الرئيسية » موسوهة دهشة » الدين » الفقه » مصادر التشريع » القياس وصيغ المبالغة ( توطئة في القياس ) صلاح الدين الزعبلاوي

القياس وصيغ المبالغة ( توطئة في القياس ) صلاح الدين الزعبلاوي


القياس وصيغ المبالغة "توطئة في القياس" ـــ صلاح الدين الزعبلاوي

القياس هو حمل الفرع على الأصل لعلة جامعة بينهما، بإعطاء المقيس حكم المقيس عليه. وقد تشعبت آراء الأئمة في الأخذ به في مسائل كثيرة. فمنهم من اشتد فنهج له حدوداً ضيقة لا يعدوها، ومنهم من تعلّق به فجرى فيه بغير عنان. وإذا كان لا بد من التوجه إلى القياس ما سمحت به طرائق العربية، لأنه المعوّل عليه في نماء اللغة وارتقائها، والسبيل إلى تسني ما تعسر فعز ماله من نادّها وشاردها، ذلك لتكفي ما تُستكفى وتؤدي ما تُستأدى من مسايرة شؤون العصر ومستحدثاته، أقول إذا صح التوجه إلى القياس ما جادت به أصول العربية، فإن ما نعنيه بالقياس هنا، هو قياس التصريف والاشتقاق، وقياس النقل والمجاز. وقد بسطنا القول في ذلك حين الكلام على تدرج المعاني والاشتقاق الصغير والكبير من فصول المجلة. أما قياس النحو الذي يُراد به الاستدلال الذهني لاستنباط القواعد وتعليلها فإن في الغلو فيه بعداً عن خصائص اللغة، ونأياً عن طبيعتها. ذلك أن في تحكيم المقاييس العقلية في كثير من مسائل النحو ما يضيّق واسعاً ويمنع سائغاً، بل يحظر صحيحاً فصيحاً. فطرائق العربية لا تقاس بمقاييس عقلية كما تقاس مسائل المنطق وقضايا الفلسفة وعلم الكلام. وليس النحو قياساً كله. قال ابن جني في الخصائص (2/42): ( ومعاذ الله أن ندعي أن جميع اللغة تُستدرك بالأدلة قياساً. لكن ما أمكن ذلك منه قلنا ونبهنا عليه). وليس الوجه أن يقال (النحو كله قياس) كما قال أبو البركات ابن الأنباري (ت 577هـ) في كتابه (لمع الأدلة/ 95) في الرد على من أنكر القياس. ففي كلامه سرف وإيغال اقتضاهما المناظرة والجدال من جهة، ومهد لهما تحكيم الفلسفة في النحو من جهة أخرى.‏

هذا ولا شك أن المستحب من قياس النحو هو ما اعتمد لوضع القاعدة واستنباط الحكم فأفاد في تهذيب اللغة وتشذيبها. والذي اتخذ لتعليل الظاهرة اللغوية فكان وسيلة إلى وعي نظم اللغة وتعليمها. ويرتكز مثل هذا القياس على ما أسموه (العلة التعليمية) و (العلة القياسية).‏

أما العلة التعليمية فقولك هذا مرفوع لأنه فاعل، وذاك منصوب لأنه مفعول به. وأما القياسية فالتي تقوم على اشتراك المقيس والمقيس عليه فيما تصوروا أو ظنوا أنه علة موجبة للحكم فيهما، كحملهم بناء اسم (لا) النافية للجنس، على بناء (خمسة عشر).‏

وتتعدد الآراء في تحديد العلة القياسية فتختلف باختلاف وجهات النظر والاعتبار. وقد تتجاذب الحكم الواحد علتان أو أكثر فيبنى على قياسين أو أكثر. كما يتأتى أن يكون حكمان متضادان في المسألة الواحدة فتقتضيهما علتان مختلفتان، فيُبنى كل منهما على قياس.‏

كما مثل له ابن جني في الخصائص (1/171- ط 1913). ومن ثم ذهب المجددون في النحو إلى إنعام النظر في هذه العلل، والعمل على الاهتداء إلى الأشمل منها في الحكم، والأظهر في التعليل، والألصق بالعربية.‏

ومهما يكن من شيء فإن القياس الذي استند فيه إلى إحدى العلتين التعليمية والقياسية، إنما يجانس طبيعة اللغة وخصوصها، دون القياس الذي اعتمد على العلة الجدلية النظرية فنحا نحو الفلسفة واتسم بسمتها، وغدا صناعة أو رياضة عقلية ونشاطاً ذهنياً، بل جُعل التعليل فيه أصلاً وغاية، لا وسيلة وحاجة. وبين القياسين من التفاوت والتنافر ما لا خفاء به ولا لبس. فقولك (إن وأخواتها) أشبهت الفعل المتعدي إذا تقدم مفعوله على فاعله، فنصبت اسمها ورفعت خبرها، كما نصب الفعل مفعوله ورفع فاعله، قولك هذا تعليل قياسي. لكن إيغالك في البحث عن وجه هذا الشبه، وقولك إن (إن) تشبه الفعل لفظاً لأنها ثلاثية، ومعنى لأنها تفيد التوكيد، فإذا خُففت ذهب شبه الفعل فقل عملها، قولك هذا تعليل جدلي نظري.‏

هذا وقد وفق ابن جني في إنكار العلل الثواني أو علة العلل، فاعتد منها ما جاء تتميماً للعلة الأولى وشرحاً لها. لأنك إذا ابتغيت علة لكل علة فطلبت العلل الثوالث فيما بعد، أدّاك هذا إلى ما لا يُعد منها ولا يُحصى.‏

وشيء آخر لا بد من التعويل عليه في التعليل، وهو اقتران صحة الحكم النحوي بسلامة المعنى دون التعلق بما تقتاد إليه براعة الصناعة والافتنان بها من الجدل والتأويل.‏

كذلك كان كثير من الأوائل. وقد أراد عبد القاهر الجرجاني (471هـ) بكتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة أن يشير، فيما نبه عليه، إلى أن أصل المعنى يمكن أن يعبر عنه بطرق مختلفة وأساليب متباينة، وأن لكل عبارة من ذلك معنى تتفرد به. وليس يسوغ أن تؤدي العبارتان معنى واحداً، إلا إذا اتفقتا بنية وتركيباً من كل وجه.‏

وإذا كان ابن جني قد نبه على نحو من هذا حين قال في الخصائص (1/345): (ووجه جوازه من قبل القياس أنك إنما تستنكر اجتماع تقديرين مختلفين لمعنيين) وقال (لكن لما اختلف المعنيان جاز أن يختلف التقديران، فاعرف ذلك). أقول إذا كان بعض النحاة قد أشار إلى ذلك ووعاه فقد فات الكثير منهم أن يُعنوا به ويفصحوا عنه ويأخذوا بمنهاجه، فقد تنكبوا سبيل المعاني وأغرقوا في العناية بالصناعة اللفظية وقصروا الاهتمام على ضبط الأواخر. ولا يخفى أن النحو عند الأوائل هو علم العربية الذي يعرف به وجهة كلام العرب وما يقصدون إليه في التعبير عن أغراض النفس. وقد أشار إلى ذلك الأشموني حين قال (وهو العلم المستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب، الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها) كما أشار إليه ابن عصفور في المقرّب حين ذكر (أن المراد هنا بالنحو قولنا علم العربية، لا قسيم الصرف). أما عند المتأخرين فقد غدا النحو (علم الإعراب والبناء) كما نبه عليه الصبان حين قال (واصطلاح المتأخرين تخصيصه بفن الإعراب والبناء وجعله قسيم الصرف)، وأردف (وعليه فيعرّف بأنه علم يبحث فيه عن أحوال أواخر الكلم إعراباً وبناء، وموضوعه الكلم العربية من حيث ما يعرض لها من الإعراب والبناء). وهكذا تحول النحو مما كان عليه من البحث في صحة تأليف الكلم للتعبير عما في النفس من أغراض، إلى البحث في ضبط الأواخر إعراباً وبناء، ضماناً لسلامة اللسان من اللحن، وبسط الكلام في عوامل ذلك والإسهاب في تعليله بالجدل النظري. فبدا النحو بذلك وقد غار ماؤه وشاه بهاؤه وساء مذاقه. وإلا فإن توكيد العناية بالمعاني كان يوجب دراسة اللفظ في تركيب الجملة بدراسة موقعه من التركيب عامة من حيث اتصاله بالأجزاء الأخرى وتأثره بها وتأثيره فيها. ثم دراسة الجملة مجتمعة الشمل من حيث صورة التعبير وأسلوبه. وقد جُرد النحو من هذا كله وخُصت به علوم البلاغة كالمعاني والبيان. وإذا كان المتأخرون قد آثروا الجملة بطرف من الدراسة فقد قصروا كلامهم في ذلك غالباً على موقعها من الإعراب. أما دراسة الجمل من حيث توظيفها في المعاني والتعبير عنها فقد بعد أن يكون من خصوص النحو وموضوعه.‏

نشأة القياس واتساعه:‏

إذا عدنا إلى الأوائل من النحاة رأينا أن أول من عمل بالقياس من الأئمة هو عبد الله ابن أبي اسحاق الحضرمي (ت 117هـ). فكان أقدم من انتهج القياس وارتاح إليه وأخذ بالأكثر والأغلب. ففي طبقات الزبيدي(25): (قال ابن سلاّم: عبد الله بن أبي اسحاق الحضرمي كان أول من بعج النحو ومد القياس وشرح العلل). ونحو من ذلك في نزهة الألباء(23) لأبي البركات كمال الدين بن الأنباري.‏

