة السلطة العامة» يبين لنا منشأها، ويفسره، بأن «السيادة» التي تعني «المشروعية العليا» وهيمنتها على تصرف الدولة، ووجوه نشاطها، في السياسة والحكم قواعد، وأحكامًا، بل ونظامًا عامًا آمرًا تلقى بمسؤولية السياسة العليا على عاتق رئيس الدولة الأعلى، عن مدى التزامه بتنفيذ هذا التكليف، ومبلغ الدقة والإخلاص في تطبيق هذا النظام العام، نيابة عن الأمة، ونسبة نجاحه في تحقيق مصالحها الحقيقية المعتبرة، فرئيس الدولة في فلسفة الإسلام السياسية ينبغي أن يكون مطيعًا قبل أن يكون مطاعًا.

(ص) الغزالي، والماوردي، وابن خلدون في فلسفتهم السياسية الواقعية، والمشتقة من التشريع الإسلامي يرون، أن «المسؤولية الكبرى» تقتضي أن تتخذ السلطة العامة وسائل الإكراه المادي والمعنوي، إذا قضى الأمر، لتنفيذ النظام العام، وهو ما عبر عنه «بالسلطان القاهر» والقهر إنما يعني الإكراه بإطلاق ماديًا ومعنويًا وهو مؤدى قول الإمام الغزالي: «حملاً للناس على مراشدهم» والحمل إنما يعني الإكراه قهرًا، إن لم يستجيبوا ويمتثلوا طوعًا، إذا لا يترك «الحق، والعدل» لإرادات الناس المطلقة، فقد يبغي بعضهم على بعض، بحكم الأنانية والهوى، والجهل أحيانًا، وهو عين المعنى الذي عبر عنه ابن خلدون، في بيانه، لحقيقة وظائف الدولة، ومهامها، بقوله: «القيام بمهام النبوة، لحمل الناس على مقتضى النظر الشرعي» ويعني بمقتضى النظر الشرعي، «المشروعية العليا» وهي «السيادة» وما تستلزم من السلطة والقوة والقهر، حتى يستقيم الأمر. ولا ريب أن القهر على الحق وعلى العدل، والإلزام بالمشروعية، كل أولئك «عدل، ومصلحة» بلا مراء، والإسلام قائم عليهما، وإلا «فلن ينفع تكلُّم بحق لا نفاذ له» ولن يكون المجتمع سياسيًا –في نظر الإمام الغزالي- ولن تتحقق فيه بالتالي أهداف الدولة، أو يتسق الأمر فيها، على أساس الحق والعدل والنّصفة، إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب.

(ق) الإمام الغزالي، يرسي أهم قواعد العدل والإنصاف –كما في كتابه التّبر المسبوك- تحديدًا لأبعاد «المسؤولية السياسية العامة» في الدولة، تقييدًا لما ينشأ عنها من حق ممارسة السلطة، وما يستلزم هذه السلطة بدورها من «القوة القاهرة» بوجه خاص أقول: تقييدًا لها، بقواعد العدل في رعاية الأمة أفرادًا وجماعات إبان التصرف السياسي العام عليهم، بما يشمل الوفاء بحقوقهم السياسية، والاجتماعية وهي التي تسمى اليوم الحقوق الجديدة والحقوق الاقتصادية، والأمنية.

(ر) من أهم أصول العدل والإنصاف في نظر الإمام الغزالي، أو القواعد التي من شأنها، أن توصل إلى تحقيقه، هو: «أن يدرك الرئيس الأعلى للدولة، أبعاد «الولاية العامة» التي يتولى أمرها، وأن يقدُرها حق قدرها، ويعي مالها من شأن وخطر وأثر، ومعنى ذلك: أن يدرك «حقيقة وأبعاد مسؤولية الحكم» وحجم أعباء هذه الولاية، وما يطلب إليه من تحقيق «مقتضيات سياستها العليا» إذ تطبيق العدل، والنهوض بمسؤولياته، على الوجه الأوفى والأكمل، فرع عن تفهم مضمونه، وتحديد طبيعة وسائله.

(ش) على أساس ذلك، تثور «مسؤوليته عما يفعل» ليغدو تصرفه منوطًا بمصلحة الأمة، عملاً بالقاعدة المحكمة في التشريع الإسلامي: «التصرف على الرعية، منوط بالمصلحة» أي بمصلحة الرعية! لا بمصلحته هو!.

(ت) يقرر الإمام الغزالي، مسؤولية رئيس الدولة المباشرة وغير المباشرة فيرى: أن مسؤوليته السياسية عن نوابه، ووزرائه، وموظفيه في تسلسلهم الهرمي هي عين مسؤوليته هو عن تصرفه السياسي العام المباشر، ولاسيما المسؤولية عن دفع الظلم، لأن دفع الظلم من باب إحقاق الحق، وهو تطبيق لمقتضى العدل، في كافة مراتبه، ومظانّه، ومفهوم العدل في الإسلام لا يتجزأ، فكذلك، ما يقابله من الظلم، لا يتجزأ أيضًا، والمسؤولية متجهة إلى ذلك كله، أيًا كان مصدره، وأيًا كان موقعه!.

(ت) مؤدى هذا، أن أي سبب من أسباب الظلم، يباشر أحد مرؤوسيه أيًا كانت صفته أو مستواه هو منسوب إلى رئيس الدولة شرعًا، وتتجه المسؤولية قبلهُ كأنه هو الذي باشره، وهذا أصل عتيد في سياسة الحكم في الإسلام.

(خ) من قواعد العدل والإنصاف التي ينهض عليها التصرف السياسي العام على الأمة في فلسفة الإمام الغزالي أن إيثار أسلوب العنف والشدة في تنفيذ الشرائع، والقوانين، والنظم، هو من أقبح صور الظلم، إذا كان من الممكن أن يتم تنفيذها، وتحصيل المقصود منها، بما دون ذلك، من الرفق، واللّين، وفي هذا إشارة بالغة، إلى أن «السياسة لا تعني «الاستطالة» أو «التجبُّر» أو «إرهاق الرعية» أو «تقويض البُنى المعنوية فيهم» بل «الكرامة الإنسانية» هي أساس ممارسة السياسة في الإسلام، عدلاً وإنصافًا، باعتبار أن الأمة هي صاحبة الشأن، والحق، والمصلحة، ابتداءً، ما لم يُسقط المكلّف نفسه عصمته، وكرامته، باختياره، ومحض إرادته.

(ذ) الإمام الغزالي، يشتق معيارًا نفسيًا، أو «أصلاً روحيًا» من تعاليم النبوة، ليقيمه قاعدة عامة للعدل والإنصاف، تستند إليها ممارسة السياسة والحكم وهي فيما نرى أصدق معيار وأدقه، وأقربه صلة بالعقيدة، ومفاده: «أن على الحاكم، أن ينصف الناس، في كل قضية تعرض عليه، كما يحب هو نفسه، أن يحكم عليه بالإنصاف والعدل، فيما لو كان واحدًا من الرعية، وكان الحاكم غيره!».

(ن) الإمام الغزالي على الرغم من نزعته الصوفيّة يجمع في فلسفته السياسية، بين الدنيا، والآخرة، جميعًا محكمًا، في مواطن عديدة من مؤلفاته، بل يجعل منهما كليهما، محورًا لبحوثه السياسية، فلا تجده «يحتقر الدنيا، ليرفع من شأن الآخرة» بل تراه يؤكد أصلاً هامًا في فلسفته السياسية، مقتضاه: أن كلاً منهما، توأم للآخر، توأم للآخر، إذ لا قيام للدين إلا بالسياسة، بحيث تبدو الصلة بينهما في اعتقاده عضوية وثقى لا تنفك بحال، وبموازين الآخرة يكتسب العمل السياسي في الدنيا، روح الخلق، والفضيلة، والاستقامة، والنزاهة، والإخلاص، والتفاني، من ثم يتم تحقيق سائر القيم، مما ينأى بالسياسة عن معنى «الذرائعية» أو «الوصولية» وعدم الشعور بالمسؤولية، هذا الأصل الذي تمحورت عليه بحوث الإمام الغزالي في السياسة والحكم، مشتق أصلاً من فلسفة الإسلام السياسية.

على أن لهذا البحث صلة. ونشرع في تفصيل القول مع الاستدلال والتوجيه.

الفكر السياسي

عند الغزالي والماوردي وابن خلدون

3

أولاً: أصول الفكر السياسي الحديث، مقارنة بأصول التفكير السياسي الإسلامي التي استقرت في فلسفة الإمام الغزالي، والماوردي، وابن خلدون.

إن الاعتقاد السائد لدى الكاتبين في الفلسفة السياسية، من المحدثين، بل والمعاصرين، أن «ميكيافيلي» الإيطالي، يعتبر «علمًا عالميًا خالدًا(48)» من أعلام «السياسة الواقعية»(49) بدليل، أن معظم القادة، والزعماء، والساسة، في غرب أوروبة، بوجه خاص، كانوا يتلقون أصول سياسة «ميكيافيلي» في كل عصر، وحتى يومنا هذا، يتلقونها ميراثًا فكريًا، وسياسيًا مقدسًا، ويسترشدون بها في نشاطهم السياسي، عملاً، حتى أنهم، ليعتبرون كتابه المعروف: «الأمير» إنجيل السياسة(50).

هذا، ومن أبرز الساسة، والزعماء وقادة الحرب، في عصرنا الحاضر، ممن تأثروا بالفكر السياسي الميكيافيلي: «موسوليني، وهتلر» وهما كما هو معلوم ممن أشعلوا نار الحرب العالمية الثانية، وتولوا كبرها، وقد ذهب ضحيتها أربعون مليونًا من البشر!!.

أما «موسوليني» فمن المؤكد أنه درس كتاب «الأمير» دراسة واعية، متعمقة، بدليل أنه علّق عليه، في كتاب طبعه عام (1924) بل صرّح بأنه «يربط الفاشية بالميكيافيلية» وتراه يصف «الفقه الإسلامي الميكيافيلي» إن صح هذا التعبير بأنه أضحى اليوم أكثر حيوية عما كان عليه منذ أربعة قرون خلت!! هذا، وقد قدم موسوليني أطروحته في سياسة ميكيافيلي.

وعلى هذا، يعتبر كتاب «الأمير» مصدرًا أساسيًا هامًا لأصول السياسة الدولية في هذا القرن العشرين، متحكمًا في توجيهها ونتائجها، ومصير كثير من شعوب الأرض. وأما «هتلر» فلم يكن أقل تأثرًا أو اعتزازًا بالميكيافيلية من موسوليني، شأن كثير من ساسة الدول الغربية الاستعمارية، على الرغم من ادعائهم بالديموقراطية ظاهرًا، وقد يكونون صادقين مع أنفسهم في بلادهم، ولكنهم ليسوا كذلك بالنسبة إلى الدول الأجنبية، ولاسيما في بلاد الشرق: في آسيا وأفريقيا، من الدول العربية والإسلامية.

هذا، وقد جاء في كتاب «العقد الاجتماعي» للفيلسوف الفرنسي «جان جاك روسو» أن ميكافيلي قد أعطى من خلال كتابه الأمير دروسًا للشعوب، هي أعظم أثرًا مما أعطى للرؤساء والساسة، والقادة، والزعماء من قبل أنه يكشف عن «سياسة الطغاة، وأساليبهم»(51)

ونحن إزاء هذا لا يسعنا إلا أن نشير ولو بإيجاز شديد –إلى أصول السياسة الميكافيلية، باعتبارها تراثًا مقدسًا لدى أبرز ساسة وقادة القرن العشرين، والمسؤولة عن نتائج الحرب العالمية الثانية، وقد وصفت بأنها «سياسة واقعية» لا نظرية، ولا مثالية، ولكنها تعبير حي عن المطامع، والأهواء، لدى الدول القوية، ولدقته في هذا الوصف قد رفعته إلى أن يوصف، بأنه «علمٌ عالمي خالد» ثم نعقد مقارنة مجملة بقدر ما يتسع المقام- بينها وبين أصول الفكر السياسي الإسلامي لدى أهم رواده: «الغزالي والماوردي، وابن خلدون» ونشرع في عقد هذا المقارنة على الوجه التالي:

(أ) أن «ميكيافيلي» ش كما هو معلوم يفصل السياسة عن الأخلاق، بل وعن الدين جملة، فصلاً تامًا، وحاسمًا، وما زالا منفصلين في معظم سياسات العالم التي تدور في فلك الفكر السياسي الميكيافيلي عملاً وممارسة ولا أخال أنهما سيلتقيان!

(ب) ابتداع ميكيافيلي لفكرة «الفضائل السياسة» بديلاً عن «الفضائل الأخلاقية» و «تعاليم الدين السامية» فالسياسة «الواقعية» في نظره فن قائم بذاته، وذات ميزة خاصة، فإذا كانت «السياسة» في نظره وفي الواقع الذي عاش إنما تعني «فن الكذب السياسي، والمراوغة، بل وتقضي باتخاذ الوسائل الوحشية، والبربرية، إن اقتضت الأحوال ذلك» فإن «فضائل السياسة» من هذا القبيل، بل هذا هو الأصل العام في فلسفته السياسية الواقعية.

(ج) أما «الفضائل الأخلاقية» فإنما تتخذ مجرد وسائل أو «ذرائع» سياسية استثناءً، شريطة أن توصّل إلى الغرض المنشود، وأن تعجز الوسائل الأصلية الأخرى عن تحقيقها، أو بعبارة أخرى، ليست «الفضائل الأخلاقية« مقصودة لذاتها، في مثل هذه الحال، بل لكونها مضمونة النتائج، تعجز الفضائل السياسية عن تحقيقها في ظروف معينة.

ويؤيد وجهة نظره هذه، بحجة نفسية «سيكولوجية» مؤداها: «أن الناس لا ينظرون إلى طبيعة الذرائع المتخذة عادة، وإنما ينظرون إلى «النتائج» في حد ذاتها حتى إذا تحققت الغايات كانت هي الكفيلة بتبرير تلك الرسائل، أيًا كانت طبيعة الذرائع المتخذة، ووزنها الخلقي أو الديني.

وعلى هذا الأساس النفسي والواقعي، وضع ميكيافيلي، مبدأه «السياسة أولاً» أي قبل الفضائل الخلقية، بل وقبل تعاليم الدين، ومُثُله وقيمه.

(د) العدل الدولي في نظر الفكر السياسي الميكيافيلي، وما يدور في فلكه يتركز في مبدأ «الحق للأقوى» وليس للأعدل في المفهوم الأخلاقي، والديني، والفطري، ويتفرع عن هذا أمور ثلاثة ذات أثر بالغ في تكوين طبيعة العلاقات الدولية، وفي مدى استقرار الأمن والسلم العالميين:

أولها: تجزئة مفهوم العدل الدولي:

حتى غدا جزئيًا، أو نسبيًا، يتمتع به بعض شعوب الأرض، ممن تملك ناصية القوة، بمعنى أنه ليس «مطلقًا» تتمتع به كافة شعوب وأمم الأرض، باعتبار أنه «حق إنساني مشترك».

الثاني: تجزئة مفهوم الإنسان العام.

ومرد ذلك التمييز، العنصر، واللون، واللغة، ولعله الأساس في تجزئة مفهوم العدل.

الثالث: تحكيم القوة في العلاقات السياسية الدولية، أثرًا للتجزئة في مفهومي كل من «العدل الدولي، والإنسان العام» وصدى لاستبعاد المبادئ والقيم الخالدة التي تعارفت عليها الأمم، منذ القدم، فضلاً عن تعاليم الشرائع السماوية التي كفاها فضلاً ونعمة، أن أرست مبدأ «الكرامة الإنسانية» مصدرًا لحقوق الإنسان العام، حيثما كان، وفي أي عصر وجد، ولاسيما في التشريع الإسلامي: «الحرية» في الفكر والمعتقد: {لا إكراه في الدّين} (البقرة: 256) و «المساواة» في أصل الاعتبار الإنساني: {يا أيُّها النّاسُ إنّا خلقناكُم مّن ذكر وأُنثى وجعلناكُم شُعُوبًا وقبائل لتعارفُوا إنّ أكرمكُم عند اللّه أتقاكُم} (الحجرات: 13) و «الرحمة الشاملة» {وما أرسلناك إلا رحمةً لّلعالمين} (الأنبياء: 107) لا للمسلمين خاصة، و «العدل المطلق» حتى شمل بعمومه وإطلاقه «الأعداء» لقوله تعالى: {ولا يجرمنّكُم شنآنُ قوم على ألاّ تعدلُوا اعدلُوا هُو أقربُ للتّقوى}(المائدة: 2) وغير ذلك كثير. ولا ريب، أن إهدار هذه «القيم» وإطراح تلك المثل، تعلقًا بما ابتدعه الفكر السياسي الواقعي الضال، هو انخلاع من «ربقة الإنسانية» جملة، ورجوع بالناس القهقري إلى «حكم الجاهلية الأولى» الذي أشار إليه القرآن الكريم، باصطلاحه الخاص، من قوله تعالى: {أفحُكم الجاهليّة يبغُون ومن أحسنُ من اللّه حُكمًا لّقوم يُوقنُون}( المائدة: 8).

هذا، وكثير ما يستعمل القرآن الكريم لفظ «حكم الجاهلية» للتعبير عن «الرجعية» وشريعة الغاب!

