الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » اللغة العربية » النحو والصرف » العوامل والعلل في ( الرد على النحاة ) موفق السراج

العوامل والعلل في ( الرد على النحاة ) موفق السراج


العوامل والعلل في "الردّ على النحاة" ـــ موفق السراج

يرى النحاة أن الظواهر الإعرابية –أي تغير أواخر الكلم من رفع إلى نصب إلى جر إلى جزم- إنما هي نتيجة تأثير الكلام بعضه في بعض. فسموا الكلمة المؤثرة عاملاً، والكلمة المتأثرة معمولاً، والظاهرة الإعرابية الحادثة عملاً. ففي مثل قولنا "لم نسافر" تكون "لم" هي العامل، و "نسافر" هي المعمول، والجزم الحاصل على نسافر هو العمل.‏

ثم أطلقوا فقالوا: ما من ظاهرة إعرابية إلا لها عامل أحدثها(1)، وقد أعملوه في الأسماء والأفعال المعربة ومثلهما الأسماء المبنية(2) وعلى أساس هذه النظرية أرسى الخليل قواعد النحو، ثم توسع فيها تلميذه سيبويه من بعده، فكانت له عمدة في توزيع أبواب الكتاب. فقد عقب على حديثه عن أنواع الإعراب والبناء للكلمات بقوله:‏

"وإنما ذكرت لك ثمانية مجار، لأفرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة، لما يحدث منه العامل وليس شيء منها إلا وهو يزول عنه، وبين ما يبنى عليه الحرف بناء لا يزول عنه لغير شيء أحدث ذلك فيه من العوامل التي لكل عامل منها ضرب من اللفظ في الحرف وذلك الحرف حرف الإعراب"(3).‏

ونفهم مما تقدم أن العامل –عندهم- هو محدث حركات الإعراب التي تكمن أهميتها في الكلام باعتبارها إبانة عن الوظيفة الذاتية للكلمة، وبكونها كلمة ذات دلالة خاصة.‏

وقبل أن نناقش هذا الرأي فنثبت أو ننفي، لا بد من إلمامة عجلى بأهم تقسيمات العوامل. فالعامل عندهم قسمان:‏

1-عامل معنوي.‏

2-عامل لفظي.‏

أما الأول فيعمل الرفع في المضارع "لتجرده من النواصب والجوازم، فالتجرد هو عامل الرفع فيه، فهو الذي أوجب رفعه وهو عامل معنوي، كما أن العامل في نصبه وجزمه عامل لفظي لأنه ملفوظ"(4).‏

كما يعمل الرفع في المبتدأ الابتداء. قال سيبويه "واعلم أن المبتدأ لا بد له من أن يكون المبني عليه –أي الخبر- شيئاً هو هو.. فأما الذي يبنى عليه شيء هو هو فإن المبني عليه يرتفع به كما ارتفع هو بالابتداء"(5).‏

أما العامل اللفظي فهو الأصل لأنه الأقوى، إذ كان محسوساً يدرك بالسمع(6) ولذا دخل جميع أبواب النحو فمنه: الأفعال، والحروف، والأسماء. لكنها ليست متساوية في العمل، فعلى حين أن الأفعال هي العوامل الأصول، فإن القسمين الآخرين فرعان لها، لأننا لا نجد فعلاً غير عامل إلا الأقل، لإخراجه عن أصله لمعنى عرض له كما بينوه. وهو ضربان:‏

لازم: وهو ما رفع فاعله ولم ينفذ إلى مفعول. ومتعد: وهو ما تجاوز فاعله فنفذ إلى مفعول فنصبه. وذكر مفعوله مع فاعله جائز لا لازم، ولا واجب، فنقول على هذا:‏

