فلسطين عبر التاريخ عبد الرحمن المزين


فلسطين عبر التاريخ ـــ عبد الرحمن المزين

الجزء الأوّل‏

((المقدمة))‏

بعد أن اغتصب الصهاينة أرض فلسطين.. عمدوا إلى طمس تاريخها وسرقة تراثها…‏

فقد أقاموا في عواصم أوروبا والأميركيتين، معارض لأزيائنا الشعبية المطرزة، وفنوننا التطبيقية المتمثلة في فن الزجاج والفخار والصدفيات والمنحوتات الخشبية والنحاسيات. كما أقاموا المهرجانات والحفلات لرقصاتنا الشعبية "الدبكة" والأغنية والموسيقى الشعبية ونسبوا كل ذلك بالزيف والتضليل لأنفسهم.‏

ورداً على ادعاءات الصهاينة نورد الحقائق التاريخية الأثرية على هذه الصفحات.‏

((الباب الأول))‏

فلسطين خلال العصر الحجري القديم‏

يستفاد من علم الجيولوجيا أن حقب الحياة الحديثة(1) في فلسطين قد بدأت منذ نحو خمسين مليون سنة ويشير بعضهم أنها بدأت منذ سبعين مليون سنة. وقد كانت تغطيها المياه، ومن ثم أخذت أرض فلسطين ترتفع نسبياً عن سطح المياه، ومنذ قرابة مليوني سنة على الأقل حدث شق أرضي كبير في القشرة الأرضية بفلسطين، فتكونت بذلك مرتفعات فلسطين، ونهر الأردن وبحيرة طبرية والحولة والبحر الميت، ويعتقد الجيولوجيون أيضاً أنه كان هناك اتصال بين البحر الميت ووادي الأردن على شكل بحيرة أو خليج، وفي العصور المطيرة انقطع هذا الاتصال فقام البحر الميت.‏

ولبيان الجهود الجبارة والمحاولات الأولى لإنسان فلسطين للتغلب على ما حوله من قوى الطبيعة، لا بد لنا من عرض كل مرحلة من مراحل العصر الحجري القديم على حدة كما هو آت:‏

أولاً- مرحلة العصر الحجري القديم الأسفل(2):‏

كان إنسان فلسطين في هذه المرحلة بدائياً يعيش داخل الكهوف المتعددة، التي تميزت بكثرتها في البيئة الفلسطينية، وكان يسكن هذه الكهوف هرباً من الأمطار الغزيرة من ناحية، وهرباً من الحيوانات من ناحية أخرى. وقد عثر على آثار هذه الحيوانات داخل حفائر الكهوف في (المنسوب) الأرضي لها وهي الكركدن والفيل وفرس النهر والخراتيت والجواميس النهرية وثيران الكهوف، وقد كان يصطاد هذه الحيوانات من أجل غرضين الأكل والملبس وربما كان يفضل لحوم بعضها على بعضها الآخر.‏

وقد عثر المنقبون على أدوات حجرية قام إنسان فلسطين بصنعها من حجارة المنطقة، وتاريخها يعود إلى 280000 سنة، وهي تتألف من أدوات وأسلحة، كان يستخدمها إنسان فلسطين في هذه المرحلة كفؤوس يدوية أو مكاشط أو سواطير. وهذه الأدوات عثر عليها في أماكن متعددة من كهوف فلسطين، منها كهوف جبل الكرمل.‏

وقد قامت بالحفائر فيه الآنسة (دورثي جارود، ود. بيت) كذلك في حضارة أم قطفة التي تقع في شمال غربي البحر الميت وقد اكتشفها "رينه نوفيل"، كما عثر أيضاً على أدوات حجرية في مغارة الزطية شمالي غربي بحيرة طبرية، وقد اكتشفها "تول فيل بيتر".‏

وأهم هذه الأدوات الحجرية الصوانية نوعان:‏

النوع الأول: الفاس اليدوية- ويطلق عليها بعض العلماء "قبضة اليد" وهي تتألف من كتلة حجرية مكونة من لب حجر الصوان، بحيث يمكن للإنسان إمساكها بقبضة اليد واستعمالها.‏

النوع الثاني: البلطات اليدوية- وقد عثر المنقبون على أعداد كثير منها، في مناطق متعددة من فلسطين، منها مجرى نهر الأردن، وشمال بحيرة طبرية، وقد صورت البلطة اليدوية على شكلين: بيضاوي ومثلث.‏

ويذكر علماء الآثار أن أدوات هذه المرحلة قد اتبع في صنعها طريقة خاصة وهي تسمى لديهم بطريقة "القلب أو اللب".‏

وقد عرف إنسان فلسطين في هذه المرحلة الموغلة في القدم "استخدام النار" فقد عثر المنقبون في أحد كهوف الكرمل وهو مغارة الطابون، في أسفل طبقة، على بقايا النار وتعود إلى 150000 سنة ق.م. وهي من أخشاب السنديان والطرفاء والكرمة والزيتون(3). وقد تم ذلك بفضل الآنسة "دوروثي جارود، ود بيت).‏

ثانياً- العصر الحجري القديم الأوسط(4):‏

أخذ جو فلسطين في هذه المرحلة يتجه نحو الجفاف، وذلك بين دورين ممطرين، ولكن الجو مع ذلك كان دافئاً جافاً، كما أن الأنهار كانت أكثر عرضاً منها الآن إذ أنها كانت مملوءة بالماء، وتبدو في عرضها وكأنها مستنقعات. كما أن هناك مساحات واسعة مغطاة بالأشجار والحراج. ولكن في نهاية هذا العصر هطلت أمطار غزيرة، لذلك فإن الإنسان لم يترك البيوت الطبيعية وهي المغارات والكهوف، يدل على ذلك الحفائر الأثرية، حيث عثرت الآنسة دوروثي جارود، ود. بيت، على أقدم بقايا الهياكل العظمية البشرية، وذلك في منطقة الشرق الأدنى القديم حيث يعود تاريخها إلى 100000 سنة على الأقل. وقد عثر رينه نوفيل عام 1934م في جبل القفزة في كهف يقع في جنوب الناصرة على بقايا هياكل عظمية وتفيد هذه الاكتشافات أن الهياكل العظيمة هذه، ذات أهمية فهي تنحدر من النوع المعروف النياندرتالي(5)، حتى تصل إلى أشكال تكاد تكون هي الإنسان الحديث، كما أن هياكل جبل الكرمل تميزت بأنها لها صفات تشريحية مثل الإنسان الحديث الأول، ويوضح بعض الباحثين أن إنسان جبل الكرمل، يمثل مرحلة الإنسان الحديث الأول. وأصحاب هذه الهياكل عاشوا داخل الكهوف اتقاء للمطر والحيوانات المتوحشة التي كانت تغص بها أحراج فلسطين الكثيفة في ذلك الوقت، وقد كان يعتمد في غذائه على التقاط الفواكه والثمار والأعشاب، وربما كانت تقوم بهذا الواجب النساء. أما الرجال فكانوا يصيدون الحيوانات، لأن مهمة الصيد صعبة. وقد عثر على بعض عظام حيوانات تلك المرحلة داخل الكهوف، ومنها الغزال والضبع المرقط والدب والحمل وخنزير النهر والوعل والكركدن وفرس النهر وقد عثر على عظامها داخل حفائر الكهوف. وتفيدنا هذه الحفائر أن الحضارة في هذه المرحلة كانت داخل الكهوف. وقد عثر على عدة طبقات تفيد أن هناك حضارات متتالية قامت داخل الكهوف، وتتمثل هذه الحضارات البدائية في الأدوات الحجرية الصوانية، وتعرف لدى علماء الآثار باسم الأدوات المشظاة. وتتكون من أدوات مشظيات تكون حوافها الخارجية غالباً حادة إلى حد كبير، وقد استخدموها كأدوات لتقطيع اللحوم وسلخ جلود الحيوانات بل وفي تخريم جلودها وتقطيع شرائح منها واستخدامها كخيوط لحياكة الملابس الجلدية.‏

ومن أدوات هذه المرحلة البلطات اليدوية والمطارق والسواطير والسكاكين وأدوات تخريم الجلود.‏