(ه) تركيز «مفهوم السياسة «أو «جوهرها» في منطق فلسفتها الحديثة والمعاصرة في كونها «فن الوصولية» أو ما يطلق عليها اليوم «التكتيك السياسي»(52) مشعر بأنه «مفهوم ذرائعي «لا موضوعي، ولا قيمي، ولا إنساني، وهو عند التحقيق إنما يعني اتخاذ «الوسائل» التي من شأنها أن توصل إلى غايات ثلاث:

الأولى: استعمار الشعوب المستضعفة، بأسلوب أو بآخر، لاستنزاف خيراتها، وثرواتها، والقضاء على تراثها، ومقوماتها الحضارية، أو التوسع الاستيطاني العنصري في أراضيها، وتقويض بنيانها السياسي، والاجتماعي، الاقتصادي، والفكري، والعقائدي، والحضاري بوجه عام، بل ووجودها المادي، باقتلاعها من ديارها وأوطانها.

الثانية: الاستعلاء، والاستكبار في الأرض، وبسط رواق الهيمنة الدولية بالنسبة إلى الدول التي تملك ناصية القوة الرهيبة المدمرة، ومن ذرائعها اتخاذ الصنائع والربائب.

الثالثة: نشدان التفوق العنصري، لتكون أمة هي أربى من أمة، وهو الدافع إلى «الاستعمار» قبل تحقيقه، والثمرة الواقعية بعده.

(و) إن «الاستعمار» من وجهة نظر الفلسفة السياسية الواقعية الميكيافيلية، والسياسية التي تسير في مدارها أن الاستعمار أصل من أصولها، تقتضيه في نظرها طبائع الأشياء، ولاسيما في مفهوم الفلسفة السياسية الغربية في أوائل القرن العشرين، وأواخره، وليس أمر السياسة الفاشية والنازية، والبريطانية، والفرنسية، قبيل منتصف القرن العشرين، في الحربين العالميتين: الأولى والثانية، ليس أمر ذلك كله عنا ببعيد!

(ز) إن «الاستعمار » أو «الهيمنة الدولية » بالنسبة إلى الدول الأقوى في فلسفة هذه السياسة المعاصرة التي انحدرت إلى الغربيين «ميراثًا» مقدسًا من الفلسفة الميكيافيلية ليست في نظرها أمرًا يشكل عدوانًا، أو بغيًا، أو ظلمًا، أو فسادًا، وعيثًا في الأرض، وتقويضًا للأمن والسلم الدوليين، بل «الاستعمار» في تصورهم أصل جوهري في مفهوم هذه السياسة، حتى غدا «الاستعمار« هو السياسة، مفهومًا وممارسة، أيًا كانت طبيعة الأساليب المتخذة، من إبرام العهود والمواثيق الدولية غير المتكافئة، بغية نكثها، والاحتيال على الزعماء، والساسة، والقادة في البلاد المستضعفة أو المستعمرة، بإبرام المعاهدات السرية فيما بينهم، وتقاسم هذه البلاد مغانم مسبقة، تثار الحروب، ويُستهان بقتل الأبرياء من أجلها، ثم ترى هذه الفلسفة السياسية تأتي بمبررات للاستعمار، لتغطي بها في زعمها منافذ التعقل الإنساني، ومنطقه السليم، مؤداها على ما جاء في كتاب «الأمير » لميكيافيلي كمايلي:

(آ) أن «حيوية الدول الكبرى« التي بلغت شأوًا بعيدًا في «العلم » و «الثقافة« و «الحضارة » بوجه عام ماديًا ومعنويًا ولاسيما في جانب أسباب «القوة » المادية بمعانيها الواسعة، وأبعادها المعددة، إن حيوية هذه الدول الكبرى، لا بد أن تجد لها «مصرفًا » ولن تجده إلا في «استعمار » الشعوب المستضعفة، والفقيرة، والجاهلة، هذه هي سنة الحياة في اعتبارهم البقاء للأصلح، وهو مبدأ يسوّغ عندهم مبدأ «إبادة الجنس«.

(ح) وبذلك كان «الاستعمار» في اعتقادهم أنجع وسيلة للتمكين من «خلق المجال الحيوي» بالنسبة إلى الدول الأقوى، والأغنى، والأكثر تحضرًا وتقدمًا، وترى في ذلك تفسيرًا كافيًا لنشوء «حقها الطبيعي » والمعقول، في ضرورة الاستحواذ على «المواقع الاستراتيجية» في البلاد المستعمرة، تمكينًا لها من الدفاع عن مجالاتها الحيوية هذه.

(ط) إن من أصول هذه السياسة في المجال الداخلي لا الدولي أن من «الحمق» و «العجز» بل ومن «الغباء» أن يُخلص رئيس الدولة لشعبه، أو أمته!! أو أن يرعى مصالحهم على نحو يفوق رعايته لمصالحه الخاصة، بل ينبغي حتى يتمكن من الاحتفاظ بمنصبه، ويبقى في سدة الحكم أن يكون «أنانيًا» يعمل لصالحه الخاص أولاً، وهذا يقتضي منه أمورًا ثلاثة، يجب عليه أن يعمل لتحقيقها:

أولاً: «القوة».

ثانيًا: «الشهرة».

ثالثًا: «العظمة».

ونظفر هنا، بمبدأ مستخلص مما سبق، هو في نظرنا من المقومات الأساسية في فلسفة هذه السياسة، نوجزه فيما يلي:

- أنه إذا كان على «الأمير» أن يسلك سبيل الكذب، والخداع، والمراوغة إلى «فضائله السياسية» ويتخذ أسلوب «القوة» الباطشة، تجاه شعبه، في سبيل الحفاظ بمنصبه السياسي، وتحقيق مصالحه الخاصة، فلان يسلُك مثل هذه السبيل، بالنسبة إلى الشعوب الأخرى التي يستعمرها من باب أولى!!.

تجد هذا المبدأ صريحًا لا مستنتجًا في فلسفة «هوبز» السياسية –وهو الفيلسوف السياسي الإنجليزي المعروف- في كتابه الشهير «العملاق» أو «التنين» الذي يعتبره «الإنجليز» من أبدع ما كتب بالإنجليزية في الفلسفة السياسية الواقعية. وأغلب الظن، أن هذا الفيلسوف السياسي «هوبز» قد استقى أصول فلسفته السياسية من فلسفة «ميكيافيلي» في كتابه «الأمير».

هذا، وقد استبعد «هوبز« بدوره «الدين عن السياسة» لأن «دولته» التي صوّرها، وبيّن أركانها، وملامحها، في كتابه «العملاق» لا تنطوي على أي «حقيقة «دينية» ولكنها دولة يرأسها «حاكم مطلق مستبد» أي يأخذ بنظام «الملكية المطلقة» إذ يقول: «وصاحب السيادة، يسُنُّ القوانين، ويلغيها، ولا يلتزم بها، ذلك، لأن الفرد لا يُلزم ذاته إلا بذاته(53)..) فأشبه ما كان يدعيه الملوك قديمًا من «الحق الإلهي المطلق».

على أن «واجبات» رئيس الدولة، ليست في نظر هوبز «التزامات» لأنه لم يكن طرفًا فيما تصوره من «العقد السياسي» أساسًا لقيام الدولة»(54).

ويقول أيضًا –تفسيرًا لهذا العقد الذي تخيله –أنهم- المواطنون- قد تعهدوا –أي بمقتضى هذا العقد السياسي الذي أبرموه فيما بينهم لإقامة مجتمع سياسي، ولم يكن صاحب السيادة طرفًا فيه –تعهدوا-مسبقًا- بأن يروا- مستقبلاً – «الخير والعدل» في كل ما يأمر به «صاحب السيادة» وأن يروا الشرّ والظلم في كل ما ينهى عنه، أي لا يعصون العملاق ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون!!!

- ومعنى هذا التعهد، أن ينكروا على أنفسهم هم، إذا ما أنكروا أمرًا أو نهيًا صادرًا عن صاحب السيادة، ولو كان ذلك الأمر، أو النهي، منكرًا في ذاته، وإنما يجب عليهم «التسليم المطلق» بكل وضع يكونون عليه، وبكل حال ينتهون إليها، ولو كانت حالاً بالغة الشأو في الظلم والاستبداد! فليس «للرعايا» إذن، سبيل ما إلا الاعتراض على «شرعية» أوامر صاحب السيادة، ونواهيه، لدى أي جهة كانت(55).

وعلى هذا، فإن التسمية التي أطلقت على كتابه: «الوحش» أو «التنين»أو «العملاق» وجهًا معقولاً، كما ترى!

ثانيًا: مقارنة هذه الأصول، بأصول الفلسفة السياسية في الإسلام.

(آ) إن الباحث المتعمق في النظريات السياسية الوضعية، أو «الفكر السياسي بوجه عام» يمكنه أن يستخلص منها، أن تلك «المعايير» أو «الموازين» التي اصطنعتها السياسات الدولية ولاسيما في هذا القرن انحدرت إليها «ميراثًا» فكريًا مقدسًا كما ذكرنا من مفاهيم السياسة «الميكيافيلية» التي كانت في واقع الأمر رد فعل لحصيلة المشاهدة والتجربة السياسية التاريخية، فضلاً عن الواقعية في عصره، بما كان لها من أثر في نفسية ميكيافيلي، فقد مرّ هو بتجارب سياسية قاسية في بلاده «إيطاليا« يوم أن كانت مقسمة إلى دويلات يدبُّ بينها الشقاق، وتحاك لها المؤامرات حتى غدت في حالات من الضعف السياسي الشديد، لا توصف!

(ب) على أن «ميكيافيلي» لم يُقم أفكاره على مبادئ متكاملة، أو براهين وأدلة منطقية عقلية، أو نظرية تامة، وإنما جاءت أفكاره كما قلنا ثمرة تجارب واقعية قاسية قد عاشها، فهو معني بتصوير الواقع الظالم على أنه هو الأصل- ويحاول تغييره بالأسلوب عينه، من الظلم، والقهر، والتسلط، والذرائع غير الإنسانية، ولا يفكر أن يعالجه، ليرتقى به إنسانيًا، وما كانت الأفكار السياسية الموضوعية يومًا، حصيلة لردود فعل في نفسية معقدة، أو أنها كانت ثمرة للواقع المشاهد على علاته، بل السياسة كما رأينا عند الغزالي، لحمل الناس على مراشدهم، وكما يقول الإمام ابن خلدون: «لحمل الناس على مقتضى النظر الشرعي».

ولا يخفى ما في معنى «الحمل» من إرادة تغيير الناس عما هم عليه، ولو قسرًا، ليستقيم بهم الأمر، لذا، رأى ابن خلدون، أن «الإنسان» هو الجدير بالسياسة، لكونه إلى خلال الخير أقرب، بحكم ملكاته العليا، كما أشرنا.

وبرهان ما نقول، أنك تجد في أفكار «ميكيافيلي» وغيره، من ساسة القرن العشرين في أوروبة، من مثل «هتلر وموسوليني» على سبيل المثال تبريرًا عجيبًا للاستعمار، والاستكبار في الأرض!! مما كان له أثره، وانعكاسه على «مفهوم العدل الدولي» في تصورهم، وبالتالي على السلم العالمي!! أما العدل فهو مجتزًا ونسبي، لا موضوعي، ولا إنساني مطلق كما أشرنا وهل تستقيم شؤون الدول في العالم على هذا الضرب من المفهوم والتصور؟ وإذا كان هذا «عدلاً» فأين الظلم إذن ؟؟ إن الظالم، أو المشرّع لمبادئ الظلم فيما يبدو لا يعترف بظلمه: «يلبسون الحق بالباطل» {ظهر الفسادُ في البرّ والبحر بما كسبت أيدي النّاس ليُذيقهُم بعض الّذي عملُوا لعلّهُم يرجعُون} (الروم:41) وهو إذ لا يعترف بظلمه عملاً، فكذلك لا يمكن أن يُتوقع منه، أن يصف ما يشرعه ما قواعد، وما يكيّفه من ذرائع، بأنها ظالمة!! بل تراه يصفها بأنها عين الحق، والعدل، والمصلحة!!

(ج) وترى أمثال هؤلاء، يمنعون في «التبرير الملفّق» بمقولة: أن «ظاهرة الاستعمار» هذه، يسلتزم نشوءها، وجود الدول الكبرى الموفورة القوة، والحيوية، والعلم التجريبي، والتقني، أو التقدم الحضاري المادي بوجه عام في كل عصر، ويتجه على هؤلاء، سؤال يطرح نفسه في هذا المقام: «متى كان» «العلم» يومًا مسوّغًا للظلم؟؟ أو يستخدم مدمرًا لمعالم الحضارية في يقين العقلاء؟ فضلاً عن تعاليم الدين؟؟

وأشرنا آنفًا، أن «تجزئة مفهوم العدل الدولي، أو نسبيته» منشؤها تجزئة مفهوم الإنسان العام» ودليل ذلك: أن «حقوق الإنسان التي أعلنت، ولأول مرة في ميثاق دولي، في منتصف هذا القرن تقريبًا، قد جعلها ساسة هذا القرن، ممن كانوا متأثرين بفلسفة «ميكيافيلي السياسية» وعلى رأسهم تلامذة «موسوليني» الفاشي، الذي درس كتاب «الأمير» وعلّق عليه، بل وقدّم أطروحة في الفكر السياسي الميكيافيلي. أقول: إن «حقوق الإنسان» جعلها ساسة هذا القرن، وقبل أن تدوّن في ميثاق دولي، خالصة مخلصة للرجل الأبيض في إيطاليا، وألمانيا، وفرنسا، وإنكلترا، وما الشأن في المعاهدات السرية عنا ببعيد، وتوسع بعضهم فجعلها «للأبيض» في غرب أوروبا، وأمريكا، بعد الحرب العالمية الثانية، وهذا مؤذن «بعنصرية الاتجاه» -كما ترى- وهو أساس الشرور في العالم!! وما أمر الحرب العالمية الأولى والثانية عنا ببعيد!!

(د) هذا، وقد جاء الإسلام في أصول فلسفته السياسية، على النقيض من ذلك الاتجاه تمامًا، بل حاربه حربًا لا هوادة فيها، ذلك، لأن جعل الناس شعوبًا، وقبائل –كما ورد في الآية الكريمة- مسبوق بوحدة الأصل المشعر بالأخوة الإنسانية، والنافي بداهة، للتمييز العنصري، وهو خلقُهم جميعًا، من ذكر وأنثى، كما هو صريح النص القرآني، فكان جعل الناس شعوبًا، وقبائل، أمرًا واقعيًا، لا تفاضلاً شرعيًا، إذ لا كسب للأناسيّ في منشأ وجودهم، فضلاً عن اختلاف ألسنتهم، وألوانهم، بل اختلاف الألسنة والألوان، آية من الآيات الكبرى للخالق المبدع جل وعلا، لأنها الدالة على قدرة الله تعالى العجيبة التي خلقت الإنسان قادرًا على التكيُّف، بما تقتضيه بيئته، وقانون الاجتماع الإنساني الذي هو من وضع الله تكوينًا، أقول: قدرة عظمى خلقت الإنسان قادرًا على «التكيُّف» في البيئات المتباينة مناخًا على ظهر هذه الأرض، ومن هنا، كانت الألوان، وخلقت الإنسان قادرًا أيضًا على «التكيف» باللغات واللهجات، وإلا كان العجز عن إعمار الكون المطلوب إعماره شرعًا، بمقتضى قوله تعالى {هُو أنشأكُم مّن الأرض واستعمركُم فيها}(هود: 61) وكيف يمكن للإنسان أن يعمر هذا الكون المطلوب إليه إعماره إذا لم يكن قادرًا_بحكم فطرته _ على «التكيف» بشتى مناطقه وأجوائه؟؟ تلك هي الآية الكبرى التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: {ومن آياته خلقُ السّماوات والأرض واختلافُ ألسنتكُم وألوانكُم}(الروم: 22) أي من الآيات الكبرى الدالة على القدرة الإلهية في خلق السموات، والأرض، والإنسان، في أحسن تقويم، بحيث جعل له من الإمكانات النفسية والعقلية، والتقويم الجسمي، ووهبه من الملكات العليا، ما جعله قادرًا على أن يعيش في أي منطقة من مناطق هذا الكون، وأن يتكيف بمناخه، وسائر مقوماته المادية والمعنوية، فنتج عن ذلك الاختلاف في الألسنة والألوان !! ولم يكن للبشر في هذا «الجعل» كسب ولا خيرة، بصريح النص القرآني، وإلا لم يكن آية من آيات الله لكبرى، وما لا كسب فيه، ولا «خيرة» لا تفاضل فيه ولا تمييز، إذ لتفاضل إنما يكون بعمل نابع من الذات الإنسانية، لا من أمر لا قبل له به، أو خيرة فيه، فثبت قطعًا أن «التمييز العنصري» ليس مبدأ من مبادئ الإسلام السياسية أصلاً، بل هو عدوان عليها، وعلى عقائده، وعلى الفطرة الإنسانية نفسها.

على أن جعل الناس شعوبًا وقبائل وأممًا، وإن كان أمرًا واقعيًا كما قلنا وليس تفاضلاً شرعيًا، إذ لا كسب للإنسان فيه، ولا خيرة قد أتى مغيّا بالتعارف « لتعارفوا» وهو «التعاون في دائرة البر والخير الإنساني العام» وأن ميزان التفاضل، ليس هو ذات الشعوب والقبائل والأمم، تمييزًا بينها، بل «القيم الإنسانية الخالدة» المعبر عنها ب«التقوى» وهو أمر كسبي، نابع من الذات الإنسانية، حيثما كانت، بدليل أن الخطاب الإلهي قد جاء موجهًا إلى الناس كافةً لا إلى المسلمين أو المؤمنين خاصةً، في مثل قوله: {يا أيُّها النّاسُ إنّا خلقناكُم مّن ذكر وأُنثى…الآية}(الحجرات: 13) أي بوصف «إنسانيتهم» لا بوصف «إسلامهم» أو« إيمانهم» ولا جرم أن تحقق«الفضائل» هو مناط«الخيرية» في الشعوب والأمم،وهذا يشير إليه ابن خلدون في«المقدمة»من قوله: «فإذا كان الإنسان أقرب إلى خلال الخير، بحكم فطرته، كان أجدر بالسياسة». أي بقيادة الأمم، والقيام على أمرها، بما يصلحها !!إذ «الخيرية» هي الوصف المؤهل للقيادة، والمناسب للرّيادة، بقوله تعالى: {كُنتُم خير أُمّة أُخرجت للنّاس تأمُرُون بالمعرُوف وتنهون عن المُنكر وتُؤمنُون بالله} (آل عمران: 110) وقوام هذه «الخيرية» كما ترى فضائل الإسلام، ومُثُله الإنسانية، وقيمه الخالدة.

