الترادف في القرآن


الترادف في القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم
هل في القرآن مترادفات ؟
دكتور / السيد خضر – كلية المعلمين بالرياض قسم اللغة العربية.
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد
فإن القرآن كتاب المعجزات الخالدات ، لا تنقضي عجائبه ، ولا يشبع منه العلماء ولا يملُّه الأتقياء ، ولغته أول مظاهر إعجازه ، واللغة لفظ ودلالة ، أو مبنى ومعنى …
وقد قرأت في مجلة” منار الإسلام ” الإماراتية مقالاً للدكتور عفيفي محمود عفيفي ( عدد جمادى الأولى 1419هـ ) وكان بعنوان ” أسرار بيولوجية في ألفاظ قرآنية” وقد أثبت بالأدلة العلمية أنه لا ترادف بين ألفاظ “البصر والنظر والرؤية ” وأن لكل منها مجال استعمال محدداً في القرآن الكريم، ولكم سعدت وحمدت الله تعالى على أن الأخ الكريم قد توصل بالعلم المادي التجريبي إلى نتيجة كنت قد توصلت إليها من قبل بالتحليل الدقيق لأسلوب القرآن الكريم ، وهي أنه لا ترادف في ألفاظ القرآن الكريم ، ونشرت في ذلك كتابي( القرآن والترادف اللغوي- مصر 1991م) وأحب أن أعرض القضية من منظور جديد بإيجاز شديد للقراء ،لما في ذلك من إثبات لوجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم، ونتناول الموضوع على النحو الآتي :

أولاً : تعريف الترادف لغة واصطلاحاً :
نقرأ في لسان العرب : ” الرّدفُ : ما تبع الشيء ، وكلُّ شيء تبع شيئاً فهو ردفه…والترادف:التتابع،ومن ذلك قوله تعالى بألف من الملائكة مُردفين  ( الأنفال : 9 ) أي متتابعين يأتون فرقة بعد فرقة”(1) وقال أحمد بن فارس:” الراء والدال والفاء أصل واحد مطرد،يدل على اتباع الشيء ،فالترادف : التتابع ” (2)وليس في المعنى المتقدم ما يدل على اتحاد التابع بالمتبوع ، بل المتبادر من ذلك أن لكل من التابع والمتبوع شخصيته المستقلة ، وكذلك نجد في اللغة أن العقل يحتم أن يكون لكل لفظ معناه الخاص به فالجذر المعجمي (ق ع د) وضع في الأصل لمعنى محدد ، وكذا الأصل الآخر(ج ل س) فإذا تقاربت لظروف متنوعة دلالة كل منهما ، فليس معنى ذلك أنهما شيء واحد ، هذا هو الأساس المنطقي الذي نبني عليه نظريتنا هذه،وهذه المنطقة من دراسة المعنى في اللغة هي أكثر ألوان دراستها دقةً وغموضاً وعُسراً .