ثالثاً- العصر الحجري القديم الأعلى(6):‏

يعود تاريخ هذا العصر إلى (3500 حتى 15000 سنة)، وقد تزايدت نسبة الجفاف فيه، وأصبح المناخ عامة قريباً من المناخ المعروف اليوم بمناخ البحر المتوسط، وقد امتد حتى نهاية هذه الفترة، وكان إنسان فلسطين في هذه المرحلة يعيش داخل الكهوف، وقد اكتشفت آثاره في مناطق متعددة أهمها كهف الأميرة، وذلك بالقرب من بحيرة طبرية وقد اكتشفه تروفيل بيتر، في كهف مغارة الوادي قرب الطرف الغربي الكرمل. وقد عرف إنسان هذه المرحلة استخدام النار، حيث عثر على بقايا من أخشاب النار، ودل تركيبها أنها كانت من السنديان والطرفاء والكرمة والزيتون، وقد عثرت عليها الآنسة دورثي جارود وبيت وأدوات هذه المرحلة "الأسلحة النصلية" ويطلق عليها علماء الآثار، الأدوات والأسلحة الميكروليتية، أي الأدوات الدقيقة، وتتميز بأنها صغيرة الحجم وسهلة الحمل، كما تعرف بتعدد أشكالها. وقد عثر المنقبون أيضاً على أدوات وأسلحة تعود إلى هذه المرحلة في مناطق متعددة من فلسطين، منها كهف القفزة بالقرب من الناصرة، وتتمثل الأعمال الفنية الحجرية هذه بكتل مربعة ذات حد ونصال رفيعة طويلة، بأدوات مسننة، ومكاشط خرطومية. كما عثر على إفريز من حيوانات ما قبل التريخ في أم قطفه.‏

إنني أعتقد بأن كهف أم قطفة كان مكان عبادة لإجراء (طقوس) سحرية أمام ذلك الرسم قبل قيامهم برحلة الصيد، وضمن هذه (الطقوس) كان هناك رقص تعبيري تمثيلي. كما أن رسمهم لهذه الحيونات، كان لاعتقاد أنه عند رسمهم لها يمكنهم السيطرة عليها، وهذا الأسلوب اتبع في حضارات العالم القديمة والتي ظهرت داخل الكهوف ويطلق العلماء على هذه الطريقة اسم التطابق والتشابه.‏

ومع نهاية مرحلة العصر الحجري القديم الأعلى تبدأ مرحلة جديدة وهي مرحلة العصر الحجري المتوسط. وقد عرف فيها إنسان فلسطين الاستقرار والزراعة إلى جانب الصيد.‏

أهم المراجع:‏

(1)-للاستفادة: راجع محاضرات التكنولوجيا، للدكتور زكي اسكندر، كلية الفنون الجميلة بالاسكندرية، قسم الدراسات العليا عام 71-1972م.‏

آثار فلسطين، للدكتور وليم ف. أولبرت مترجم، ص 54، 55. وللتوسع في تاريخ الأرض الجيولوجي راجع: الموسوعة الذهبية، المجلد الثاني ص 269، كذلك الموسوعة الذهبية المجلد الثالث، ص 419 إلى 424، الناشر مؤسسة سجل العرب 1971م.‏

(2)-د. وليم ف. أولبريت، آثار فلسطين مترجم، ص 57.‏

د. فيليب حتي، تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، الجزء الأول، مترجم من ص 7 إلى 13.‏

د. جيمس هنري برستد، انتصار الحضارة، مترجم ص 41.‏

(3)-د. فيليب حتي، تاريخ لبنان، مترجم ص 58، دار الثقافة بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1972م.‏

(4)-د. نجيب ميخائيل إبراهيم، مصر والشرق الأدنى القديم، رقم (3)، ص 38 دار المعارف بمصر عام 1966م، الطبعة الثالثة.‏

د. فيليب حتي، تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، مترجم الجزء الأول، ص 10 إلى 13.‏

د. وليم ف. أولبريت، آثار فلسطين، مترجم، ص 58.‏

(5)-نسبة إلى موقع أثري في ألمانيا اسمه "نياندرثال" حيث عثر على هياكل عظمية لأول مرة بالقرب من دسلدورف في ألمانيا عام 1856م، راجع المعرفة، المجلد الأول، ص 146، مترجم، الناشر شركة ترادكسيم، جنيف، سويسرا.‏

(6)-د. أنور الرفاعي، قصة الحضارة في الوطن العربي الكبير، ص 75، 76.‏

د. نجيب ميخائيل إبراهيم، مصر والشرق الأدنى القديم، رقم (3) الطبعة الثالثة 1966م، دار المعارف، ص 39.‏

((الباب الثاني))‏

فلسطين خلال العصر الحجري المتوسط‏

بدأت حضارة العصر الحجري المتوسط في فلسطين منذ 12000 سنة قبل الميلاد، ودامت حتى 6800 قبل الميلاد، ومن أهم مواقعها الأثرية: مغارة الوادي والخيام والوعد وكباران والشقبة وقرى عين ملاحة شمال غربي بحيرة طبرية، وقد كشف عنها (جان برو) عام 1956م وأريحا حيث عثرت الآنسة كينيون أيضاً على آثار لإنسان فلسطين وذلك في حفائرها التي قامت بها في الفترة بين 1952-1957م.‏

وقد أطلقت الآنسة دورثي جارود على الحضارات السابقة الذكر اسم الحضارة النطوفية نسبة إلى وادي النطوف شمال القدس في كهف كشفت عنه في عام 1928م واسمه كهف الشقبة.‏

وقد عرف الإنسان في هذه المرحلة الموغلة في القدم تأنيس الحيوانات وتربيتها، حيث عثرت الآنسة دورثي جارود على جمجمة كاملة لكلب كبير في مغارة الوادي من كهوف الكرمل. ويعتبر فيليب حتي هذه الجمجمة أول برهان لتدجين الحيوانات، ويعتقد أن إنسان تلك الحضارة دجن الكلب حين كان لا يزال يعيش صياداً، وكان ذا فائدة في الصيد والحراسة وجمع فضلات الطعام(1) كما عثر جارستانج على أشكال تمثل البقر والماعز والغنم والخنزير وهي مقدمات نذرية، وقد صنعت من الطين. وهذه تؤكد أيضاً معرفته لتدجين الحيوانات.‏

وقد مارسوا الصيد حيث عثر على أعداد للأدوات الصوانية، والآلات المدببة وأهمها ما يعرف لدى المنقبين باسم النصل القمري، وهو نصل صواني على شكل قوس أو هلال. ويعتقد وليم ف. أولبريت بأنه استخدم كرأس سهام كان لها فرضة، كذلك السنانير المصنوعة من العظم لصيد الأسماك.‏

كما عرف إنسان فلسطين الزراعة منذ 12000 سنة ق.م. وقد عثر المنقبون (الآنسة دورثي جارود وتورفي بتروكاثلين كينيون) على أدوات تؤكد معرفتهم للزراعة، أهمها مناكيش أطرافها مدببة ومعاول، وقد صنعت لحرث الأرض. أما الأدوات الخاصة بالحصاد فهي المناجل وبعضها كبير الحجم وقد صنع من حجارة الصوان، وكذلك مناجل صنعت من العظم بعضها كامل وبعضها مكسور، والمناجل الكبيرة زينت برؤوس منحوتة لحيوانات من البيئة وقد ثبت المثال بنصالها أسناناً صغيرة من الصوان تمتد من طرف النصل إلى طرفه الآخر.. وهذا النوع ظل معروفاً بفلسطين حتى العصر الحديدي مع إدخال تعديلات لم تبعده عن الأصل. (وليس ثمة ما يستغرب في هذا الاتجاه المحافظ للشكل، فإنما هو امتداد لاتجاه كل الجماعات إلى التمسك بخبرتها الاجتماعية التي اكتسبتها بالعرق والجهد وميلها إلى نقل هذه الخبرة من جيل إلى جيل بحسبانها تراثاً لا يقدر بثمن)(2).‏

كما عثر في وادي النطوف على أدوات حصاد وهي مناجل صنعت من حجارة الصوان من النوع المعروف باسم "الشفرات الصوانية" وقد ثبت في قبضة خشبية ذات شكل منحن مثل المنجل، ويعتقد أنها كانت تستخدم لحصاد القمح.‏

وعثر في أريحا على قرابين تتمثل بأجران ومخازن غلال، كذلك أدوات لتجهيز الحبوب وهي الأهوان وأيادي الأهوان والأجران.. كما عثر داخل الكهوف وفي القرى على مناجل ومناكيش.‏

وأهم ما يميز فلسطين في هذه المرحلة بناء القرى وأشهرها قرى عين ملاحة وتعود للعصر النطوفي المبكر أي منذ 12000 سنة قبل الميلاد، حسب التاريخ بالكربون المشع.. وقد بنيت من الحجر، وتتميز بمنازلها ذات التخطيط المعماري الدائري وأرضياتها من الحجر، ومنخفضة عن سطح الأرض تميل جدرانها إلى الداخل، كما اتجهت إلى أعلى البناء، بحيث تكوّن قبة في النهاية.‏