«ه» يرسي الإسلام أصول الأخلاق التي لا تنفصل عن أصول فلسفته السياسية مطلقًا، لوحدة التشريع الأمر فيهما كما أشرنا آنفًا وهو ما استقر في الفكر السياسي عند الإمام الغزالي، وابن خلدون، والماوردي، وسائر رواد الفكر السياسي الإسلامي، والقرآن الكريم يشير إلى أن «أصول الأخلاق الثابتة والخالدة مرهونة أصلاً بالبصيرة، أو«الحاسّة الفطرية في الإنسان» مصداقًا لقوله تعالى: {بل الإنسانُ على نفسه بصيرةٌ، ولو ألقى معاذيرهُ} (القيامة: 14-15) أي لن يغني الإنسان انتحاله للأعذار والمبررات، فتيلاً، إذا ما انحرف عما تقضي به تلك البصيرة: {ولو ألقى معاذيرهُ}(القيامة: 15)

هذا، والبصيرة قوة ذاتية معنوية، فطرية، مركوزة في الإنسان، من شأنها أن تقدره على التمييز بين الخير والشر، والحق والباطل، والحكمة والهوى، والنفع والضر، والفجور والتقوى، وهي فطرية أصيلة، لأنها تضمن «الثبات والخلود لماهية الفضيلة» أن تنتابها عوامل التغيير البيئية والتقاليد الموروثة، أو تتعاورها كثرة طُروّ الأعراف، وتغايرها وتباين البيئات، لأن «حقائق الأشياء لا تتبدل» فكانت ثابتة أصيلة في جوهرها، ثبوت الفطرة نفسها، ولذا، كانت جدارة الإنسان بالسياسة، منطلقها _في الإسلام «ما صدقاتُ التقوى» فكان معيارها فطريًا أصيلاً، وأمرًا طبيعيًا فضلاً عن كونها شرعيًا ومن هنا، ثبت أن «الملك أو السياسة» أمر طبيعيُّ للإنسان الكامل، وهو مؤدى عبارة ابن خلدون،إذ يقول ما نصه «لما كان الملك طبيعيًا للإنسان، لما فيه من طبيعة الاجتماع، كما قلنا، كان الإنسان أقرب إلى خلال الخير من خلال الشر، بأصل فطرته،وقوته الناطقة العاقلة»(56).

وهذا بيّن، أن جدارة الإنسان بالسياسة والملك، أساسها «أصالة الطبيعة الخيرة في فطرة تكوينه» مما يُشعر، بأن التمرد أمر عارض، له أسبابه ودواعيه الطارئة، وكذلك ما تنتج تلك الأسباب من ردود فعل، ومن ثم لا يستقيم بناء أصول السياسة على ردود الفعل على النحو الذي رأينا في الفلسفة المكيافيلية، أو السياسية الحديثة والمعاصرة المستقاة منها، للنتائج الوخيمة التي تترتب عليها، وإنما تعالج أسباب ردود الفعل هذه، بما يعيد «السياسة» إلى ما ينبغي أن تكون عليه من مبادئ ومثل وأصول، لأن الغاية منها كما يقول الإمام الغزالي «استصلاح الخلق» و «حملُ الناس على مراشدهم» وهي معان واسعة جدًا، يندرج في مفهومها، كل «قيمة» و«مثل أعلى إنساني» من الحق، والعدل، والحرية، والمساواة، والتعاون، والتكافل، وسائر القيم الإنسانية الكلية، والجزئية، التي تحكم الوقائع والأحداث المستجدة مهما تنوعت وتكاثرت!!

(و): مناط السياسة الرشيدة العادلة في النظر السياسي الخلدوني هو إنسانية الإنسان.

نخلص مما سبق، أن العلاّمة ابن خلدون، يؤكد أن «مناط» السياسة الرشيدة العادلة، هي «إنسانية الإنسان» حتى إذا انخلع عنها، لم يكن جديرا، لتنافيها مع ما شرعت من أجله، من غاية كما أشرنا ومن هنا، لا يمكن «فصل الوسيلة عن الغاية» في التكييف والحكم في شرع الإسلام لأن الفضيلة لا تجزأ، بل الفضائل والقيم، وحدة كاملة، مفهومًا، وسيلة وغاية، وعلى هذا الاعتبار، سقط مبدأ «الغاية تبرر الواسطة» في شرعنا، إذ «الفضيلة لا تبرر الرذيلة» بحال، والعكس صحيح، بل ينبغي أن يكون كل من الوسيلة والغاية، من جنس واحد، ومعدن واحد، إذ لا فصل، {أفتُؤمنُون ببعض الكتاب وتكفُرُون ببعض؟}(البقرة: 85)

وتأسيسًا على هذا، انهارت مبادئ السياسة الميكافيلية، وما دار في فلكها من سياسات، أمام «وحدة الغاية والوسيلة» في المفهوم السياسي الإسلامي، فكان الركون إلى وسائل الكذب، والخداع، والمراوغة، بل و«الوحشية» و «البربرية» على حد تعبير رواد الفكر السياسي الحديث أمرًا منافيًا لمبادئ الإسلام رأسًا، ويجلّي ابن خلدون هذا المعنى، حيث يقول ما نصه: «وأما من حيث هو إنسان، فهو إلى خلال الخير أقرب، والملك والسياسة، إنما كان له من حيث هو إنسان، لأنها خاصة للإنسان، لا للحيوان، فإذن خلال «الخير» هي التي تناسب السياسة والملك(57)».

هذا النظر السياسي، عند ابن خلدون، وعند الإمام الغزالي، والإمام الماوردي، المشتق من تعاليم الإسلام يتنافى كما ترى وأصول الفكر الميكافيلي بداهة كما ذكرنا، كما تتنافى ونظر الفيلسوف السياسي الإنجليزي«هوبز» الذي يذهب مذهب أستاذه الفكري ميكافيلي، حيث يرى من وجهة النظر الواقعية المشتقة من بيئته هو أن «الفطرة البشرية مجبولة على الشر المحض الذي لا مكان للخير فيه، إذ يقول:«إن الإنسان، كائن شرّير، حافل بالنقائض، جبان، خبيث، تدفعه المصلحة الذاتية، وتتحكم فيه الغرائز الأولية، من أنانية، وجشع، وهو لا يذعن إلا إذا خاف، ولا يضحي بمصالحه إلا مرغمًا، ولا يحب السلام للسلام، بل فزعًا من نتائج الحرب» ثم ينتهي إلى القول:«والحياة إذن مجالٌ «للقوة الباطشة» بالنسبة إلى الأقوياء، وللخداع، والمكر، والتحايل، بالنسبة إلى الضعفاء(58)».

ولعل هذا النظر، مستقى من بيئة الفيلسوف«هوبز» حيث انعدمت فيها«الهداية الإلهية» فكان مجتمعه على النقيض من المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة، في عهد الرسالة على سبيل المثال حيث صاغ الإسلام ذلك المجتمع على نحو إنساني، مثالي حقًا لم يشهد العالم له مثيلاً من قبل، ولا من بعد، دون مبالغة، أو غلو! في الوحدة والتضحية والإيثار، والتكافل الإنساني العام.

وأما مفهوم «العدل الدولي» في نظر ميكافيلي(59) بما يفسره بكونه «مصلحة الأقوى» فذلك على النقيض تمامًا من «مفهوم العدل» في ميزان الإسلام وبينات هداة لأنه«عدل» مرتبط بتلك «البيّنات» وأصول الحق فيه، وأمهات «القيم الإنسانية» ولن ترى في الإسلام «قاعدة شرعية» إلا ويكمن وراءها معنىً خُلُقي، وفضيلةٌ إنسانية لا تبلى، ولا تتناقص، ولا تتغير أبد الدهر ! لجوهرية المعنى، أو «المصلحة»التي تتعلق بها.

(ز)- مفهوم العدل المطلق في الإسلام مرتبط بالقوة الرادعة التي تحميه، داخلاً وخارجًا، على ما فهمه رجال الحكم والسياسة من أعيان الصحابة، ولاسيما رجال الدولة في عصر الرسالة، والخلافة الراشدة بوجه خاص.

على أن الخليفة أبا بكر الصديق رضي الله عنه قد جلّى هذا المعنى في أول بيان سياسي أصدره، غداة بويع بالخلافة، وهدم به أصل القوة، حتى لا تكون هي العدل، أو أن ترتقي إلى مستوى التحكم في الموازين السياسية، أو العلاقات الدولية، بحيث تفرض وجودها وحكمها على الضعفاء فرضًا قاهرًا مهيمنًا في شؤون السياسة والحكم، بل القوة هي في نظر الإسلام مجرد وسيلة، لإحقاق الحق، وتنفيذ مقتضى العدل، وإنقاذ المستضعف، إذا انتابه البغي، ولرد اعتباره، ورفعه إلى مستوى إنسانيته، ليظفر بحقه المستلب، كغيره من الشعوب القوية، فكانت القوة إذن لإزالة «الاستكبار» في الأرض، ومكافحة المتسلطين فيها، والمتجبرين، وهدم مظاهر الغطرسة والهيمنة الدولية الباغية، وإلا فبأي شيء تُزال مظاهر هذه القوى العاتية؟! إن «القوة» في الإسلام سند للحق والعدل، ولا تتعدى طورها، أو تناكر طبيعتها، أو تنحرف عن غايتها، لتصبح هي في ذاتها، غاية مرسومة، لا تتطلب عدلاً آمرًا، أقول: يجلّي هذا المعنى أبو بكر الصديق في بيانه السياسي الذب أصدره معلنًا على الأمة، إبّان توليه الخلافة، بقوله «القوي فيكم ضعيف عندي، حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي، حتى آخذ الحق له» فالقوة كما ترى لكسر شوكة القوي الظالم، وتمكين الضعيف من الظفر بحقه المسلوب!!.

(ح) – هذا، ومما يستقر في اعتقادي، أن «القوة» في مفهوم السياسة الوضعية التي انحدرت ميراثًا من الفكر السياسي الميكافيلي وما دار في فلكه من السياسات، هي التي أطلق عليها القرآن الكريم، لفظ «الطاغوت» في مثل قوله سبحانه: { الّذين آمنُوا يُقاتلُون في سبيل اللّه والّذين كفرُوا يُقاتلُون في سبيل الطّاغُوت فقاتلُوا أولياء الشّيطان إنّ كيد الشّيطان كان ضعيفًا} (النساء: 76) وفي هذا دليل على أن ممارسة القوة بهذا المعنى طغيان وكفر!!

(ط)_الفضائل السياسية في مفهوم السياسة الوضعية، وفي تصور روادها، تمثل«مواقف الإثم الكبرى» في شرعة الإسلام، أو «كبائر الإثم» في مفاهيمه السياسية.

إن ما يطلق عليه «الفضائل السياسية» التي وضعها ميكافيلي، وتبنّاها معظم رواد السياسة والحكم في القرن العشرين، على أنها بديل عن «الفضائل الأخلاقية» قد رأيت، أن تلك «الفضائل السياسية» إنما تمثل بطبيعتها وسائل مشتقة من صميم معنى الخداع، والمكر، والمراوغة، والكذب السياسي، ونكث العهود، ونقض المواثيق الدولية، أو المعاهدات السياسية، حتى أن أمهر الزعماء والقادة خداعًا، ومكرًا في زعمهم هو أبرعهم سياسة، وهو ما يُطلق عليه أحيانًا، اسم «الثعلب» تشبيها له بالحيوان المعروف، فالسياسة على هذا، مكر، وثعلبة، وبربرية، وما كانت مثل هذه «السياسة» يومًا، تمت إلى «معنى السياسة» الذي قرره ابن خلدون على واقعيته ولا الماوردي ولا الإمام الغزالي الذين اتفقت كلمتهم على أن «السياسة» ذات مفهوم يتصل باستصلاح الخلق البشر وحملهم على مراشدهم، ولذا كانت السياسة، في اعتبارهم من أشرف العلوم!

فإطلاق«الفضائل السياسية» على ما هو نقيض «للفضائل الخلقية» من باب تسمية الشيء بضده أو نقيضه، لأنها هي بعينها، من «أمهات الكبائر» في الإسلام، من حيث ذاتها، ومن حيث آثارها التي تخلّفها على الصعيد العالمي، وبما تقضي على مصائر الشعوب المستضعفة، وتتحكم في أقواتها المقدرة لها، وثرواتها، ومواقعها الحيوية في بلادها ! ووصف تلك الفضائل، بأنها «سياسية» لا يغني عن حقيقتها شيئًا.

هذا وكان من ثمرة هذا «المفهوم الخاص للسياسة الوضعية» في تصور روادها المحدثين، والمعاصرين، أن عرف العالم «الاستعمار» في أبشع صوره، وعلى نطاق عالمي، ولم يكن معروفًا على هذا النوع من «الشمولية» والاتساع، وهو ما أطلق على الحرب التي اشتعلت نارها من أجله «الحرب العالمية» لأول مرة في التاريخ الإنساني وترى القرآن الكريم يقف المواقف الحاسمة تجاه هذه «الظاهرة الاستعمارية العالمية» ويطلق عليها أسماء تتفق معانيها وكُنه «طبيعة الاستعمار» وماهية حكمه، وتكييفه شرعًا، من«الاستكبار في الأرض» تارة، والإثم والعدوان، طورًا، والبغي والفساد في الأرض، وإهلاك الحرث والنسل، تارة أخرى، والطغيان، أو الطاغوت، وكل أولئك من «مواقف الإثم الكبرى» أو «كبائر الإثم» التي ما أنزل القرآن الكريم إلا لمحق ظواهره وآثاره من الوجود البشري، وتطهير العالم وإخلائه من أسباب الشر والفساد، بكل ما أوتي من قوة مُعدّة، وبأقصى جهد مستطاع! {وأعدُّوا لهُم مّا استطعتُم مّن قُوّة}.

ذلكم هو دور القوة في الإسلام، وتلكم هي غايتها! وهو ما أطلق عليه «الجهاد في سبيل الله» تحقيقًا للمصلحة الإنسانية العليا، وهذا ما سنفصل القول فيه، مما أتى به الإمام الغزالي من «قواعد العدل والإنصاف» في كتابه «التبر المسبوك في نصيحة الملوك».

(ي)- مفهوم« السادة»-عند «هوبز»الفيلسوف السياسي الإنكليزي في العصر الحديث يمتُّ إلى مفهوم«القوة» عنده، ودورها في شؤون الحكم، بالنسبة إلى شعب الحاكم نفسه، داخلاً، مما يفيد بالطريق الأولى، أن تلك «السلطة» هي عين مفهوم «السيادة» وممارسة الحكم، بالنسبة إلى الشعوب الأخرى، وبصورة أقوى، وأشد، وأقسى بربري، ووحشية، وهذا ما وقع في القرن العشرين في حربين عالميتين طاحنتين!

رأينا آنفا ًكيف أن العلامة ابن خلدون في مقدمته(60) قد ربط جدارة الإنسان بالسياسة والحكم بإنسانيته، بمقتضى «خيريته» و«منطقيته» وقوته العقلية النافذة، أو بغلبة جانب الخير فيه، أثرًا لما أوتي في فطرة تكوينه من الملكات العليا التي من شأنها أن تهيمن بطبيعتها، على « غرائزه السليقية الدنيا» ذلكم هو الأصل الخلدوني الذي انبثقت منه« جدارة الإنسان بالسياسة والحكم، أو على حد تعبيره «السياسة والملك».

ورأينا كذلك أن «هوبز» ومن معه يقيم «السياسة» على أساس «الطبيعة الشريرة في الإنسان» وأن هذه في زعمهم هي أصل فطرته التي جبل عليها، ومن هنا ساغ « لميكافيلي» أن يجعل الحاكم الأعلى إذ أراد أن يستقيم حكمه، ويستمر، ويسوس شعبه سياسة تُخضعه لإمرته المطلقة، وتكفل له البقاء في «سدة الحكم» « قويًا جدا، يبطش، أو «ثعلبًا» ماكرًا، أي أن يتدنى من سمو إنسانيته، إلى حضيض هذه الصفة التي هي قائمة في «الثعلب» لا تنفك عنه بحكم خلقته، وأن يكون في الوقت نفسه شرسا ًوحشًا، يصدر عن خليقة القسوة، إذا اقتضت الظروف، وكان في مُكنته ذلك.

على أن هذه «السياسة» يمارسها الحاكم الأعلى لا بالنسبة إلى الأعداء وحسب، بل بالنسبة إلى شعبه هو، ورعاياه، يسومهم الشدة، والغلظة، والقسوة، بما هو كفاءٌ لإخضاعهم لسلطانه الذي ينبغي ألا يُقهر، ولحكمه الذي لا يُرد، وتشريعه الذي يشرّعُه هو، أو يلغيه، وفق رغبته ومشيئته، لا يناقش فيه نظريًا، ولا يراقب إبّان تطبيقه له عمليًا، بل هو غير ملتزم به أصلاً كما أسلفنا فكان أشبه «بإله صغير» لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون!! ولا نجد معنى للطغيان، أو الطاغوت، أدق من هذا المعنى، وأوفى(61)‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌‌!!‍‍‍‍

وتفسير ذلك في نظر «هوبز» أن هذا «العملاق» لم يكن طرفًا في العقد السياسي الموهوم الذي ابتدعه هو من صميم تخيله الفلسفي، ليُحلّ به، على زعمه مشكلة « السيادة» وأساس نشوء الدولة كما هو معلوم فكان حل ذلك كما رأيت عن طريق فكرة «الحاكم المستبد المطلق» !! ذلك مبلغه من العلم!