وقد لاحظ جامعو اللغة الأوائل توارد عدة ألفاظ على معنى واحد فأسموا الظاهرة بالترادف ، قال الجرجاني في التعريفات:” المترادف ما كان معناه واحداً وأسماؤه كثيرة ، وهو ضد المشترك ، أخذاً من الترادف الذي هو ركوب أحد خلف آخر،كأن المعنى مركوب واللفظان راكبان عليه،كالليث والأسد” (3)وقال السيوطي في تعريفه:” الترادف هو الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد،واحترزنا بالإفراد عن الاسم والحدّ ، فليسا مترادفين ، وبوحدة الاعتبار عن المتباينين كالسيف والصارم ، فإنهما دلاّ على شيء واحد ولكن باعتبارين ، أحدهما على الذات،والآخر على الصفة ” (4)ومن هذا التعريف يتبين أن صاحبه يتحرز من إطلاق الترادف على كثير مما جعله علماء اللغة ضمن المترادف ، كما ورد في المحاورة المشهورة بين أبي على الفارسي وابن خالويه بمجلس سيف الدولة الحمداني ، حين قال ابن خالويه:”احفظُ للسيف خمسين اسماً، فتبسّم أبو علي وقال : ما أحفظ له إلا اسماً واحداً وهو السيف ، فقال ابن خالويه : فأين المهنّد والصارم وكذا وكذا ؟ فقال أبو علي : هذه صفات ، وكأن الشيخ لا يفرق بين الاسم والصفة ” (5)

ثانياً : أسباب وقوع الترادف :
لا شك أن اللهجات العربية كانت سبباً مهماً لوقوع الترادف في العربية مع أسباب أُخر، وقد حدّد اللغويون أسباب الترادف في العربية بما يأتي :
1- تعدد أسماء الشيء الواحد في اللهجات المختلفة … ثم أدى احتكاك اللغات بعضها ببعض ونشأة العربية المشتركة إلى تمسّك هذه اللغة المشتركة بعدد من تلك الألفاظ التي تدل على مسمى واحد في اللهجات المختلفة .
2- أن يكون للشيء الواحد اسم واحد ثم يوصف بصفات مختلفة باختلاف خصائص ذلك الشيء ، وإذا بتلك الصفات تستخدم يوماً ما استخدام الشيء ، وينسي ما فيها من الوصف ، ويتناساه المتحدث باللغة .
3- التطور اللغوي في اللفظة الواحدة ، فقد تتطور بعض أصوات الكلمة الواحدة على ألسن الناس فتنشأ صور أخرى للكلمة ، وعندئذ يعدها اللغويون العرب مترادفات لمسمى واحد ، ومن ذلك قولهم : هتلت السماء وهتنت …
4- الاستعارة من اللغات الأجنبية “(6)
لقد جمع اللغويون الأوائل كالخليل والأصمعي وأبي عبيدة والكسائي ، جمعوا كل ما وجدوه من كلام قبائل العرب وصنفوه على أنه من الفصحى فصارت للشيء الواحد عشرات الأسماء بتعدد اللهجات، وبمضي الزمان صار ذلك كله ذخيرة للمعجم العربي ، فتضخم هذا المعجم تضخماً … وقد لاحظ بعض المستشرقين ذلك ، يقول نولدكه :” وطبيعي أن المعاجم العربية قد تضخمت جداً ، على الأخص بسبب أنها تذكر التسميات الشعرية الشخصية الخالصة للأشياء على أنها كلمات خاصة، فحين يسمي أحد الشعراء الأسد مثلاً بالكاسر بالأسنان ، ويسميه شاعر آخر بالساحق وغير ذلك ، فإن المعاجم العربية تأخذ هذه التسميات على أنها ترادف كلمة الأسد تماماً ” (7)

ثالثاً : موقف اللغويين من ظاهرة الترادف :