كما عثر على قرى أخرى بالقرب من بحيرة الحولة في (عينات) أسسها وأرضياتها من الحجر، وعثر أيضاً في وادي النطوف شمال غربي القدس على بيوت دائرية مسقوفة بالقصب المخلوط بالتبن، وكذلك وجدت مواقد مربعة في وسط كل بيت وقد أحيطت بأحجار طليت بمادة بيضاء قوية جداً وهي الجبس.‏

عرف البناء في هذه المرحلة القديمة في أريحا حيث عثرت الآنسة كاثلين كينيون، على الصخر مباشرة على بيوت دائرية التخطيط تامة التكوين وتعود إلى العصر النطوفي المتأخر، وهي تدل على أول إنسان استقر في أريحا داخل منازل وقام بأول تجربة في فن البناء، وتعتقد كينيون أن أهل أريحا قد بنوا في بادئ الأمر بيتاً دائرياً صلباً وواسعاً، ومن ثم قلد بعد ذلك، فشيد أهل أريحا عدة مبان دائرية انتشرت على مساحة كبيرة وهي عشرة أفدنة وسكنها في بادئ الأمر نحو ثلاثة آلاف نسمة. وتبدو مساكن أريحا في تلك الفترة وكأنها بيت واحد وفيها الوسائل الدفاعية، كما يبدو أن مجتمع أريحا كان في تلك الفترة مجتمعاً مترابطاً يتكون من جماعات ذات هدف واحد ويؤكد ذلك نظام المدينة المحاطة بالأسوار الدفاعية(3).‏

شكلت مباني أريحا من جواليص الطين أو الطوب، وجدرانها منحنية إلى الداخل كلما اتجهت إلى أعلى، بحيث تعطي في النهاية قبة وكان لها مداخل منحدرة، ووجدت آثار لخشب في الجدران، وهذا يوحي بأن السقف من أغصان وفروع من الخشب مجبسة، أما وجه الحائط، فكان يتكون من الطين المغطى بألواح من أشجار النخيل، وأما الأرضية، فهي من الطين المجبول، وتاريخ هذه المباني يعود إلى 7800 سنة ق.م. ولا تقل عن 7000ق.م. وذلك حسب التاريخ بالكربون المشع(4). وأحيطت المدينة بسور ارتفاعه عشرة أمتار ما زالت بقاياه في مدينة أريحا القديمة.‏

وقد كان لهم تفكيرهم الديني الخاص. فقد وجد في "عينات" معابد، وتبين أن أريحا وتاريخ معبد أريحا يعودان إلى 7800 سنة ق.م.(5). كما عرفوا المقابر حيث عثر في قرى عين ملاحة على مقابر جماعية وفردية وكان أهلها يهتمون بتغطية موتاهم بكتل حجرية ضخمة لحفظها. وقد زودوا مقابرهم بالأثاث الجنائزي وكذلك الحال في مقابر عينات حيث كان لهم تقاليد محكمة في الدفن وقد زودوا مقابرهم بالأثاث الجنائزي.. كما وجدت أواني الطعام وأدوات الزينة في أماكن الدفن(6) وعرفوا أيضاً فن النحت والنقش، حيث عثر على تمثال صغير يمثل غزالاً منحوتاً من العظم، وعلى تماثيل حجرية لرؤوس أشخاص، وعلى نحت يمثل عضو التذكير من الصوان في مغارة الوادي، وهي عادة كنعانية، كما مهروا في النحت والنقش على العظم لرؤوس الحيوانات ومنها الثور والغزال.‏

ومن خلال عرضنا السابق نجد أن أهل فلسطين خلال العصر الحجري المتوسط عرفوا حياة الصيد وتأنيس الحيوانات والزراعة وبناء القرى منذ 12000 سنة ق.م. ونظام القبة المعماري وكذلك المقابر والنحت والنقش وأدوات الزينة. وتشير هذه الحضارة إلى بعض الدلالات الكنعانية العربية وأهمها:‏

1-النحت الذي عثر عليه في مغارة الوادي ويمثل عضو تذكير.. هذا النحت كان يستخدم في مراسم عبادة داخل المغارات. وقد استخدم النحت الذي يمثل عضو التذكير في الاحتفالات السنوية التي تقام في كل عام لدى الكنعانيين وخاصة منذ 3000 سنة ق.م. وتعرف باحتفالات عيد إله الخصب في مطلع الربيع وعيد آخر في تموز.‏

2-نظام القبة والذي عرف منذ 12000 ق.م.. وكان من أهم ميزات العمارة الكنعانية خلال عصر البرونز والحديد والعصور التي تلت وقد ظهر طراز القبة في مسجد قبة الصخرة، فالمهندسون المعماريون والعمال هم عرب من فلسطين وسوريا.‏

أهم المراجع:‏

(1)-د. فيليب حتي، تاريخ لبنان، مترجم، دار الثقافة بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1972م.‏

(2)-أرنست فيشر، ضرورة الفن، مترجم، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1971م، ص 203.‏

(3)-Kathleen, M.Kenyon Excavations at Jericho 1955, From Exploration, Quarterly, October, 1955, page 110, 111.‏

(4)-Kathleen, M. Kenyon Excavations at Jericho, From Palestine Exploration, Quarterly, July- December 1956, Page 6.‏

(5)-Kathleen, M. Kenyon Jericho, Archaeology, Vol, 20, No. 4 (October 1967) D. 267.‏

(6)-د. وليم ف. أولبريت، آثار فلسطين، مترجم، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، الكتاب الحادي عشر، 1391هـ 1971م، 63.‏

د. رشيد الناضوري، جنوب غربي آسيا وشمال أفريقيا، الكتاب الثالث، دار الجامعة العربية، بيروت، يناير 1969م، ص 36.‏

فلسطين خلال العصر الحجري الحديث‏

إن معظم آثار العصر الحجري الحديث بفلسطين عثر عليها المنقبون في مدينة أريحا. وتقول الآنسة كينيون إن الآثار المادية الغزيرة في أريحا، تدل على أن الإنسان قد خطا نحو المدينة منذ نحو 7000 سنة ق.م. "وإن حضارة أريحا كانت بداية الخيط والإشعاع الأول لبداية الحضارة الإنسانية". إذ إن البقايا الأثرية للعصر الحجري الحديث والعصر الحجري المتوسط "النطوفية المتأخرة" تعطينا دلالات على أن مدينة أريحا استقرت استقراراً كاملاً في نحو 8000-7000 سنة ق.م.(1) وقد سبق أن أوردنا أنه كان يسكنها في البداية نحو ثلاثة آلاف نسمة على مساحة عشرة أفدنة وتبدو وكأنها بيت واحد على ما فيها من الوسائل الدفاعية.‏

وقد دلت البحوث الأثرية على أن أريحا حلت بها أمطار غطت المساكن القديمة، ومن ثم اضطر أهلها لبناء مساكن أخرى. وقد وجد هذا النوع في تسع طبقات حفرية متتالية، وطراز هذه العمارة الدنيوية مؤلف من غرف مجتمعة حول باحة تتوسطها، بحيث تلتقي بداية الغرف مع نهايتها، وهي ذات زوايا قائمة وجدرانها صلبة وأبوابها عريضة، وذات أقواس دائرية. وقد بنيت الجدران بقوالب من الطوب المسطح المضغوط والمصنوع باليد. أما جدران وأرضيات الغرف والباحات فقد طليت بطبقة رقيقة من الجبس المحروق. وقد احتفظت الجدران والأرضيات المصقولة بعناية بلمعانها حتى وقت العثور عليها. وقد زينوا الجدران بعظام أسماك السردين(2) وتاريخ هذه المباني يعود إلى 6800 سنة ق.م. وقد ظهر نوع آخر من المباني يتكون من قطع من الحجر الضخم، اصطف بعضها إلى جوار بعض، ووضع بعضها فوق بعض، ثم غطيت من الخارج بالتراب أو الحجارة، وقد وجدت مبان عديدة من هذا النوع منتشرة بفلسطين وحول نهر الأردن على ضفتيه وتاريخها يعود إلى 6250 سنة ق.م.(3) وقد استمرت حتى المرحلة الثانية من العصر الحجري الحديث المتضمن للصناعة الفخارية وكذلك العصر الحجري النحاسي إلى جانب بناء القرى المنظمة ذات البيوت المتباعدة شيئاً، والتي امتازت بزواياها القائمة وبجدرانها المبنية بجواليص الطين المستدير. وقد اهتموا أيضاً بالعمارة التحصينية الدفاعية وهي تتكون مما يأتي:‏

1-الخندق: وهو محفور في الصخور الصلبة يبلغ طوله نحو 27 قدماً وعرضه 9 أقدام وكانوا يملؤونه بالماء الذي يجلب من نبع أريحا، ويدل على ذلك طبقة الطمي التي تملأ الخندق.‏

