الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الفلسفة والمنطق » كيف يمكن تعليم الفلسفة ؟ .. الحجاج الفلسفي نموذجاً

كيف يمكن تعليم الفلسفة ؟ .. الحجاج الفلسفي نموذجاً


كيف يمكن تعليم الفلسفة؟ .. الحجاج الفلسفي نموذجاً

قراءة: عبدالله المطيري

العنوان: الحجاج في درس الفلسفة.

إعداد: خلية البحث التربوي لمادة الفلسفة بأكاديمية أنفا بالمغرب. (مليكة غبار – أحمد أمزيل – محمد رويض – علي أعمور).

الناشر: دار أفريقيا الشرق.

سنة النشر:

2006عدد الصفحات: 127صفحة.

من الواضح اليوم أن المنجز الفلسفي والفكري العربي المنتج في المغرب العربي يأتي في مقدمة الصف العربي. فهو يتميّز بالرصانة العلمية والخلفية الفلسفية والإتقان المنهجي كما يتميز بمواكبته لأحدث المنجزات الفلسفية العلمية. يضاف إلى ذلك في الغالب توفر روح طليعية تقدمية نقدية متقنة. أذكر هنا: عبدالله العروي وهشام جعيط ومحمد عابد الجابري ومحمد سبيلا وعبدالسلام بن عبدالعالي وعبدالمجيد الشرفي وعبدالقادر بشته وطه عبدالرحمن ومحمد المصباحي وعدد آخر من المفكرين الذين يستحقون القراءة.

تكثر تفسيرات هذا التميز المغربي فمنها من يذهب بعيدا إلى وجود فارق تاريخي بين المغرب العربي والشرق العربي، كون الخط الفلسفي البرهاني أخذ دورا أكبر في المغرب فيما سيطرت الفلسفات الغنوصية "اللاعقلية" على العقل المشرقي، يقول بهذا الطرح الشهير الجابري. البعض الآخر ينسب هذا التميّز إلى الاتصال الوثيق بالثقافة الفرنسية صاحبة البعد الفلسفي الرصين المعروف. إلا أن ما يمكن أن نخرج به من قراءة كتابنا هذا الأسبوع هو أن هناك اهتماما في المغرب العربي بتدريس الفلسفة في التعليم العام. بين يدينا عمل لفريق عمل تربوي يشارك في إعداد خطط ومقررات تدريس الفلسفة في التعليم العام. فريق جاد ويعمل بشكل متقن.

في السعودية لا ندرّس الفلسفة ولا المنطق. وكل سعودي يلمّ بشيء من الفلسفة فقد اكتسب هذا الشيء بجهده الفردي عن طريق قراءته وحواراته الخاصة. لا تدرّس الفلسفة في التعليم العام ولا في الجامعات. السبب الرئيسي، برأيي، لهذا المنع ذو خلفية دينية متشددة جدا ضد الفلسفة والمنطق. هذه الخلفية هي خلفية تراث محدد في الفكر الإسلامي شنّع على العقل ومنجزاته وهاجم الفلاسفة وقضى عليهم. ورغم أن الفلسفة تغيّرت كثيرا اليوم عما كانت عليه في القرون الوسطى إلا أن هذه النظرة لم تتغيّر. كانت فلسفة القرون الوسطى فلسفة ماورائية بحثت بعمق في الإلهيات وغيرها من القضايا الأساسية في ذلك الوقت. اليوم الفلسفة تكاد تتخلى عن هذا المبحث بالكلية لتبحر في مباحث نظريات المعرفة والعلوم واللغة والمجتمع والإنسان مما جعلها أكثر من أي وقت آخر تمثل أساس المعرفة البشرية المنجزة والمتطورة باستمرار. ومن ضمن هذا الدور، الدور الذي تقوم به الفلسفة في كتابنا هذا الأسبوع، أي تمكين الفرد من القدرة على المحاجّة. إحدى أهم سمات التفكير السليم المنجز الخلّاق. خصوصا حين نعرف أن مهمة التعليم الأساسية هي تمكين المتعلم من التفكير السليم. وليس الاكتفاء بتلقينه المعلومات دون القدرة على التفكير فيها وبها. هذا الهدف هو المحرك الأساس لهذا العمل الذي جاء لمتابعة أدوات التفكير الفلسفي وآيات إنتاجه ليقدمها للمتعلم بشكل يمكن أن يمكنه منها.