تراوح موقف اللغويين بين قبول الظاهرة والاستشهاد لها بكثير من ألفاظ اللغة المستعملة في واقع الحياة فعلاً كما رأينا في موقف ابن خالويه ، وبين التحرز من قبولها والبحث عن دلالة محددة لكل لفظ على حدة ، حتى لو كان مجرد ظلال سياقية تفرق بين المترادفات ، وأصحاب الاتجاه الأول يمثلهم كثير من جامعي اللغة الأوائل وأصحاب المعاجم والمفسرين ، وقد سمى الفيروزأبادي – على سبيل المثال – أحد كتبه”الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف ” وسنورد أمثلة من ذلك فيما بعد، أما أصحاب الاتجاه الثاني فأنكروا وقوع الترادف التام، إذ رأوا أن لكل لفظ دلالة محددة أرادها الواضع أول مرة، أما تقارب الدلالات لألفاظ مختلفة فأمر ممكن ووارد، والراغب الأصفهاني – وهو من أدقّ دارسي اللغة – من روّاد هذا الاتجاه ، يقول في مقدمة معجمه القيم”المفردات في غريب القرآن” يقول: وأُتبع هذا الكتاب إن شاء الله ونسأ في الأجل بكتاب ينبئ عن تحقيق الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد وما بينها من الفروق الغامضة ، فبذلك يُعرف اختصاص كل خبر بلفظ من الألفاظ المترادفة دون غيره من أخواته ، نحو ذكره القلب مرة والفؤاد مرة والصدر مرة…”(8)
وكان الزمخشري يلتفت أحياناً في الكشاف إلى شيء من ذلك ، يقول في قوله تعالى  الذي أحلّنا دار المقامة من فضله لا يمسُّنا فيها نصبٌ ولا يمسنا فيها لغوب (فاطر:35) يقول : فإن قلت : ما الفرق بين النصب واللغوب ؟ قلت : النصب : التعب والمشقة التي تصيب المنتصب للأمر المزاول له ، أما اللغوب فما يلحقه من الفتور بسبب النصب،فالنصب نفس المشقة والكلفة ، واللغوب : نتيجته وما يحدث من الكلال والفترة ” (9)
وممن أنكر الترادف كذلك اللغوي المدقق أحمد بن فارس وشيخه أبو العباس ثعلب،بل إن أبا هلال العسكري ألف كتاباً في ذلك سماه ” الفروق اللغوية ” ذكر فيه كثير من الفروق بين ما قد يُظن أنه من قبيل المترادف ، وإن كانت لنا بعض ملاحظات على ما أورده ليس ثمّ موضع بسطها .
واللغويون المحدثون يقف أكثرهم مع أصحاب الاتجاه الثاني ، عاملين على ضبط اللغة لفظاً ودلالة في عصر العلم المادي لكل لفظ دلالته وحدوده كماً وكيفاً… يقول الدكتور محمود فهمي حجازي:” وينبغي أن نوضح هنا المعنى الحديث للترادف،ففي ظل مبدأ نسبية الدلالة يندر أن تكون هناك كلمات تتفق في ظلال معانيها اتفاقاً كاملاً،ومن الممكن أن تتقارب الدلالات لا أكثرولا أقل،فالألفاظ المترادفة هي بهذا المعنى الألفاظ ذات الدلالات المتقاربة”(10)
رابعاً : كيف نحدد اللفظ بدقة ؟
ثمة خطوات ينبغي اتباعها لتحديد دلالة اللفظ بدقة في سياق ما ، وهي :
1- معرفة الأصل اللغوي للفظ ، وذلك بالرجوع إلى معاجم اللغة واستعمالات العرب ، فأصل الصلاة الدعاء ، وأصل الكفر التغطية ، وأصل الجنون الستر…وهكذا ، ومن الملاحظ أن دلالة اللفظ المتطورة عن أصل ما تبقى دائماً على علاقة ، بعيدة أو قريبة بذلك الأصل .
2- معرفة ما يضفيه التطور الحضاري على الألفاظ من دلالات جديدة ، ولعل أكبر نقلة حضارية في العربية كانت نزول القرآن الكريم بها ، ومن ثم أخذ القرآن من ألفاظ العرب ألفاظاً وأكسبها دلالات جديدة للدلالة على حضارة الإسلام الناشئة ، وخير ما يصور ذلك قول ابن فارس:”كانت العرب في جاهليتها على إرث من إرث آبائهم في لغاتهم وآدابهم ونسائكهم وقرابينهم، فلما جاء الله تعالى بالإسلام حالت أحوال ونسخت ديانات وأبطلت أمور ، ونقلت من اللغة ألفاظ من مواضع إلى مواضع أخر بزيادات زيدت وشرائع شرعت وشرائط شرطت فعفيّ الأول الآخر… فكان مما جاء في الإسلام ذكر المؤمن والمسلم والكافر والمنافق … وإن العرب إنما عرفت المؤمن من الأمان والإيمان وهو التصديق ، ثم زادت الشريعة شرائط وأوصافاً بها سمي المؤمن بالإطلاق مؤمناً…”(11) ومعرفة الأصل اللغوي شرط مهم لتحديد الدلالة .