على أنك لو رحت تستقضي أسباب هذا الخيال المريض المسرف، لوجدته ثمرة لهذا الصراع العنيف الذي كان محتدمًا في بيئته وعصره هو، بين «الملك والبرلمان(62)» آنًا، وبين «الملك والكنيسة» تارةً أخرى، فأراد أن ينتصر «للملكية» ولكن بوصف كونها مطلقة مستبدة!! إذ رآها هي الوسيلة السياسية الناجعة لمعالجة الوضع القائم آنذاك(63).

هذا وقد أسلفنا أن «الفكر السياسي الموضوعي الرشيد» ليس صدى لردود الأفعال النفسية أو الأهواء الطاغية، أو ليس أثرًا لظروف معينة، في بيئة معينة، بل لا بد ليكون الفكر موضوعيًا شاملاً من أن يُحلق في الأفق الإنساني الرحب، بحيث تجد فيه كل نفس، أو أمة، حلاً لما يساورها من مشاكل، وما ينزل بساحتها من ملمات!! وما تطمح إليه بفطرتها من ارتقاء، وتسام.

غير أن «هوبز» فيما يبدو قد أورد على «سلطة» ما أسماه «العملاق» أي الملك أو رئيس الدولة فكرة «القانون الطبيعي» أو ما أطلق عليه «القانون الإلهي» وهو كما تعلم قانون مبهم، غامض، غير مسطور، ولا محدد، وكان أن اتخذه فلاسفة المذهب الفردي،إبان الثورة الفرنسية كما تعلك ظهيرًا «للفردية المطلقة» التي تجعل من الفرد، وصالحه الخاص، محورًا للتشريع كلّه، دونما نظر إلى «الصالح العام» بوجه مستقل، تطرفًا منها ومغالاة، وكان من نتيجة ذلك، أن أطلق للفرد حرية التصرف في حقوقه، ولو أضرّ بالصالح العام، دون محاولة من المذهب الفردي، للتوفيق بينهما عند التعارض، وهو أصل نشأة الرأسمالية الطاغية في أوربة.

والحق أن «فكرة القانون الطبيعي» هذه إنما وردت في الأصل قيدًا لإنقاذ الأفراد، وحرياتهم من طغيان الملوك، ولكن هذا «القيد» لمغالاته وتطرفه في الفردية من جهة، ولغموضه وإبهامه من جهة أخرى، لم يصلح قيدًا ناجعًا يرد على سلطة «العملاق» ولا لإصلاح الوضع السياسي المنهار آنذاك، لسبب بسيط، هو أنه قانون مبهم متطرف، جاء ليعالج سلطة طاغية متطرفة، وما عرف يومًا في المنطق التشريعي، أو السياسي، أن يعالج التطرفُ، بتطرف مثله!! ولذا تحولت عن هذا المذهب الفردي، وعن فكرة القانون الطبيعي الذي كان ظهيرًا له، أو منشئًا، معظم دول العالم،ولكن بنسب متفاوتة!!

(ك) – خصائص الحاكم الأعلى في الإسلام مقارنة بخصائصه، في الفلسفة السياسية الوضعية، وفي ضوء الفكر السياسي لدى رواده المحدثين، والمعاصرين.

إن مما لا يخفى، أن تشبيه الحاكم الأعلى في الدولة في الفكر السياسي الوضعي لدى رواده المحدثين، والعاصرين، على ما جاء في أهم مصادر هذا الفقه أقول: إن تشبيهه تارة «بالثعلب وأخرى بالتنين أو العملاق، أو الوحش» من حيث صفتاهما«الذاتيتان» يجرّد مثل هذا الحاكم في نظر فلاسفة السياسة المسلمين من «الصلاحية» للرئاسة العليا، وبالتالي تسقط «مشروعية ولايته العامة» لفوات الشوط التي ينبغي أن تتوفر في رئيس الدولة في الإسلام، وفي مقدمتها: العدالة، والاستقامة، والورع، والتصرف السياسي العام على سمت الحق، والعدل، وسنن الشرع، ومقتضيات الصالح العام، وفضائل الإسلام وما جاء إلا لحراسة الدين، وسياسة الدنيا به!

هذا، وإذا كانت «إنسانية الإنسان» هي مناط جدارته بالملك، والسياسة، على ما قدمنا من رأي ابن خلدون، فليس شيء إذن، من المكر والخداع، والبربرية، وما إلى ذلك، من هذه «الإنسانية» في شيء، لا بالنسبة إلى المواطنين داخل الدولة، ولا بالنسبة إلى الأجانب من الشعوب والأمم الأخرى الذين لا ينتمون إلى رعاياها، لأن «المعنى الإنساني» لا يتجزأ، وكذلك سائر الفضائل، وأصول العدل، وإلا كان التحيُّز، والظلم، والتمييز بالعنصر، أو الجنس، أو اللون، أو اللغة، أو الدين، وليس شيء من ذلك، بقادر على أن يُخلّ بموازين العدالة، أو القيم الخالدة في الإسلام حتى إذا انتفت «إنسانية الإنسان» على ما يرى ابن خلدون عن أن تكون مناطًا للجدارة بالحكم والسياسة، فقد انتفى الاستحقاق للولاية العامة، والتصرف على الأمة بمقتضاها، وأضحى رئيس الدولة حينئذ كما يقول الإمام الماوردي: «مفسد دهر، وسلطان قهر» بل نرى الإمام الماوردي يرسي أربع قواعد أساسية للدولة، تقيّد سلطة الحكم، وتوجه تصرف الحاكم، أوّلها: «دين متّبع» وثانيها «عدل شامل»(64) بل قد نص الإمام الماوردي والغزالي أيضًا على جماع الخصائص الإنسانية الرفيعة في الحاكم الأعلى، تجعله في أشرف «مقام» لأنه «استمرار لمقام النبوة» وقيامُ بوظيفة الرسالة والتبليغ، والتنفيذ، والاجتهاد في الاشتقاق والاستنباط، من الرسالة نفسها، نصًا ودلالة، حيث يقول: «هي خلافة عن النبوة، في حراسة الدين، وسياسة الدنيا»(65) وكيف يتأتى ممن هذا مقامه، وتلك وظيفته، أن يسلك سبيل الخداع، والمراوغة، والكذب، ونكث المعاهدات، والمواثيق، بل كيف يسوغ له، أن يسوس شعبه وأمته، بالبربرية، وأن يسومها الوحشية والقسوة؟ لا يتأتى ذلك إلا ممن لم تتوفر فيه شروط الرئاسة العليا، ومن ثم تسقط مشروعية رئاسته، ويصبح تصرفه السياسي العام، غير مشروع!.

وتأسيسًا على هذا، كان الفكر السياسي الوضعي، لدى رواده المحدثين، المعاصرين، هو الفكر السياسي الإسلامي، على طرفي نقيض كتبايُن المشروعية، وعدم المشروعية!

وتأسيسًا على هذا، كان الفكر السياسي الوضعي، لدى رواده المحدثين، والمعاصرين، هو الفكر السياسي الإسلامي، على طري نقيض، كتباين المشروعية، وعدم المشروعية!

(ل) العقد السياسي الذي توهمه الفيلسوف السياسي الانجليزي هوبز تفسيرًا لنشوء الدولة، وتبريرًا لإطلاق سلطة الحكم، لم يقع ولم يتحقق، لا في الماضي، ولا في الحاضر، ولا نظن أن أحدًا يخالُه يقع مستقبلاً أبدًا، لما فيه من نزول الأمة عن سيادتها جملة، وسلب الأفراد حقوقهم الأساسية، وإهدار لمصالحهم الحيوية الحقيقية، واستبداد سلطة الحكم، بحجة أن الحاكم ليس طرفًا فيه، يُسأل عما يفعل، هذا العقد السياسي الذي توهمه هوبز يخالف «طبيعة عقد البيعة» في «الإسلام فهو عقد حقيقي واقعي» من خصائصه إمكانية التطبيق ماضيًا، وحاضرًا ومستقبلاً، والحاكم طرفٌ ٌأساسي فيه، وأصله مبدأ «الشورى» والمسؤولية فيه عن «مصالح الأمة» متبادلة، بين الراعي والرعية: (كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع و مسؤول عن رعيته)وهو وكيل عنها، في تنفيذ شرع الله فيها.

لابد من الالتزام السياسي، من أن يكون ناشئًا عن «عقد ثنائي الطرف» والحاكم الأعلى في الدولة، لم يكن في مخيلة هوبز طرفًا في هذا العقد السياسي الذي اخترعه اختراعًا، لتبرير نشوء الدولة، وإطلاق التصرف للحاكم في سلطة الحكم، وإذا لم يكن طرفًا في العقد، لم يكن عليه بالتالي «التزامات» ولذا لا يُسأل!! وهذا هو منشأ الظلم، والاستبداد بعينه!.

أما في الإسلام، فإن مما لا ريب فيه، أن «عقد البيعة» عقد حقيقي لا وهمي قد وقع فعلاً، ولاسيما في العصر الراشدي الأول، وهو أساس «مشروعية الولاية العامة» في الدولة، وأن الأمة هي صاحبة «السيادة» الحقيقية عملاً، وأن «السلطة» تمارسها بمقتضى هذا العقد، وإن كانت «السيادة» نظريًا، هي التي تعني «المشروعية العليا» لكن هناك فرقًا بينها وبين ممارسة وتطبيق مقتضيات هذه «السيادة» واقعًا وعملاً، باعتبارها حقًا للأمة، لأنها هي المخاطبة بالتكاليف ابتداء، والموجه إليها مباشرة، وهذا لا نزاع فيه!

هذا، وإذا كان الحاكم الأعلى طرفًا أساسيًا أو ثنائيًا في «عقد البيعة» ووكيلاً عن الأمة، لأنها هي التي اختارته بمحض إرادتها الحرة، لينوب عنها في تنفيذ شرع الله فيها، ملتزمًا بالمشروعية العليا، ذلك الالتزام الذي يبرر«مشروعية ولايته» متجهًا إلى تحقيق مصلحة الرعية، باعتباره راعيها، ووكيلاً عنها، فإنه لا يتأتى من منطق الإسلام، أن يكون ظالمًا، ولا عملاقًا، ولا وحشًا، ولا على النحو الذي رأينا في فلسفة السياسة الوضعية ولدى روادها، ولا يفتقر التشريع الإسلامي السياسي، أن يبتدع مثل هذه الأفكار ولاسيما فكرة «القانون الطبيعي» لترد قيدًا على سلطة الحكم الظالم، لأن «الظلم» في شرع الإسلام منتف أصلاً، بل هو عدو الإسلام الأول، والحاكم مقيد ابتداء بالمشروعية العليا التي تعني«السيادة» فالمشكلة التي كان يعانيها رواد السياسة الوضعية، غير قائمة في الإسلام أصلاً، ومن عجب أن تبحث «السيادة» في التشريع السياسي، بمنطق الفلسفة السياسية الوضعية!

هذا، والحاكم الأعلى، إذا كان طرفًا أصيلاً في عقد البيعة وإنه لكذلك ترتب على هذا أمران:

أولهما: أنه «ملتزم» بكل ما ينشأ عن هذا العقد السياسي الثنائي الطرف، من «التزامات» هي ما تقضي به «المشروعية العليا» في الدولة، والمهيمنة على الحاكم والمحكوم على السواء، فليس هو إلها صغيرًا، لا يسأل عما يفعل! بل مشروعية ولا يته العامة، رهنٌ بالتزامه بأحكام ومقتضيات تلك «السيادة» المهيمنة الواضحة المسطورة في الكتاب والسنة!

الثاني: أنه مسؤول أمام الرعية عن مدى تحقيقه لمصالحها الحقيقة، باعتباره وكيلاً عنها، يعمل لمصلحة موكله الذي اختاره بمحض إرادته، ليقوم مقامه بتنفيذ مقتضى«السيادة» التي تعني«التشريع المهيمن» وإلا جانب المشروعية، وسقطت ولايته! ذلكم هو ثمرة كون الحاكم الأعلى، طرفًا أصيلاً في «العقد السياسي» المبرم بينه وبين رعيته، واقعًا وعملاً، لا وهمًا، ولا تخيلاً، ونتيجة كونه «ملتزمًا» بمقتضى هذا العقد، لا يجوز له أن يُخلّ تلك «الالتزامات» أو يتهاون في أدائها، وتنفيذها، على الوجه الأوفى والأكمل، أو يخالف عن أمرها، لأن هذا الالتزام والتنفيذ، والتقيد بشرع الله، في التصرف السياسي العام، هو مناط مشروعية ولايته العامة، كما أشرنا، والمسؤولية عن ذلك، عامة، قد استقرت أصولها في الكتاب والسنة.

أما الكتاب، فلقوله تعالى: {فلنسألنّ الّذين أُرسل إليهم ولنسألنّ المُرسلين}(الأعراف: 6) وقوله تعالى: { كُلُّ نفس بما كسبت رهينةٌ} (المدثر: 38). ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.. الحديث) فالمسؤولية كما ترى متبادلة، مشتركة، وعامة، وهي أساس الحكم الصالح.

على أن علماء «الفقه السياسي» في الإسلام، قد أوردوا «البيان السياسي» الذي أعلنه أبو بكر الصديق رضي الله عنه إثر توليه الخلافة، بما يفيد، أن «السيادة» وثمرتها، من «المصلحة العامة الحقيقة» للأمة، لا للخليفة، ولا للحاكم، أيا كان، ولو كان نبيًا مصطفى، بمقتضى قوله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} (آل عمران: 128) وقوله عز وجل: {لّست عليهم بمُصيطر} (الغاشية: 22) أقول إن أبا بكر أورد بيانًا سياسيًا غداة توليه مقاليد الحكم، فيما أورده صاحب كتاب المسايرة، بشرح المسامرة(66) ما نصه: «أما بعد، أيها الناس، إن الذي رأيتم مني، لم يكن حرصًا على ولايتكم، ولكن خفتُ الفتنة، والاختلاف وقد رددت أمركم إليكم، فولوا من شئتم»(67)

ذلكم هو تصوُّر الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن «السيادة» للأمة، وأنها وحدها صاحبة السلطة في تولية من تشاء، والولاية العامة عليها، وتخوله حق التصرف السياسي العام في الدولة، ولكن على سنن الشرع، وله عليها حق السمع والطاعة والنصرة، ما لم يأمر بمعصية، تحقيقًا لذاتية السيادة، وهيمنة التشريع.

«السيادة» في الدولة، وما يتعلق بها من السلطة العامة، وأساسهما، في الفكر السياسي عند كل من الغزالي، والماوردي، وابن خلدون.

أن «السياسة» علمًا وممارسة ذات شأن كبير، في نظر الإمام الغزالي، كما أسلفنا، حيث اعتبرها أشرف العلوم، لشرف موضوعها، وعظيم غايتها القصوى في المجتمع الإنساني بوجه عام، والمجتمع الإسلامي بوجه خاص(68)، وبيان ذلك:

أن الإمام الغزالي يرى وبحق أن «السياسة» بحكم طبيعتها هي السبيل الموصل إلى تحقيق الرخاء والسعادة في الدنيا، والعزة في الدولة، وعلى نحو يوصل إلى«السعادة الأخروية» أيضًا، وهذا هو المعنى الذي يشير إليه دائمًا في قوله: «لا يقوم الدين، إلا بنظام الدنيا»(69) مما ينبئ عن «الوحدة» بين«السياسة والدين» وأنهما «توأمان» متلازمان، لا ينفكّان، كما قدمنا.

غير أن مما هو جدير بالملاحظة والتقدير في الفقه السياسي عند الإمام الغزالي، أنه إذ يرفع من «شأن السياسة» حتى بلغت في تفكيره شأوًا بعيدًا، وعلى نحو لم نلاحظه عند غيره من فلاسفة السياسة المسلين، أقول: إنه إذ يرفع من شأن «السياسة» على هذا النحو، لعظم دورها، وخطورة آثارها، في تدبير شؤون الأمة، يرى في الوقت نفسه أن السياسة لا تملك «القدرة» على أداء مهامها العظمى، إلا على أساس «صياغة النفس» الإنسانية» صياغة تعين السياسة نفسها على أن تؤتي ثمارها، وذلك بتوجيه الأمة توجيهًا رشيدًا يكفل لها «الاستقامة» ويعينها على التزام جادتها، وهذا لن يكون إلا «بالدين» الذي يخُلق «الوازع الذاتي» في الحاكم والمحكوم على السواء، وبذلك يتم تحقيق «العلاقة السياسية والتكافلية» المتبادلة بين الراعي والرعية، وهو عين ما ذهب إليه ابن خلدون، أبان بحثه في «طبيعة السلطة» حيث جعلها على نوعين: (أ) سلطة شرع، (ب) سلطة ملك وعصبية، وفضل الأولى على الثانية، بالنظر إلى اختلاف «طبيعة الوازع» فهو في الأولى «ذاتي» ابتداء، وعن قناعة ورضا، بينما هو في الثاني «قهريٌ خارجي».