2-البرج: دائري الشكل وقد بني من الحجارة، وهو مصمت الجدران ليس به فتحات وارتفاعه 30 قدماً، به سلم حجري يوصل إلى قمة البرج وعدد درجاته ثمان وعشرون درجة. وهي تنزل بزاوية 30 درجة، وعلى عمق 20 قدماً، وكل درجة من درجات السلم تتكون من طبقة حجرية واحدة وقد قام البناء بتنعيمها باستخدام المطرقة. أما السقف فقد صنع بالطريقة التي استخدمت في السلالم نفسها، وقد وصل عرض بعض تلك الحجارة إلى متر ونصف. أما جدران مدخل السلالم فقد غطيت بطبقة من الجبس المصنوع من الطمي. ويرى بوضوح آثار أصابع الأشخاص الذين قاموا بتغطيتها بالجبس، وفي أسفل مدخل السلالم وجد ممر أفقي يتجه ناحية الشرق. وتعتقد الآنسة كينيون أنه ربما أدى إلى فتحة لخارج البرج.‏

3-الأسوار: أحيطت أريحا بأسوار وهي مشيدة من الحجارة، ومنها سور واضح يتكون من حجارة، على ارتفاع 20 قدماً.‏

وكان لهم معابد إذ عثرت الآنسة كينيون على معبد مؤلف من غرفة مستطيلة الشكل أبعادها 6 × 4 متراً، وأرضيتها مغطاة بالجبس المصقول.‏

وفي أحد أطرافها محراب مؤلف من جدران منحنية باتزان، وبه قاعدة حجرية من الصوان الخشن، وبجوارها ملقى حجر بركاني شكل بعناية، كذلك أشكال نذرية تمثل حيوانات مصنوعة من الطمي أو الصلصال، وهناك وسط الغرفة حوض من الحجر مستطيل وصغير، غطي سطحه بطبقة من الجبس المصقول، ثم حرق الجبس بعناية بالنار(4).‏

وقد وجدت أيضاً مبنى غريب الشكل يعود إلى نفس مرحلة المباني الملتفة حول باحة تتوسطها، وقد وجدت جماجم للأطفال، بل طفل كامل، وقد وضعت جميعاً تحت أساس هذا المبنى الغريب، ويدل هذا أنها ضحية أو قربان(5) وهذا يذكرنا بمعابد الكنعانيين العرب فمن عاداتهم دفن موتاهم من الأطفال تحت أسس المباني الدينية والدنيوية.‏

وقد عثر على شواهد دينية حجرية منتشرة بكثرة في فلسطين وعلى جانبي نهر الأردن وهي مؤلفة من صفوف ودوائر حجرية، وهذه أيضاً عادة عربية كنعانية ظهرت بشكل واضح بفلسطين منذ عصر البرونز المبكر وكذلك في سورية ولبنان والأردن. إذ كانوا يضعون حجارة رمزية للآلهة تحت الأشجار على الأماكن المرتفعة. وهي ضخمة ومستطيلة الشكل، ومنها حجر يمثل إله القبيلة وحجر يمثل إله الخصب وحجر هو مذبح صخري للقرابين.‏

وتفيد الحفائر الأثرية أنهم آمنوا بالخلود والحياة الأخرى بعد الموت: ولذلك حرصوا على دفن موتاهم تحت أرضيات منازلهم. كما عرفوا فن النحت، وخاصة التماثيل البشرية وتتكون من (أب- وأم- وابن) وهذا النوع من التماثيل حجمه ثلثا الحجم الطبيعي للإنسان وهذا النحت الثلاثي يذكرنا بالثالوث في العبادة العربية الكنعانية. فيدل على أنهم عرب كنعانيون في هذه المرحلة. وقد وجدت الآنسة كينيون تمثالاً تعتقد أنه يخص أم الآلهة وهو صغير جداً ولا يتجاوز حجمه أكثر من حجم الأصابع طولاً ورأسه مفقود، أما باقي التمثال فهو موجود. وقد أظهر المثّال العباءة الفضفاضة التي تتجمع حول خصر الإلهة، كما أظهر ذراعيها اللتين تضعهما حول خصرها، أما الأيدي فتمسك بها صدرها وهذا التمثال على حسب اعتقادي هو تمثال لإلهة الخصب في أريحا وهي التي عرفت أيام العرب الكنعانيين باسم الإلهة عناة. حيث كانوا ينقشون رسوماً لها خلال عصر البرونز وما تلاه بنفس الطريقة التي ظهر عليها تمثال أريحا. كما أن تمثال هذه الإلهة يشير إلى معرفة أهل أريحا للنسيج منذ فترة لا تقل عن 7000 سنة ق.م. لأن التمثال يعود تاريخه إلى 6800 سنة ق.م.(1).‏

وقد عرفوا النحت الذي يمثل الحيوانات، حيث عثر على أعداد كبيرة منها، كأشكال نذرية مشكلة- منها الماعز- الماشية والخنازير كما وجدت تماثيل لأعضاء التذكير داخل المعابد وهي عادة عربية كنعانية الغرض منها تقديس الخصب.‏

ووجد داخل المعابد رموز عربية كنعانية منها قاعدة حجرية صنعت من حجر الصوان الخشن وحجر بركاني شكل بعناية. وقد وجد إلى جوارها الأشكال النذرية التي تمثل الحيوانات(6).‏

وأهم ما يميز هذه المرحلة، "النحت الصوري" وقد تمثل بجماجم مغطاة بطبقة من الجبس، بعضها يعود إلى 6800 سنة ق.م. والبعض إلى 5000 سنة ق.م. وعليها علامات بعضها له شنب مرسوم وبعضها حليق الرأس، وقد ظهر على الجزء العلوي للرأس في بعضها غطاء، يشبه غطاء الرأس المعاصر لدى السيدات الفلسطينيات ويعرف حالياً باسم "الوقاية" أو "الصمادة". وظهرت هذه خلال فترات عصر البرونز والحديدي والعصر اليوناني الروماني واستمرت دون انقطاع حتى الآن، وهي تؤلف وثيقة أو هوية إثبات لاستمرارنا على أرض فلسطين.‏

أما الرؤوس الحليقة فإنني أعتقد أنها رؤوس كهنة معابد. وهم عرب كنعانيون، وكان الرأس المحلوق ميزة من ميزات الكهنوت العربي الكنعاني، وقد ظهر الكهنة الكنعانيون العرب على جدران طيبة عام 1420 ق.م. وهم حليقو الرؤوس، يقدمون الجزية.‏

وقد عرفوا الفخار في هذه المرحلة وهو نوعان:‏

النوع الأول- الفخار غير المحروق: وقد وجدت كينيون خمس قطع دائرية الشكل صنعت من الصلصال وهي رقيقة تماماً مثل النقود ويعتقد أنها قطع عملة، كما عثرت على قطعة أخرى مخروطية الشكل من الصلصال وغير محروقة وتتميز بأن عليه أشكال خطوط ملتوية، وتعتقد الآنسة كينيون أنها أختام، وتاريخها يعود إلى 6800 ق.م.‏

النوع الثاني- الفخار المحروق ويعود تاريخه إلى 5500 ق.م. يعتقد بعضهم أنه يعود إلى 5000 سنة ق.م.‏

والفخار المحروق عثر عليه كل من جارستانج وكينيون في أريحا، واستكليس في أريحا وقرى اليرموك. والفخار الذي عثر عليها جارستانج اتخذ في بادئ الأمر شكل الأحواض المجوفة في الأرض ومن ثم بُطن بطبقة من الكلس، ويبدو أن ذلك استخدم مخازن لحفظ الحبوب وجمع الماء. ثم تطور واتخذ أشكال جرار لها حواف بسيطة وقعر مسطح ومسكات على شكل الكرة أو العروة.‏

أما فخار استكليس فقد زين برسوم تمثل هيكل السمكة.‏

والفخار الذي عثرت عليه الآنسة كينيون في حفائرها في الطبقة (9) يتميز بأنه مخلوط بالتبن ومزين ببعض الأشرطة من عظام السردين، وقد رسم الفنان عليه أشكالاً هندسية اشتملت على وحدات هندسية منها المثلثات والخطوط المتعرجة بزوايا هندسية منفرجة. والجدير بالذكر أن بعض أشكال فخار أريحا تشبه أشكال الفخار الفلسطيني المعاصر شبهاً واضحاً وأهمها الإناء المعروف حالياً (بالزبدية أو صحن أبو عشرة أو اللقان) وفخار أريحا يعود إلى 5000 سنة ق.م. على الأقل. وهذا التشابه راجع للمحافظة على استمرارية الشكل عبر التاريخ ليبقى شاهداً على وجودنا القديم في فلسطين.‏