أما ما اشتهر واستفاض من أن أول خطة اتخذت لوضع النحو كانت لأبي الأسود الدؤلي الكناني (69هـ) كما جاء في مراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي (ت 351هـ) والزبيدي في طبقاته (379هـ) وابن النديم في الفهرست (400هـ) وسوى ذلك، فيبدو أن هذه الخطة لم تكن تعدو عند التحقيق (نقط المصحف). والمراد بذلك الاهتداء إلى ما اتخذ رمزاً للشكل في الرفع والنصب والجر. صوناً للسان من اللحن. وقد وفق الأستاذ أحمد أمين رحمه الله في ضحى الإسلام، حين أشار إلى ذلك، وأيده فيه الأستاذ سعيد الأفغاني في كتابه (أصول النحو) حين قال: (والشكل أعود على حفظ النصوص من حدود النحو. ولعله أعظم خدمة قدمت للعربية حتى الآن). فالدؤلي لم يعمد إلى تأصيل الأصول النحوية وتقعيد قواعدها فيما أسموه بـ (التعليقة). ودليلنا على ذلك هو كتاب سيبويه نفسه، وهو دليل فاصل. فقد روى سيبويه في كتابه عن الخليل غالباً كما روى عن الأخفش الأكبر، وروى عن عيسى بن عمرو عن أ بي عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب. وروى عن عبد الله بن أبي اسحاق الحضرمي. لكنه لم يتجاوز الحضرمي إلى إمام قبله. فما الذي يعنيه هذا؟ أغلب الظن أن الحضرمي هو أول من وضع أصول النحو وقياسه فهو رأس البصرية.‏

وخلف الحضرمي أئمة أخذوا بالأكثر والأغلب وعولوا على القياس كعيسى بن عمر (149هـ) وأبي عمرو زبّان بن العلاء (154هـ) ويونس بن حبيب (182هـ). ثم جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي (175هـ) وهو يعد بحق عميد النحاة (فهو الذي بسط النحو ومد أطنابه وسبب علله وفتق معانيه.. واكتفى في ذلك بما أوحى إلى سيبويه من علمه. ولقنه من دقائق نظره ونتائج فكره ولطائف حكمته، فحمل ذلك عنه وتقلده، وألّف فيه الكتاب الذي أعجز من تقدم وامتنع على من تأخر بعده) كما ذكره الزبيدي في (مختصر كتاب العين). وقد شف عمل الخليل حقاً عن عبقرية نادرة فاختط للنحو نهجاً لغوياً سليماً، وألّف في اللغة فكان فسيح الخطوة بعيد الغور، في معجمه الفريد كتاب العين، بل رصد الأصوات اللغوية وصفاتها فكان له فيها رأي متقدم حصيف، وتعلق بموسيقا الشعر وكشف عن لطافة الحس فاتخذ لأوزان الشعر ستة عشر بحراً.‏

ثم توالى الأئمة فجاء الأخفش الأكبر عبد الحميد بن عبد المجيد (177هـ) فروى عنه سيبويه. وهو لم يعرف بأنه من أهل القياس والتعليل، فإذا عمد إليهما كان أدنى إلى خصوص اللغة ومراعاة سلامة المعنى في تعدد وجوه الإعراب.‏

وجاء سيبويه عمرو بن عثمان (180هـ) فطلع على الملأ بكتابه الفذ، يعوّل فيه على الأكثر والأغلب. ينهج طريق القياس والتعليل ويعلّم البحث فيهما كما يعلّم النحو. وقد اختلف سيبويه إلى مجلس أستاذه الخليل، وأقبل عليه وأطال التلقي عنه، فلفت نظر أستاذه فكان محل عنايته وموضع اختصاصه. استوفى سيبويه ما أُملي عليه رواية ورأياً وتعليقاً وشرحاً ففاضل ووازن وأحكم الرأي فأدى فأحسن التأدية وكان صادقاً فيما أداه.‏

وجاء الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة (215هـ) وتضاربت فيه الآراء وتدافعت، وقد امتدحه الكوفية. والثابت أنه كان من الحفاظ النقلة، لكنه كان يتكسب بعلمه.. واشتهر قطرب محمد بن أحمد بكتابه العلل في النحو (206هـ)، والمازني أبو عثمان بكتابيه علل النحو والتصريف.‏

ثم اتسع القياس وجعل ينحو نحو المنطق والفلسفة كما تجلى ذلك عند المبرّد أبي العباس بن أبي يزيد (285هـ) وقد خلّف الكامل والمقتضب، والزجاج أبي اسحاق (311هـ) فألف الاشتقاق والأمالي، وابن السراج أبي بكر (316هـ) وقد وضع الأصول وتلمذ للمبرد وصادق الفيلسوف الفارابي وكان قوي الصلة به فتلمذ له في المنطق، كما تلمذ الفارابي لصاحبه في النحو. وقد أخذ عن هؤلاء أبو سعيد السيرافي (368هـ) وله شرح الكتاب، وعلي بن عيسى الرماني (348هـ) وله التفسير، وأبو علي الفارسي (377هـ) وله الإيضاح والتكملة، وأبو الفتح عثمان بن جني (392هـ) وله الخصائص وسر صناعة الإعراب والمحتسب. وقد استفاضت شهرة ابن جني فسبق أقرانه وشآهم شأواً فبلغ الذروة في الأصالة وكان إماماً مقدماً في القياس.‏

وعُرف من أئمة القياس بعد أبي علي وأبي الفتح جار الله أبو القاسم محمد بن عمر الزمخشري صاحب الكشاف والمفصّل (538هـ) وابن الشجري هبة الله أبو السعادات العلوي صاحب الأمالي (542هـ) وأبو البركات كمال الدين عبد الرحمن بن الأنباري صاحب المصنفات النفيسة، لا سيما الاعراب في جدل الإعراب والإنصاف في مسائل الخلاف ولمع الأدلة (577هـ) والعكبري عبد الله بن الحسن صاحب اللباب وإعراب القرآن وتفسيره (616هـ).‏

***‏

هذا وإذا كان الحضرمي هو رأس البصرية (117هـ) فقد اختلف فيمن يمكن أن يكون رأس الكوفية فقد جاء في المظان أن بعض أئمة البصرة قد هجروها إلى الكوفة فأقاموا بها، وكان أشهر هؤلاء أبو جعفر الرؤاسي محمد بن أبي سارة (190هـ) وهو أول من وضع كتاباً في النحو من أهل الكوفة فأخذ عنه الكسائي أبو الحسن علي بن حمزة (189هـ) وهو إمام الكوفية، كما كان الخليل إمام البصرية، وأخذ عن الرؤاسي الفرّاء أبو زكريا يحيى بن زياد (207هـ)، وهو علم الكوفية بعد الكسائي. وإذا قال سيبويه (قال الكوفي) فقد عنى الرؤاسي هذا. وبذلك يمكن أن يعد الرؤاسي رأس الكوفية مع عمه معاذ بن مسلم الهرّاء مبدع علم التصريف، وقد عمر طويلاً (189هـ). قال الفيروز ابادي في البلغة:‏

(أبو جعفر الرؤاسي أستاذ أهل الكوفة في العربية).‏

وإذا كان الكسائي قد نهج حدود المذهب الكوفي في التعويل على النقل خلافاً للبصرية في اعتمادها على النظر العقلي فإن الفراء قد شايع الكوفي فيما استن من أصول، ولو خالفه في كثير من المسائل، بل دافع عن النهج الكوفي حتى غدا وكأنه أمام الكوفية. وهكذا قد استمسك بالرواية وأبى للنحوي أن ينهج نهج المتكلمين والمناطقة والمتفلسفين. وكان القرآن مادته الأولى في روايته، فبدا أميناً على خصوص اللغة وطبيعتها، كما كان ثعلب أبو العباس أحمد بن يحيى (291هـ) من بعده مخلصاً لهذا النهج مردداً لأقول الفراء، محتجاً بآرائه، غير عابئ بالتعليل. ولم يعرف عن ثعلب أنه حاول فلسفة اللغة أو منطقة النحو، كما حاول البصريون وخصمه منهم، وهو المبرّد. ويُعزى إلى ثعلب الفضل في إشاعة المذهب الكوفي والتبشير به، كما يُعزى إلى المبرّد دعوته إلى البصرية وبراعته في الإغراء بها.‏

قياس البصرة وقياس الكوفة:‏

هذا وإذا كان البصريون قد عُنوا بالقياس ومضوا فيه وأوغلوا حتى تجاوزوا طبيعة اللغة وخصوصها، فقد كان للكوفيين أصولهم وقياسهم وعللهم. وهم لم يقتصروا على الوصف دون الاستدلال والاعتلال. ولا ننس قول الكسائي:‏

إنما النحو قياس يُتبع‏

وبه في كلّ أمر ينتفع‏

بل لا ننس منزلة الفراء في التعليل والقياس، وقد اعتمد الكوفيون على السماع والقياس، كما فعل البصريون، وكان أوائلهم أعنى بالسماع منهم بالقياس، وأشد حرصاً على الوصف منهم على التعليل، كما كان أوائل البصريين أنفسهم. وإذا كان الكوفيون لم يدركوا شأو البصريين في الأخذ بالقياس، وكانوا أدنى إلى القصد منهم إلى الإيغال، فليس صحيحاً أنهم عولوا على كل مسموع. ولو صح أن الكوفيين يعملون بكل شاذ ويقيسون عليه، لما استقام لهم أصل أو حكم أو قياس. وإني لأستشرف قول الأستاذ أحمد أمين، رحمه الله، في كتابه ضحى الإسلام (2/259): (أما الكوفيون فلم يروا هذا المسلك، ورأوا أن يحترموا كل ما جاء عن العرب، ويجيزوا للناس أن يستعملوا استعمالهم، ولو كان الاستعمال لا ينطبق على القواعد العامة. بل يجعلون الشذوذ أساساً لوضع قاعدة عامة)، أقول إني لأستكثر هذا القول ولو شد منه قول السيوطي في بغيه الوعاة (إن الكسائي كان يسمع الشاذ الذي لا يجوز إلا في الضرورة فيجعله أصلاً ويقيس عليه).‏

