حديث البعوضة في القرآن


حديث البعوضة في القرآن
للأستاذ أحمد الشرباصي
المدرس بالأزهر
ـــ
جاء ذكر البعوضة في القرآن الكريم في موضع واحد، هو الاية السادسة والعشرون من سورة البقرة، ونصها: ” إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما، بعوضةً فما فوقها، فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم، وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا؟ يضل به كثيراً، ويهدي به كثيراً، وما يضل به إلا الفاسقين “.
والبعوضة لفظ مبنى من كلمة ” بعض “، وذلك لصغر جسمها بالإضافة إلى سائر الحيوانات (1)؛ ولذلك روى عن قتادة أنه قال: البعوضة أضعف ما خلق الله (2)؛ ويذكر الزمخشري أن اشتقاق البعوض من البعض، وهو القطع، كالبضع والعضب؛ يقال بعضه البعوض، وأنشد:
لنعم البيت بيت أبي دثار إذا ما خاف بعض القوم بعضاً.
ومنه بعض الشئ لأنه قطعة منه، والبعوض في أصله صفة على فعول كالقطوع فغلبت (3)!… كما يذكر في ” الأساس ” أنه يقال: أخذوا ماله فبعضوه تبعيضاً، إذا فرقوه، وأبعض القوم فهم مبعضون: كثر في أرضهم
ــــــــــ
(1) مفردات القرآن للأصفهاني، ص 53.
(2) تفسير الطبري ج 1 ص 139 طبعة بولاق.
(3) تفسير الكشاف، ج 1 ص 56.
/ صفحه 323/
البعوض، ومن المجاز: كلفتني مخّ البعوض، أي الامر الشديد (1)، وذلك لضآلته البليغة….
والبعوضة في خرطومها تشّبّه بالفيل، إلا أن خرطومها أجوف، فإذا طعنت به في جوف الإنسان أو الحيوان استقت به الدم من جوفهما، وقذفت به إلى جوفها، فالخرطوم لها إذن كالبلعوم والحلقوم، وخرطومها هذا شديد العض، قوى على خرق الجلود الغلاظ، فهي تغمس خرطومها في جلد الجاموس كما يغمس الرجل أصابعه في الثريد، وينفذ خرطوم البعوضة في جلد الفيل والجاموس حتى ينفري الجلد ويتصدع لطعنة البعوضة!!….
وحدث محمد بن هاشم السدري قال: كنت بالزُّط (أرض بين البصرة وواسط) فكنت والله أرى البعوضة تطير عن ظهر الثور، فتسقط على الغصن من الأغصان، فتقلس (أي تقيء) ما في بطنها وتعود!!… ويقول الشاعر في خرطومها:
مثل السّفاه دائم طنينها رُكّب في خرطومها سكينها
والسفاة هي الشوكة؛ ولا عجب في قوة خرطومها، لأنها تعتمد عليه في غذائها، إذ غذاؤها وطعمها من دماء الحيوان (2)، وإنما يقوى سلطانها وهجومها بالليل.
ويذكر النويري أن خرطوم البعوض أجوف نافذ الخرق، فإذا طعن به جلد الإنسان استقي به الدم وقذف به إلى جوفه، وفيه من الشره أن يمتص من دم الإنسان إلى أن ينشق ويموت، أو يمتص إلى أن يعجز عن الطيران (3).
وقد تعجب الجافظ من صنع البعوضة في اغتذائها واهتدائها إلى الحصول على
ــــــــــ
(1) أساس البلاغة ج 1 ص 55 وفي معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ” وفي المثل: كلفتني مخ البعوض ” انظر ج 1 ص 270، وفيه أيضا: ” وأعز من مخة البعوض ” انظر ج 4 ص 42.
(2) انظر الحيوان، ج 7 ص 179. وج 3 ص 316. ج 5 ص 399. وج 4 ص 314. وج 5 ص 398 و 402. 3 ص 528
(3) نهاية الأرب ج 10 ص 301.