تجد هذا صريحًا في قول الإمام الغزالي، مقررًا وظيفة الدولة الكبرى من «حمل الناس على مراشدهم(70)» وفي قوله: «السياسة لاستصلاح الخلق»(71) ويؤكد الإمام الغزالي هذه «الصلة» التي يراها وثقة بين «السياسة والدين» من قبل أن «السياسة» هي «الطريق الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة معًا» في قوله: «فبان أن السلطان ضروري في نظام الدنيا، ونظام الدنيا ضروري في نظام الدين، ونظام الدين ضروري في الفوز بسعادة الآخرة»(72)

هذا، ويؤكد هذه الصلة أيضًا، الإمام «الماوردي» حيث يجعل «السياسة» أداة لتدبير شؤون الأمة أفرادًا وجماعات، ولكن على أساس الدين، إذ يقول: «خلافة النبوة، في حراسة الدين وسياسة الدنيا» أي بالدين، وقيمة، ومثله العليا، وقواعد العدل فيه، على ما أسلفنا.

وكذلك ابن خلدون، يرى ضرورة «صياغة النفس البشرية، على عين المثل الإسلامية» لتمكّن هذه «السياسة» من أن تثمر ثمراتها المرجوة منها، من إسعاد الخلق، وتحقيق رخائهم، ورعاية مصالحهم، وإبلاغهم مراتب العزة والسؤدد، في الدنيا، وهم أن لم يلتزموا بمبادئ الإسلام طوعًا، فلابد من إلزامهم بها كرهًا، إذ ليس بعد الحق إلا الضلال، وهذا هو صريح قول ابن خلدون وهو بصدد توضيح «الوظيفة السياسية للدولة، وغايتها القصوى من هذه السياسة، حيث يقول ما نصه: «حملٌ» الناس على مقتضى النظر الشرعي، في حراسة الدين، وسياسة الدنيا به» كما أسلفنا.

إذا ثبت هذا، فإن «الدين» هو الموجّه للسياسة، وللمحكومين المتصرّف عليهم بها، فكانت «السيادة» للشرع لا لغيره، وأنه لا يتصور تحلل السياسة من قواعدها، وإحكامها، وهو ما أطلق عليه الإمام الغزالي «قوانين السياسة»(73) وكذلك ابن خلدون، فالإصلاح واحد عندها، لمعناه وحرفيته!!.

غير أن «الأمة» بكاملها، هي صاحبة الحق في «ممارسة» هذه «السيادة» عملاً، لأن ما تشتمل عليه «السيادة» من القواعد، والقوانين في شرع الله ورسوله، هي المخاطبة به مباشرة، بموجب النداءات الإلهية كما أسلفنا تحقيقًا لمصالحها هي، ولكن باعتبار أن «الأمة» غير قادرة على النهوض بأعباء تكاليف الدولة ووظائفها، جاء الأمر الإلهي بوجوب اختيار وتكوين«جماعة» أو طائفة منها، تتوفر فيها الصلاحية والكفاءة، لتقوم بتنفيذ ذلك نيابة عنها، تجد هذا صريحًا في قوله تعالى: {ولتكُن مّنكُم أُمّةٌ يدعُون إلى الخير ويأمُرُون بالمعرُوف وينهون عن المُنكر وأُولئك هُمُ المُفلحُون} (آل عمران: 104). حتىإذا تصورنا، أن بالإمكان أن تنهض الأمة بفئاتها، وطوائف أهل الصناعات و التجارات، والفلاحة، وأرباب الوظائف العامة، أن يباشروا هذه «السيادة» بأنفسهم، كان هذا هو الأصل، كما بيّنا، لكنه متعذر وسيأتي مزيد بيان في تفسير هذه الآية الكريمة، باعتبارها «أصلاً» ينهض بسند «السيادة» الشرعي في الدولة، نظرًا، وممارسة.

هذا، ومما هو جدير بالملاحظة أيضًا: أن «الواقعية السياسية» عند الإمام الغزالي، على النحو الذي قدمنا في البحث السابق، تجدها هنا فيما يربط بين«السيادة» التي تعني «هيمنة الشرع» على الدولة، والحاكم، والمحكوم، على السواء، وهو ما يطلق عليه اليوم «سيادة القانون» أو «المشروعية العليا» في الدولة، أقول تبدو «الواقعية السياسية» عند الإمام الغزالي، فيما يربط بين هذه «السيادة» بمعناها الذي قدمنا نظريًا، وبين«السلطة العامة» التي يمارسها الرئيس الأعلى، ومن يُفوّضُه ممارستها من نوابه، موظفيه، على اختلاف مراتبهم عمليًا، إذ يرى الإمام الغزالي وقد كان يعيش في عصر يمور بالفتن، ويموج في الصراعات السياسية، بل والدموية أن «السياسة» وإن كان من أولى وظائفها، وضع النظام العام الآمر الذي يكفل القضاء على الفتن، والفوضى، ليستتب الأمن ويستقيم أمر المعايش، وتتحقق أسباب الرخاء، والازدهار، والتقدم، برعاية «مصالح الأمة» أقول: إن الإمام الغزالي إذ يرى أن السياسة من أُولى مهامها ذلك، غير أنه بواقعيته السياسية يفترض أنه قد «يعسر» عليها تحقيق ذلك كله، دون «قوة قاهرة» تتمثل في السلطان المطاع الذي تتركز في يده«وحدة السلطة» ومن هنا نشأ ارتباط «السيادة» للدولة التي تنهض بالمشروعية العليا، والأساس الشرعي المثبت لها، أقول: نشأ ارتباطها بالسلطة العامة، مما يؤذن بالفرق الواضح، بين «السيادة» وبين «السلطة العامة» مفهومًا إذ من المحتمل أن تنحرف السلطة العامة عن مقتضياتها «السيادة» ودستورها عملاً كما ذكرنا، وإن كان من المفروض، أن قواعد «السيادة» ودستورها، هو «السلطة العامة» في حالة الحركة والتنفيذ، تجسد تعاليمها، وذلكم، هو منشأ حق رئاسة الدولة في طاعة الرعية التي قررها صريح قوله عز شأنه: {أطيعُوا الله وأطيعُوا الرّسُول وأُولي الأمر منكُم}(النساء: 59). وهي طاعة مشروطة بعدم الانحراف عن قواعد«المشروعية العليا» المهيمنة على التصرف السياسي العام، وهو أيضًا «منشأ مسؤولية الحاكم الأعلى» بوصفه راعيًا، ومسؤولاً عن رعيته، مسؤولية بررت مشروعية ولايته العامة!!

فتخلص، أن الفقه السياسي عند الإمام الغزالي بوجه خاص يرفع من شأن «السياسة» حتى بلغت في تفكيره مكانة بارزة مرموقة، وعلى نحو لم تبلغه عند غيره من فلاسفة السياسة المسلمين، غير أنه في الوقت نفسه يرى، أن السياسة في حد ذاتها لا تملك «القدرة» على أداء مهامّها العظمى، إلا على أساس «صياغة النفس الإنسانية» صياغة تعين هذه السياسة على أن تؤتي ثمارها، وذلك عن طريق التهذيب، والتعليم، والتربية، وتنشئة «المواطن الصالح» وتوجيه الأمة بكاملها، توجيهًا رشيدًا يكفل لها تحصيل «التوعية» و«الاستقامة» لتلتزم جادتها، وذلك لن يكون على الوجه الأمثل، من التهيئة والإعداد وهذا ما نبّه إليه ابن خلدون في صدد بيان مدى تأثير السياسة، والزعماء، والقادة في المجتمع، مما سيأتي بيانه أقول: لن يكون الالتزام بالجادة على الوجه الأمثل والأكمل، إلا بالقيم الإنسانية، والمثل العليا المستقرة في الدين الذي من شأنه، خلق«الوازع الذاتي العقائدي» في الحاكم والمحكوم على السواء، وبذلك تتم إمكانية «التجاوب» بينهما، تصرفًا سياسيًا واعيًا حكيمًا من جانب الحاكم، وتنفيذًا مخلصًا أمينًا من جانب المحكوم، وهو ما أطلق عليه القرآن الكريم والسنة: «الطاعة» التي هي المظهر العملي الواقعي لهذا «التجاوب» فيتم بالتالي تحقيق هذه «العلاقة السياسية التكافلية المتبادلة» بين الراعي والرعية، القائمة على أمرين: «التكليف والمسؤولية» وهو عين ما ذهب إليه ابن خلدون حين أخذ يبحث في «طبيعة السلطة» فجعلها على نوعين: «سلطة شرع» و«سلطة مُلك» أو عصبية، وفضّل الأولى على الثانية، بالنظر إلى اختلاف «طبيعة الوازع» فهو في الأولى «ذاتي عقائدي نفسي تلقائي ابتداء» وعن قناعة ورضا، بينما هو في الثاني«قهريٌ خارجي» كما أسلفنا.

ولا ريب، أن القهري يُعدم الحرية، وقد ترى يعتري هذا الوازع القهري الفساد، ومن هنا، تبدو الصلة الوثقى التي تربط «السياسة بالدين» ذلك، لأن «الدين» بعقائده، وشرائعه من الواقع، هو الموجه للحاكم والمحكوم، على السواء، ومن هنا أيضًا، كانت «السيادة للشرع الكافل لخلق ذلك الوازع».

وعلى هذا، فلا يتصور في «شرعة الإسلام» «سياسة» تتحلّل من قواعد الدين، وأحكامه، وسننه وغاياته، لانهيار«ركن السيادة» في الدولة، وهو ما أطلق عليه الإمام الغزالي(74)، وابن خلدون(75)، «قواني السياسة» التي هي من مقتضيات هذه السيادة، فالإصلاح واحد، عندهما، بمفهومه، بل وبحرفيته(76)!.

نجاح الساسة، والزعماء، والقادة، وأولي الفكر، في تطوير المجتمع إلى ما هو أفضل، رهنٌ بأن يكون المجتمع نفسه، مهيئًا لذلك أولاً.

على أن نجاح الحاكم الأعلى في سياسته، أو آثار جهوده المبذولة، لن يتحقق في تغيير المجتمع، وتطويره إلى ما هو أفضل، إلا إذا كان هذا المجتمع نفسه «مهيئا» ابتداء، لقبول توجيهات الساسة، والقادة، والزعماء، وأولي الفكر فيه، كما يقول ابن خلدون، ومن هنا كان وجوب صياغة المجتمع على عين المثُل الإسلامية أولاً» ذلك، لأن للمجتمع نفسه في نظر ابن خلدون دورًا هامًا في تطوير نفسه، بإرادته العامة الحرة التي تندمج فيها « الإرادات الفردية الواعية» وهذا هو عين ما اتجه إليه الإمام ابن رشد أيضًا الذي ربط تحقيق عزة الأمة، وسعادتها، سياسيًا واجتماعيًا، واقتصاديًا وأخلاقيًا بأمرين:

أولهما: التعاون في أوسع مدى، في دائرة الخير العام المشترك.

ثانيهما: العمل الجاد من قبل الفرد على تطوير نفسه، ثقافيًا وعلميًا، وخلقيًا، واجتماعيًا، وسياسيًا، وتربويًا، كي تتلاقى هذه الإرادات الفردية، وتكوّن الإرادة العامة للأمة في التغيير، مصداقًا لقوله تعالى: { إنّ الله لا يُغيّرُ ما بقوم حتّى يُغيّرُوا ما بأنفُسهم} (الرعد: 11) والخطاب العام يتضمن إرادة تعميم الحكم بما يشمل الأمة من حيث هي أمة، كما يمكن أن يتجه إلى الأفراد كأفراد، وأيا كان، فإرادة الشارع لكل منهما مما يحتملُه الخطاب العام، وبذلك تتلاقى إيجابية الفرد، وإيجابية الدولة، لإحداث هذا التطوير، وسيأتي في هذا الموضوع في مقامه.

هذا، وقلنا: إن «الأمة» وإن كانت هي الموكل إليها أصلاً «ممارسة» مقتضيات «السيادة» عملاً، إذ هي المخاطبة بقواعدها، ومبادئها، أصالة، تحقيقًا لمصالحها هي، غير أن ذلك في حُكم الاستحالة، إذ هي غيرُ متفرغة لذلك، ولا قادرة على النهوض بأعباء تكاليف ومسؤوليات الدولة، ووظائفها العامة، وهذه «واقعية سياسية» لا نزاع فيها، مشتقة من تعاليم الكتاب العزيز، بوجوب اختيار وتكوين«جماعة» أو «طائفة» من الأمة، وسماها «أمة» متولدة أو مختارة من الأولى، وتتّسم بخصائصها، وهي مكلّفة بعين تكاليفها، متجهة إلى «غاية واحدة» بحيث تعصم من التنكُّب، والتفرق، والتنازع، وبذلك، تتوافر فيها «الصلاحية» و«الكفاءة» أو ينبغي أن تكون كذلك.

السيادة نظريًا هي«التشريع» لأنه المهيمن، وممارسة مقتضيات هذه السيادة عملاً وواقعًا، هي «السلطة العامة» التي استقرت في الإسلام، حقًا للأمة.

تجد هذا صريحًا في مثل قوله تعالى: {ولتكُن مّنكُم أُمّةٌ يدعُون إلى الخير ويأمُرُون بالمعرُوف وينهون عن المُنكر وأُولئك هُمُ المُفلحُون} (آل عمران: 104). فالهيمنة للشرع، لأن الشرع ليس إلا أمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر، وهو المقصود بالسيادة، نظريًا، وأن «ممارستها» من قبل الأمة، أو ممن ينوب عنها، عمليًا، هي ما يطلق عليه «السيادة العملية» أو «السلطة» لما قدمنا من أن الأمة مخاطبة بقواعدها، ومبادئها، وأحكامها، على وجه الأصالة، بقصد التنفيذ والممارسة، ولأن المصلحة في ذلك عائدة إليها مباشرة، ونعني بها، «المصلحة العامة» وهو المعنى الذي تؤصّله أيضًا، القاعدة الذهبية التي مؤداها: «تصرُّف الإمام على الرعية، منوط بالمصلحة» أي بمصلحة الرعية، وهي«مصلحة الأمة» كافة، و إن رعاية المصلحة العامة قد غدت هي أساس مشروعية الولاية.

وأشرنا كذلك، إلى أن هذه «المصلحة العامة» شاملة بوجوهها المختلفة، كافّة مناحي الحياة الإنسانية، ماديًا ومعنويًا، اقتصاديًا واجتماعيًا، وثقافيًا، وسياسيًا، وعسكريًا، ودينيًا، وعمليًا، وأخلاقيًا دون فصل، أو اجتراء، تجد هذا مجملاً في قوله تعالى: { يدعُون إلى الخير} ولا ريب أن الدعوة إلى الخير، تستلزم أو تتضمن الدعوة إلى «تحقيق وجوه المنافع، والمصالح، كافة كما أسلفنا وإلا ما كان لهذه الدعوة من معنى، إذ لا ينفع تكلمُ بحق لا نفاذ له».

هذا وعُرفُ القرآن الكريم قاض بإطلاق «الخير» على المصالح المعتبرة، وهي لا تُحصى كثرة، فكانت «الدولة» مكلّفة بتحقيق كافة وجوه الخير والمصالح على اختلاف طبائعها وأنواعها، وبذلك تبدو «الدولة» «إيجابية» في شرعة الإسلام، لتعدد وظائفها، وعموم تكاليفها، على النحو الذي قدمنا، ولا ريب، أن «إيجابية» هذه الدولة، تفوق أعباء الدولة الحديثة في كثير من الوجوه!.

على أن «الدولة الحديثة» لم تكن لتبلغ هذا المستوى من «الإيجابية» الذي بلغته اليوم، إلا في هذا القرن، وقبل ذلك، كانت «مجرد دولة حارسة» كما هو معلوم يغلب عليها «الطابع السلبي» في حين أن «الدولة» في الفقه السياسي الإسلامي ذات «طابع إيجابي» بعيد المدى، متعدد النواحي، بما يشمل كافة مرافق الحياة الإنسانية، حتى ما كان منها عقائديًا، وعباديًا، وأخلاقيًا، كما يشمل المصالح الأخروية، مما لا يدخل حيز مهمات الدولة وخصائصها في العصر الحديث، وذلك ثمرة عدم الفصل بين السياسة والدين!.

على أن «الواقعية السياسية» في الفقه السياسي الإسلامي بوجع عام لا تقف عند الحد الذي أشرنا إليه، بل ترى هذه «الواقعية» تبلغ مدى أوسع وأعمق، حيث تتجلى في ربط «السيادة» بالسلطة العامة «المؤيدة بوسائل الإكراه المادي» تلك السلطة التي يمارسها الرئيس الأعلى فعلاً، أو من يفوّض إليهم أمر ممارستها من وزرائه، موظفيه، وهو ما تناوله الإمام الغزالي، والماوردي، وابن خلدون، وغيرهم من فقهاء السياسة المسلمين، بتعليل الربط المحكم القائم بينهما، من الوجهة النفسية، والاجتماعية، والسياسية الواقعية، وهو ما أشرنا إليه في البحث السابق.