ذلك أن الكوفية إنما تجيز استعمالاً قد يند عن قواعد البصرية ويشرد عليها، ولكنها لا تقر استعمالاً يخرج عن قواعدها هي. وقد يكون في ضوابط البصرية ما يمنع مسموعاً، وفي ضوابط الكوفية ما لا يطرحه ولا يأباه. ذلك أن مذهب الكوفية أكثر تشعباً وأوسع رواية، ومذهب البصرية أوسع قياساً وأضيق رواية. على أن اتساع القياس البصري المبني على العلل العقلية المنطقية قد يمنع السائغ، ويضيق عن المسموع. وهذا ما دعا المتأخرين من النحاة ألا يجروا على منهاجهم أو يأخذوا أخذهم. قال أبو حيان (نحن لم نتعبد بمذهب البصرية وإنما نتبع الدليل). وقال في البحر المحيط (2/363): (والقراءات لا تجيء على ما علمه البصريون ونقلوه). وقال: (4/271): (هؤلاء النحاة يسيئون الظن بالقراءة، ولا يجوز لهم ذلك). وقال أبو عمرو الداني في جامع البيان (وأئمة القراء لا تعتمد في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل. والرواية إذا ثبتت لا يردها قياس عربية ولا فشوّ لغة). وقال الشيخ عبد العظيم الزرقاني في كتابه (مناهل العرفان 415): (فإذا ثبتت قرآنية القرآن بالرواية المقبولة، كان القرآن هو الحكم على علماء النحو، وما قعّدوا من قواعد..). وهكذا تحلل ابن مالك وابن هشام فيما اجتهدا فيه، من حدود البصرية في كثير من الأحيان ولو تهيأ للنحو من الأئمة من استنوا بهذه السنة ونهجوا هذا السبيل فتمنعوا على المتابعة والمشايعة، وفازوا من التعبد بمذهب مخصوص، ونجوا مما لا تحتمله طبيعة اللغة، أو يأباه خصوصها من الجدل، وعنوا بنحو الكوفية كلما أوغلت البصرية في التعليل فتنكبت الجادة، وعولوا على القرآن وآثروا ما جاء فيه على كل مروي، لكان لهم خطة سديدة سوية في التجديد والإحياء.‏

الظاهرية والقياس:‏

إذا كانت هناك طائفة قد مجّت القياس فهي الظاهرية. لكنها أنكرته في الفقه خاصة. وقد بدا أن بعض النحاة قد دعوا إلى ذلك في النحو أيضاً. والمذهب الظاهري في الأصل مذهب فقهي دعا إليه في القرن الثالث الهجري أبو داود بن علي بن خلف البغدادي إمام أهل الظاهر في المشرق وتولى الدعوة إليه والاحتجاج له والمنافحة عنه في القرن الخامس الهجري الإمام علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، معتقداً أن القرآن إنما يجب أن يُحمل على ظاهره ولا يحال عن ظاهره البتة، اللهم إلا أن يأتي نص أو إجماع أو ضرورة حس على أن شيئاً منه ليس على ظاهره، وأنه نقل من ظاهره إلى معنى آخر. فالانقياد حينئذ واجب لما يوحيه ذلك النص والإجماع والضرورة. وقد جاء تفصيل ذلك في كتب ابن حزم الأندلسي لا سيما (إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل).‏

ابن مضاء والقياس:‏

عاش ابن مضاء في القرن السادس الهجري فبدا أنه اتخذ مذهبه في النحو على مثال مذهب الظاهرية في الفقه. أي أنه أنكر القياس كما أنكرته وعوّل على النص كما عوّلت عليه، وذلك في كتابه الشهير (الرد على النحاة)، لكن هذا لا يتسنى في الأصل لأن في علل النحو من فسحة النظر ما لا تتسع له علل الفقه أحياناً كثيرة. كأن يكون البحث في علة مناسك الحج وترتيبها، وفرائض الصلاة وعدد ركعاتها فتجد مرد وجوبها إلى ورود الأمر بها بحكم الشريعة، أي بالنص. قال ابن جني في الخصائص (1/52-ط /1913م): (فأول ذلك أنا لسنا ندّعي أن علل العربية في سمت العلل الكلامية البتة، بل ندّعي أنها أقرب إليها من العلل الفقهية). وأردف: (وإذا حكمنا بديهة العقل وترافعنا إلى الطبيعة والحس، فقد وفينا الصنعة حقها، وربأنا بها أفرع مشارفها).‏

أقول إنما ثار ابن مضاء على النحاة وعاف مذهبهم في (العامل) لغلوّهم في التعليل، فاستبعد الجدل النظري والحجاج الفلسفي، وكل ما ينأى باللغة عن طبيعتها وينحرف عن خصوصها، وعوّل على النص وأغفل القياس من هذه الجهة. لكن ابن مضاء قد أخذ نفسه بنوع من القياس، ذلك أنه أقرّ (العلّة) وأبى (علّة العلّة) أو العلل الثواني والثوالث، كما أنكرها ابن جني نفسه، وإقرار (العلة) يدعو إلى البحث في العلة الجامعة والتماس القياس الذي لا بد منه. وإلا فكيف يمكن أن تنهض لغة لا يعمل قياس على رسم ضوابطها وشرع حدودها، ويمهد لها سبيل التوليد والنماء ومذاهب الاتساع والارتقاء.‏

القياس والسماع:‏

إذا كان التعويل على السماع مرده في الأصل إلى الحرص على ضبط اللغة وكفالة سلامتها أيام كان يعمل الأئمة على حصرها وتدوينها، فينبغي ألا يكون حائلاً دون ما يمكن أن يلتمس فيه علة جامعة فيبنى عليه قياس، في كل ما تدعو إليه حاجة التعبير والاصطلاح فتأذن به طرائق النقل والمجاز وسبل التصريف والاشتقاق. وإلا كان السماع قيداً يحجر اللغة عن التوالد والانبساط ويقصر خطاها عن استجابة أو مؤاتاة. ولا خفاء بأن سبل التصريف وضوابط الاشتقاق لا يشوبها من سرف التعليل في ذكر الأسباب ومسبباتها ما يشوب القياس في قواعد النحو. ومن ثم لم يفض التعويل عليها على شيء مما آل إليه الإغراق في قياس النحو وتعليله، من النأي باللغة عن خصوصها وتحيّف طبيعتها والانزواء بها عن سبيل المعاني إلى الافتنان بصناعة الإعراب، حتى انقبض هذا الإعراب عن أن يكون دليل المعاني وسبيل الإبانة والإفصاح.‏

وقد أخذ مجمع اللغة القاهري بقياس التصريف والاشتقاق هذا في مؤتمراته حين أجرى القياس في كثير من المشتقات على ما ذكرناه ونذكره في أبوابه.‏

القياس في صيغ المبالغة:‏

هذا بحث طريف قلما خاض فيه الباحثون. إذ لم يصرح الأئمة الأوائل بقياس اشتقاق صيغ المبالغة ولم يشر إليه ابن مالك في ألفيته حين قال:‏

فعّال أو مفعال أو فعول‏

في كثرة عن فاعل بديل‏

فيستحق ماله من عمل‏

وفي فعيل قلّ ذا وفعل‏

فأنت ترى أن ابن مالك لم ينبه على قياس اشتقاق صيغ المبالغة هذه. وكل ما عناه هنا أن صيغ (فعّال ومفعال وفعول) تنوب كثيراً عن (فاعل) للدلالة على المبالغة وتعمل عمله، وقلّ ذلك في (فعيل وفعل). وقال الإمام الأشموني في شرح ما تقدم من قول ابن مالك (3/114): (أي كثيراً ما يحوّل اسم الفاعل إلى هذه الأمثلة لقصد المبالغة والتكثير فتستحق ما كان له من عمل). فقال الإمام الصبّان في تعليقه على هذا (قوله فتستحق ما له من عمل يفيد أن جميع الأمثلة الخمسة تعمل قياساً، وهو الأصح).‏

فتبين بهذا أن الذي عناه الأئمة هنا، هو قياس عمل صيغ المبالغة الخمس، كعمل اسم الفاعل. وسكتوا عن قياس اشتقاقها. هذا والكوفيون على عدم إعمال صيغ المبالغة وتأويل ما عمل منها على تقدير فعل، خلافاً للبصريين. فقد أجمع هؤلاء على إعمال الصيغ الثلاث الأولى قياساً، واختلفوا في الصيغتين الأخيرتين. وأكثر المتأخرين من الأئمة على قياس إعمالها جميعاً، كما ذهب إليه سيبويه.‏

وإذا تجاوزنا الصيغ الخمس إلى سواها فالأكثرون على أن إعمالها سماع. فـ (فعّيل) بكسر الأول وتشديد الثاني، وهو من صيغ المبالغة، قال بعضهم بقياس إعماله، وأنكره كثيرون، وحملوا ما عمل منه على السماع. قال الإمام الصبان (3/115): (في الفارض ما نصه: زاد ابن خروف إعمال فعيّل كزيد شرّيبٌ الخمر بالنصب، فأجازه أيضاً ابن ولاّد، وحكاه أبو حيان). وأردف الصبّان قائلاً (وشرّيب من المبالغة سماعاً..) أي أن إعمال شرّيب سماع لا قياس، خلافاً لما ذهب إليه في الصيغ الخمس المتقدّمة.‏