من خلال عرضنا السابق، نجد أن حفائر فلسطين والتي تعود إلى العصر الحجري الحديث. تدل على أنها عربية كنعانية.‏

أهم المراجع:‏

(1)-Kathleen, M. Kenyon: Jericho, Archaeology, vol, 20, No.4. (October 1967, P. 268, 270.‏

(2)-Kathleen, M. Kenyon: Excavations at Jericho, 1956 From Palestine Exploration uarterly July- December, 1956. Page 6‏

(3)-د. رشيد الناضوري، جنوب غربي آسيا وشمال أفريقيا، الكتاب الأول، ص 140، دار الجامعة العربية، بيروت، سبتمبر، 1968م.‏

(4)-Excavations at Jericho- 1954, by Kathleen M. Kenyon (Director British School of Archaeology in Jerusalem Page 9).‏

(5)-نفس المرجع السابق ص 9.‏

(6)-An Article from Scientific American, April 1954, Vol. 190, No.4 (ancient Jerich) by Kathleen M. Kenyon, Page 81.‏

((الباب الرابع))‏

فلسطين خلال العصر الحجري النحاسي‏

(5000-3000 سنة ق.م.)‏

قامت خلال هذا العصر عدة حضارات هامة متصل بعضها ببعض أهمها: أريحا- ووادي غزة- والغسولية- وبئر السبع- ومجدو- وبيت شان- والخضيرة- وتل الفارعة- وتل جازر، حيث تطورت الحياة في جميع مظاهرها، واكتشف معدن النحاس، وظهرت الزراعة المعتمدة على الري، وقد شملت عدة أنواع من الخضراوات وهي الخس والبصل والثوم والحمص والفول والتوابل.‏

ويعتقد أنها أثرت في ارتفاع قامتهم وقوة أبدانهم قياساً إلى من تقدموهم من أسلافهم، ويمكن القول إنهم كانوا مزارعين بالدرجة الأولى، وقد عرفوا إلى جانب زراعة الحبوب، زراعة الزيتون، والنخيل، أما حياة الصيد فكانت بالنسبة لهم شيئاً ثانوياً(1).‏

كما كانوا يزرعون العنب والتين، وقد عثر مكالستر على حفر ذات تجويف خصصت لعصر العنب والزيتون، وقد عثر على معاصر الثمار المنقورة في الصخر، في أماكن متعددة وخاصة مدينة الخليل.‏

وأهم آثارهم المعمارية تتكون من منازل ومعابد وأضرحة. فالمنازل في الغسولية، وقد بنيت جدرانها من الطوب اللبن المتوسط الحجم على أساس من الحجر، أخذ من المنطقة نفسها، وقد غطيت سقوفها بالقصب وأغصان الأشجار، وامتاز فن المعمار بالأبنية الكبيرة الحجم والتخطيط المعماري المستطيل، وبعض المباني تقابل منازلها باحة، وقد أحيطت المنازل من الخارج بأسوار، وبعض منازل الغسولية شيدت أسسها وجدرانها من الطوب اللبن. وأما السقوف فقد استخدموا الخشب في تغطيتها لوفرته في المنطقة نفسها. وكان لهم معابد في الغسولية وتل جازر وبيت شان والخضيرة وغزة وبئر السبع.‏

واهتموا ببناء الأسوار حول مدنهم، ومنها تل جازر حيث أحيطت بسور من الطوب الخشن وبقيت مدينة أريحا محاطة بأسوار عالية وخنادق مملوءة بالماء وبرج حجري يحمي المدينة.‏

وفي بئر السبع حفروا منازلهم داخل الصخور، ويؤدي إليها ممر أو ممارّ، والممر يؤدي بدوره إلى غرف جانبية وقد حفرت في الصخر.‏

كما عرفوا التصوير الجداري: -حيث رسموا على جدران مدينة الغسولية لوحات تصويرية متعددة الألوان، وتعتبر أقدم فريسكو في العالم القديم(2).. وأسلوب هذه اللوحات يتميز بالطابع الزخرفي الهندسي، وأهم هذه اللوحات، لوحة "النجمة الثمانية".‏

وكانوا يرمزون بهذه النجمة إلى كوكب الزهرة، وكانت هذه معبودة لديهم كما كانت إلهة الخصب. وقد قلدها اليهود فرسموا نجمة سداسية.. نقلاً عن النجمة الثمانية الكنعانية التي يعود تاريخها إلى 4500 سنة ق.م.‏

وظهرت هذه النجمة الثمانية في الزخرفة الإسلامية على أيدي فناني فلسطين وسوريا الذين قاموا بتشييد مسجد قبة الصخرة وزخرفته.. وهذه النجمة ما زالت تظهر حتى أيامنا هذه على الأزياء الفلسطينية المطرزة وتعتبر من أساسيات زخرفة فن التطريز الفلسطيني المعاصر.‏

وهناك عدة لوحات مرسومة، منها لوحة تمثل طائراً ملوناً يحاكي الطبيعة، ولوحة ملونة تمثل رجلاً يجلس أمامه شخصان، يلبس أحدهما حذاءً مطرزاً(3).. وبهذا فقد عرف التطريز بفلسطين منذ 4500 سنة ق.م.، كما رسموا أشكالاً آدمية وحيوانية على سطوح الأحجار، حيث عثروا في مجدو على رسوم تمثل ذلك، كما عثروا على (دلايات) مرسوم عليها، منها دلاية تمثل فتاة وبيدها زهرة، ويعود تاريخها إلى الألف الرابعة قبل الميلاد.‏

وعثر المنقبون على تماثيل نذرية تمثل البقر والماعز والأغنام وعلى تمثال يمثل جسد امرأة عثر عليه في بئر السبع. وهذه تمثل إلهة الخصب عناة أو عشيرة الكنعانية. هذا وقد قدسوا الحمامة ونحتوا لها تماثيل، وقد لازمت كهنة المعابد الكنعانية خلال العصور التاريخية وقدسها الفلاحون في فلسطين لصوتها، يقولون إنها مباركة وتسبح ربها.‏

كما عرفوا صنع الفخار ومهروا في زخرفته وهو نوعان: الأول الفخار الجنائزي والثاني الفخار الدنيوي. والفخار الجنائزي: يمثله المدافن أو التوابيت الفخارية، وبعضها على شكل بيوت وترتكز على قوائم أسطوانية أربع ولها سقف دائري وهو غير مزخرف، وتوابيت أخرى مؤلفة من صندوق مستطيل من الطين، يميل من الأعلى مثل "الجملون" وعليه زخارف على أسلوب اللوحات الجدارية التي عثر عليها في مدينة الغسولية، وقد وجدت بالقرب من قرية الخضيرة على الساحل الفلسطيني.‏

وزخارف هذه التوابيت ما زالت توضع على الأزياء الفلسطينية المعاصرة. وقد عثر في تل الجزر بالقرب من أبو شوشة، على أوان فخارية مملوءة بالطعام والشراب بجوار الموتى، وهناك جرار فخارية كان يوضع بها الأطفال الموتى ويدفنون تحت أسس المباني والهياكل أو المعابد، عثر عليها في تل جازر وبيت شان والغسولية وأريحا. وما زالت هذه العادة الكنعانية العربية تمارس لدى الفلسطينيين فعندما يموت طفل دون السنة، فإنهم يضعونه داخل جرة فخارية ثم يدفنونه.. وهذه العادة الأسطورية تعطي دلالة على استمرارية شعب واحد عربي كنعاني على هذه الأرض.‏

وأما الفخار الدنيوي: فقد عثر على أعداد كثيرة منه في بيت شان وتتميز بلونها الأسود، والرمادي المصقول، والأيدي المموجة. وقد وجد منه نماذج في مصر السفلى ويعود تاريخها إلى عصر ما قبل الأسرات، كما عثر في مجدو على أقدم أنواع الفخار المزين والمنقوش بزخارف كثيرة والملون وبه تطعيم، ويعتبر فخار أريحا من أجمل أنواع الفخار، ويتميز بتعدد أشكاله وتنوعها، وما زال بعضها بشكله حتى الآن دون تغيير ومنها الإناء المعروف باسمه الشعبي "الزبدية- صحن أبو عشرة اللقان" وكذلك الإناء المعروف باسم "البوشة والبقلوشة والزير".‏

وهذا الحفاظ على الشكل دلالة على الاستمرارية دون انقطاع… وهكذا يتضح لنا من العرض الموجز لفلسطين خلال العصر الحجري النحاسي، أن شعبها كان عربياً كنعانياً وأن هذا الشعب له ارتباط بالشعب العربي الفلسطيني المعاصر، بدلالة محافظة أهل فلسطين المعاصرين على صناعات وعادات أجدادهم الكنعانيين العرب.‏