3- دراسة السياق الذي يرد فيه اللفظ دراسة دقيقة،خصوصاً في أسلوب القرآن الكريم ، واستقراء جميع المواضع التي ورد فيها اللفظ ، والدراسة السياقية أساس مهم لتحديد الدلالة بدقة ،وقد نبه القدماء والمحدثون إلى ذلك ، بل إن اللغوي الإنجليزي “فيرث” بنى نظريته اللغوية على دراسة السياق أساساً، وقد نبه على ذلك الزركشي في البرهان ، قال ” إنها – أي دراسة السياق ترشد إلى تبيين المجمل والقطع بعدم احتمال غير المراد وتخصيص العام وتقييد المطلق ، وتنوع الدلالة ، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم ، فمن أهمله غلط في نظيره ، وغالط في مناظراته،وانظر إلى قوله تعالى ذق إنك أنت العزيز الكريم(الدخان:49)كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير” (12)
ودراسة اللفظ بهذه الطريقة ستفضي بنا إلى تحديد الدلالة بدقة ، مع ملاحظة أن بعض الألفاظ قد لا يُعرف لها أصل لغوي محدد ، من ثم تبقى دراسة السياق هي الأصل مع دراسة التطور الدلالي .
خامساً : دراسة في بعض ما قبل بترادفه من ألفاظ القرآن :
لا شك أن تحليل الألفاظ بهذه الطريقة يحتاج إلى مساحة أوسع مما تجود به المجلات التي تعتمد عادة على المقال ذي الصفحات المعدودة ، إن تحليل الفرق بين الفؤاد والقلب ، أو بين العام والسنة والحول على سبيل المثال يحتاج إلى صفحات كثيرة،وقد درسنا ذلك في كتابنا المشار إليه في بداية المقال ، ولكنا سنختار هاهنا أمثلة لا تحتاج إلى ذلك ، ومنها :
1-الغيث والمطر : في اللسان”المطر : الماء المنسكب من السحاب ، والمطر : ماء السحاب والجمع أمطار …وأمطرهم الله مطراً أو عذاباً ، وأمطرهم الله في العذاب خاصة “(13) وفي القاموس المحيط ” الغيث : المطر والكلأ ينبت بماء السماء ” (14) وفي المفردات”المطر:الماء المنسكب …وفيه الغيث : المطر ” (15)
وإذ نستعرض المادتين في القرآن نجد أن الماء النازل من السماء يسمى باسمه”ماء”أحياناً ويسمى باسم الغيث أحياناً أخرى،ومادتا ( غوث وغيث ) تأتيان في القرآن بمعان متقاربة ، فالغوث : العون والمساعدة ، والغيث الماء الذي يُغاث به الناس ، ومن ذلك :
أ-  إن الله عنده علم الساعة وينزلُ الغيث ويعلم ما في الأرحام  (لقمان : 34)
ب-  وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا  (الشورى : 28)
ج- كمثل غيث أعجب الكفار نباته  ( الحديد :20)
فلفظ الغيث هنا يحمل معاني في الخير والعون ، ولذلك يأتي في مواضع إظهار النعمة والمنّ بها على العباد …
أما المطر فقد ورد – أسماء وأفعالاً – في خمسة عشر موضعاً في القرآن الكريم ، منها أربعة عشر موضعاً في العذاب والعقاب صراحة ، ومن ذلك :
أ-  وأمطرنا عليهم مطراً  (الشعراء : 173)
ب- ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء  ( الفرقان : 40 )
ج-وأمطرنا عليهم مطراً فانظر كيف كان عاقبة المجرمين(الأعراف:84) أما الموضع الخامس عشر وهو قوله تعالى  ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم  (النساء :102)
ولا يخفى من السياق أن الموضع موضع ” أذى من مطر” لا موضع غيث ، فالماء إذا زاد عن حده صار هلاكاً كالفيضان والسيل،واقتران المطر بالمرض في هذا السياق يزيد الصورة وضوحاً،فهو موضع شدة ومشقة ، وهذه الظلال تختفي لا ريب إذا كان اللفظ هو الغيث الذي يحمل معاني الفرج والعون والحياة .