هذا عن قياس الأعمال. أما عن قياس الاشتقاق فقد استنبط بعض الباحثين المحدثين من سكوت العلماء عن التصريح بقياس اشتقاق صيغ المبالغة، إلى أن صوغها سماع. فقال الشيخ مصطفى الغلاييني في كتابه (جامع دروس اللغة العربية –1/86): (مبالغة اسم الفاعل ألفاظ تدل على ما يدل عليه اسم الفاعل بزيادة… ولها أحد عشر وزناً.. وأوزانها كلها سماعية فيحفظ ما ورد منها ولا يقاس عليه). وقال الشيخ أحمد الحملاوي في كتابه (شذا العرف/ 78): (وقد تُحوّل صيغة فاعل للدلالة على الكثرة والمبالغة في الحدث إلى أوزان خمسة مشهورة تسمى صيغ المبالغة، وهي فعّال ومفعال وفعول وفعيل وفعل.. وقد سمعت ألفاظ للمبالغة غير تلك الخمسة). فلم يشر إلى قياس.‏

وقال الشيخ محمد الخضر حسين في كتابه (القياس): (ويقوم مقام اسم الفاعل فعّال ومفعال وفعول وفعيل وفعل، وهذه المسمّاة عندهم بأمثلة المبالغة نحو نظار ومنحار وصبور وعليم وحذر)، والمنحار كثير النحر، وأردف (ومن علماء العربية من يذكرها ويضرب لها الأمثال ويبسط أو يوجز في الخلاف الجاري في إعمالها عمل اسم الفاعل. ولا يأتي على ناحية القياس في اشتقاقها بعبارة صريحة. ومنهم من يصرّح بصحة القياس في بناء فعّال خاصة، كما في روح الشروح على المقصود. ووجه هذا المذهب أن صيغة فعّال وردت في مقدار من الكلم الفصيح يكفي لصحة القياس عليه). وهكذا أشار إلى اهتمام العلماء بإعمال الصيغ دون اشتقاقها.‏

قياس الإعمال يقتضي قياس الاشتقاق:‏

والذي عندي أنه إذا أنعمنا النظر في كلام ابن مالك، ألفينا أنه يشير إلى كثرة تحويل (فاعل) إلى فعّال ومفعال وفعول، من صيغ المبالغة، وقد أوجب ذلك أن تنوب منابه في تأدية عمله عند إرادة التكثير. فانظر إلى قول الإمام الأشموني (أي كثيراً ما يحوّل اسم الفاعل إلى هذه الأمثلة بقصد المبالغة والتكثير). أفلا تستوجب كثرة التحويل هذه دعوى القياس في اشتقاق صيغ المبالغة، كما استحقت قياس إعمالها!.‏

قال الشيخ محمد الخضر حسين في مقال آخر له في مجلة المجمع القاهري (2/54): رجعنا إلى كتب الصرف فوجدنا كثيراً منها لا يتعرض لصيغة فعّال من ناحية أنها قياسية أو سماعية، ولا يزيد على أن يذكر أنها صيغة تأتي بدلاً من اسم الفاعل للدلالة على المبالغة في معنى الفعل، ووجدنا طائفة يتعرضون لمجيء فعّال ومفعال وفعول بدلاً من اسم الفاعل ويصفونه بالأكثر، كما قال الأشموني في شرح الخلاصة). وأردف: (ووجدنا طائفة ثالثة تصرّح بأن الصيغ الخمس: فعّالاً ومفعالاً وفعولاً وفعيلاً وفعلاً، المأخوذة من فعل متعد، قياسية. قال الشيخ الدنوشري: يُنظر هل التحويل إلى الخمسة المذكورة قياسي أو سماعي، أو قياسي في الثلاثة الأولى: فعال ومفعال وفعول، سماعي في الأخيرتين: فعيل وفعل، ثم قال: مذهب البصريين منقاسة في كل فعل متعد ثلاثي: نحو ضرب، تقول: ضرّاب ومضراب وضروب وضريب وضرب) على ما جاء في حواشي ياسين على التصريح. فأنت ترى أن الإمام الدنوشري قد نبه على قياس الاشتقاق في صيغ المبالغة الخمس، بل جعل ذلك مذهب البصريين.‏

قال الشيخ محمد الخضر حسين في التعليق على كلام الإمام الدنوشري (وهذا النص يدل على أن صوغ فعّال من الفعل المتعدي قياسي كسائر أبنية المبالغة). ولكن ما وجه قول الإمام الدنوشري بقياس صوغ أبنية المبالغة الخمسة من كل فعل متعد، بل ما وجه دعواه أن هذا هو مذهب البصريين ولم يصرح به أحد منهم؟‏

لم يعرض الشيخ محمد الخضر حسين لهذا، على حين أشار أن كتب الصرف لم تصرّح بمثل هذا القياس، فما توجيه قول الإمام الدنوشري إذاً؟‏

أقول إن البصريين قد قالوا بقياس إعمال صيغ المبالغة الخمس، ومنهم من اقتصر على الثلاث الأولى منها. على أن أخذهم بالقياس في إعمال هذه الثلاث قد بُني على الكثرة في تحويل (فاعل) إليها، وإعمالها عمله. ولما ارتبط إعمالها بتحويلها، فقد أصبح الحكم بالقياس في إعمالها صراحة، مقتضياً الحكم بالقياس في تحويلها ضمناً. وكأن هذا ما حمل الدنوشري على أن يقول (مذهب البصريين منقاسة في كل فعل متعد ثلاثي نحو ضرب، تقول: ضرّاب ومضراب وضروب وضريب وضرب).‏

ويسدد ما ذهبنا إليه أنهم كلما قالوا بقياس إعمال طائفة من صيغ المبالغة، مضوا في اشتقاق هذه الصيغ من فعل واحد. فانظر إلى قول ابن الحاجب في الكافية (وما صيغ منه للمبالغة كضرّاب وضروب ومضراب، وعليم وحذر) فقد قال ابن الحاجب بقياس إعمال الصيغ الثلاث الأولى، ومضى في اشتقاقها من (ضرب) نفسه، فقال (كضرّاب وضروب ومضراب)، على حين ذهب إلى إعمال صيغتي (فعيل وفعل) سماعاً، فاشتق كلاً منهما، من فعل، فقال (وعليم وحذر). قال الرضي في شرح قول ابن الحاجب (2/202): (أبنية المبالغة العاملة اتفاقاً من البصريين ثلاثة. وهذه الثلاثة مما حُوّل إليها أسماء الفاعلين من الثلاثي عند قصد المبالغة). أفلا يعني إيراد الصيغ الثلاث من (ضرب) نفسه، القول بقياس تحويل (ضارب) إليها، أي اشتقاقها من (ضرب)؟‏

وقد ذهب الشنتمري إلى قياس إعمال الصيغ الخمس جميعاً، كما فعل سيبويه، فقال: (لأنه –أي حذر- مُغيّر من بنائه للتكثير، كما كان ضروب وضرّاب وغيرهما من الأمثلة). فـ (الأمثلة) هنا هي (الصيغ) كما وردت في كلام الأشموني والصبان وسواهما. قال ابن هشام في شرح شذور الذهب (392): (الثالث من الأسماء العاملة عمل الفعل: أمثلة المبالغة، وهي عبارة عن الأوزان الخمسة المذكورة محوّلة من صيغة فاعل بقصد إفادة المبالغة والتكثير). فقول الشنتمري (كما كان ضروب وضرّاب وغيرهما من الأمثلة) يعني (كما كان ضروب وضرّاب ومضراب وضريب وضرب) أي على وفق ما جاء في كلام الدنوشري.‏

إذا صح القياس في إعمال فعيل وفعل فلا يصح القياس في اشتقاقهما:‏

مر بنا أن أخذ الأئمة بالقياس في إعمال صيغ المبالغة الثلاث الأولى مرده إلى كثرة تحويل (فاعل) إليها وإعمالها عمله، وأن الكثرة في تحويلها إذا كان قد أتاح القياس في إعمالها فلا شك أنه يأذن بالقياس في اشتقاقها أيضاً. على أن سيبويه ومن تبعه من البصريين قد قالوا بقياس إعمال (فعل وفعيل) من صيغ المبالغة، على قلة ما حوّل من فاعل إليهما للمبالغة. وقد أصار هذا بعض البصريين إلى أن يقولوا بالسماع في إعمالهما. واستشهد سيبويه بصحة إعمال (فعل) وقياسه بقول الشاعر:‏

حذرٌ أموراً لا تضير وآمن‏

ما ليس مُنجيه من الأقدار‏

قال الإمام الشنتمري (1/58): (الشاهد فيه نصب أمور بحذر لأنه تكثير حاذر. وحاذر يعمل عمل فعله المضارع فيجري حذر عند سيبويه مجراه في العمل لأنه عنده مُغيّر من بنائه للتكثير، كما كان ضروب وضرّاب وغيرهما من الأمثلة)، وأردف: (وقد خولف سيبويه في تعدّي فعل وفعيل لأنهما بناءان لما لا يتعدّى كبطر وأشر، وكريم ولئيم. وسيبويه رحمه الله لا يراعي في موافقته بناء ما لا يتعدى، إذا كان منقولاً عن فاعل المتعدي للتكثير وهو القياس).‏