أهم المراجع:‏

(1)-د. وليد الجادر، دراسة مترجمة في حضارة العراق والشرقين الأوسط والأدنى القديمة، مجلة الأقلام، بغداد، العدد السادس، ص 73.‏

(2)-عبد الرحمن المزين، رسالة الماجستير، الفن التشكيلي في فلسطين عبر التاريخ 1975، جامعة حلوان، ص 85.‏

(3)-د. وليم ف. أولبرايت، آثار فلسطين ص 71، مترجم، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1971م.‏

((الباب الخامس))‏

فلسطين خلال عصر البرونز‏

3000-1200 سنة ق.م‏

تعتبر مرحلة عصر البرونز من المراحل التاريخية الهامة، ذلك لما حدث خلالها من اتصال وتنقل وغزوات بالنسبة لسكان العالم القديم، ولوقوع فلسطين في هذه المرحلة بين حضارتين عظيمتين، مصر، وأرض الرافدين، وقد انعكس ذلك كله على الحياة والمجتمع بفلسطين.‏

ويقسم الباحثون عصر البرونز إلى ثلاثة عصور وهي كالتالي:‏

1-عصر البرونز المبكر ويمتد من 3000-2100 سنة ق.م.‏

2-عصر البرونز المتوسط المتأخر ويمتد من 2100-1600 سنة ق.م.‏

3-عصر البرونز المتأخر ويمتد من 1600-1200 سنة ق.م.‏

وسأتحدث أولاً عن عصر البرونز المبكر.‏

مع بداية هذا العصر حدث انتشار للعرب داخل حدودهم وظهرت تنقلات بشكل واضح وملموس. حيث انضم لعرب فلسطين عرب قادمون من أرض الرافدين ومن جنوب بلاد العرب. وقد أطلق على العرب سكان الساحل السوري (سوريا- لبنان- فلسطين) الكنعانيون وعلى سكان المناطق الداخلية البعيدة عن الساحل "العموريون".‏

وأهم مدن الكنعانيين بفلسطين أريحو- بيت شان- شكيم- تل بيت مرسيم- عكو- يافا- عسقلان غزة- بئر السبع- عقرون- تل جاز- تل الفارعة- أورشليم- مجدو- بيت يراح.‏

وقد سموا بالكنعانيين نتيجة لاشتهارهم بالصبغة الأرجوانية الحمراء، التي كانوا يستخرجونها من أصداف بحرية تكثر على الساحل الكنعاني، واسمها أصداف الموركس وهم لم يتاجروا بالصبغة، بل تاجروا بما أنتجته نساؤهم من الثياب المطرزة والمصبوغة بالصبغة الأرجوانية.‏

وكان هؤلاء قبائل تنافست فيما بينها على الرغم من صلة القرابة والجنس بينهم، فدفعهم ذلك إلى بناء قلاع ضخمة، وأسوار عالية حول مدنهم كي تحمي كل قبيلة نفسها وتدعم حكمها، ولهذا انتشر نظام المدن المستقلة، تؤلف كل مدينة أو مدينتين مملكة، وكذلك الحال في سوريا ولبنان والأردن.‏

وقد راعوا في بناء مدنهم المحصنة أن تكون على تل مرتفع عن سطح الأرض التي حوله بشكل ملحوظ، وأن تكون الأرض منبسطة شيئاً حول التل بحيث يمكن رؤية الأعداء بسهولة إذا قدموا إلى قلعتهم التي يقيمون فوقها مدينتهم، كذلك يجب أن يكون التل بالقرب من مصدر ماء للشرب.‏

وقد بنوا مباني دنيوية ودينية وجنائزية. ولكن الاهتمام الكبير وجه إلى (الدفاعات) في جميع المدن، فمثلاً، بلغ سمك خربة كراك نحو ثمانية أمتار، كما عثر على مبنى محصن في خربة كراك، بلغ سمك أسواره نحو ثمانية أمتار، كما عثر المنقبون على مبنى مستطيل الشكل أطواله تراوح بين (40-30 متراً) وسمك جدران المباني عشرة أمتار. ووجد بالمبنى مدخل في جهته الشرقية، وقد بلغ عرضه نحو سبعة أمتار(1). وهذا المبنى يدل على استمرار نظام القبة خلال عصر البرونز وقد ظهر بفلسطين منذ 12000 سنة ق.م، وما زال حتى الآن.‏

شاع طراز الأسوار العالية في كافة المدن، وهو في الغالب مكون من جزئين، سفلي منحدر من الجانبين، وذلك لكي يتحمل سمك الجدار، ويدعم به المبنى وعلوي قائم. وقد عثر على هذا الطراز في بيت شان ومجدو وتل جاز حيث بلغ سمك جدرانها نحو أربعة أمتار ونصف.‏

ولكن مدينة أريحا امتازت عن بقية المدن الفلسطينية بفن (الدفاعات) حيث اهتموا بها إلى حد كبير، وتتكون الدفاعات من خنادق، ثم منحدرات مائلة يتوجها من أعلى جدران شديدة الارتفاع وعريضة. وقد عثر في إحدى حفائر أريحا على خندق كثير الأجزاء على شكل 77 ويحيط به منحدر طوله 11 متراً، وارتفاعه 7.75 متراً وهي من الطوب. وداخل هذه الأسوار وجدت مبان بلغ سمك جدرانها حجراً واحداً، وهي أحجار طرية ناعمة مصنوعة من الصلصال الأخضر، وقد وجدت في حالة غير جيدة، ويبدو من الحفائر أنها بنيت ثلاث مرات. والمباني المبكرة منها بنيت منفصلة بعضها عن بعض بحشوات ركامية سميكة، ولكن المباني المتأخرة منها قد تميزت بالحشوات الطينية والحجرية، والجدران القائمة من الطوب(2).‏

تبلور الفكر الديني الأسطوري الكنعاني، في سورية عامة خلال هذه المرحلة ومنها فلسطين فابتكروا آلهة وبنوا لها معابد وأصبحوا يقدمون لها القرابين، ويقيمون لها مواسم سنوية. وأهم هذه الآلهة "عليان بعل- عناة- عشيرة أو عشتر- مت- ايل- حارون- شالم أو شليمو- داجون". والأسطورة الكنعانية بوجه عام هي تجسيد للمظاهر الطبيعية، حيث يصور الصراع بين المعبود بعل، إله الخضرة والأمطار، وبين المعبود مت إله الموت والحصاد، فيلتقي بعل مع مت، ويقضي مت على بعل، وفي هذه الفترة تكف الحياة عن الإنتاج والخصب. وتبحث عناة ومعها عشتر عن المعبود بعل أو "عليان بعل" إلى أن تعثر عناة على مت وتذبحه بسكين الحصاد، المنجل، وتذروه بالمذراة في حقول كنعان، فتعود الخضرة إليها وهكذا تتوالى العملية، فإذا ظهر عليان بعل، اختفى "مت".‏

وفي هذا حسب اعتقادهم استمرار لفصول السنة، وفي كل عام كانوا يحتفلون باليوم الذي مات فيه إله الخصب فيقيمون عيداً سنوياً مدته سبعة أيام، يقومون بطقوسهم، وأهمها رقصة المعابد، وهي الدبكة، التي يرقصون فيها على قرع الطبول ونغمات الناي. وهناك نصوص تشير إلى أنه كان للكنعانيين العرب، عيدان عيد في بداية الربيع، وعيد في شهر تموز.‏

وعندما حل الدين السماوي، تركوا الأساطير وآلهتها. ولكن أعياد الآلهة لم تمت أو تنته، بل تحولت إلى الأفراح الفلسطينية، فالفرح الفلسطيني أو العرس، يقام لمدة سبعة أيام بلياليها تتخلله رقصات الدبكة، وهي في الأصل رقصات المعابد الكنعانية.‏

وأسماء الآلهة الكنعانية ما زالت تطلق على قرانا ومدننا حتى الآن وهذه الأسماء هي: داجون أو دجاني- وعناة- وعشيرة- وعليان.‏

وهذا الحفظ التاريخي للعادات والأسماء الشخصية، وأسماء القرى والمدن هو دلالة على الاستمرارية والارتباط بتراث أجدادنا العرب الكنعانيين.‏

وقد أقاموا لآلهتهم الأسطورية معابد عديدة في مجدو وأريحا وبيت شان وغزة، ويعود تاريخها إلى مطلع الألف الثالث قبل الميلاد. وتحت جدران هذه المعابد عثر على جثث أطفال رضّع، وهذه العادة كنعانية. وداخل المعابد عثر على صناديق صنعت من الفخار أو الصلصال لخزن الغلال ومنها معبد أريحا وكذلك معبد في تل الدوير(3).‏