الرفع في الأفعال عام والنصب فيها خاص(7) ومجمل القول في المتعدي أنه ثلاثة أقسام:‏

1-متعد إلى مفعول واحد:‏

بالجار نحو "غضبت من زيد" أو يتنوع بين التعدي بالجار تارة والتعدي بنفسه أخرى كقوله تعالى: (واشكروا نعمة الله( وقوله: (أن اشكر لي( وقد يتعدى لواحد بنفسه ولا يتعدى أخرى لا بنفسه ولا بالجار نحو "فغر فاه" بمعنى فتحه، و "فُغر فوه" بمعنى انفتح(8).‏

2-متعد إلى مفعولين:‏

آ-أصلهما مبتدأ وخبر وهي أفعال الشك واليقين، وتسمى أفعال القلوب.‏

ب- ليس أصلهما مبتدأ وخبراً. ويمكن اكتفاء هذا الفعل بمفعول واحد ولكن ذكر المفعولين أتم للفائدة(9).‏

3-متعد إلى ثلاثة مفعولين:‏

هذا أهم ما يتعلق بنصب الأفعال المتعدية لمفعوليها.. فهل بوسعنا تحديد العوامل في المنصوبات الأخرى كالخبر والتمييز والمفعول المطلق وظروف الزمان والمكان والمفعول له والحال؟‏

أما الخبر والتمييز فخاصان لا يعمّان كل الأفعال، ألا ترى أنه لا يلزم في كل فعل أن يكون له خبر ككان وعسى وكاد اللواتي لهن أخبار. وكذا التمييز لا يكون في كل فعل، وجملته أنه اسم، نكرة، بمعنى من، مبين لإبهام اسم أو نسبة(10) والناصب لمبين الاسم هو ذلك الاسم المبهم كـ "عشرين درهماً"، والناصب لمبين النسبة المسند من فعل أو شبهه كـ "طاب نفساً" و "هو طيب أبوّة"(11).‏

ولما كان عامله في الأكثر غير متصرف لم يجز فيه التقديم كما جاز في المفعول التقديم والتأخير(12).‏

أما المنصوبات التي تساوت الأفعال في نصبها فخمسة:‏

المفعول المطلق، وعامله إما مصدر مثله نحو قوله تعالى: (فإن جهنم جزاؤكم جزاءاً موفوراً" أو ما اشتق من فعل نحو "وكلم الله موسى تكليماً" أو وصف نحو "والصافات صفاً"(13).‏

والثاني مما تتساوى الأفعال في نصبه، الظرف، وهو اسم الزمان أو المكان لأن الفعل لا يصح وقوعه عارياً منهما، فدل عليهما بمعناه، وقد تعدى الفعل إلى جميع أسماء الزمان لكونها أشبه بالأحداث ولم يتعد من أسماء المكان إلا إلى ما كان منها مبهماً غير مختص، مما في الفعل دلالة عليه كالجهات الست وما أشبهها من ظروف المكان المبهمة(14).‏

والمفعول له ويكون أبداً مصدراً منصوباً ناصبه فعل من غير لفظه لأن الشيء يتوصل به إلى غيره ولا يتوصل به إلى نفسه، ولا يكون كل مصدر بل أكثر ما يقع من المصادر التي هي من أفعال النفوس كالطمع والرجاء(15).‏

والحال وأصل العامل فيه الفعل أو معناه. والفعل إما متصرف أو جامد، أما معناه فلفظ مضمن معنى الفعل دون حروفه. ومنه قول الشاعر:‏

كأن قلوب الطير رطباً ويابساً‏

فعامل الحالين وصاحبهما قوله "كأن" وهو حرف متضمن معنى الفعل "أشبه" دون حروفه. ويتفرع عنهما عوامل أخرى(16).‏

أما المفعول معه فناصبه ما سبقه من فعل أو شبهه بوساطة الواو، والواو لم تغير المعنى ولكنها تعمل في الاسم ما قبلها ومثل ذلك ما زلت أسير والنيل أي مع(17).‏

وكذلك العامل في المستثنى فإن فيه أقوالاً منها قول سيبويه أن العامل فيه الفعل المقدم أو معنى الفعل بوساطة إلا(18) أي أن ما قبلها يعمل في المستثنى بوساطتها كما في المفعول معه.‏