ففحوى المسألة أن (حذراً) لو أتى من (لازم) لكان صفة مشبهة، كما مثل الشنتمري لهذا بـ (بطر وأشر). والأكثر في (فعل) أن يأتي من لازم ويكون صفة مشبهة. وكذا الأصل في (فعيل)، وقد مثل له الشنتمري بـ (كريم ولئيم). لكن حذراً وقد عمل في المفعول قد أتى من متعد لإيقاع الفعل على جهة التكثير. فهو محوّلٌ إذاً من (حاذر) اسم الفاعل، عامل عمله كضروب وضرّاب. ولا تمنع قلة إعمال (فعل وفعيل) من الحكم بقياس الإعمال فيهما لأنهما تفرعا في العمل على أصل، وإن ضاق مسراه. وسيبويه قد بنى على (شنوءة وشنئي) ولا مثيل له، إجراء لـ (فعولة) مجرى (فعيلة) لمشابهته إياها، فقال (حلوبة وحلبي وركوبه وركبي). قال ابن جني في الخصائص (ط- 1913- 1/121): (وتفسيره أن الذي جاء في فعولة هو هذا الحرف والقياس قابله، ولم يأت شيء ينقضه. فإذا قاس الإنسان على جميع ما جاء، وكان أيضاً صحيحاً في القياس مقبولاً، فلا غرو ولا ملام).‏

وقد مثل النحاة لإعمال (فعيل) بـ (شبيه). وهو في معنى (المشبه). وقد جاء من فعل متعد هو (أشبه الشيءُ الشيء فهو مشبهٌ إياه). فإذا أردت أن توقع به فعلاً لإرادة التكثير كان محولاً من اسم الفاعل عاملاً عمله. قال الشاعر:‏

فتاتان أما منهما فشبيهة‏

هلالاً وأخرى منهما تشبه البدرا‏

ومعناه هما فتاتان أما واحدة منهما فشبيهة هلالاً فأعمل صيغة المبالغة وهو شبيهة إعمال اسم الفاعل (مشبهة) فنصب بها المفعول به وهو قوله (هلالاً). وقد مثلوا لإعمال (فعيل) بـ (أكيل) أيضاً. قال حاتم الطائي:‏

إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له‏

أكيلاً فإني لست آكله وحدي‏

واختلف النحاة في (أكيل)، فمن قدّر في معناه المبالغة جعله محوّلاً عن (آكل). ومن رأى أنه (المؤاكل) اعتده صفة للثبوت على (فعيل) بمعنى مفاعل. وهكذا نذير بمعنى منذر. قال صاحب المغني (وأما قوله تعالى نذيراً للبشر، فإن كان النذير بمعنى المنذر فهو مثل فعال لما يريد، وإن كان بمعنى الإنذار فاللام مثلها في سقيا لزيد).‏

***‏

على أن هذا الذي اعتمده سيبويه في القول بقياس إعمال (فعل وفعيل) لا يقتضى القول بالقياس في اشتقاقهما. فالقياس في الإعمال إنما بني على القليل لأنه أصل، أما القياس في الاشتقاق فليس له ما يسنده من أصل أو كثرة. ذلك أن الأصل في الوصف إذا كان على (فعل) أن يشتق من فعل لازم على (فعل) بفتح فكسر، فيكون صفة مشبهة على الثبوت. وقلما يكون صيغة مبالغة تشتق من متعد لإرادة إيقاع الحدث على جهة التكثير. وكذلك (فعيل) فبابه إذا كان بمعنى الفاعل أن يكون صفة مشبهة تشتق من (فعُل) بالضم أو (فعل) بالكسر، وهما لازمان. أو يكون بمعنى المفاعل كالجليس والأكيل والنديم بمعنى المجالس والمؤاكل والمنادم، وهذه لا تعمل باتفاق.‏

ويندر أن يأتي لإيقاع الحدث من متعد على جهة التكثير ليعد صيغة مبالغة كعليم من عالم، وكرحيم من راحم عند من رأى أنه للمبالغة كما ذكره ابن يعيش في شرح المفصل (6/71) وأبو البقاء في كلياته (2/371)، وقد ذهب هذا في موضع آخر إلى أنه صفة مشبهة من رحُم بالضم، معدولاً به عن رحم بالكسر. وقد قالوا بمبالغة نذير وسميع وأليم وشبيه من منذر ومُسمع ومؤلم ومشبه وهو نادر أيضاً. ومن ثم كان القياس في إعمال (فعل وفعيل) لإيقاع الحدث على جهة التكثير صيغتين للمبالغة لا يستدعي قياساً في اشتقاقهما.‏

صيغة فعّال في المبالغة:‏

هذا وإذا ثبت القول بالقياس في اشتقاق فعال وفعول ومفعال، فإن (فعّالاً) هو أكثرها شيوعاً. وقد جاء للمبالغة والكثرة، كما جاء للصناعة والاحتراف والملازمة. والأصل أن يكون اشتقاق هذه الصيغ من المتعدي كما يكون من اللازم لأنها محولة من فاعل، وفاعل يأتي من لازم ومتعد. وقد أقر مجمع اللغة العربية بالقاهرة في مؤتمره صوغ (فعّال) من كل ثلاثي متصرف طرداً لما سمع من ذلك. فقد جاء في مجلته (2/35): (يصاغ فعّال للمبالغة من مصدر الفعل الثلاثي اللازم والمتعدي)، وهو رأي حسن. وقد ذكر الشيخ محمد الخضر حسين كثيراً مما جاء على (فعّال) من لازم كـ (الأفاك والأوّاب والبخّال والبسّام والتواب والتياه والثواب والحنان والحلاف والخناس والدراج والرقاص والرواغ والسباع والسجاح والسراج والكذاب والسياح والسقاط والشفاف والصخاب والصياح والضحاك والعوام والغواص والقوام والمزاح والمشاء والمكار والمياس والميال والنباح والنهاض والنوام والهطال والوثاب والوضاح والولاج والوقاع…).‏

ومن هذا (نعّار وسعّاء). قال الجوهري في الصحاح: (يقال ما كانت فتنة إلا نعر فيها فلان، أي نهض فيها، وإن فلاناً لنعّار في الفتن، إذا كان سعاء فيها). وفي الألفاظ الكتابية لابن السكيت نحو من ذلك(136).‏

وقد جاء (صفاق وأفّاق): والأول من (صفق). قال صاحب المصباح (وصفقت له بالبيعة صفقاً ضربت بيدي على يده. وكان العرب إذا وجب البيع ضرب أحدهما يده على يد صاحبه. ثم استعملت الصفقة في العقد). والثاني من (أفق). قال الجوهري: (ويقال أفق إذا ذهب في الأرض). وفي النهاية لابن الأثير (وفي حديث لقمان: صفّاق أفّاق، هو الرجل الكثير الأسفار والتصرّف في التجارات).‏

صيغة فعّال في الصناعة:‏

وقد استعمل العرب صيغة (فعّال) في قصد آخر يناسب المبالغة والكثرة، وهو الصناعة والاحتراف وملازمة الشيء، فقالوا (الجمّال والقصّاب والخراط والدلال والسياف والعطار والحداد) ونحو ذلك، فما الذي قاله الأئمة في صوغه؟‏

صرح كثير من الأئمة بقياس (فعّال) في هذا الباب، وهو باب النسب إلى الصناعة قال صاحب الهمع (2/198): (ومنها الإغناء عن ياء النسب بصوغ فعّال من الحرفة كخباز وقزاز وسقاء وبناء وزجاج وبزاز، ويقال خياط ونجار..) وقال (وقد يقوم فعّال مقام فاعل كنبال بمعنى نابل، أي صاحب نبل. وقد يقوم فاعل مقام فعال كحائك في معنى حواك لأن الحياكة من الحرف…) وأردف (وكل هذا موقوف على السماع ولا يقاس شيء منه وإن كان قد كثر في كلامهم. قال سيبويه: فلا يقال لصاحب البر برار ولا لصاحب الشعير شعار ولا لصاحب الدقيق دقاق ولا لصاحب الفاكهة فكاه). واستدرك فقال (والمبرد يقيس باب فاعل وفعال لأنه في كلامهم أكثر من أن يحصى). ولم يستبعد ابن يعيش قياس (فعال) هذا، فقال في شرح المفصل (وكثر فعال حتى لا يبعد دعوى القياس فيه، وقل فاعل، فلا يمكن دعوى القياس فيه).‏

وقد أخذ مجمع اللغة العربية بالقاهرة بقياس (فعال) للصناعة فقال: (يصاغ فعال قياساً للدلالة على الاحتراف وملازمة الشيء. فإذا خيف لبس بين صانع الشيء وملازمه، كانت صيغة فعال للصانع، وكان النسب بالياء لغيره. فيقال زجّاج لصانع الزجاج، وزجاجي لبائعه).‏

وقد عاب الأستاذ أسعد خليل داغر على الأب أنستاس ماري الكرملي قوله (بياع سماد)، قال والصواب (بائع). فاحتج الأب لورود (بياع) في مستدرك التاج، وفي مقدمة الأدب للزمخشري. واحتج الدكتور مصطفى جواد بالقياس فأحال داغراً على قول ابن عقيل (يصاغ للكثرة فعال ومفعال وفعول وفعيل وفعل، فتعمل عمل الفعل على حد اسم الفاعل)، كما جاء في كتاب أغلاط اللغويين القدماء للأب الكرملي. فما الرأي في هذا؟‏

صواب المسألة عندي أن (البياع) صيغة للاحتراف أو النسب إلى الصناعة، وقد استظهر الدكتور مصطفى حداد بقول ابن عقيل في صيغ المبالغة لا في النسب. وليس في قول ابن عقيل هنا ما يحتج به أصلاً لأن كلامه على قياس الأعمال في صيغ المبالغة ولم يصرح بقياس الاشتقاق. ولو أخذ جواد بقول ابن عقيل في (فعال) الذي هو للنسب، لجاز ذلك منه. قال ابن مالك:‏