وخير مثال للمعبد الكنعاني، هو معبد مدينة عاي. وهو مستطيل الشكل والباب الرئيسي في أحد أضلاعه المستطيلة. وقد بُني بحجارة غير منتظمة، سويت بالدق والنحت. (كما هو متبع حتى الآن في بناء القرى الجبلية والمدن مثل الخليل ونابلس ورام الله وبيت لحم والقدس) أما سقف المعبد فقد كان مقاماً على أعمدة خشبية قائمة منحوتة نحتاً جيداً.‏

والواقع أن جميع المعابد التي عثر عليها كانت مؤلفة من غرفة واحدة لها باب في إحدى أضلاعها الطويلة. ويعود ذلك إلى أن الاحتفالات الدينية كانت تقام في الهواء الطلق‏

أما المقابر الجنائزية، فتتمثل في المقابر العديدة التي عثر عليها المنقبون في أريحا وتل الفارعة وخربة كراك وغيرها من مدن عصر البرونز المبكر وهي نوعان:‏

الأول: مقابر جماعية، وهي قبور واسعة جداً، وتحتوي على مقابر فردية، بداخلها أوعية فخارية قرابين، وأواني طعام وشراب لاعتقادهم بالعالم الآخر.‏

الثاني: مقابر فردية وهي صغيرة مخصصة لفرد واحد، وأثاث القبر في الغالب يتكون من خنجر أو دبوس شعر وخرز وأواني طعام، وشراب، والجدير بالذكر أن هذين النوعين يستخدمان حتى الآن في مدن فلسطين وقراها.‏

وقد اهتموا بالصناعات الفخارية، وهي عدة أنواع:‏

1-الفخار ذو الكسوة الشريطية.‏

2-الفخار ذو الحزم الزخرفية الملونة.‏

3-فخار خربة كراك.‏

4-الفخار ذو المقابض الظرفية.‏

ومعظم أنواع هذا الفخار ما زال يصنع حتى الآن بفلسطين ولا سيما في غزة وخان يونس والخليل. ومن هذه الأشكال (الإبريق- والزبدية وصحن أبو عشرة واللقان والبوشة والبقلوشة والزير).‏

كما عرفوا فن التطريز يؤكد هذا ما عثر عليه المنقبون من آثار الأنوال وأثقال الأنوال وفلكات الغزل في كل بيت من بيوت عصر البرونز المبكر.‏

وهكذا يتضح لنا عروبة فلسطين خلال عصر البرونز المبكر، تؤكدها الدلالات الأثرية، الملموسة والعادات والتقاليد والصناعات التطبيقية المتوارثة حتى الآن.‏

أهم المراجع:‏

(1)-عبد الرحمن المزين، رسالة الماجستير، الفن التشكيلي في فلسطين عبر التاريخ، ص 114.‏

(2)-Jericho- by Kathleen M. Kenyon, From Archaeology, Vol. 20, No.4.‏

October 1967 page 274.‏

(3)-Excavations at Jericho- 1954, by Kathleen M. Kenyon. (Director, British School of Archaeology in Jerusalem, Page 14).‏

((الباب السادس))‏

فلسطين خلال عصر البرونز المتوسط‏

2100-1600 ق.م‏

تشير الحفائر الأثرية إلى أن أهل فلسطين خلال عصر البرونز المتوسط كانوا يقيمون داخل مدن محصنة، بأسوار عالية سميكة، ومزودة بشرفات وأبراج مراقبة، ومنحدرات مائلة بجوار الأسوار، وفي بعض المدن كان يحفر خندق حول الأسوار يملأ ماء لحماية المدينة، وكانت بعض المدن محاطة بسورين أو ثلاثة أسوار متتالية، لأن المدينة لها ملك، وبذلك فإن كلمة "مملكة" في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، خلال فترات عصر البرونز والحديد، تعني مدينة أو مدينتين، وما حولهما من أراضي زراعية، لأن كل مدينة كما سبق أن ذكرت عند كلامي عن عصر البرونز المبكر، كانت ملك قبيلة، ورئيس القبيلة هو الحاكم، ويلقب أحياناً بالأمير ولكن اللقب الغالب هو "الملك".‏

وكانت كل مدينة أو مملكة مستقلة بذاتها، الحاكم وجنده يعيشون داخل أسوار المدينة، وكان لطبقة الملاك والتجار قصور خاصة. وبقية الشعب يزرعون الأرض، ويقومون بالصناعات التطبيقية وغيرها. وإذا قامت حرب أو حدث هجوم على مدينة، فإن المزارعين والتجار وغيرهم يلجؤون إلى أسوار المدينة المحصنة، وكثيراً ما كانت تنشب حروب بين المدن أو بين هذه الممالك الصغيرة، ولذلك حرصت كل مدينة على حماية نفسها وأفراد قبيلتها. وقد حال هذا دون قيام وحدة بين ممالك فلسطين وسوريا ولبنان والأردن. بعكس مصر التي كانت تعيش تحت أمرة حاكم واحد، إذ ساعد هذا على قيام امبراطورية ضاربة وقوية متقدمة في جميع العلوم والفنون القديمة، وجعلها مرهوبة الجانب في وجه المغيرين، وكذلك الحال في أرض الرافدين، حيث قامت امبراطورية قوية.‏

(وتظهر فسيفساء، ترجع إلى امبراطورية حمورابي البابلية (2003-1950ق.م) أمراء محليين كانوا يتقاسمون بلاد كنعان "فلسطين وآمور، أو سوريا" وكان أهم أولئك الملوك الكنعانيين أو الفلسطينيين ملك "يبوس" أو "أورشيليمو".. وكانت تمتد مملكته حتى الكرمل، وهكذا تبدو أورشيليمو، مدينة ملك السلام، معروفة منذ العهد البابلي، وفي جنوب فلسطين في النقب تفيد حفائر "نلسون جلويك" أن النقب كان عامراً بالسكان خلال عصر البرونز المتوسط حيث عثر على "قرى كثيرة صغيرة من الحجر تسكنها أقوام نصف بدوية، منتشرة في كل المنطقة القاحلة التي تقع جنوبي بئر سبع).(1)‏

ويبدو لي أنهم من قبائل المدينيين الذين انتشروا حول برزخ السويس وبجنوب فلسطين وهم الذين أنقذوا "سنوحي"، ومدوا له يد العون وساعدوه في إتمام رحلته عبر فلسطين ثم لبنان، واستقراره أخيراً في سهل البقاع بسوريا.‏

كما أن اسمي ملكي المدينة، ملكيصادق وأدوناي- صادق (نحو 2000 ق.م) هما من أسماء العلم المعروفة في ذلك العهد(2). ويجب أن يعرف أن اسم القدس الكنعاني هو "أورشليم أو أورشالم" وقد ظهرت هذه المدينة خلال العصر الحجري النحاسي، ودلت حفائر ايبله بسوريا، على أنها إحدى المدن الكنعانية المعروفة منذ 2500 ق.م واسمها مشتق من اسم الإله الكنعاني "شالم". أي أن اسمها "أورشالم أو أورشليم".‏

وتشير الحفائر التي قامت في فلسطين إلى أن هناك وافدين جدداً من سوريا الشمالية، ينتمون إلى سكان فلسطين الذين استقروا قبلهم بآلاف السنين، ويبدو أن الوافدين الجدد، هم عموريون من القبائل المتجولة التي لم تستقر بعد، وهؤلاء وصلوا إلى دلتا النيل.‏

ويعتقد بعض الباحثين أن الدافع لذلك اقتصادي، وربما كان لحصول جدب في منطقة الشرق الأدنى بأسره. وقد أشار إلى ذلك مستشهداً بتسجيل "الملك أوناس آخر ملوك الأسرة الخامسة في الطريق الجنزي الخاص بهرمه، لأحداث مجاعة شديدة في مصر"(3).‏

وعهده قريب من توقيت هذه الهجرات، بل وتشير الحفائر إلى أنه "في نحو 2150 سنة ق.م، غزا الأموريون فنيقيا وفلسطين، حيث عم الخراب والحرائق معظم المدن"(4).‏

وتشير الحفائر أيضاً أن العموريين وصلوا من شمال سوريا مع بداية عصر البرونز المتوسط، وساندوا الأكاديين ابناء جنسهم فسيطروا على السومريين، وأخضعوهم لسلطانهم، وذلك نحو 2237 ق.م وقد برز منهم ملك لمدينة عرفت باسم بابل، واسمه "سوموابم" ولكن سرعان ما أصبح قوياً فعين نفسه ملكاً وذلك في نحو 2105 ق.م. وهو يعتبر مؤسس مملكة بابل الأولى، التي كانت عاصمتها مدينة بابل. ولكن هذه المملكة قويت وأصبحت بعد ذلك بقرن، عاصمة أول امبراطورية عربية عظيمة في أرض الرافدين وذلك على يد حمورابي (2003-1961 ق.م.).‏