ومن الأفعال العاملة ما يستعمل استعمال الأدوات، والأدوات هي الحروف، وتختص بأحكام تنفرد بها عن جمهور الأفعال ومن ذلك "كان" وأخواتها. وما يفرقها عن باقي الأفعال أنها تدل على أزمنة مجردة من الأحداث والأفعال موضوعة للدلالة على الأحداث وعلى أزمنتها المعينة.‏

ومنها أفعال المقاربة مثل عسى وكاد.. أما عسى فجامدة يرتفع بها الاسم ويفتقر إلى خبر منصوب ولا يكون إلا مصدراً مقدراً غير مصرح بلفظه وذلك المصدر هو "أن" والفعل.. وقد تستغني به عن الخبر..‏

وأما كاد ففعل متصرف، وهو أشد مطالبة للفعل من "عسى" وأقرب إلى الحال منه، ولهذا استغنى عن دخول "أن" في خبره.. وما تبقى منها ما يستعمل استعمال "عسى" ومنها ما يستعمل استعمال "كاد"(19).‏

ومن تلك الأفعال "نعم وبئس" وما جرى مجراهما من الأفعال مما يقتضي مدحاً أو ذماً، وحكمها في العمل أنها ترفع من الأسماء الظاهرة فاعلين معرفين بأل الجنسية أو بالإضافة إلى ما قارنها، أو مضمرين مستترين مفسرين بتمييز نحو "بئس للظالمين بدلاً" وقوله: نعم امرأً هرم ففي كلا الشاهدين ضمير مستتر فاعل، مفسر لإبهامه بالتمييز(20).‏

هذا أهم ما يتعلق بالعوامل الأصول.. إلا أن هناك أسماء تعمل عمل أفعالها ولكنها تتخلف عنها ولا تبلغ منزلتها في العمل ومن هذا القسم اسم الفاعل. ومذهب سيبويه والجمهور أن أسماء الفاعلين لما شابهت الأفعال المضارعة أعملت حملاً عليها كما أعرب المضارع لمشابهته أسماء الفاعلين، ولذا منعوا اسم الفاعل من العمل إذا كان يعبر عما مضى(21).‏

واسم المفعول في العمل كاسم الفاعل في أنه يعمل عمل فعله الجاري عليه فنقول هذا رجل مضروب أخوه، فأخوه مرفوع بأنه اسم ما لم يسمّ فاعله كما أنه في يضرب أخوه كذلك(22) وتنصبه به أيضاً إن كان فعله متعدياً كقولك: زيد معطى أبوه درهماً كما تقول يعطى أبوه درهماً.‏

أما الصفات المشبهة فتعمل الرفع خاصة ولا تنصب مفعولاً فإن نصبت فعلى التشبيه بالمفعول لا على المفعول الصريح(23) وإنما عملت لأنها شابهت اسم الفاعل بكونها صفة تثنى وتجمع وتؤنث(24) إلا أنها فروع على أسماء الفاعلين إذ كانت محمولة عليها انحطت عنها ونقص تصرفها عن تصرف أسماء الفاعلين كما انحطت أسماء الفاعلين عن مرتبة الأفعال فلا يجوز تقديم معمولها عليها كما جاز ذلك في اسم الفاعل(25) وأما المصادر العاملة عمل الأفعال فهي كل مصدر قدر بأن أو ما والفعل وإنما عمل المصدر إن كان على هذه الصفة لأنه في معنى الفعل ولفظه متضمن حروف الفعل فجرى مجرى اسم الفاعل فعمل عمله(26).‏