ومع فاعل وفعّال فعل‏

في نسب أغنى عن اليا فقُبل‏

وغير ما استلفته مقرراً‏

على الذي يُنقل منه اقتصرا‏

فقال ابن عقيل: (باب ما جاء من المنسوب مخالفاً لما سبق تقريره فهو من شواذ النسب التي تحفظ ولا قياس عليها). وقال الأشموني: (يعني أن ما جاء من النسب مخالفاً لما تقدم من الضوابط شاذ، يحفظ ولا يقاس عليه). وإذا كان فحوى ذلك أن ما جاء على فاعل وفعال وفعل، قد جاء على ضابط وأنه مقبول. وأن ما سواه مما لم يوقف فيه على ضابط فإنه شاذ لا يقاس عليه. أقول إن هذا لا يعني أن ما جاء على هذه الصيغ مقيس بالضرورة، لكن المبرد كما رأيت قد قال بقياس (فعال) على ما جاء في الهمع، وأشار إليه الأشموني بقوله (والمبرد يقيس هذا) أي يقيس فعالاً، كما ذكر ابن يعيش في شرح المفصل أن كثرة فعال تؤذن بقياسه.‏

هذا وقد ذكر سيبويه والثعالبي (البياع) فيما جاء على (فعال). قال سيبويه في الكتاب (2/261): (ومما تُمال ألفه قولهم كيال وبياع). وجاء في فقه اللغة في فصل (أسماء فارسية منسية وعربيتها محكية مستعملة/ 450) قول الثعالبي (المساح والبياع والدلال والصراف والبقال والجمال والقصاب والفصاد والخراط). وذكر الأشموني (البياع) في كلامه فقال (قالوا لبياع العطر ولبياع البتوت وهي الأكسية عطار وعطري، وبتّات وبتي).‏

صيغة فعول في المبالغة:‏

أخذ مجمع اللغة العربية بالقاهرة بقياس اشتقاق (فعول) للمبالغة من المتعدي واللازم حين الحاجة، وهو رأي صائب. وقد تقدم أن من الأئمة البصريين من يقول بقياس اشتقاقه. ويؤيد قياس (فعول) ما جاء في التاج (والمعقرب: النّصور، كصبور من الصبر للمبالغة، المنيع.. قال شيخنا، ولو قال الناصر البالغ المنعة كان أدل على المراد وأبعد عن الإبهام، لأن بناء فعول من نصر، ولو كان مقيساً، لكنه قليل الاستعمال، ولا سيما في مقام التعريف لغيره). فدل كلامه على أن صوغ (فعول) قياس، على كل حال.‏

وإذا كنا قد أبينا (فعيلاً) للمبالغة من لازم، فإن مجيء (فعول) منه، سائغ متقبل. وقد أحصى الأستاذ محمد شوقي أمين عضو مجمع اللغة العربية القاهري، مما جاء على فعول وهو من اللازم، مائة مثال أو يزيد، كما جاء في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق (لشهر نيسان 1955م).‏

ولكن ما بال اسم المبالغة (فعول) هذا لا يتسع للازم ويضيق عنه اسم المبالغة (فعيل) فلا يأتي إلا من متعد. أقول الأصل في (فعيل) أن يكون صفة مشبهة، وهو مبني غالباً على (فعُل) بالضم، ولا يكون هذا إلا لازماً. فإذا خرج عن بابه إلى المبالغة لإيقاع الفعل على جهة التكثير فلا بد أن يبنى على غير اللازم.‏

أما (فعول) فالأصل أن يكون لإيقاع الفعل على جهة التكثير، ولا يقتضي حاله هذا أن يختص بلازم أو متعد، كما اقتضى حال (فعيل) في الأصل. ومن ثم اتسع لهما جميعاً وكثر ما جاء منه. بل من هنا ضاق مسرى (فعيل) إذا كان للمبالغة فقلّ تحوله عن اسم الفاعل. وقد أحصى الدكتور إبراهيم أنيس عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة في معجم الفيروزابادي (379) مثلاً لفعول، على حين لم يقع على أكثر من (147) مثالاً، من مفعال، كما جاء في مجلة المجمع القاهري الثامنة عشرة.‏

ومن نافلة القول أن يكون (فعول) للمبالغة سواء بُني على متعد أو لازم، لكنه هل يحتمل أن يكون صفة مشبهة إذا كان من لازم؟ عندي أنه لا يتأتى هذا إلا بشرط واحد. فقد جاء النص على أن (فعولاً)، من صيغ المبالغة، وأنه يستوي فيه التذكير والتأنيث ما دام بمعنى الفاعل، وإنه لكذلك. فأنت تقول رجل صبور وامرأة صبور ورجل غيور وامرأة غيور. فلا مساغ إذن لأن يكون صفة مشبهة، لأن النص على أن الصفة المشبهة لا يستوي فيها المذكر والمؤنث. لكنه إذا أتى من فعول ما أُنث بالتاء شذوذاً قيل إنه صفة مشبهة.‏

هذا و(فعول) محمول على (الاسمية) لعدم بنائه على صيغة فعلية خاصة به. قال ابن سيده في المخصص (16/138): (اعلم أن فعولاً إذا كان بتأويل فاعل لم تدخله تاء التأنيث إذا كان نعتاً لمؤنث. تقول امرأة ظلوم وغضوب وقتول. ومعناه امرأة ظالمة فصرف عن فاعلة إلى –فعول- فلم تدخله هاء التأنيث لأنها لم تبن على الفعل) وأردف (وذلك أن فاعلاً مبني على –فعل- ومُفعلا مبني على –أفعل- وفعيلاً مبني على فعُل، وفعلاً مبني على فعل. فلما لم يكن لفعول فعلٌ تدخله تاء التأنيث تُبنى عليه، لزمه التذكير لهذا المعنى. فإذا كان فعول بمعنى مفعول دخلته التاء ليفرقوا بين ماله الفعل وبين ما الفعل واقع عليه).‏

فالأصل في التاء الفارقة أن تدخل على الفعل. وتدخل اسم الفاعل والمفعول لمشابهتهما الفعل لفظاً ومعنى. وحملت الصفة المشبهة على اسم الفاعل والمفعول لمشابهتها إياهما. وفحوى كلام ابن سيده أن ما كان من الصفات بتأويل (فاعل) لحقته التاء إذا بني على فعل يختص به غالباً، كما اختص (فاعل) بفعل، ومُفعل بأفعل. وفعيل بفعُل، وفعلٌ بفعل، وفعال بما بني عليه (فاعل).‏

أما (فعول) فلم يختص بفعل يغلب عليه بناؤه. لتدخله التاء كما تدخل الفعل الذي بني عليه. والواقع أنه قد سمع (فعول) مبنياً على فعل وفعل لازمين ومتعدّيين وعلى فعُل ولا يكون إلا لازماً. أما فاعل فقد ذهب الجمهور إلى أن بناءه من الأصل على (فعل) لازماً ومتعدياً، و (فعل) متعدياً.‏

فقد قال العرب (فعول) من فعُل كنزور من نزر إذا قل فقيل امرأة نزور قليلة اللبن، ولم يسمع نازر لأن فاعلاً لا يبنى على فعُل.‏

وقيل كسول من كسل، وحصور من حصر ورؤوم من رئم وفروق من فرق ولم يُسمع في معناها (فاعل) لأن فاعلاً لا يُبنى عند الجمهور على فعل لازماً. وقد أدى هذا إلى كثرة (فعول) في المبالغة. قال الدكتور إبراهيم أنيس عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة في مجلة المجمع (18/82): (والذي يبعث على الحيرة هو التسوية بين هاتين الصيغتين: فعول ومفعال، في فكرة القياسية، رغم أن ما ورد من أمثلة فعول في المعاجم العربية يكاد يبلغ ثلاثة أمثال ما ورد فيها من صيغة مفعال. ففي إحصاء سريع من قاموس الفيروزابادي تبين لنا أن عدد أمثلة فعول –379- على حين أن عدد أمثلة مفعال –147-). فإذا كانت فعول للمفعول ألحقت بها التاء فرقاً بينها وبين ما هو للفاعل.‏

عدو على صيغة فعول:‏

هذا وقد جاء في التنزيل (إن هذا عدوٌ لك ولزوجك –طه/ 117) فما القول (عدو) هذا؟ بحث صاحب المغني (عدواً) في الآية، كما بحث (أكيلاً) في قول الشاعر:‏

إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له‏

أكيلاً فإني لست آكله وحدي‏

قال ابن هشام (1/177): (وفيه نظر لأن عدواً وأكيلاً، وإن كانا بمعنى معاد ومؤاكل، لا ينصبان المفعول، لأنهما موضوعان للثبوت وليسا مجاريين للفعل في التحرك والسكون، ولا محولان عما هو مجار له. لأن التحويل إنما هو ثابت في الصيغ التي يراد بها المبالغة) وأردف (وإنما اللام في البيت للتعليل وهي متعلقة بالتمسي، وفي الآية متعلقة بمستقر محذوف صفة لعدو، وهي للاختصاص).‏

يريد صاحب المغني أن ينفي عن (عدو) و (أكيل) صيغة المبالغة في الآية والبيت، وهو يرى أن العدو والأكيل بمعنى المعادي والمؤاكل. وما جاء بمعنى مفاعل كجليس ونديم وسمير لا يعمل باتفاق. ومن ثم لم تكن اللام في العبارتين للتقوية. وإنما هي في (عدو لك) للاختصاص، وفي (فالتمسي له أكيلا) للتعليل.‏