/ صفحه 324/
ما يقوتها، فقال هذه العبارة الواعظة البليغة: ” فمن علمّ البعوضة أن من وراء ظاهر جلد الجاموس دماً، وأن ذلك الدم غذاء لها، وأنها متى طعنت في ذلك الجلد الغليظ الشثن الشديد الصلب، أن خرطومها ينفذ فيه من غير معاناة؛ ولو أن رجلا منا طعن جلده بشوكة لانكسرت الشوكة قبل أن تصل إلى موضع الدم … ,هذا باب يدرك بالحس وبالطبع وبالشبه وبالخلقة، والذي سخر لخرطوم البعوضة جلد الجاموس هو الذي سخر الصخرة لذنب الجرادة، وهو الذي سخر قمقم النحاس لإبرة العقرب ” (1)!….
* * *
ونعود بعد ذلك التعريف إلى التنزيل المجيد، وهو قوله عز من قائل: ” عن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما قولها ” أي إن الله تبارك وتعالى لا يترك ضرب المثل بالبعوضة على سبيل الاستحياء من التمثيل بها لحقارتها وضآلتها، فإن أهل الرأي والحكمة ما زالوا من قديم الأزمان يتخذون من البهائم والطيور والحشرات والهوام أمثلة لتعظيم الجليل، أو تحقير الضئيل، أو إظهار الخفي الغامض، أو تقريب البعيد الشارد، أو تقليل ما نظن به الكثرة على غير حق؛ والعرب الذين نزل القرآن الكريم عليهم بلغتهم، من أكثر الأمم ضرباً للأمثال، والكتب العربية المصنفة في الأمثال خير شاهد على ذلك بكثرتها وضخامتها، وقد تفنن العرب في ضرب الأمثلة بصغار الحيوان والطير والحشرات، وتمثلوا فيها بأحقر الاشاء، فقالوا: أجمع من ذرة (نملة)، ,أجرأ من الذباب، وأضعف من الفراشة ومن البعوضة، وآكل من السوسة؛ وغير ذلك…
فلا عجب إذن ولا غرابة، ولا محل للإستحياء في ضرب المثل بالبعوضة، ولذلك قال الزمخشري: ” سيقت هذه الاية لبيان أن ما استنكره الجهلة والسفهاء وأهل العناد والمراء من الكفار واستغربوه من أن تكونم المحقرات من الأشياء مضروباً بها المثل، ليس بموضع للإستنكار والاستغراب، من قبل أن التمثيل
ــــــــــ
(1) المصدر السابق، ج 7 ص 185.
/ صفحه 325/
إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، وإدناء المتوهم من المشاهد، فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به مثله، وإن كان حقيراً كان المتمثل به كذلك (1)!….
ونحن ننظر في القرآن الكريم فنجد أن الله تبارك وتعالى قد ضرب الأمثال بالجليل والصغير، والقريب والبعيد، والمحبوب والمكروه، والمرئي والمتخيل، ففي سورة آل عمران مثلا نراه يشبه اتساع الجنة باتساع السموات والارض؛ فيقول: ” وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والارض أعدت للمتقين ” أي عرضها كعرض السموات والارض.
وفي سورة هود يمثل الأمواج بالجبال، فيقول عن سفينة نوح: ” وهي تجري بهم في موج كالجبال “. وفي سورة الشعراء يمثل الفرق ـ بكسر الفاء ـ وهي القطعة المنفصلة من ماء البحر بالجبل العظيم، فيقول: ” فانفلق ـ يعني البحر ـ فكان كل فرق كالطود العظيم “. وفي سورة الرحمن يمثل لنا السفن بصورة الجبال، فيقول: ” وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام “. وفي سورة الرحمن أيضاً يمثل لنا نساء الجنة بصورة الياقوت والمرجان في الصفاء والبهاء فيقول عنهن: ” كأنهن الياقوت والمرجان “. وفي سورة الصافات يمثل لنا طلع شجر الزقوم بصورة مخيفة مفزعة، وإن لم تعهدها الحواس، ولم تشاهدها العيون، فيقول: ” طلعها كأنه رءوس الشياطين “، وفي سورة الحج يضرب المثل بالحقير في مقامه المناسب له، فيقول: ” إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب “. وكذلك يقول في سورة العنكبوت: ” مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون “… وهكذا.