ومما أعمل عمل الأفعال ألفاظ سميت بها الأفعال أي قامت مقامها ودلت عليها بعملها عملها والفرق بينها وبين مسمياتها من الأفعال أنها وإن عملت عملها فإنها ليست بصريح أفعال لعدمها التصرف الذي هو خاص بالفعل، ولذلك نقص تصرفها في معمولها عن تصرف الفعل وانحطت في ذلك رتبته(27) وهي على ضربين: ضرب لتسمية الأوامر وضرب لتسمية الأخبار والغلبة للأول وهو ينقسم إلى متعد للمأمور وغير متعد له فالمتعدي نحو قولك: عليك زيداً أي: الزمه وغير المتعدي نحو: صه أي اسكت… وأسماء الأخبار نحو هيهات ذاك أي بعُد(28).‏

وأما القسم الأخير من العوامل فهو العوامل من الحروف… والعامل منها ما اختص بالفعل أو الاسم، والمهمل هو غير المختص بأحدهما… إلا أن بعض الحروف قد تكون مختصة وهي غير عاملة، وعلة ما جاء من هذا الضرب في امتناعه عن العمل أن يتصل بما اختص به اتصالاً شديداً، حتى يتنزل لشدة اتصاله به منزلة الجزء منه(29) وهذه ثلاثة:‏

ما ينصب الاسم ويرفع الخبر وهي الحروف المشبهة بالفعل… وقد تدخل عليها "ما" فتكف "إن" وأخواتها عن العمل وتزيل اختصاصها بالأسماء..‏

ثم حروف الجزم وأدوات الشرط.‏

وأخيراً حروف الخفض… وكلها معروفة.‏

وقد يضمر العامل لا لثقله لكن لغير ذلك: من التعويض منه، أو لأن الصنعة أدت إلى رفضه، وذلك نحو (أن) مع الفعل إذا كان جواباً للأمر والنهي، وتلك الأماكن السبعة، نحو اذهب فيذهب معك "ولا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب" وذلك أنهم عوضوا من (أن) الناصبة حرف العطف، وكذلك قولهم: لا يسعني شيء ويعجز عنك، وقوله:‏

نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا‏

صارت أو والواو فيه عوضاً من (أن)، وكذلك الواو التي تحذف معها رُب في أكثر الأمر، نحو قول الراجز:‏

وقاتم الأعماق خاوي المخترق.‏

غير أن الجر لرب لا للواو، كما أن النصب في الفعل إنما هو لأن المضمرة، لا للفاء ولا للواو ولا (لأو).‏

ومن ذلك ما حذف من الأفعال وأنيب عنه غيره. مصدراً كان أو غيره… فالعمل الآن إنما هو لهذه الظواهر المقامات مقام الفعل الناصب.‏

ومن ذلك ما أقيم من الأحوال المشاهدة مقام الأفعال الناصبة، نحو قولك: إذا رأيت قادماً:‏

خير مقدم، أي قدمت خير مقدم. فنابت الحال المشاهدة مناب الفعل الناصب فهذا ونحوه لم يرفض ناصبه لثقله، بل لأن ما ناب عنه جار عندهم مجراه، ومؤد تأديته(30).‏

وبعد فقد تبين لنا من هذا العرض المقتضب للعوامل أن الرأي السائد فيها هو أنها محدثة حركات الإعراب وهذه الحركات سبب تنوع معاني الكلم.. كما لاحظنا أن فكرة العامل دخلت جميع أبواب النحو، وأن هذه الأبواب وزعت على أساسها، فهلا ناقشنا هذه الفكرة فتعرفنا جوانب الصواب فيها؟!‏

لا بأس لدينا من خلال ما جاء في كتاب "الرد على النحاة".‏

لقد ثار ابن مضاء القرطبي (511-592هـ) في كتابه هذا على قول النحاة بالعامل، ولم يلتفت إليه أحد، ولم يؤبه لرأيه هذا، وظل كتابه قابعاً في زاوية مظلمة، إلى أن قيّض له الدكتور شوقي ضيف في سنة (1947م) فحققه وقدم له بمقدمة أشاد فيها بهذا الرجل وبكتابه، ونعته بالطرفة البديعة!‏