2- الجوع والسغب والمخمصة : في اللسان ” الجوع : نقيض الشبع ، والجوع : المخمصة ” (16) وفيه ” الخمص والخمص والمخمصة الجوع ، وهو خلاء البطن من الطعام جوعاً ، والمخمصة : المجاعة : (17) وفي المفردات ” قوله تعالى (في مخمصة ) أي مجاعة تورث خمص البطن أي ضموره ” (18) وفي اللسان ” سغب يسغب سغباً وسغباً ومسغبة وسغوباً : جاع ، وهو ساغب وذو سغب (19) وفي المفردات ” السغب : الجوع مع التعب ، وقد قيل في العطش مع التعب (20) ، وصاحب القاموس يردد القول نفسه “…أو لا يكون السغب إلا مع تعب (21) وفي المفردات ” الجوع : الألم الذي ينال الحيوان من خلو المعدة من الطعام (22) ” وهذه التعريفات المعجمية لا تحدد الدلالات بدقة كما نرى .
وقد ورد الجوع في القرآن في خمسة مواضع هي :
1-  إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى  (طه : 118)
2- ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ( البقرة : 155) .
3-فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون(النحل : 112)
4-  ليس لهم طعام إلا من ضريع . لا يسمن ولا يغني من جوع (الغاشية : 7-8 )
5-  فليعبدوا رب هذا البيت .الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف  من سورة قريش .
وأنت ترى في هذه المواضع جميعاً أن الجوع وارد في سياق العذاب واقترانه في هذه السياقات بالخوف والجوع ونقص الثمرات والأموال والأنفس والعري … كل هذا يؤيد كونه عذاباً ، فإن المعنى نفسه قائم لأنه تعالى يمتن عليهم بأنه أمنهم العذاب ( الجوع) والخوف .
أما السغب فقد ورد في قوله تعالى  أو إطعام في يوم ذي مسغبة . يتيماً ذا مقربة . أو مسكيناً ذا متربة  ( البلد : 14-16 ) وليس السغب هنا عذاباً ولا يحمل تلك الظلال التي يحملها لفظ الجوع ، وإنما السغب يكون عن يتم أو فقر أو مسكنة …لا عن عقاب وابتلاء . والمخمصة وردت في موضعين :
أ- فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم  ( المائدة : 30)
ب- ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله … ( التوبة : 120) والمخمصة في هذين الموضعين ليست عن عقاب أو عذاب كما هو الجوع ولا عن يتم أو فقر أو مسكنة كما هو السغب،بل هي حالة عارضة قد تكون اضطراراً كما في الحالة الأولى ، أو في ظروف الجهاد في سبيل الله كما هي الحالة الثانية ، ونحن نرجح كون المخمصة حالة خاصة أي تحدث في ظروف خاصة ، وفي تعريف اللسان ” الحمص والمخمصة الجوع وهو الخلاء البطن من الطعام جوعاً ” والعبارة السابقة ” خلاء البطن من الطعام جوعاً ” تفسر المراد هنا ، وهو أن الخمص حالة عارضة وليس في ذلك ما يوحي بابتلاء أو عقاب أو فقر ومسكنة .