وأيضًا قد بينا آنفًا، أن «السيادة» إذ تعني «هيمنة الشرع» على «التصرف السياسي العام» وهو ما يطلق عليه اليوم«المشروعية العليا» أو «سيادة القانون» مما يجعل، «الدولة» في الفقه السياسي الإسلامي «دولة القانون» أو «الدولة الدستورية» فإن تحقيق «غايات الدولة» ومقاصدها الأساسية في الإصلاح العالمي، لن يتم إلا بالتطبيق والتنفيذ، ومن هنا رأينا الإمام الغزالي وقد كان يعيش في عصر يمور بالفتن المظلمة، ويموج في الدسائس والمؤامرات، وفي الصراعات السياسية، والدموية رأيناه يجعل من أولى الوظائف السياسية «مراعاة الواقع» لمعالجته، فأوجب وضع نظام عام آمر مُلزم يكفل القضاء على الفساد، والفتن، والفوضى، إذ لا معنى للدولة إذا كان مجتمعها تسوده الانشقاقات، ومنازع الأهواء الخاصة، بل وليس جديرًا بالمجتمع أن يوصف بكونه «سياسيًا» إذا كانت تتعاوره مصل تلك العاهات، بل الطامات الكبرى، ولهذا، كان الغزالي، يؤكد دائمًا على أن «الدولة» شرط أساسي لقيام المجتمع السياسي، بل لا قيام لمجتمع سياسي في نظره إلا في ظل «دولة لأن ذلك مما تقضي به طبائع الأشياء».

وتأسيسًا على هذا النظر الأصولي، رأينا الإمام الغزالي من «الواقعية» بحيث جعل«السلطان القاهر المطاع» ضروريًا لإقامة نظام الدنيا والدين معًا، إذ «الواقع السياسي» يقتضي ذلك.

ينبغي التمييز بين«السيادة» التي تعني «المشروعية العليا» في الدولة، وبين «السلطة العامة» في حالة الحركة والتنفيذ.

هذا، ويرى الإمام الغزالي، بواقعيته السياسية أيضًا، أن ثمة فرقًا واضحًا بين«السيادة» أو «المشروعية العليا» في الدولة، وبين السلطة العامة كما أسلفنا إذ من المشاهد واقعيًا، أن «السلطة العامة» قد تنحرف عن مقتضيات السيادة، والمشروعية، وإن كان من المفروض، أن «السلطة العامة» في حالة الحركة والتنفيذ، تجسد «المشروعية» و«مقتضيات السيادة» وحينئذ يتم «التطابق» بينهما، ولكنهما على التحقيق ليستا شيئًا واحدًا، وحين يتم هذا «التطابق» بينهما، يمكن أن يفسّر سرُّ قوله تعالى: {وأطيعُوا اللّه والرّسُول لعلّكُم تُرحمُون} (آل عمران: 132). إذ تراها«طاعة» مشروطة بعدم الانحراف عن طاعة الله تعالى في تطبيق كامل شرعه، وطاعة رسوله في تنفيذ أحكام سنته، ولا نقصد بالسيادة، والمشروعية العليا، إلا هذا، لأنها هي «المهينة» على التصرف السياسي العام، على ما بيّنا.

بعد هذه الخلاصة الموجزة نوالي البحث في هذا الموضوع الهام فنقول:

(أ) الإمام الغزالي إذ يؤكد ضرورة «السلطة العامة المركزية الموحدة» للدولة، أو كما يعبّر هو عن ذلك بقوله: «السلطان القاهر» الذي يتمثل في «السلطان المطاع» يبين منشأ هذه السلطة، ويفسره بأن «السيادة» تعني كما قلنا «هيمنة الشرع» فعلاً قواعد وأحكامًا، بل نظامًا عامًا آمرًا وتلقي بالمسؤولية السياسية الكبرى على عاتق الدولة عن تنفيذ هذا التكليف، وتطبيق هذا النظام العام، ولو بالإكراه المادي، وإلا فلن يكون«المجتمع سياسيًا» كما أسلفنا ولن تتحقق فيه أهداف الدولة، ولا ينتظم الأمر فيها بحال.

ومن هنا كانت هذه «المسؤولية» عن واجبات الدولة ووظائفها، هي، منشأ، «السلطة العامة» و«القوة القاهرة» شرعًا كما دمنا لأن «القهر» بالحق، ولإقامة العدل والإشراف عليه، بث روح الأمن في نفوس أفراد الأمة، واستتباب أسبابه، بل وضع الدولة والأمة في «ظروف» ن شأنها أن تجعل تحقيق مقتضيات العدل، والمصلحة العامة، والرخاء والسعادة، أمرًا ممكنًا، أقول: إن كل أولئك واجب شرعي عام، بمقتضى تلك «المسؤولية العامة» التي أكدها الحديث الشريف المشهور، من قوله صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، والإمام راع، ومسؤول عن رعيته…) الحديث فترى الحديث قد أرسى «قواعد المسؤولية المشتركة المتبادلة أولاً» تحقيقًا للتكافل السياسي الملزم، بين الراعي والرعية، ثم التفت إلى من بيده «مقاليد الحكم بوجه خاص» فأناط به «المسؤولية السياسية العامة» عن مهام الدولة، ومصالح الأمة، فألقى بهذه المسؤولية على كاهله هو، بصريح النص، فكان هذا هو «منشأ» تركيز«السلطة العامة» في يده، ليتمكن بالتالي من الأداء، ولكنها«مسؤولية، وسلطة، وقوة قاهرة «يحدد أبعادها قواعد العدل والإنصاف» وهو ملحظ كل من الإمام الماوردي، والعلامة ابن خلدون، وبيان ذلك:

يقول الإمام الغزالي في بيان «منشأ السلطة العامة» وما تستلزم من «القوة القاهرة» التي يمارسها الإمام، تحقيقًا للردع، ما نصه: «أن الدنيا والأمن على الأنفس، والأموال، لا ينتظم إلا بسلطان مطاع، وتشهد لذلك مشاهدة أوقات الفتن، بموت السلاطين والأئمة، وإن ذلك لو دام، ولم يتدارك بنصب سلطان آخر مطاع، دام الهرج، وعمّ السيف، وشمل القحط، وهلكت المواشي، وبطلت الصناعات، وكان كل من غلب سلب»(77).

هذا ويقرر الإمام الغزالي «منشأ السلطة العامة» وضرورتها بعبارة أوضح، إذ يقول في كتابه الإحياء: «وخلق الدنيا زادًا للمعاد، ليتناول منها ما يصلح للتزود، فلو تناولها بالعدل، لانقطعت الخصومات، وتعطّل الفقهاء، ولكن تناولوها بالشهوات، فتولدت الخصومات، فمست الحاجة إلى «سلطان» يسوسهم، واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم(78) به» وبذلك اجتمع القانون السياسي، والسلطة الرادعة، وهذا يفسر لنا أيضًا نشأة الدولة عقلاً.

أما الإمام الماوردي، فينص على بعبارة جلية، إذ يقول في صدد تحديده للقواعد التي تصلح بها الدنيا (الدولة): «وأما القاعدة الثانية فهي: «سلطان قاهر» تتألف برهبته الأهواء المختلفة، وتجتمع بهيبته القلوب المتفرقة، وتنكفُّ بسطوته الأيدي المتغالبة، وتنقمعُ من خوفه النفوس المتعادية(79)» ثم ترى «الماوردي» يفسر ذلك تفسيرًا نفسيًا(سيكولوجيًا) إذ يقول: لأن في طباع الناس من حبّ المغالبة والمنافسة، على ما آثروه، والقهر لمن عاندوه، مالا ينفكون عنه، إلا بمانع قوي، ورادع ملي(80)» هذا فضلاً عن الأدلة من القرآن والسنة الناهضة بوجوب إقامة الدولة.

هذا، ويفسر العلامة ابن خلدون بدوره، منشأ السلطة العامة، وما تنطوي عليه من «قوة قاهرة» بأن الإنسان مدني أو اجتماعي بطبيعته، ومن طبيعة هذا الاجتماع، نشأت ضرورة وجود«الوازع القهري للبشر» وهو «القوة الغالبة» التي تمنع التغالب بين آحاد الناس، إذ يقول ما نصه: «ثم إن هذا الاجتماع إذا حصل للبشر، كما قررنا، وتم عمران العالم بهم، فلابد من وازع يدفع بعضهم عن بعض، لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم»(81).

وهذا من أعظم مسؤوليات السلطة العامة التي قررها الإسلام، تساوقًا مع طبائع الأشياء.

على أن العلاّمة ابن خلدون، يحدد أبعاد هذه «المسؤولية» وينعي على «السلطة» ذات «القوة الغاشمة» التي تتخطى هذه الحدود، وتتعداها، إذ يقول ما نصه: «وكذا المُلك، لما ذمّه الشارع، لم يذم منه الغلب بالحق، وقهر الكافة على الدين، ومراعاة المصالح، وإنما ذمّة، لما فيه من التغلب بالباطل»(82) وهذا تقرير لما كنا قد أشرنا إليه سابقًا، من أن «القوة» في الإسلام مقيدة بالبينات، من قوله تعالى: {لقد أرسلنا رُسُلنا بالبيّنات وأنزلنا معهُمُ الكتاب والميزان ليقُوم النّاسُ بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأسٌ شديدٌ} (الحديد: 25)

هذا، وتتجلى منطقية العلامة ابن خلدون في أساس هذا التمييز الذي يحدد أبعاد هذه «المسؤولية السياسية» وما نشأ عنها من «السلطة العامة» وما تشتمل عليه من وسائل الإكراه المادي، أقول: تتبدّى منطقيتُه في ربطه بين أساس هذا التمييز، وأبعاد المسؤولية من جهة، وبين تحديده لوظيفة القائم بها من جهة أخرى، وذلك حين حددها بقوله: «حملُ الناس على مقتضى النظر الشرعي وهو نظر قائم على الحق والعدل، بلا مراء..ولا يخفى ما في كلمة «الحمل» من الإكراه على الالتزام بجادة الاستقامة، وعلى سمت الحق والعدل، وعلى إرادة التغيير لما هو أفضل وأرقى إنسانيًا.

على أن هذا يقتضينا أن نبحث في أمرين نراهما على جانب عظيم من الخطورة والأهمية:

أولهما: قواعد العدل والإنصاف التي تحدد أبعاد«المسؤولية العامة» في ممارسة السلطة في الفكر السياسي عند الإمام الغزالي.

الثاني: «قوانين السياسة» في الفقه السياسي الإسلامي، بوجه عام، والفقه السياسي عند الإمام الغزالي بوجه خاص، وذلك ما نتناوله فيما يلي:

(ب) أهم قواعد العدل والإنصاف التي تحدد أبعاد «المسؤولية العامة» في الدولة، وتقيد ما نشأ عنها من حق ممارسة «السلطة» وما تستلزمها من «القوة القاهرة» وننوه بوجه خاص، بقواعد العدل، في رعاية الخلق، وتقديم ما يحتاجون إليه من خدمات وحوائج ومصالح، أي توفيه مطالب الجانب الاجتماعي للأمة، فضلاً عن الجانب الأمني، والاقتصادي، والسياسي، وسائر جوانب الحياة الإنسانية الكاملة.

هذا، والجانب الاجتماعي، قوامه «الحقوق» التي قررها الشرع للأفراد من توفير الغذاء، والكساء، والسكن، والعمل، للقادرين عليه، وهذه هي التي يطلق عليها اليوم «الحقوق الجديدة» بما يؤمّن للأمة وأفرادها جانبها الاجتماعي، فرعًا عن «مبدأ التكافل المتبادل والملزم، بين الراعي والرعية» وأن أداء هذه «الحقوق» لأربابها «مسؤولية كبرى» في عنق الرئيس الأعلى، ويعتبر هذا «الأداء» فرعًا من «الإيمان» الحق، وهكذا تدخل فاعلية «العقيدة» في الإسلام، في نظامه السياسي، عاملاً ذا أثر فعال في حمل رئيسها على أداء واجباته، والوفاء بمسؤولياته(83)، فضلاً عن أنها جزء تكويني من مفهوم العدل والإنصاف في حال التنفيذ والتطبيق واقعًا وعملاً، ولو بالقوة القاهرة. ذلك ما جاء في كتاب الإمام الغزالي: «التبر المسبوك في نصيحة الملوك» في صدد بيانه لقواعد العدل والأنصاف التي تقوم على أساسها التصرف السياسي العام على الأمة، وفي هذا المعنى يقول الإمام الغزالي ما نصه: «أن يبادر إلى قضاء حاجات المحتاجين، وألا يزدري أرباب الحوائج، ووقوفهم ببابه، فتحقير انتظار أرباب الحوائج، من أخطر الأخطار»(84).

هذا، وبإطلاق«الحوائج» وتعميمها كما ترى تشمل«الحقوق الاجتماعية» أولاً، من تأمين الغذاء، والكساء، والسكن، والعمل، كما تشمل غيرها، وهو ضرب من التكافل الاجتماعي الملزم، بين الراعي والرعية(85)، كما أشرنا.

وعلى هذا،تبدي لك أن الوفاء بالحاجات الضرورية لأربابها، ليس أمرًا اختياريًا، متروكًا للمروءات، وسخاء النفوس الزكية، بل هو واجب حتمي من صميم مسؤوليات الدولة، تنفذه بسلطانها القاهر، إذ هو ما تقتضيه قواعد العدل والإنصاف، وهذه لا خيرة فيها، لا للدولة، ولا للمكلفين، بل هو كما بينا مما يوجبه مبدأ التكافل الاجتماعي الملزم في الإسلام بين الراعي والرعية، وكل مبدأ من مبادئ العدل، واجب تنفيذه شرعًا، طوعًا أو كرهًا بسلطان الدولة، لأنه حق من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إهمالها، ولا التهاون في أمر تنفيذها، وإلا كان الظلم وهضم الحقوق! وهو محرم في الإسلام قطعًا.

(ج) من أهم قواعد العدل والإنصاف في نظر الغزالي أن «يعرف الإمام قدر الولاية العامة، وما لها من خطر» ويعيني بذلك، أن يدرك الرئيس الأعلى حقيقة مسؤولية هذه الولاية، وأبعادها، ووظائفها، وما يطلب إليه من تحقيق مقاصدها، إذ تطبيق العدل فرع من تفهم مضمونه، ووسائل وإجراءات تنفيذه.

ومفاد هذا، أن تطبيق «العدل» ينبغي أن يكون عن إدراك وتفهم، عميق لأبعاده، وللمسالك والنظم المفضية إليه، من راعي ذلك فقد وفّق إلى اجتناء ثمراته، إذ لا ثمرة تُجنى دون تنفيذ واع حكيم، وسياسة رشيدة، وباجتناء الثمرة تتحقق السعادة والعزة والسيادة، ولذا كانت «الولاية العامة» نعمة كبرى(86) على القائم بحقها، فضلاً عن الأمة، لعظم المهام التي يضطلع بها، وتغدو على النقيض من ذلك تامًا بالنسبة إلى من قصّر بحقها، لأنها تفضي إلى «الشقاوة» وهي شقاوة بالغة، لأنها تالية لمرتبة الكفر بالله تعالى(87)، ولذا كان الإمام العادل على يمين الرحمن يوم القيامة!

هذا، وقد أشاد النبي صلى الله عليه وسلم بجليل خطرها، إذ يقول: (عدل السلطان يومًا، أفضل من عبادة سبعين سنة)(88)

(د) مسؤولية الإمام عن نوابه ووزرائه، وموظفيه على اختلاف مراتبهم، وتسلسلهم الهرمي هي عين مسؤوليته عن تصرفه المباشر، فيما يتعلق بدفع الظلم، لأن دفع الظلم، إحقاق للحق، وإزهاق للباطل، وتطبيق لمقتضى العدل والإنصاف في أوسع مدى، ومفهوم العدل لا يتجزأ، وكذلك ما يقابله من الظلم، وظلم أحد من مرؤوسيه، هو منسوب إليه، شرعًا، كأنه هو الذي باشره، ولأنه الآمر والموكّل.

يقول الإمام الغزالي، مقررًا هذه «المسؤولية» المباشرة، وغير المباشرة، فيما نصه «وعلى الإمام ألا يقنع بدفع الظلم فيما يتصل بنفسه، بل ينبغي أن يحول كذلك بيم عماله ونوابه وأصحابه، وبين اقتراف الظلم»(89)

وعلى هذا، فلا يتحقق عدل السلطان كملاً، ولا يفي بمسؤولياته حقًا، إلا بعدله هو، أولاً، وبعدل عمّاله أيضًا، سواء بسواء، غير أنه مسؤول عن ذلك كله.

ونحن نرى، أن في هذا إيماءً، إلى أن «ظلم السلطان» يحمل عماله على الجرأة على اقتراف الظلم أيضًا، ومن هنا، كان صلاح السلطان وعدله، ينعكس أثره على سائر عُمّالة ونوابه، موظفيه، كما ينعكس آخر الأمر، على الأمة كافة، فهو والأصل المدبّر، والعقل المفكر، والقائم على الأمر كلّه، بما يصلحه، ينفذ قواعد العدل فيه!

(ه) العلاّمة ابن خلدون، يرى، أنه لا يجوز المبالغة فيما للقادة، والزعماء، والمفكرين، والساسة، من أثر في مجتمعاتهم، بمقولة أنه العامل الأساسي في تطوير المجتمع، بإطلاق، بل لا بد أن يكون المجتمع نفسه مهيئًا أولاً، لقبول مبادئ العدل والإنصاف، وسائر المثل الإنسانية العليا كما بينا.

هذا ما أكده العلامة ابن خلدون، والغزالي، والماوردي، أيضًا، من ضرورة التوجيه، والتعليم، والإرشاد، والتوعية، والتهذيب، والتربية أولاً، لترتقي الأمة إلى مستوى الذي من شأنه أن يحقق التجاوب بين الراعي والرعية، وذلك بصياغة نفوسهم على عين المثُل والفضائل الإسلامية، كما أشرنا.