وكل ما يعنينا منه أنه دعا إلى إلغاء نظرية العامل، وحجته في ذلك أنها كانت السبب في تعقيد النحو لما خلفته من تقديرات وتأويلات، فلهذا رأى أن يحذف من النحو ما يستغني النحوي عنه، وينبه على ما أجمعوا على الخطأ فيه، وادعى أن رأي سيبويه بيّن الفساد بتوزيعه أبواب كتابه على فكرة العامل لاعتقاده أن العامل هو محدث الإعراب(31). وقد حاول أن ينقض رأي سيبويه ويدعم رأيه هو باستشهاده بقول ابن جني بعد حديثه عن العامل اللفظي والعامل المعنوي:‏

"فأما في الحقيقة ومحصول الحديث، فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره"(32).‏

كما اعترض على تقدير العوامل المحذوفة(33) وليس لمعترض أن يقول بأن النحاة قد أجمعوا على القول بالعامل لأن إجماعهم على القول به ليس حجة(34) واعترض أيضاً على تقدير متعلقات المجرورات(35) وتقدير الضمائر المستترة في المشتقات(36) وفي الأفعال(37) ودعا أيضاً إلى إلغاء العلل الثواني والثوالث(38).‏

إنه لينتابنا العجب مما احتواه هذا الكتاب بين دفتيه! فهو لم يبق على أصل من أصول النحو.. ودعوته إلى إسقاط نظرية العامل لا يمكن أن يقبل بها مصيب.. بل هي دعوة خرقاء ضلت الطريق القويمة، وانحازت عن السداد.. أو ليس صرح النحو كله قائماً على أساس فكرة العامل؟ فما دامت الدعوة إلى إسقاطها دعوة إلى هدم النحو العربي فليس لنا أن نقبلها بأية حال.. وليس له فيما ذكر ابن جني عن العامل حجة يحتج بها في تحقيق مراده… صحيح أن المتكلم كما ذكر أبو الفتح هو المحدث لتلك المعاني المختلفة الناتجة عن تنوع حركات الإعراب، إلا أنه اتخذ من العوامل وسيلة لإحداث الإعراب الذي هو إبانة لما في نفس المتكلم، ودليل على المعنى الوظيفي للكلمة "فالموجد كما ذكرنا لهذه المعاني هو المتكلم، لكن النحاة جعلوا الآلة كأنها هي الموجدة للمعاني ولعلاماتها. ولهذا سميت الآلات عوامل.. وثبت أن العامل في الاسم ما يحصل بوساطته في ذلك الاسم المعنى المقتضي للإعراب وذلك المعنى كون الاسم عمدة أو فضلة أو مضافاً إليه العمدة أو الفضلة.."(39).‏

وإذا كان قد احتج على إلغاء العوامل بما جرّته على النحو من التعقيد، فإن التعقيد جاء من متأخري النحاة، إذ بالغوا بأمر العامل وشعّبوا وجوه القول فيه، وأسقموا النحو بمصطلحات المنطق وعلم الكلام.. "وقد لا يكون تفسير ا لأمر صعباً إذا عدنا إلى القرن الرابع فوجدنا جواً زاخراً بالعلوم العربية والأعجمية، ورأينا عقلية بلغت من النضج والخصب مبلغاً عظيماً، وأدركنا غلبة المنطق وأساليب الكلام ونفاذها في علوم ذلك العصر"(40).‏

وليس ما وصلت إليه فكرة العامل عند المتأخرين بمسوغ له أن يدعو إلى إسقاطها وهدمها من الأساس.. فما يهمنا أنها معتدلة عند متقدميهم وفي طليعتهم الخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه، وإذا أردنا أن نحكم في مسالة علينا أن نردها في منبعها.‏