فالذين يتعجبون من ضرب الله الأمثال بالمحقرات من الأشياء لا يفقهون ولا يعقلون!…
ــــــــــ
(1) الكشاف، ج 1 ص 54 طبعة سنة 1354 هـ.
/ صفحه 326/
وقد يكون من الحكمة أن ننظر إلى ضرب المثل بالبعوضة من جهة أخرى… فإن التدبر لشأن البعوضة يثير الفكرة والعبرة؛ إذ أن هذا الحيوان الضئيل الصغير الحقير يمكنه أن يشغلنا بخلقه وتركيبه وطبائعه، ويمكنه أن يفتح أمامنا بابا للتأمل في عظيم قدرة الله ودقيق صنعته، ففي هذا الحيوان الضئيل جداً ما في كبار الحيوانات من أعضاء وأعصاب، ولقد روى عن الصادق أنه قال: إنما ضرب الله المثل بالبعوضة لأن البعوضة على صغر حجمها خلق الله فيها جميع ما خلق في الفيل مع كبره، وزيادة عضوين آخرين، فأراد الله تعالى أن ينبه بذلك المؤمنين على لطيف خلقه وعجيب صنعه (1)!!….
أليس من القدرة القادرة المقتدرة أن تصاغ البعوضة الضئيلة تلك الصياغة الدقيقة المحكمة، وأن يخلقها الخلاق على جهة الإنشاء والإبداع، لا جهة الجمع والتنسيق فحسب؟!.. أليس عجيباً كل العجب أن يكون لهذه البعوضة الضئيلة جداً رأس وبطن وأمعاء وأجنحة ومخ وأرجل وأيد وعيون؟!… الخ…
استمع إلى الجاحظ وهو يجدثك عن جناح البعوضة، وما له من تصرف وتقلب، وما يأخذه ذلك الجناح عن غيره، وما يفرزه من ذات نفسه، فيقول:
” ولو وقفت على جناح بعوضة وقوف معتبر، وتأملته تأمل متفكر، بعد أن تكون ثاقب النظر سليم الآلة، غواصاً على المعاني، لا يعتريك من الخواطر إلا على حسب صحة عقلك، ولا من الشواغل إلا ما زاد في نشاطك، لملأت مما توجدك العبرة من غرائب الطوامير الطوال، والجلود الواسعة الكبار؛ ولرأيت أن له من كثرة التصرف في الأعاجيب، ومن تقلبه في طبقات الحكمة، ولرأيت له من الغزر والريع، ومن الحلب والدر (2)، ولتبجس عليك من كوامن المعاني ودفائتها، ومن خفيات الحكم وينابيع العلم … (3)”!!….
ــــــــــ
(1) تفسير الطبرسي، ج 1 ص 67 طبعة صيدا، سنة 1333 هـ.
(2) الغزر: فكسر: الكثرة من الشيء، يقال: غزرت العين كثر ماؤها. الريع: النمو والزيادة. الدر: بفتح الدال المشددة. سيلان اللبن أو كثر “.
(3) الحيوان ج 1 ص 208.
/ صفحه 327/
أليس عجيباً كل العجب أن يكون لهذه البعوضة الحقيرة مخ يتحرك ويتدبر؟…
واي حجم لهذا المخ… لقد صدق العرب حينما ضربوه مثلا لما لا ينال ولا يستطاع، من حقارته وضآلته ونأيه عن التناول… يقول ابن أحمر:
ما كنت عن قومي بمهتضم لو أن معصيا له أمرُ
كلفتني مخ البعوض، فقد أقصرتُ، لا نُجح ولا عذر!
ولقد أحسن الشاعر في الدعاء حين قال يخاطب ربه:
يا من يرى مدّ البعضو جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى عروق نياطها في نحرها والمخ في تلك العظام النُّحّل
اغفر لعبد تاب من فرطاته ما كان منه في الزمان الأول
ولله در الإمام على رضي الله عنه حين يقول عن الناس: ” ولو فكروا في عظيم القدرة، وجسيم النعمة، لرجعوا إلى الطريق، وخافوا عذاب الحريق؛ ولكن القلوب عليلة، والبصائر مدخولة؛ ألا ينظرون إلى صغير ما خلق الله: كيف أحكم خلقه، وأتقن تركيبه، وخلق له السمع والبصر، وسوّى له العظم والبشر ” (1)؟!.