وعلق الشيخ محمد الأمير على كلام ابن هشام فلم ير بأساً في أن يكون (عدو) في الآية، و (أكيل) في البيت، للمبالغة، بل رأى أن المعنى يؤيد هذا، وخالفه فيه الشمني. وعندي أن المعول الأول في الحكم ها هنا، على الدلالة. فأقرب شيء يمكن أن يرد إليه (عدو) هو عدا عداءً. والعداء هو الظلم كما جاء في الأفعال لابن القوطية، لكنه هو العداوة أيضاً. قال الجوهري في الصحاح (العادي: العدوّ). فإذا كان (عدو) مبنياً على (عدا) اللازم، فينبغي أن يكون صيغة مبالغة من لازم محولاً من (عاد)، هذا هو الأصل. قال ابن السكيت (فعول إذا كان في تأويل فاعل كان مؤنثه بغير هاء نحو رجل صبور وامرأة صبور). إلا أن يكون (عدوّ) هذا مؤنثه (عدوة) فيكون صفة مشبهة.‏

قال ابن السكيت: (إلا حرفاً واحداً جاء نادراً قالوا هذه عدوة الله). ومعنى هذا أن الأصل في (فعول) أن يكون صيغة مبالغة يستوي فيه التذكير والتأنيث، فإذا أنث كان شاذاً. ولا يعني شذوذه هذا اقترانه بتاء التأنيث فحسب، وإنما يعني إلى ذلك صيرورته صفة مشبهة. ولم أر من صرح بهذا، غير أنه جاء في المصباح قول للأزهري (إذا أريد الصفة قيل عدوة). وقد يتسامح الأئمة حيناً فيقحمون (فعولاً) في الصفات المشبهة. فقد اعتد ابن الحاجب في الشافية (فعولاً) زنة من زنات الصفات المشبهة، ومثل له بـ (غيور) من غار يغير لازماً على فعل بالكسر، ووقور من وقُر يوقُر لازماً على فعُل بالضم، ولم يعرض الرضيّ في شرحه لهذين المثالين (1/143-148). وقد حكى الشيخ مصطفى الغلاييني (غيوراً) صفة مشبهة في كتابه جامع دروس اللغة العربية، كما جاء محمد أحمد المكاوي الأستاذ بكلية الدراسات العربية بجامعة القاهرة في كتابه التطبيقات العربية بـ (وقور) صفة مشبهة. والذي يفهم من كلام الأئمة أن (فعولاً) كغيور ووقور صيغة مبالغة لا صفة مشبهة، ولو التبس ما بُني من (فعول) من الفعل اللازم بالصفة المشبهة لتقارب دلالتيهما فصيغة المبالغة تدل على التكثير والصفة المشبهة تدل على الثبوت. إذ كيف يتفق أن يكون الأصل في الصفات المشبهة أن تدخلها التاء الفارقة، وأن يكون الأصل في (فعول) بمعنى الفاعل ألا تدخله هذه التاء، ثم يكون فعول صفة مشبهة. وليس هذا حسب، بل كل ما ذكروه مما دخلته التاء من فعول هو (عدو). إذ جاء في كلام الصفدي على لامية العجم (2/276): (لم يأت فعول بهاء إلا في عدوة). وإذا كان قد شذ من الصفة المشبهة صفات استوى فيها التذكير والتأنيث فقد جاء هذا من (فعيل) بمعنى الفاعل، وهو أصل في الصفة المشبهة كبعيد وقريب وصديق وكفيل.‏

ففعول إذن صيغة مبالغة لا صفة مشبهة. وهو محمول على الاسمية لا على الوصفية، فجمعه جمع الأسماء لا جمع الصفات، ويستوي فيه التذكير والتأنيث خلافاً للصفات المشبهة. ولو قالت العرب (غيورة ووقورة) لاختلف الحال. قال سيبويه (2/208): (وأما ما كان فعولاً فإنه يكسر على فعُل عند جمع المؤنث أو جمع المذكر.. وأما ما كان وصفاً للمؤنث فإنهم قد يجمعونه على فعائل.. وكما كسروا الأسماء وذلك قدوم وقدائم وقدُم) وأضاف: (وليس شيء من هذا وإن عنيت به الآدميين يجمع بالواو والنون، كما أن مؤنثه لا يجمع بالتاء، لأنه ليس فيه علامة التأنيث، لأنه مذكر الأصل). وقال في موضع آخر (2/209): (كما كسر فعول على فعُل فوافق الأسماء). وقال الرضي في شرح الشافية (2/133): (وحق باب عدو أن يجمع بالواو والنون، لكنه استعمل استعمال الأسماء فكسر تكسيرها). وإذا حققنا في جمع (عدو) ألفيناه يجمع جمع الصفات فيكون هذا جمع (عدو) الذي يؤنث بالتاء لأنه صفة مشبهة. ويجمع جمع الأسماء فيكون هذا جمع (عدو) اسم المبالغة الذي يستوي فيه التذكير والتأنيث. أما جمع الصفات فهو (الأعداء). وجمع (أفعال) هذا يجمع عليه الاسم ولكن يجمع عليه الصفة أيضاً. فقد جاء في الهمع (2/174): (أفعال يطرد في اسم ثلاثي لم يطرد فيه أفعل… والوصف كجلف وأجلاف وحر وأحرار.. وكذا غير الثلاثي كشريف وأشراف). فكأنهم حملوا الصفة من فعول وهو (عدو) الذي يؤنث، على الصفة من فعيل كشريف فقالوا (أعداء) كما قالوا (أشراف)، وكثيراً ما حمل فعول على فعيل.‏

أما جمع الأسماء فهو (العدى) بكسر العين وضمها. وهو جمع للأسماء دون الصفات. فقد جاء في المصباح أن فعلاً أو فُعلاً ليس جمعاً للصفات وإنما هو جمع للأسماء، قال: (لأن باب عنب مختص بالأسماء ولم يأت منه الصفات إلا قوم عدى، وضم العين لغة فيه) وعدوّ هذا الذي يجمع على عدى هو اسم مبالغة ولو عد وصفاً.‏

أما قولهم (العُداة) فهو جمع (عاد) كقضاة جمع قاض وغزاة جمع غاز. وأما الأعادي فهو جمع الجمع، ولو التبس أمر هذه الجموع في كثير من نصوص المعجمات والأمهات اللغوية. هذا ويحمل (عدو) الصفة المشبهة على لازم، والذي هو اسم مبالغة على (متعد). قال القرطبي في قوله تعالى (اهبطوا بعضكم لبعض عدو- البقرة/ 36): (والعدو خلاف الصديق، وهو من عدا إذا ظلم. وذئب عدوان يعدو على الناس) فبناه من لازم. وقال (وقيل هو مأخوذ من المجاوزة من قولك لا يعدوك هذا الأمر أي لا يتجاوزك..) فبناه من متعد. ونحو من ذلك ما جاء في البحر المحيط لأبي حيان.‏

صيغة مفعال في المبالغة:‏

إذا كان الأئمة قد ساووا بين مفعال وفعّال وفعول في قياس الإعمال، فلا شك أن فعالاً وفعولاً أثبت في دعوى القياس من (مفعال). فقد صح أن ما جاء من (فعول) من أمثلة المبالغة يكاد يبلغ ثلاثة أمثال ما ورد منها على صيغة (مفعال).‏

ومفعال هذا محمول على الاسمية كفعول، إذ يستوي فيه التذكير والتأنيث خلافاً لـ (فعال). قال ابن سيده في المخصص (16/135): (اعلم أن مفعالاً يكون نعتاً للمؤنث بغير هاء، لأنه انعدل من النعوت انعدالاً أشد من انعدال صبور وشكور، وما أشبههما من المصروف عن جهته، لأنه شبّه بالمصادر لزيادة هذه الميم فيه، ولأنه مبني على غير فعل ويجمع على مفاعيل ولا يجمع المذكر بالواو والنون و لا المؤنث بالألف والتاء إلا قليلاً).‏

ويأتي ابن سيده بأمثلة من (مفعال) فيقول: (فمن ذلك قولهم امرأة مبساق إذا وقع اللبن في ثديها. وكذلك الناقة. والشاة مذكار ومئناث إذا كان من عادتها أن تلد الإناث والذكور ومحماق إذا ولدت الحمقى، ومكياس تلد الأكياس). والأكياس جمع كيّس على زنة جيد، وهو الفطن الظريف الحسن الفهم. وأردف (ومنجاب تلد النجباء.. ومتئام إذا كان من عادتها أن تلد اثنين اثنين… وامرأة مبهاج غلبت عليها البهجة، ومغناج من الغنج.. ومعطار متعطرة.. ومعطاء من العطية، ومهداء من الهدية، ومكسال من الكسل، وكذلك الذكر..).‏

وثمة منعاس من النعاس.. ومهراس كثيرة الأكل، ونخلة مبكار تبكر بالحمل ومئخار خلاف ذلك. وأرض مبكار وممراح ومنبات كثيرة الإنبات، ومعشاب كثيرة العشب. وسحابة مغزار كمدرار.‏

هذا وقد رد ابن سيده مجيء (مفعال) للمؤنث والمذكر إلى أنه شبه بالمصادر لزيادة الميم فيه. وقال سيبويه إنه جمع جمع الأسماء كما جمع فعول لأنهما تشابها في استواء التذكير والتأنيث فيهما. فقد جاء في الكتاب (2/209): (وأما ما كان مفعالاً فإنه يكسر على مثال مفاعيل كالأسماء وذلك لأنه شبه بفعول، حيث كان المذكر والمؤنث فيه سواء).‏

وجاء ابن طلحة في كلامه على تفاوت الدلالة في صيغ المبالغة، برأي جدير بالنظر. فقد ذكر السيوطي في الهمع (2/97): (وادعى ابن طلحة تفاوتها في المبالغة أيضاً، ففعول لمن كثر منه الفعل، وفعال لمن صار له كالصناعة، ومفعال لمن صار له كالآلة، وفعيل لمن صار له كالطبيعة، وفعل لمن صار له كالعادة). فإذا صح هذا كان فعال في المبالغة فرعاً على فعال في الاحتراف، فدخلت تاء التأنيث في الفرع حملاً على الأصل. وكان أصل (مفعال) للمبالغة مفعالاً للآلة، فامتنع تأنيث الأول حملاً على أصله أيضاً. أما فعيل وفعل فهما في الأصل صفتان مشبهتان استعيرتا للمبالغة فعوملتا في التذكير والتأنيث معاملة الصفة المشبهة. أما (فعول) فهو أصل في المبالغة لمن يكثر منه الفعل. وقد عُدل به عن فاعل لكنه لم يطرد اشتقاقه في بناء من أبنية الفعل كما اطرد اسم الفاعل والصفة المشبهة، فخالفهما وحمل على الاسم فاستوى فيه التذكير والتأنيث.‏