أما اعتراضه على تقدير العوامل المحذوفة فليس بشيء بدليل أنهم أجمعوا على تقدير الفعل المنصوب بأن المضمرة بمصدر وجعلوا له محلاً من الإعراب حسب موقعه من الكلام.. وهل نستطيع أن نفسر نصب (زيداً) في قولنا: (زيداً كلمته) إلا على أنه مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده… وكذلك كلمة (المسكين) مرفوعة في قولنا: مررت به المسكين إلا على أنها خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هو) كما ذكر سيبويه. وماذا نقول في ناصب (خيراً) في قوله تعالى: (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً) سوى أنه فعل محذوف دل عليه السياق؟ وفيما ذكرناه من كلام ابن جني عن تقدير العوامل المحذوفة ثبت لما نقول (وانظر الخصائص 1/284).‏

وأما ما ذكره من أن إجماع العلماء على القول بالعامل ليس بحجة فلا يمكن أن يطلق هذا ليكون مبرراً لكل ذي نزوة من نزوات تفكره.. وإلا لكانت العلوم فوضى ولأدلى كل واحد بما يحلو له.. إننا نعارض إغلاق أبواب الاجتهاد في مسائل اللغة، لأننا أحرص ما نكون على تطورها ومواكبة روح العصر.. حتى لو خالف المجتهد الجماعة، ولكننا "مع هذا الذي رأيناه وسوغنا مرتكبه لا نسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة التي قد طال بحثها، وتقدم نظرها… إلا بعد أن يناهضه إتقاناً، ويثابته عرفاناً، ولا يخلد إلى سانح خاطره، ولا إلى نزوة من نزوات تفكره"(41) وما ابن مضاء في مخالفة الجماعة إلا مخلد لسانح خاطره، ونزوة تفكيره.. فما عرف أنه رجل فقه وقضاء أكثر من كونه نحوياً.. فلا حجة له.‏

وما دام قد دعا إلى إلغاء العلل الثواني والثوالث نود أن نبين العلاقة بين نظرية العوامل وبين "علل النحو" فنقول أولاً إنهما نابعتان كلتاهما من معين واحد هو العقل البشري الذي من طبيعته التساؤل عن الأسباب الكامنة وراء أية ظاهرة مهما كان نوعها، وبالتالي طموحه إلى تفسيرها وإخضاعها لأحكام منطقه. ويبدو لنا أن العلل النحوية بصورتها البسيطة، وهي التي يسميها الزجاجي "العلل التعليمية" قد رافقت في الأساس نظرية العوامل، بل هي امتزجت بها، حتى ليصعب على المرء التمييز بينهما(44) أما ما آلت إليه نظرية العلة النحوية فيما بعد فبعيد عن نظرية العوامل. فلم تعد العلة مفتاحاً يتوسله العلم لشرح معضلة استغلق ذهن الطالب دون فهمها، بل راحت تتلبس على مر العصور بمفروزات المنطق الفلسفي ومركباته، حتى ناءت بها كتب النحو واللغة لكثرة ما عملت فيها نفخاً وإطالة. وهذا ما قصدنا إليه حين قلنا بتعقيد "علل النحو" في العصور المتأخرة وبعدها عن العلة في نشأتها الأولى وبالتالي عن نظرية "العوامل" التي هي صنو لها(43) وهذا ما جعل ابن جني أيضاً يرفض العلل الثواني والثوالث ويكتفي بالعلة الأولى(44) فلم يكن لابن مضاء سبق القول برفضها.‏

وليس أدل على خطل ما جاء به، كما ذكر الدكتور مازن المبارك، من أن دعوته لم تكن أكثر من صرخة دوّت في أواخر القرن السادس الهجري ثم خمدت فلم تترك وراءها من الأثر أكثر مما يتركه النجم الهاوي من ذيل يضيء ثم لا يلبث أن يضمحل.‏