الكتاب

يتكون الكتاب "الوثيقة التربوية" من جانبين أساسيين. الجانب النظري المنشغل بتعريف الحجاج الفلسفي وتحليله. دلالاته اللغوية واللسانية والفلسفية. كما انشغلت ببيان مكانة الحجاج الخطاب الفلسفي العام. الجانب الثاني هو الجانب التطبيقي الإجرائي. الملتحم بالسابق والمتكون من مجموعة من التمارين بعضها انصب على نصوص فلسفية تمثيلية لتحليلها والوقوف على بنيتها المنطقية الحجاجية، وجاء البعض الآخر على شكل أمثلة وظيفية تهدف لإبراز طبيعة الحجاج الفلسفي وتحديد مكوناته وأنواعه وأساليبه وكيفية اشتغاله…

الجانب النظري يتكون من ثلاث مساهمات تبغي تحقيق الهدف النظري: تعريف الحجاج وبيان دوره في الخطاب الفلسفي العام وتداخله مع غيره من الأدوات. ترد هذه المساهمات دون أن تنسب لكاتب محدد ربما بهدف التأكيد على روح الفريق في الوثيقة. المساهمة الأولى جاءت بعنوان "الحجاج الفلسفي: طبيعته وكيفية اشتغاله". يأتي الحجاج في هذه المساهمة بوصفه "إحدى الآليات البلاغية التي هي مكوّن طبيعي ضمن الخطاب الفلسفي". الكاتب هنا يرى أن الخطاب الفلسفي ليس خطابا منطقيا بحتا بل هو خطاب يستعين بالآلية البلاغية أيضا كونه يروم الوصول إلى قارئ ما كما يروم إلى إقناعه. هذه الأهداف تجعل من الاستعانة بآليات الإقناع البلاغية مبررة ومفهومة، يستشهد المؤلف هنا بأعمال فلاسفة كبار كأفلاطون وغيره شغّلوا المؤثرات البلاغية من تشبيهات وتمثيلات في خدمة الخطاب الفلسفي.

يعود الكاتب إلى أرسطو ويقول إن ما يدل عليه اسم الجدل عند أرسطو هو ما تدخله الكتابات المعاصرة تحت اسم الحجاج. الجدل عند أرسطو هو القياس الذي يؤلف من مقدمات ذائعة، فيما البرهان هو القياس الذي يؤلف من مقدمات صادقة أولية، فالقياس البرهاني يكون من المقدمات الصادقة والجدل من المشهورات. البرهان يدل على علاقات اللزوم المنطقي في صيغتها الصوريّة فيما الجدل يستحضر عنصر الآخر الذي يوجه إليه الخطاب.

ومن هنا يجعل الكاتب معيار التمييز بين البرهان والجدل باعتباره حجاجا، هو حضور الآخر وغيابه، وإذا كان أرسطو قد جعل الجدل أداة إقناع فقط، فإن الكتابات المعاصرة تجعله يحتل مكانة مركزية ضمن النص الفلسفي. يقول: "النص الفلسفي لا يمكن أن يخضع لخطاطة منطقية صارمة مادام يشتغل باللغة الطبيعية وعليها، وما دام، موجها كخطاب إلى مخاطب كوني مفترض، لذلك يمكننا القول ان النص الفلسفي أثناء تأكيده لدعواه، يداخل بين شكلي الاستدلال تبعا للإستراتيجية التي اختارها لتصوره لوضع المخاطب. لكن ذلك لا يمنع من تصنيف النصوص حسب هيمنة الصيغ البرهانية أو الصيغ الحجاجية عليها مادام المرمى المتوخى هو الإقناع".