ويفصل صاحب كتاب ” الحيوان ” وجه العبرة في هذه الناحية فيقول:
” فأما خلق البعوضة والنملة والفراشة والذرة والذّبّان والجعلان واليعاسيب والجراد ـ فإياك أن تتهاون بشأن هذا الجند، وتستخف بالآلة التي في هذا الذّرء؛ فرّبت أمة قد أجلاها عن بلادها النمل، ونقلها عن مساقط رءوسها الذر، وأهلكت الفأر، وجردت بالجراد، وعذبت بالبعوض، وأفسد عيشها الذبان، فهي جند إن أراد الله عزوجل أن يهلك بها قوما بعد طغيانهم وتجبرهم وعتوهم، ليعرفوا أو ليعرف بهم أن كثير أمرهم لا يقوم بالقليل من أمر الله عزوجل؛ وفيه بعد معتبر لمن اعتبر، وموعظة لمن فكر، وصلاح لمن استبصر وبلوى ومحنة، وعذاب ونقمة، وحجة صادقة، وآية واضحة، وسبب إلى الصبر والفكر، وهما جماع الخير في باب المعرفة والاستبانة، وفي باب الأجر وعظم المثوبة ” (2).
ــــــــــ
(1) نهج البلاغة، ج 2 ص 139 طبعة الاستقامة.
(2) الحيوان، ج 3 ص 303 و 304.
/ صفحه 328/
ويقال إن بعض جبابرة الولاة بالعراق كان يقتل بالبعوض، فيأمر بمن يريد قتله، ليجردوه من ثيابه، ويربطوا بعض أطرافه ببعض، ويلقوه في الأماكن التي يكثر فيها البعوض، فلا يلبث طويلا حتى ينهش البعوض جلده ولحمه، ولا تبقى غير عظامه (1)!!.
وقد يسأل سائل عن الحكمة الإلهية في ضرب المثل الوارد في الاية الكريمة، وعن وجه الشبه بين البعوض وبين القوم المجرمين الذي جاء بشأنهم هذا المثل، وقد قال الربيع بن أنس في ذلك: إن البعوضة تحيا ما جاعت، فإذا سمنت ماتت، فكذلك القوم الذين ضرب لهم هذا المثل، إذا امتلأوا من الدنيا ريا أخذهم الله عند ذلك؛ ثم تلا قول الله عزوجل: ” فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ” (2).
هذا وقد تكرر ذكر البعوض في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك الحديث الذي رواه الترمذي بسند صحيح عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء ” (3)!. وقد نظر الشاعر إلى هذا حين قال:
إذا أبقت الدنيا على المرء دينه فما فاته منها فليس بضائر
فلن تعدل الدنيا جناح بعوضة ولا وزن زفّ (4) من جناح لطائر
فما رضى الدنيا ثوابا لمؤمن وال رضى الدنيا عقابا لكافر (5)
وياله من هوان للدنيا عند الله عزوجل، حتى يجعلها لا تبلغ هذا الجناح الحقير من تلك البعوضة الضئيلة!… إن في ذلك لعبرة لأولى الألباب!….
ــــــــــ
(1) نهاية الأرب ج 1 ص 302.
(2) انظر مجمع البيان، ج 1 ص 67 وتفسير الطبري، ج 1 ص 138، والاية المذكورة هي في سورة الأنعام رقم 44. ومبلسون: أي ساكتون من الحزن، والإبلاس: الحزن المعترض من شدة البأس. وأبلس فلان: إذا سكت وانقطعت حجته.
(3) التاج الجامع للأصول، ج 5 ص 57.
(4) الزف: الصغير من الريش.
(5) أي ما رضى الله ذاك. انظر البيان والتبيين، ج 3 ص 179.

80 Views

عن

إلى الأعلى