إلا أن الدعوة إلى رفض القول بالعوامل لم تخمد تماماً.. بل ظهرت من جديد في دعوات وصرخات ناشزة تسترت تحت شعارات مختلفة من "تجديد النحو" أو "إحياء" له، بحجة أن قوالبه القديمة لم تعد مناسبة للاستعمال في عصرنا هذا.. وكان في طليعة هؤلاء إبراهيم مصطفى الذي دعا في كتابه "إحياء النحو" إلى إلغاء نظرية العامل لتوزع أبواب النحو على نمط جديد يسهل للطالب الدرس والفائدة.. فلم يزد على ما جاء به ابن مضاء، ولم يكن حظه بأحسن من سلفه.‏

ويدهش المرء لموقف الدكتور طه حسين المتناقض من هذه المسألة، إذ "كيف يكون ابن مضاء هداماً أكثر منه مصلحاً في رأي من يرى في محاولة إبراهيم مصطفى (إحياء للنحو) ويصر على أن تحمل هذا الاسم، كما ذكر في تقديمه لهذا الكتاب"(45)؟!‏

وأخيراً، وبعد أن تبينا أنواع العوامل من لفظية ومعنوية وعرفنا أن منها الأصول ومنها الفروع، ودللنا على فساد قول ابن مضاء بإسقاط فكرة العامل نقول:‏

العمل في الحقيقة إنما هو للمتكلم لا لغيره، إلا أن العوامل اتخذت وسائل لتنوع المعاني عن طريق تنوع حركات الإعراب.. ولا غنى عن هذه الوسيلة للوصول إلى الغاية.‏

موفق السراج‏

الحواشي:‏

(1) المحيط في أصوات العربية ونحوها وصرفها 3/65. محمد الأنطاكي.‏

(2)المدارس النحوية. ص 38. د. شوقي ضيف.‏

(3)الكتاب 1/10. سيبويه.‏

(4)جامع الدروس العربية 1/172. مصطفى الغلاييني.‏

(5)الكتاب 1/278. سيبويه.‏

(6)المرتجل ص 114. ابن الخشاب.‏

(7)المرتجل ص 116.‏

(8)شذور الذهب ص 356. ابن هشام.‏

(9)المرتجل ص 155.‏

(10)أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك. 2/108 ابن هشام.‏

(11) نفسه 2/109.‏

(12)المرتجل ص 158.‏

(13)أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 20/33.‏

(14)المرتجل ص157.‏

(15) نفسه ص 159.‏

(16) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 2/91-92.‏

(17)الكتاب 1/177.‏

(18)شرح المفصل 2/76. ابن يعيش.‏

(19)المرتجل ص 124.‏

(20)أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 2/283.‏

(21)نفسه 2/283.‏

(22)الكتاب 1/87.‏

(23)شرح المفصل 6/80.‏

(24)المرتجل ص239.‏

(25)شرح الكافية 2/205. رضي الدين الاستراباذي.‏

(26)شرح المفصل 6/82.‏

(27)نفسه 6/60.‏

(28)المفصل ص 61. الزمخشري.‏

(29)المرتجل ص 168 وص 227.‏

(30)الخصائص 10/263-264. ابن جني.‏

(31)الرد على النحاة ص 85. ابن مضاء القرطبي.‏

(32)الخصائص 1/110.‏

(33)الرد على النحاة ص 88.‏

(34)نفسه ص 93.‏

(35) نفسه ص 99.‏

(36)نفسه ص 100.‏

(37) نفسه ص 103.‏

(38) نفسه ص 151.‏

(39)شرح الكافية 1/25. رضي الدين الاستراباذي.‏

(40)النحو العربي ص 98. د. مازن المباوك.‏

(41)الخصائص 1/190.‏

(42)تجديد النحو ص 59 د. عفيف دمشقية.‏

(43)نفسه ص 161-162.‏

(44)الخصائص 1/173.‏

(45)النحو العربي ص 157

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العددان : 11 – جمادى الآخر 1403 نيسان "أبريل" السنة الثالثة و 12 – رمضان 1403 تموز "يوليو" 1983

66 Views

عن

إلى الأعلى