المداخلة الثانية جاءت للدعوة للاستفادة من نظرية الحجاج في اللغة وهي نظرية لسانية حديثة وضع أساسها اللغوي الفرنسي "دوكرو" "Ducrot" وهي تختلف عن كل المقاربات التي تعالج الحجاج من منظور منطقي أو فلسفي أو …، إنها ترى أن الحجاج هو الوظيفة الأساسية للغة. لغويا الحجاج هو مجموعة من الحجج التي يؤتى بها للبرهان على رأي أو إبطاله أو هو طريقة تقديم الحجج والاستفادة منها. وبتوسيع مفهوم المحاجّة فإنها تعني كل وسائل الإقناع باستثناء العنف والضغط والإكراه .

ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى نموذج (مجموعة مونبوليي) وهي مجموعة بحث فرنسية ترى أن الأهداف المباشرة التي تخترق البرنامج الخاص بالفلسفة في التعليم الثانوي هي الأهداف التالية: "القدرة على مفهمة تصور ما" و"القدرة على أشكلة سؤال أو تصور" و"القدرة على المحاجّة على أطروحة". وتقدم مجموعة البحث حدا أدنى يجب أن تكون عليه الحجة على مستوى المعايير الصورية للحجاج. هذا الحد الأدنى يجب أن يتمكن منه الطالب كأساس لخوض الحجاج الفلسفي. هذا الحد أدنى هو: أولا: أن لا تناقض الحجة نفسها. ثانيا: أن تكون منسجمة مع الأطروحة المدافع عنها. ثالثا: أن تكون منسجمة مع حجج أخرى تدافع عن نفس الأطروحة. ومن الضروري أن نعي المعوّقات التي تعترض التلاميذ ولذا يجب العمل على: – إخراج المتعلم من وجهة نظره الخاصة بإزاحة خصوصيته الامبيريقية في اتجاه العقل الكوني. – جعله يعي أننا في الحجاج الفلسفي ننخرط في فضاء حب الحكمة وليس في اكتساب مهارة تقنية. – مساعدته على إدراك الفوارق بين الإنشاء الفلسفي وبين التعبير الإنشائي.

القسم التطبيقي:

هذا القسم معني بتطبيق درس الحجاج في مادة الفلسفة في المرحلة الثانوية. هذا القسم يحاول أن يجيب على سؤال: كيف يمكن تعليم الحجاج بوصفه أحد أشكال التفكير الفلسفي للتلاميذ؟ هنا مجموعة تمارين يأخذنا الكتاب خطوة خطوة لهدف إثبات أن هذا النوع من التفكير يمكن التدرب عليه في شكل تمارين.

الخطوة الأولى هي خطوة إعداد التمرين من قبل المعلم عن طريق اختيار نص فلسفي ثم تفكيك العناصر المكوّنة للكتابة الإنشائية الفلسفية إلى لحظاتها الأولى ثم تفكيك كل واحد من تلك العناصر إلى أجزائه المكوّنة ثم وضع أسئلة يمكّن الجواب عنها بشكل سليم من القيام بالعمليات المطلوبة ثم تطبيق كل ذلك على عمليات تحليل النص الفلسفي انطلاقا من السؤال: حلل وناقش النص التالي.