فاستبان بهذا أن العرب قد جعلت (مفعالاً) اسماً للآلة، فأطلقت (المحراك) مثلاً على العود الذي تتحرك به النار، و (المجداف والمجذاف) بالدال والذال، على الخشبة الطويلة يسير بها الملاح قاربه، ثم استعارت هذه الصيغة لمن كان عمله أو صفته كالآلة كثرة واستمراراً. قال صاحب الكليات أبو البقاء (398): (مفعال لمن اعتاد الفعل حتى صار له كالآلة، وهذا الوزن يأتي لاسم الفاعل لغرض التكثير والمبالغة كالمفضال).‏

ونحو ذلك (مفعل) بكسر الأول، فهو في الأصل لـ (اسم الآلة) ثم استعمل للمبالغة أيضاً. قال زاهر التيمي:‏

ومحشّ حرب مُقدم متعرّض‏

للموت غير معرّد حيّاد‏

قال المرزوقي في شرح الحماسة (يقال حششت النار إذا جمعت الحطب إليها وهجتها، كأنه جعله آلة في حش نار الحرب، لأن المفعل للآلات). وقال في قول الشاعر (مسعر لحروب..) (المسعر الذي كأنه آلة في إيقاد الحرب). وقد قالوا: امرأة مغشم ورجل مغشم للذي لا يثنيه شيء عما يريد لشجاعته، وامرأة مكز ملازمة للخصومة.‏

صيغة فُعله للمبالغة:‏

فُعله بضم ففتح تأتي للفاعل وتكون للمبالغة وتصاغ من لازم ومتعد بل تبنى حيناً على غير فعل. قال ابن السكيت في إصلاح المنطق(176): (اعلم أن ما جاء على فُعله بضم الفاء وفتح العين من النعوت، فهو في تأويل فاعل، وما جاء على فُعلة ساكنة العين فهو في معنى مفعول به). وقال ابن سيده في المخصص (16/171): فُعلة مما يجري على الفعل أو يفارقه). ومما جاء على فُعلة: رجل نكحة كثير النكاح، وعُرقة كثير العرق، ومسكة بخيل، ونتفة للذي ينتف من العلم شيئاً ولا يستقصيه، وحولة محتال، وخُدعة كثير الخداع، وخرجة وُلجه أي متصرف، وهُزأة يهزأ بالناس وسخرة بهم وضحكة يضحك بهم، وهُمزة لمزة يهمز الناس ويلمزهم أي يعيبهم، وخذلة يخذلهم وكذبة يكذبهم، وصُرعة شديد الصراع، وضجعة قعدة نومة كثير الاضطجاع والقعود والنوم خامل، وتكأة كثير الاتكاء ولعبة كثير اللعب، وهزرة كثير الكلام، وأمنة يثق بكل أحد. وامرأة طُلعة كثيرة التطلع، وأكلة شربة كثير الأكل والشرب وسؤلة كثير السؤال.‏

وعقد الأستاذ عطية الصوالحي عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة فصلاً حول (فُعلة) تقدم به إلى مؤتمر المجمع في دورته الرابعة والثلاثين، تضمن اقتراحاً بإطراد صوغ (فعلة) بضم الفاء وفتح العين للدلالة على الكثرة، وقد خلصت لجنة الأصول من بحثها إلى أنه (يجوز أن يصاغ من الفعل الثلاثي القابل للمبالغة صيغة على وزن فعلة بضم الفاء وفتح العين كضحكة وصفاً للمذكر والمؤنث للدلالة على التكثير والمبالغة. وإذا أدى الصوغ من المعتل اللام إلى لبس، وجب التصحيح، فيقال سُعية من سعى، ودُعوة من دعا).‏

ومعنى قوله (وإذا أدى الصوغ من الفعل..) أن فُعلة من سعى (سُعية) قبل الإعلال، على أن من حق الياء فيه أن تُعل فتقلب ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها فيصبح اللفظ (سُعاة)، فيقع اللبس بين فُعلة المصوغ من سعى وهو (سُعاة) وبين جمع (ساع) وهو سُعاة أيضاً. ولذا يُستغنى عن الإعلال ويبقى النعت على (سُعية) بالياء المفتوحة دون إعلال دفعاً للبس، وكذلك الأمر في (دُعوة).‏

صيغة فعّيل للمبالغة:‏

أخذ مجمع اللغة العربية بالقاهرة بقياس (فعيل) بكسر الأول وتشديد الثاني، ولم يقل بهذا أحد من القدماء، بل حذّر بعضهم من قياسه. فقد جاء في المزهر للسيوطي 2/96): (قال ابن دريد في الجمهرة جاء من الأول: رجل سكير دائم السكر، وخمّير مدمن على الخمر، وفسيق فاسق، وخبّيث من الخبث، وحدّيث حسن الحديث، وزاد الفارابي في ديوان الأدب: شريب المولع بالشراب، وخريب الدليل، وصميت دائم الصمت..)، وأردف: (قال ابن دريد في الجمهرة بعد سرده هذه الألفاظ: اعلم أنه ليس لمولد أن يبني فعيلاً إلا ما بنته العرب وتكلمت به. ولو أجيز لقلب أكثر الكلام، فلا تلتفت إلى ما جاء على فعيل مما لم تسمعه إلا أن يجيء فيه شعر فصيح). وقد جاء ذلك في الجمهرة لابن دريد (3/375) في باب ما جاء على فعيل. أقول إذا كثر مجيء (فعيّل) للمبالغة وكان أصلاً في هذا المعنى، فأي بأس بأن نأخذ بقياسه. قال الدكتور إبراهيم أنيس في مجلة المجمع القاهري (18/85): (وقد أمكن لنا في إحصاء سريع أن نجمع من معجم لسان العرب ومحيط الفيروزابادي نحو –71- مثالاً، رويت عن العرب القدماء هي صدّيق وصريع وشريب وقليب..). أما تحذير ابن دريد من الأخذ فيه بالقياس فقد يُرى دليلاً على كثرة ما جاء منه واجتراء بعضهم على الأخذ فيه بالقياس وإلا فما وجه تحذيره هذا لو كانت الأمثلة من (فعيل) نادرة في الأصل لا تؤذن بدعوى القياس فيه، ولا تُغري أحداً بالصوغ على مثاله.‏

وقد جاء في قرار مجمع اللغة العربية بالقاهرة (في اللغة ألفاظ على صيغة فعيل من مصدر الفعل الثلاثي اللازم والمتعدي للدلالة على المبالغة، وكثرتها تسمح بقياسيتها. ومن ثم يجوز أن يصاغ من مصدر الفعل الثلاثي لازماً ومتعدياً، لفظ على صيغة فعيل بكسر الفاء وتشديد العين لإفادة المبالغة)(مجلة المجمع القاهري للدورة-33).‏

و (فعيل) أصل في هذا الباب، فمعظم ما جاء منه، إنما هو للمبالغة، وجاءت على هذه الزنة أسماء قليلة. قال الدكتور إبراهيم أنيس بعد أن عدد (71) مثالاً من (فعيل) وقع عليها في معجم اللسان والفيروزابادي –وكلها تفيد المبالغة في الفعل- (وورد أيضاً في اللسان والمحيط نحو –20-مثالاً من هذه الصيغة تعبر عن أسماء الأشياء. ولعلها كانت في وقت من الأوقات صفات). من ذلك (القليب) اسم للذئب، وكأنه سمي بذلك لتقلبه وخداعه. ففي الجمهرة (وقليب من أسماء الذئب لغة يمانية). وكذلك (العرّيس) فهو اسم لموضع الأسد الذي يعتاده، وهو من عرّس بالشيء إذا لزمه. وعرّس القوم نزلوا من السفر للاستراحة. ومن ذلك (سجين) في قوله تعالى (إن كتاب الفجّار لفي سجّين- المطففين/7)، فقد جاء في اللسان (قيل إن كتابهم في حبس لخساسة منزلتهم عند الله عز وجل)، وجاء فيه (هو فعيل من السجن كأنه يُثبت من وقع به فلا يبرح مكانه).‏

هذا وفعيل أصل في المبالغة، ولم يذكر فيما استوى تذكيره وتأنيثه، فهو كالصفة المشبهة تلحقه التاء ويجمع جمع تصحيح. قال سيبويه (2/209): (وأما الفعيل فنحو شريب وفسيق، تقول شريبون وفسيقون).‏

***‏

هذا ما رأينا تفصيله وبسط القول فيه حول القياس عامة، وقياس الاشتقاق في صيغ المبالغة خاصة. ونرجو ألا نكون قد أسهبنا إلا فيما مست الحاجة إلى الإسهاب فيه، تبييناً لما استقر في هذا الباب من ضوابط كان لا بد في الكشف عنها وانقياد ما تصعّب منها، من تقصي القول واستيفاء الشاهد وإقامة الدليل، بما لا يخرج الفصل عن غرضه. ومن الله العون.‏

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العددان : 11 – جمادى الآخر 1403 نيسان "أبريل" السنة الثالثة و 12 – رمضان 1403 تموز "يوليو" 1983

97 Views

عن

إلى الأعلى