ويترتب على هذا في نظر ابن خلدون بوجه خاص، أن نجاح ولي الأمر، أو الساسة، أو الزعماء، والقادة، وحتى الرسل والأنبياء، وأنه لم يكن ما أصابوا من حظ فيه، وفي تغيير المجتمع وتطويره، إلاّ يوم أن ارتقى إلى المستوى الذي أهّله لذلك، ولتبيُّن وقبول «حقائق الدعوات» وفلسفتها، أصولها ومرامها، ابان ظهورهم على المسرح التاريخي، ولعل هذا يفسّر لنا أيضًا، ما لاقى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم من مشاق جسام، بل وما عانى من كروب الحياة، وأهوال الصراع العاتي، في هذا السبيل، في مكة أولاً، فالمجتمع نفسه على رأي ابن خلدون له الدور الأول في تحقيق هذا النجاح، على الرغم مما للقادة، والزعماء، والرؤساء، والمفكرين والفلاسفة، من أثر لا يستهان به في شؤون التطور، مصداقًا لقوله تعالى: {إنّ اللّه لا يُغيّرُ ما بقوم حتّى يُغيّرُوا ما بأنفُسهم}(الرعد: 11)(90)هذا النص القرآني الصريح يقرر «سنة التغيير» وأنها منوطة «بالإرادة العامة» للشعب أو للأمة التي تندمج فيها «إرادات أفرادها» عن وعي وبصيرة، وأنّ تغييرها وتطويرها إلى أفضل أو أسوأ، رهن بإرادتها هي التي تأتي إرادة الله تعالى على وفقها، كما هو صريح النص، والخطاب فيه موجّه إلى الأمة كافة، لا إلى رئيسها خاصة.

(و) ممارسة الشدة والعنف في تنفيذ الشرائع، والقوانين، أو في التصرف السياسي العام على الأمة، من أقبح صور الظلم، إذا كان يتم تنفيذها أو ممارستها بما دون ذلك، من الرفق (91)واللين، إشارة إلى أن «السياسة» ليست استطالةً، ولا تجبُّرًا، ولا إرهاقًا للمواطنين، ولا استذلالاً لهم، ولا تقويضًا لبني معنوياتهم، بل «الكرامة الإنسانية» هي أساس ممارسة السياسة، ومنطلقها، ما لم يكن ثمّة سبيل إلى تنفيذ الحق والعدل إلا بإهدارها، وذلك حين يُسقط المكلّف عصمته، وكرامته، باختياره، ومحض إرادته.

تلك قاعدة عامة من قواعد الإمام الغزالي في السياسة الرشيدة المنصفة التي ينبغي أن تُلتزم، عصمةً للحرمات، وصيانةً للكرامة الآدمية، واجتثاثًا لأصول الاستكبار، والاستعلاء، والتجبُّر، والاستطالة، في الأرض، والظلم هنا في «الوسيلة» المتخذة، وممارستها كما ترى ولو كانت لإحقاق الحق، وإقامة العدل، مما ينبئ عن أن «الوسيلة» لا تقل من حيث الرعاية عن غايتها، وهذا على النقيض مما رأينا في فلسفة رواد الفكر السياسي الحديث، وفي مقدمتهم، ميكيافيلي، من أن «الغاية تبرر الوسيلة» بل لا بد أن يكون كلٌ من الواسطة والغاية، في ميزان العدل، والفضيلة، سواء، إذ العدل لا يتجزأ بالنسبة إلى أيّ منهما، وكذلك الظلم، وفي هذا المعنى يقول الإمام الغزالي: «ينبغي أن ينفّذ السلطان أموره بالرفق، وألا يلجأ إلى الشدّة والعنف في كل أمر يستطيع تحقيقه عن هذا الطريق، فلقد دعا صلى الله عليه وسلم فقال:(اللهم الطف بكل وال يلطف برعيته، واعف عن كل وال يعفو عن رعيته)(92) وهذا من أروع ما عُرف في قواعد السياسة والحكم في العالم، فيما أعلمه !!.

(ز) الإمام الغزالي يشتق «معيارًا نفسيًا أو روحيًا من تعاليم النبوة، وبقيمه قاعدة عامة للعدل والأنصاف، وهو فيما نرى أصدق معيار وأدقُّه، وأقربه صلة بالعقيدة، ذلكم هو:«أن على الحاكم أن يُنصف الناس في كل قضية تعرض عليه، كما يجب هو نفسه أن يُحكم عليه بالإنصاف والعدل، فيما لو كان واحدًا من الرعية، وفي كف قضية تتعلق به، وكان الحالم غيره»(93).

هذا، والأصل النبوي الذي اشتُق منه هذا «المعيار» هو قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه، ما يحبُّ لنفسه) وفي هذا المعنى يقول الإمام الغزالي ما نصه: «في كل واقعة تصل إليك، وتُعرض عليك، تغدو أنك واحد من جملة الرعية وأن الوالي سواك، فكما لا ترضاه لنفسك، لا ترضي به لأحد من المسلمين، وإن رضيت لهم ما لا ترضاه لنفسك، فقد خنت رعيتك، وغششت أهل ولايتك»(94).

ولا ريب، أن «الخيانة والغش» كليهما، ضرب من «الظلم» الذي يجب اجتنابه، وإلا سقطت مشروعية ولايته، بسقوط «الغاية» التي من أجلها شُرعت، وللقاعدة المحكمة التي مؤداها: «كل تصرُّف تقاعد عن تحصيل مقصوده، باطل» وهذا أصل عتيد في سياسة التشريع.

فتلخص، أن «الفكر السياسي» في الإسلام، ينبثق أساسًا من مبدأ «وحدة الدين والدنيا» وأن نظام الدين كما يقول الإمام الغزالي لا يتم إلا بنظام الدنيا، أو قل إن شئت «وحدة الدين والسياسة» وهو ما أشار إليه الإمام الماوردي بقوله: «خلافة النبوة، في حراسة الدين، وسياسة الدنيا» أي سياسة الدنيا به، وهو عين ما اتجه إليه ابن خلدون، متأثرًا بهذا التعريف الجامع، حيث يقول: «حمل الناس على مقتضى النظر الشرعي، وسياسة الدنيا به» وهي مفاهيم جدُّ متقاربة، تؤكد المعنى الذي أصّلنا من أن السياسة بما هي نُظُم، وقوانين وإجراءات مغيّاةٌ بأهداف مرسومة معينة، تدعمها «سلطة الدولة» قد شرعت «أداة» من شأنها أن توصل إلى تحقيق «السيادة» عملاً، وتنمّي البنى المعنوية للأمة، أفرادًا، وجماعات، وشعوبًا، وأممًا، تحقيقًا للعزة والمنعة، والازدهار، والتقدم بكافة وجوهه، وإلى الفوز بنعيم الآخرة، إذ لا فصل بين الدنيا، الآخرة، ومن هنا كانت «السياسة» توأمًا للدين، هو يوجهها، وهي تصونه، وتحقق أهدافه، فكان طبيعيًا ومنطقيًا، أن يقرر الإمام الغزالي بواقعيته السياسية أن لا قيام لنظام أي منهما، إلا بالآخر(95)على ما بيّنا.

لا تجد الإمام الغزالي على الرغم من نزعته الصوفية يحتقر الدنيا ليرفع من شأن الآخرة، بل تراه يؤكد، أن كلاً منهما توأم للآخر، فلا يتم الظفر بسعادتيهما، إلا بتعاضد نظاميهما، بل سعادة الآخرة متوقفة على الحرص على انتظام أمور السياسة في الدولة أولاً، إذ لا قيام للدين إلا بها، بحيث ارتبطا عضويًا وثيقًا جعل الفكر السياسي كلّه، يتمحور على هذا الأصل المستقر في فلسفة الإسلام السياسية.

هذا، وأشرنا إلى وجه هذا الارتباط العضوي، وقلنا: إن «التوجيه» و «التوعية» بل «صياغة النفس الإنسانية، على عين المثل والقيم الإسلامية» هي التي تعين «السياسة» على أداء مهام الدولة، ووظائفها، في تغيير المجتمع وتطويره إلى ما هو أفضل، وبصورة مستمرة، وهذا هو «التقدم» واقعًا وعملاً، بل والعمل على الارتقاء به إلى ما هو أسمى إنسانيا، كيلا يختل «التوازن» بين التقدم المادّي، والرقي الإنساني، على ما هو مشاهد في بعض الدول، من قطعها أشواطًا بعيدة المدى في مضمار الاختراع، والتقنية، ولكنها غير متقدمة في ميدان «الحضارة الإنسانية» وإلا فما سر ما تعاني منه الدول النامية من ظاهرة الاستعمار والهيمنة الدولية، وما خلفت لنا من الظلم، والقهر، والاستلاب، وهضم حقوق الشعوب المستضعفة في الأرض، وحرمانها حقها في تقرير مصيرها، وما أمر «الصهيونية» وبلائها، وشرور من يظاهرها، عنا ببعيد، وليس بخاف، أن سبب ذلك كله، هو غياب «القيم الإنسانية» و «المثل العليا» من الحق، والعدل، والمساواة في الاعتبار الإنساني، والحرية، أقول: غيابها عن ميدان السياسة الدولية، بلا مراء، وهذا على النقيض مما تقتضيه أصول الفلسفة السياسية في الإسلام، كما بينا. وتفسير ذلك من وجهة نظر الفلسفة السياسية في الإسلام أن «الحضارة» والسياسة أبهى معارضها ليست مجرد تقدم مادي أو تقني، يُطّرحُ معه جانبُ النفس الإنسانية التي هي مبعث كل تقدم إنساني حقيقي، أو تهمل مقتضيات الروح، أو أصول الفضائل، على النحو الذي بيّنا لك من فلسفة السياسة عند رواد الفكر السياسي الحديث، بل رأينا فلاسفة السياسة المسلمين وفي مقدمتهم الإمام الغزالي، والماوردي، وابن خلدون، وغيرهم يفسرون وجه هذا الارتباط، بأن «الدين» وفضائله، ومثُله، وغاياته الإنسانية البعيدة، يمتاز من حيث قوة فاعليته في النفس الإنسانية بخلق الوازع الذاتي التلقائي الطوعي الذي قوامه الاقتناع العقلي، والتأثر الوجداني، والاطمئنان القلبي، إذا صح في المرء عنصر الاعتقاد المستقر في أعماق النفس الإنسانية، بما ينهض به من «البراهين» التي جعلت منه «عقيدة» موضوعية المفهوم، إنسانية الأبعاد، إيجابية الدوافع والمقتضيات، شمولية الحكم والهيمنة، فكانت لذلك معينًا للفضائل لا ينضب، ومشرقًا للرشد السياسي، في تحقيق العدل والصالح العام.

وعلى هذا، كان «الدين» بعقائده، ومثُله، وتوجيهاته، وبواعثه، وتشريعاته، التي تقوم على العدل، والمصلحة، والمنطق، هو العامل الفعال في «تهيئة المجتمع» لتقبل آراء فلاسفة السياسة، والمفكرين، والمجتهدين، والعلماء، والحكام بالعدل من المسلمين، وما يصدرون عنه من توجيه، أو إلزام، لتطوير المجتمع، والتقدم به نحو الرقي والكمال الإنساني، يتقبلونه عن «طوعية وقناعة» ويأتمرون بوازع ذاتي يكفل لهم الحرية، كما يضمن لهم المجال الواسع في تحري الحق والعدل، ويصون الأمة بالتالي من الانشقاق الذي يجعلهم فرقًا متعادية، فيما بينهم، في الداخل، بل قد يحمل هذا «العداء» بعضهم على التحالف مع العدو الخارجي، لهدم بنيان الدولة، أو العمل على تصدعه، وتداعيه، على ما هو مشاهد ومحسوس !!

هذا، وبينّا كذلك، أنه بانتفاء هذا «الوازع العقائدي» يقوم الوازع الخارجي القهري الذي يعدم الحرية، ويشيع البلبلة، ويفضي إلى الانشقاق، لتفرق الأهواء والمطامع، ولا يتم مع هذا «وحدة ولا تآلف» وهكذا ارتبطت العقيدة بالسياسة كما أسلفنا ارتباطًا عضويًا، جعل من «العقيدة» عاملاً قويًا لترشدها، وتسديد خطى الساسة والقادة، والزعماء، والحكام، مما يؤكد، أن «العقيدة» الإسلامية، ليست مجرد معنى «ميتافيزيقي» كما يقال يصرف المرء عن دنياه، وتدبير شؤون أمته، بل هي عنصر حيوي ايجابي فعال في صميم السياسة، توجيهًا، وهيمنة، ورشدًا، بل ومن أقوى عناصر «القوة» في الإسلام !.

تهيئة المجتمع أولاً للتطوير كما يقول ابن خلدون لن يتم إلا بتطوير الفرد نفسه أولاً، والعمل على ذلك دأبًا، وهذا بدوره لن يتم إلا بالاستعانة بالمجتمع نفسه، فكان كل من الفرد والمجتمع، يتبادل التأثير والتأثر، وهو ضرب من التكافل الملزم شرعًا، لإتمام عملية التطوير إلى ما هو أفضل، فثبت أن هذا التكافل الذي ألزم به الإسلام، أمر ضروري وحيوي في بناء المجتمعات السياسية وتقديمها.

لقد أكدنا آنفًا أن «تهيئة المجتمع للتطوير» كما يقول ابن خلدون لن يتم إلا بتطوير الفرد نفسه، والعمل على ذلك دأبًا، مستعينًا بالمجتمع نفسه، وهكذا ترى أن «التعاون بين الفرد والمجتمع، في عملية التطوير، أمر ضروري في فلسفة ابن خلدون السياسية بوجه خاص، لأن «التعاون» هو «ملاك الأمر كله» ويأتي دور «الدولة» في إمدادها بما يحقق ذلك، برعاية «مصالحها الحيوية المتنوعة، وبما يمهد لها السبيل، لتسير بالأمة نحو الرقي والازدهار، والعزة، وهذا مطلب أساسي، وفي المقام الأول، لقوله تعالى: {فلا تهنُوا وتدعُوا إلى السّلم} (محمد: 35) {وأنتُمُ الأعلون إن كُنتُم مُّؤمنين} (آل عمران: 135). وقوله تعالى: {وللّه العزّةُ ولرسُوله وللمُؤمنين} (المنافقون: 9) وقوله عز وجل: {وتعاونُوا على البرّ والتّقوى} (المائدة: 2).

السيادة عملاً وممارسة حق للأمة، تورثها السلطة العامة للتنفيذ والأداء، تحقيقًا لمصلحتها هي، وأن ولي أمرها الذي تختاره بمحض إراداتها الحرة، هو وكيل عنها في هذا الأداء، على ما يؤكده الإمام الماوردي وغيره، وأن العمل السياسي ليس إلا مقتضى لهذه السيادة.

وبيان ذلك أن «السيادة» عملاً وممارسة، حق للأمة، تورثها «السلطة العامة» للتنفيذ والأداء، تحقيقًا لمصلحتها هي، إذ لا سيادة بلا سلطة تمكّن من تنفيذ قواعدها، وأداء مقتضياتها، وأن ولي أمرها «وكيل عنها في هذا الأداء» لتعذر قيامها بذلك، حيث يؤكد الإمام الماوردي هذا المعنى، بصريح عبارته التي لا لبس فيها ولا إبهام، إذ يقول بما مؤداه: «إن الأمة هي الأصل في تولية رئيس الدولة، وأنه إذا تنازع على الرئاسة اثنان، وادعى كل منهما أنه الأسبق، لم تُسمع دعواه، ولم يُحلّف عليها، لأنه لا يختص بالحق فيها، وإنما هو حق المسلمين جميعًا» وإليك ما يقول الماوردي بنصه:

«فإن تنازعاها الرئاسة العليا في الدولة وادّعى كل واحد منهما، أنه الأسبق، لم تُسمع دعواه، ولم يُحلّف عليها، لأنه لا يختص بالحق فيها، وإنما هو حق المسلمين جميعًا، فلا حكم ليمينه فيه، ولنكوله عنه»(96)

ومن هنا يمكن تفهُّم القاعدة الذهبية المحكمة التي تبين بوضوح هذا الأصل العام، وأن التصرف السياسي على الرعية، منوط بمصلحتها هي لأنها هي الأصل، وأن القائم بالأمر فيها، هو مجرد وكيل عنها، حيث تنص على ما يلي:«تصرُّف الإمام على الرعية، منوط بالمصلحة» وكذلك تصرف سائر موظفيه، حتى إن العلماء، قد آثروا أن يصوغوا هذه القاعدة على نحو يفيد تعميم حكمها على سائر موظفي الدولة:«التصرف على الرعية، منوط بالمصلحة» أيا كان المتصرف المختص، دون تخصيصه بالإمام.

هذا، ويؤكد الإمام الغزالي كما بينّا أن «العمل السياسي» الذي هو مقتضى «السيادة» فرع من «الإيمان» الخالص، بل ودليل عليه، وهو «موطن الابتلاء فيه» لأنه يندرج في مفهوم قوله تعالى:{ليبلُوكُم أيُّكُم أحسنُ عملاً} (هود: 7) واستصلاح الخلق بالسياسة، وتحصيل مصالحهم، وتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة، من أجلّ الأعمال وأعظمها شأنًا وأثرًا، بلا ريب، بل جعل الإمام الغزالي «فرعية العمل السياسي عن أصل «العقيدة»قاعدة من قواعد العدل والإنصاف، لاستناد الممارسة السياسية إلى «دستور السيادة» وهو عدل كله، وما يتفرع عن العدل عدلٌ، بالضرورة، وفي هذا المعنى يقول الإمام الغزالي ما نهضت، «إعلم أيها السلطان، أن كل ما في قلب الإنسان من «معرفة واعتقاد» فذلك «أصل الإيمان» فإذا كان الفرع ذاويًا ذابلاً، دل على ضعف الأصل»(97) فالصلة بين العمل السياسي والعقيدة هي صلة الفرع بالأصل، كما ترى ‍‍وهي صلة عضوية لا تنفك، ويتبادلان التأثير والتأثر.