3- الصوف والعهن : ورد لفظ الصوف في موضع واحد هو  ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين (النحل : 80) وهو وارد في سياق امتنان الله تعالى على عباده بهذه النعم ، والصوف معروف وهو شعر الغنم ، وكذلك العهن ، وبذا فسرت المعاجم وكتب اللغة لفظ العهن في القرآن الكريم ، وفي القاموس . العهن : الصوف ، أو المصبوغ ألواناً (23) وفي المفردات:”العهن:الصوف المصبوغ”(24) وأصل مادة عهن في اللغة يدل على اللين والسهولة والضعف…وفسر العهن كذلك بالصوف المصبوغ ” (25).
ولكن القرآن الكريم يستعمل اللفظ في مواضع لا يقوم مقامه فيها لفظ الصوف، وقد ورد اللفظ في موضعين هما :
أ-يوم تكون السماء كالمهل.وتكون الجبال كالعهن( المعارج:8-9 )
ب-  وتكون الجبال كالعهن المنفوش  ( القارعة : 5)
واللفظ وارد في سياق تشبيه الجبال الراسيات بالصوف المنفوش يوم القيامة حين ينسفها ربنا نسفاً ويسيرها سيراً… فلماذا فضل لفظ العهن على لفظ الصوف هاهنا ؟
إن الجبال تتكون من تربة ذات ألوان مختلفة ، كما قال تعالى  ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ( فاطر :27) فكان أقرب شبه لذلك العهن أي الصوف الملون بتلك الألوان نفسها،وذلك حين تنفش وتسير،ولا يقوم لفظ الصوف هذا المقام ولا يحتمل السياق غير لفظ العهن !
وأخيراً فإن هذا قليل من كثير ، نسأل الله تعالى أن نتوفر عليه في بحث شامل إن شاء الله ، وعلى ذلك سنجد أن الفؤاد غير القلب ، وأن الحلف يأتي في مواضع الاعتذار والندم،والقسم يأتي في مواضع التعظيم والعزة والقوة، ولا يفسر أحدهما بالآخر،والسنة تظهر فيها ملامح الشدة بما لا يظهر مع العام، والمدينة تأتي في سياق لا تأتي فيه يثرب،والزواج غير النكاح،ويأتي العقل في مواضع لا يأتي فيها اللب والحجر والنُّهى،وانفجر غير انبجس ، والجسم يستعمل في القرآن لما فيه روح فقط ، والجسد لما ليس فيه روح،وجلس للمكوث القليل وقعد للكثير…إلخ، وهذه بعض ملامح الإعجاز في لغة القرآن الكريم ، والله الموفق .
الهوامش
1-لسان العرب ( ردف) ط دار المعارف د.ت.
2-مقاييس اللغة ( ردف) ط دار الفكر-بيروت1415هـ-1994م.
3-التعريفات،للشريف الجرجاني:210،مكتبة لبنان1969م.
4-المزهر ، للسيوطي:1/402، ط دار التراث د.ت.
5-نفسه:1/405.
6-د/رمضان عبد التواب،فصول في فقه العربية:318،ط2،مكتبة الخانجي 1981م.
7-اللغات السامية:81،ترحمة الدكتور رمضان عبد التواب،القاهرة1963م.
8-المفردات في غريب القرآن:6،ط دار المعرفة -بيروت د.ت.
9-الكشاف:3/614،ط دارالريان للتراث 1407هـ-1987م.
10-مدخل إلى علم اللغة: 79،ط دار الثقافة1978م.
11-الصاحبي:78-83،ط الحلبى د.ت.
12-البرهان في علوم القرآن:2م200نط2 دار المعرفة- بيروت د.ت.
13-اللسان(مطر)
14-القاموس المحيط(مطر)
15-المفردات:496،367.
16-اللسان (جوع)
17-نفسه(خمص)
18-المفردات:159.
19-اللسان (سغب)
20-المفردات:233.
21-القاموس(سغب)
22-المفردات:103.
23-القاموس(عهن)
24-المفردات:351.
25-مقاييس اللغة(عهن)


15 Views

عن

إلى الأعلى