الخطوة الثانية: تطبيق التمرين على نص تمثيلي: يبدأ هنا التطبيق العملي مع التلاميذ، يختار لنا مؤلفو الكتاب مثالا عن طريق اختيار نص "الطبيعة أساس محرك للحق" لشيشرون. ثم يلي النص تمارين وأسئلة تهدف أولا إلى: فهم النص أسئلة من نوع: عما يتحدث هذا النص؟ ما هو المفهوم المركزي في هذا النص؟ هل تجد في النص مفاهيم فرعية متناقضة، استخرجها على شكل أزواج؟ …. . ثانيا: الانخراط في تحليل حجاجية النص عن طريق أسئلة من نوع: هل يقدم النص موقفا موحدا أم مواقف متعارضة؟ وأسئلة تتعرض لأسلوب تقديم الحجج ومبررات الأمثلة وغيرها. ثالثا: الهدف الثالث هو الانفتاح على العالم اليوم عن طريق سؤال الطالب عن رأيه في الموقف الذي يدافع عنه النص. رابعا: يطلب من الطالب صياغة أجوبته على شكل إنشاء فلسفي "عملية تحليل النص".

ثم يطرح الكتاب تحت عنوان "تمارين تطبيقية متنوعة" مجموعة من التمارين تهدف إلى تمكين الطالب من أدواة التفكير الفلسفي. تأتي المجموعة الأولى تحت عنوان "في الصرامة المنطقية". يقدم هنا ستة تمارين أسئلتها كالتالي:

1- وضّح من خلال الحجج التالية أن يبدو عدم التماسك المنطقي. ويقدم مجموعة من الحجج.

2- من أجل إبطال المغالطات المنطقية: أبرز خطأ البرهان في هذين القياسين.

3- من أجل التعرف على صنف الحجة المستعملة يطلب من التلميذ ربط الحجة التالية بما يناسبها من أنواع الحجج في العمود المقابل.

4- من أجل "مقارعة الحجة بالحجة من نفس الطبيعة" يطلب من التلميذ أن يقوم بالاعتراض على حجج مقترحة.

5- من اجل "تفنيد الحجة بتغيير طبيعتها القيمية" يطلب من التلميذ أن يفند الحجج التالية بواسطة بعض الحجج من طبيعة أخلاقية.

6- تمرين من اجل التدرب على تقديم الحجج المناسبة لكل أطروحة عن طريق تقديم أطروحة معيّنة ويليها مجموعة من الحجج يطلب من التلميذ أن يختار من بينها ما يدعم الحجة.

وفي ورقة أخرى يتم طرح ثمانية أنماط من التمارين في الحجاج الفلسفي يهدف كل واحد منها لهدف جزئي محدد. النمط الأول يهدف إلى فهم دلالة ومعنى "إقامة الحجة الفلسفية" عن طريق لعبة التناقضات بين الحجج الفلسفية وغير الفلسفية. النمط الثاني: هدفه إقامة الحجة على الشك عن طريق الانطلاق من رأي ثم إقامة الحجة على رفضه كأطروحة بهدف وضعه محل سؤال. وهذا مثال: "اعرف الواقع بواسطة الحواس" لكن "الحواس تخدعنا" إذن هل معرفة الواقع بواسطة الحواس ممكنة. النمط الثالث: الاشتغال على الحجج عن طريق اكتشاف تناقض الحجة منطقيا أو معارضتها بحجة من نفس طبيعتها أو من طبيعة مختلفة. النمط الرابع: هدفه محاولة التركيب بين حجتين متناقضتين أو مختلفتين. النمط الخامس: يهدف إلى تحديد نوع الحجج ومجالاتها ووظائفها.النمط السادس هدفه تدريب المتعلم على تفكيك النص إلى سلسلة من الإثباتات والوقوف عند تمفصلاته من خلال إجراءاته المنطقية التي تربط بين تلك الإثباتات والتي تؤدي إلى استخراج الأطروحة وتحديد حججها. النمط السابع: يهدف إلى تحديد الأطروحة الأساسية في نص فلسفي معيّن. النمط الثامن يهدف إلى تعلم قراءة نص فلسفي في جانبه الحجاجي أي تحديد جهازه التلفظي وبنيته وأهداف حججه واستراتيجياتها.

ألا تساعد مثل هذه التمارين في تحسين تفكير التلميذ؟ تفكيره الذي هو مشكلة تعليمنا الأولى.

alriyadh.com

6 Views

عن

إلى الأعلى