هذا، ويضيف الإمام الغزالي إلى ذلك قوله بما يؤكد هذه القاعدة بعبارة صريحة، إذ يقول «والأعمال التي هي فروع الإيمان، وهي تجنُّب المحارم، وأداء الفرائض، وهما قسمان: أحدهما بينك وبين الله… والأخرى بينك وبين الخلق، وهي العدل بين الرعية، والكف عن الظلم في ذلك… أن تعمل فيما بينك وبين الناس، ما تؤثر أن يعمل معك من سواك، إذا كان غيرك السلطان، وكنت من رعيته»(98). وبيّنا كذلك أن:

تفرع عن هذا كله، أن الإسلام ليس دينًا توجيهيًا وعقائديًا وحسب، وإنما يمتاز بترتيب تشريع الملزم على العقائد، والتوجيهات، اتساقًا مع ربطه الدين والدنيا، حتى لا ينعزل الفرد والمجتمع عن الحياة، فالعقيدة كما رأيت تفرع عنها فاعلية الإنسان في شتى مناح حياته، وفي مقدمتها «النشاط السياسي» ضبطًا له، وتوجيهًا، ثم إخضاعه لمقتضيات العقيدة، وتعاليم التوجيه، بالتشريع الأمر الملزم، حتى لا يغدو «الدين» مجرد نصائح، ومواعظ، وإرشادات، ليس لها مصداق عملي في الواقع الحيوي المعيش.

تأسيسًا على هذا: فالعقيدة هي روح العمل، فالميزان أخلاقيته وإنسانيته، أيًا كانت نوعيته، ماديًا أو معنويًا، بل رأينا الإمام ابن تيمية بدوره، يعتبر «السياسة» وإقامة الدولة بسلطانها القاهر، من القربات التي يُتقرب بها إلى الله زلفى(99) لأنها تحقق مقتضيات العقيدة، والتشريع، وبذلك ضمن الإسلام «للسياسة» بُعدها التربوي الأخلاقي، والإنساني، والروحي العميق، فضلاً عن بُعدها العلمي والاجتماعي، والثقافي، والتشريعي الملزم، وصلاً للسياسة بالدين، وهذا، على النقيض من الفلسفة السياسية الوضعية عند روادها المحدثين، من فضل السياسة عن الدين، وتفسير ذلك: أننا قدمنا، أن الإمام الغزالي يرى أن مهام السياسة:«استصلاح الخلق، وحملهم على مراشدهم»(100)ومعنى ذلك تربية «المواطن الصالح» أو قل «تنشئة الإنسان الكامل» ويلتقي الإمام الغزالي في هذا النظر مع العلامة ابن خلدون كما قدمنا من «تجاوب» الفرد والمجتمع مع توجيهات السياسة، ومبادئ التشريع، وأفكار العلماء والساسة والمفكرين، والفلاسفة من المسلمين، أن هذا «التجاوب» لا يتم إلا إذا كان كل من الفرد والمجتمع مهيئًا بادئ ذي بدء لذلك، فالتهيئة والإعداد للحياة، وللتطوير إلى ما هو أفضل وأرقى إنسانيًا، كل أولئك من مهام السياسة الكبرى، وهذا يتم بالتثقيف والتربية والتوعية، من جهة، وبأن يعمل كل فرد على حدة، على تطوير نفسه أولاً، ذلك لأن المجتمع ظاهرة يكونها الأفراد، وبذلك اشترك كل من الفرد والمجتمع ممثّلاً في الدولة في تحقيق هذا التطوير ولا نعني بهذا الاشتراك إلا «التعاون والتكافل» والإسلام قرره على وجه إجباري ملزم، إن لم يتم طواعية، تقديرًا منه لآثاره وثمراته!

غير أن الإمام الغزالي، جعل أساس كل أولئك «التربية المثالية الصحيحة» التي تُعني أول ما تعني بالمبادئ الخلقية، والتعاليم الدينية، أي بالتربية الخلقية، والتربية الدينية معًا(101) وهذا أمر طبيعي ومنطقي، أن يصدر عن الإمام الغزالي ذي النزعة الصوفية.

هذا ولا يُفسد على الفرد أو المجتمع حياته الإنسانية الكاملة في نظر الغزالي إلا الانغماس في الملاذ المادية، فكانت التربية الخلقية والدينية هي الأداة المتعيّنة لصقل النفس البشرية، ولتجلو عنها العمى وصدأ الجهل بحقائق الحياة الإنسانية في هذا الوجود ! إذ وراء الملاذ تكاليف شاقة لصنع الحياة.

ومما لا ريب فيه، أن الإمام الغزالي قد جمع بذلك بين نزعته الصوفية، وبين فلسفته السياسية الواقعية العملية التي تتصل بالمصالح، والمنافع، جمعًا لا تناقض فيه، ولا نشاز، بل تراه يفلسف اتجاه الواقعي العملي على أساس أن الشرع قد جاء لتحقيق «مصالح الخلق» في الدنيا، أولاً، لتكون سبيلاً إلى الآخرة، والفوز بنعيمها مآلاً وعقبى، وهذا لا نزاع فيه بين العلماء، وبذلك اعتبروا «السياسة» وسيلة ناجعة ومتعينة لتحقيق ذلك، كما جعلوا المبادئ الخلقية، والتربية الدينية، وسيلة أيضًا لصقل النفس الإنسانية، وتنميتها بما تميل هي إليه، بحكم فطرتها، من القيم الإنسانية، والمثل الرفيعة، لتتم إمكانية إعدادها، وتهيئتها للتطوير إلى ما هو أفضل، وأرقى إنسانيًا، وثقافيًا، وعلميًا وعمليًا.

يرشدك إلى هذا، تقدير الإمام الغزالي «للعلم» بكافة أنواعه، ومراتبه، ولاسيما، «العلم الديني» أداة لمعالجة النفس الإنسانية، أن يهيمن عليها الشهوات، والمطامع، أو أن تستبد بها الملاذ، على حساب ما حُملت من أعباء تكاليف صنع الحياة، وتحصيل أسباب عزتها، ورخائها، إذ ترى الإمام الغزالي، يصنف مراتب هذه العلوم، تبعًا لمبلغ نفعها للمجتمع، فليست أنواع العلوم، والصناعات، والمهن، على سواء من حيث أثرها، ونفعها للأمة، وينتهي إلى أن كل علم سلبي، لا نفع فيه، فضلاً عنة أن يكون مصدرًا للضرر، ينبغي ألا يتلقاه البشر، لأنهم لا يحصّلون منه نفعًا، أو صلاحًا لأنفسهم، بل هو عبث أو عمل يفيء عليهم بالضرر البالغ، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام وبينّا كذلك أن:

الإمام الغزالي إذ يجمع بين نزعته الصوفية، وبين فلسفته السياسية الواقعية والعملية التي تعتمد المصالح الدنيوية، والمنافع الضرورية، لإقامة الحياة الإنسانية، لكافة حقائقها، ومتطلباتها، ماديًا، ومعنويًا تقديرًا منه لضرورات الحياة الإنسانية أقول إنّ الإمام الغزالي إذ يفعل ذلك، يرى أن «منافع العلم، وثمراته المرجوة منه، لا يمكن أن تُجتنى إلا«بكيفية العمل» وأنه لا بد ليستقيم الأمر من «قانون السياسة» لتُساس به الأمة، ولتحدد مقاطع الحقوق، والواجبات، فيما بينها، ولتنظم به أصول المعايش.

هذا، وتحصيلاً لمنافع العلم كما يقول الإمام الغزالي ينبغي أن يقترن بكيفية العمل، وأن يكون بدافع الإخلاص، وحب الإتقان، وإلا فلن ينفع تكلم بحق أو علم، لا نفاذ له، وإنما تجتني المنافع، والثمرات، وتتحقق الغايات، بالتطبيق العملي، وتراه يستشهد بتعاليم النبوة في ذلك، إذ يقول صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد: (الناس كلهم هلكى إلا العالمين، والعالمون كلهم هلكى، إلا العاملين، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصين).

وبدهي، أنه لن يتم تقدم وازدهار، وتطور إلى ما هو أفضل وأرقى إنسانيًا، وحضاريًا، دون هذا المبدأ العظيم الذي يشمل العلم النافع(102)، والعمل الجاد المتقن، والإخلاص العميق، إذ ليس وراء ذلك شيء يبتغى!!.

وهكذا ترى، أن الغزالي، بنبوغه الفكري، وفلسفته السياسية الواقعية، البعيدة عن الوهم، وسُبحات الخيال، قد جمع بين نزعته الصوفية، ونزعته العلمية، والعملية النفعية، مصيرًا منه إلى أن الإسلام قائم أساسًا على تحقيق «المصالح» الدنيوية والأخروية، جمع بينهما، جمعًا واقعيًا محكمًا، دون تناقض أو نشاز (103)، تقديرًا منه لواقع الحياة الإنسانية وحقائقها، وضروراتها، وفي مقدمة ذلك:«العلم والعمل» و«قانون السياسة»، وهذا ما يفسر لنا حقًا، ذهابه إلى أن نظام الدين، لا يقوم إلا بنظام الدنيا، وأنهما توأمان لا ينفكان، والله الهادي إلى سواء السبيل.

________________________________________

(1) الاحياء: ج1 ص12 16 وكتابه«المستظهري » ص62 ص63 والاقتصاد في الاعتقاد ص215 وما يليها تحقيق الدكتور عادل العواط دار الأمانة بدمشق.

(2) إحياء علوم الدين ج1 ص12 ص طبع مصطفى البابي الحلبي القاهرة.

(3) المرجع السابق.+-

(4) المرجع السابق.

(5) المرجع السابق.

(6) الاحياء ج1 ص62 ص16.

(7) علم الاجتماع السياسي ص17 18 الدكتور إبراهيم أبو الغار. وراجع كتابنا خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم ص

(8) كتاب المسايرة مع شرحه المسامرة ص 253 وما يليها.

(9) الاقتصاد في الاعتقاد ص215.

(10) أدب الدين والدنيا ص120 وما يليها للماوردي.

(11) منهاج السنة النبوية طبعة بولاق القاهرة ج1 ص141 لابن تيمية.

(12) المستظهري ص62 63 وراجع مهرجان الغزالي ص 470 وما يليها.

(13) المرجع السابق.

(14) المرجع السابق.

(15) المرجع السابق.

(16) أدب الدين والدنيا ص 120 ص 121.

(17) المرجع السابق.

(18) أدب الدين والدنيا ص121 للماوردي.

(19) أدب الدين والدنيا ص 120 وما يليها للماوردي.

(20) من كلام عثمان رضي الله عنه.

(21) المرجع السابق.

(22) المرجع السابق.

(23) الاقتصاد في الاعتقاد ص 215 للامام الغزالي.

(24) تحرير الأحكام ص 48 للامام بدر الدين ابن جماعة طبع دولة قطر 1985 تحقيق الدكتور فؤاد عبد المنعم.

(25) سورة البقرة، آية: 51.

(26) سورة البقرة، آية: 251 وراجع تحرير الأحكام ص 49 لابن جماعة.

(27) المسايرة مع شرحه المسامرة ص253 وما يليها.

(28) أدب الدين والدنيا ص119 وما يليها تحقيق السقا للماوردي.

(29) راود الفكر السياسي الحديث: ص 71 34 46 للدكتور محمد طه بدوي.

(30) الأحكام السلطانية ص 5 وما يليها للماوردي راجع كتابنا النظريات الفقهية طبع جامعة دمشق ص13 وما يليها ط 1982.

(31) المجلد التاسع – العدد الثاني – «تراث الإنسانية» وراجع كتابنا «النظريات الفقهية» ص14-ص16-ط- جامعة دمشق

(32) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية للإمام ابن القيم

(33) الفقيه الفرنسي –جان بوران- راجع رأيه

(34) أدب الدين والدنيا –ص122

(35) الإحياء-ج1-ص12-16.

(36) الموافقات –ج1-ص

(37) راجع في هذا «مهرجان الإمام الغزالي« ص466.

(38) المرجع السابق.

(39) راجع رواد الفكر السياسي الحديث-للدكتور محمد طه بدوي- ص32-وما يليها وأساطين الفكر السياسي.

(40) تحرير الأحكام-ص69-ص70-لابن جماعة-الطبعة الأولى-سنة1985-دولة قطر.

(41) أدب الدين والدنيا-ص125-تحقيق وتعليق الأستاذ المرحوم مصطفى السقا-الطبعة الثالثة-مطبعة مصطفى البابي الحلبي-1955-القاهرة.

(42) المرجع السابق.

(43) ص13 وما يليها.

(44) يقول الله تعالى في هذا الصدد: (وأطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، وأولي الأمر منكم).

(45) ج1-ص12-16.

(46) التبر المسبوك-ص13وما يليها-والاقتصاد في الاعتقاد-ص216-الإحياء: ج1-ص12-ص16.

(47) أدب الدين والدنيا-ص120-للماوردي.

(48) رواد الفكر السياسي الحديث-ص31- ص42- للدكتور محمد طه بدوي –أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية-جامعة الإسكندرية.

(49) المرجع السابق.

(50) المرجع السابق.

(51) المرجع السابق.

(52) المرجع السابق.

(53) رواد الفكر السياسي-ص85.

(54) المرجع السابق.

(55) المراجع السابقة.

(56) المقدمة-ص-110-لابن خلدون-وراجع كتابنا: خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم ص 375- 376.

(57) المقدمة-ص 110 وما يليها

(58) انظر أساطين الفكر السياسي ص 192 للدكتور حسين شحاتة- وانظر أيضا- فلسفة القانون والسياسة- ص 99-أمانويل كنت- تأليف الدكتور عبد الرحمن بدوي.

(59) انظر أساطين الفكر السياسي ص 192 للدكتور حسين شحاتة- وانظر أيضا- فلسفة القانون والسياسة- ص 99-أمانويل كنت- تأليف الدكتور عبد الرحمن بدوي.

(60) المقدمة –ص110 لابن خلدون

(61) راجع( علم الاجتماع السياسي – ص 93 – للدكتور أبو الغار.

(62) المرجع السابق.

(63) راجع في هذا المعنى أدب الدين والدنيا ص 120 وما يليها –والأحكام السلطانية ص-5- وما يليها للإمام الماوردي.

(64) راجع في هذه المعاني: «أدب الدين والدنيا»

(65) الاقتصاد في الاعتقاد – ص125وص216 وما يليها

(66) راجع كتاب المسيرة بشرح المسامرة ص200وما يليها

(67) المرجع السابق

(68) الإحياء في علوم الدين –ج1 – ص12 وما يليها

(69) الاقتصاد في الاعتقاد ص106 وما يليها.

(70) راجع في هذه المعاني: «أدب الدين الدنيا ص120 وما يليها- والأحكام السلطانية ص5 وما يليها- للإمام الماوردي».

(71) التبر المسبوك/ ص13- للإمام الغزالي- والإحياء- ج1- ص12

(72) المرجع السابق – الاقتصاد في الاعتقاد –ص 186 وما يليها.

(73) مفاتيح العلوم وما يليها

(74) مفاتيح العلوم ص44- المقدمة-ص191ط- دار إحياء التراث- بيروت.

(75) المرجع السابق

(76) عبقريات ابن خلدون ص237- د. على عبد الواحد وافي- التهافت- ص140- لابن رشد

(77) الاقتصاد في الاعتقاد – ص 214- تحقيق الدكتور عادل العوا. والمقدمة –ص191- وما يليها- ط دار إحياء التراث- بيروت. والأحكام السلطانية ص5

(78) الإحياء ج1ص16-ط- البابي الحلبي ولا يخفى ما توحي به كلمة«السلطان» من القوة الرادعة

(79) أدب الدين والدنيا- ص 121. تحقيق السقا.

(80) المقدمة- ص422- تحقيق الدكتور علي عبد الواحد وافي

(81) المقدمة ج2-ص709-ص تحقيق الدكتور عبد الواحد وافي- وراجع كتاب مهرجان الغزالي-ص461 وما يليها.

(82) المقدمة: ص191-ط-دار الإحياء- بيروت.

(83) التبر المسبوك في نصيحة الملوك-ص22وما يليها- للإمام الغزالي.

(84) التبر المسبوك ص-22-ص23- للإمام الغزالي.

(85) مهرجان الغزالي ص461

(86) المرجع السابق

(87) المرجع السابق

(88) المرجع السابق

(89) المرجع السابق.

(90) عبقريات ابن خلدون ط دار عالم الكتب القاهرة 1973 ص 237 للدكتور علي عبد الواحد وافي.

(91) التبر المسبوك ص22 ص23 للامام الغزالي.

(92) التبر المسبوك /ص 13 للامام الغزالي.

(93) المرجع السابق.

(94) الاقتصاد في الاعتقاد /ص 215 وما يليها.

(95) الاقتصاد في الاعتقاد ص 216 وما يليها.

(96) الأحكام السلطانية ص 6.

(97) الاقتصاد في الاعتقاد /ص 215 وما يليها.

(98) الاقتصاد / ص 216.

(99) السياسة الشرعية ص 80 وما يليها.

(100) الاقتصاد في الاعتقاد ص 215 وص 216 وما يليها.

(101) مفاتيح العلوم / ص15 ومهرجان الغزالي 786.

(102) مفاتيح العلوم ص 15.

(103) مهرجان الغزالي ص 782 وما يليها.

المصدر: موقع البدر الكامل

كلمات البحث الموفِدة:

  • الدين والسياسة عند الغذالي (1)
  • السياسة عند ابن خلدون (1)
  • تحميل كتب فكرية وثقافية وفلسفية وغيرها pdf بدون تسجيل (1)
  • دراسه في فكر ابن خلدون (1)
136 Views

عن

إلى الأعلى