كانت بابل المدينة الأولى والأجمل بين مدن غربي آسية، ويبدو أن هناك هجرة عمورية أخرى خرجت فعلاً من سوريا الشمالية، في اتجاه آخر وذلك في فترات متقطعة بين 2300 و2150 وحتى 2000 ق.م، وقد غزت فلسطين، وظهر ذلك واضحاً في حضارة أريحا ولاكيش وتل بيت مرسيم ومجدو وبيت شان، كما غزت الساحل السوري، ويشير إلى ذلك تدمير مدن عصر البرونز المبكر الرابع بفلسطين، كما يظهر أيضاً على ساحل فلسطين، وعلى الساحل السوري في جبيل وأوغاريت وصور وصيدا. ولكن هؤلاء سرعان ما ذابوا في إخوانهم من العموريين والكنعانيين الذين سبقوهم إلى الاستقرار والتطور والسكن داخل المدن المحصنة وترك مرحلة البداوة.‏

ولذلك نرى سكان فلسطين خلال هذه الفترة، على رغم أنهم عموريون وكنعانيون فإن هجرتهم أو تنقلاتهم المتتالية جعلت أسبقهم أكثر استقراراً وتطوراً. ولهذا كان هناك سكان مدن محصنة مثل أريحا وشكيم ومجدو وبيت شان ويبوس أورشالم وعسقلان وبافي وشاروهين وبيت شمس وهازور، وتل بيت مرسيم وعاي وتل الجزر وبئر السبع، وغيرها. كما كان على جانبي نهر الأردن قبائل بدوية، ونصف بدوية وذلك في أواخر القرن العشرين قبل الميلاد، وحتى بعد ذلك بقي شرقي النهر مأهولاً بالسكان، ولكنهم ظلوا بدواً رحلاً، كما تشير إلى ذلك نصوص اللغات المصرية من الأسرة الثانية عشرة.‏

ويفهم من النصوص المصرية أن فلسطين ابتداء من بداية هذا العصر أصبحت علاقتها أوثق بما يجاورها منها في عصر البرونز المبكر، وخاصة خلال الفترة الممتدة منذ أوائل القرن التاسع عشر قبل الميلاد، ولكن بعد نحو عام 1750 ق.م، وبعد سقوط الأسرة الثانية عشرة المصرية، لم تستطع مصر بسط نفوذها من جديد إلا على "جبيل".‏

بدأ نفوذ الهكسوس العسكري بالظهور وذلك قبل نهاية القرن الثامن عشر قبل الميلاد بوقت قصير، واستمر نفوذهم هذا حتى قبيل عصر البرونز المتأخر في مصر، وبقي في بلاد كنعان قوياً حتى خلال القرن الأول من عصر البرونز المتأخر. وقد اختلفت الآراء حول هوية ذلك الشعب الذي يسمى بالهكسوس، والذي امتاز بقوته العسكرية وميله للحرب واستخدام المركبة الحربية التي تجرها الجياد، ولكن اتضح لي من خلال بحثي أنهم عرب من الكنعانيين والعموريين "سكان سوريا ولبنان وفلسطين والأردن".‏

ونستطيع أن نتبين ذلك من خلال الآتي:‏

1-المؤرخ المصري مانيثيو. هو أول من استخدم اسم الهكسوس أو لفظة الهكسوس وهذا المؤرخ ظهر متأخراً إذ كتب باليونانية وفسر اسم الهكسوس على أنه يعني "الملوك الرعاة" ويصفهم في بعض النصوص فيقول:‏

"نزلت علينا لفحة من غضب الله. فقد تجرأ شعب وضيع الأصل من الشرق لم يتنبأ أحد بإقدامه على غزو بلادنا فسيطروا عليها بالقوة، ودون صعوبة حتى ولا معركة، وبعد أن تغلبوا على حكامنا فإنهم أحرقوا المدن بوحشية، وخربوا هياكل الآلهة وعاملوا السكان كلهم بمنتهى القسوة".(5)‏

وأصل كلمة هكسوس التي استخدمها المؤرخ مانيثيو مصرية، وهي كلمة ذات مقطعين الأول "حقاو" ويعني حكام، والمقطع الثاني "خاسوت" ويعني البلاد الأجنبية أو الملوك الرعاة. وكان لقب (حقاو خاسوت) يطلق على ملوك الهكسوس كما كان يطلق قديماً على الكنعانيين الذين كانوا يذهبون إلى مصر قبل سيطرة الهكسوس على مصر. ونستطيع أن نتبين ذلك من الرسومات والكتابات الجدارية التي سجلها قدماء المصريين على مقابرهم عند زيارة أي شعب لهم.‏

والجماعة الكنعانية من الجماعات التي قدمت من جنوب بلاد كنعان "فلسطين" إلى مصر، وذلك بحسب جميع كتب الباحثين. ونحن نعرف أيضاً أن زعيم هذه الجماعة كان من الكنعانيين كما تشير إلى ذلك جميع كتب الباحثين، وأن جماعته وكان عددهم 37 شخصاً من رجال وأطفال ونساء، وكان اسمه أبشاي ويلقب "حقاوخاسوت" أي حاكم البلاد الأجنبية. وهذا اللقب هو الذي أصبح بعد تحريفه اسماً يدل على الهكسوس.‏

2-إن اسم "حقاوخاسوت" الهكسوس أطلق فقط على الناس الذين يلبسون ملابس مطرزة. وهذا ما تثبته رسومات المصريين القدماء حيث رسموا الكنعانيين والعموريين وأطلقوا على رئيسهم "حقاوخاسوت"، وهو يلبس ملابس مطرزة. والمعروف أن الكنعانيين خاصة كانوا يلبسون ملابس مطرزة، النساء منهم والرجال والأطفال والشيوخ، وهي مميزة للعرب الكنعانيين، وهذا يعني أن الهكسوس عرب كنعانيون من سكان سوريا ولبنان وفلسطين والأردن.‏

3-قد ورد على لسان مؤرخ العلم "جورج سارتون" مأخوذاً عن المؤرخ، المصري مانيثيو ومجملاً رأيه ما يفيد بأن الفينيقيين أنفسهم من الهكسوس، حيث يقول "تكلم أولئك الفينيقيون لغة أقرب إلى اللغة العبرية(6) منها إلى أي لغة أخرى من مجموعة اللغات السامية. ويجوز أن يكون الهكسوس، مع ما في أمرهم من غموض، وهم الذين غزوا مصر في القرن السابع عشر قبل الميلاد، هم الفينيقيين أنفسهم من غير لبس حين قام أحمس الأول فرعون مصر (وهو أول ملوك الأسرة الثامنة عشرة 1580-1557)، بغزو بلادهم. ومن ذلك الحين صار الفينيقيون خاضعين للحكم المصري، لكن ذلك لم يدم طويلاً. وكثيراً ما يرد ذكرهم في النقوش المكتوبة بالخط المسماري في تل العمارنة، وحاول بعضهم أن يطرح نير الحكم المصري، وتآمروا مع الحثيين الذين شجعت قوتهم المتزايدة، وصداقتهم الظاهرة آمال الهكسوس في تحرير أنفسهم"(7). ويقصد جورج سارتون بالهكسوس سكان مدن لبنان وسوريا وفلسطين والأردن.‏

4-يشير الدكتور محمد أبو المحاسن عصفور: إلى أن الهكسوس استقروا في مصر السفلى وخاصة في الدلتا، إذ جعلوا عاصمتهم أفاريس بالقرب من موطنهم الأصلي، حيث يقول "تدل ظواهر الأحوال على أن منطقة الشرق الأدنى القديم تعرضت لأحداث كثيرة متتالية في الوقت الذي أشرفت فيه الدولة الوسطى على النهاية، فقد قضت بابل على الممالك المجاورة لها، بينما أخذ "الحوريون" أو "الميتانيون" يستولون على بعض البلاد السورية- ولا شك في أن هذه التحركات كانت ذات أثر في هجرة وتسلل الكثير من العناصر الآسيوية إلى شرق الدلتا على الأرجح- ولم يمض على استقرارهم وقت طويل حتى أصبحوا قوة يخشاها المصريون، واستفحل خطرهم وزاد إلى أن تمكنوا من فرض سلطانهم على مصر وجعلوا عاصمتهم أواريس"(8).‏

5-نحن نعرف أن أي فاتح عظيم عندما يفتح بلاداً جديدة غير بلاده، ويستقر فيها محتلاً فترة من الزمن قد تقصر أو تطول، فإن أهل البلاد يظلون على كراهيته، إلى أن تؤاتيهم فرصة طرده فإنهم يطردونه إلى البلاد التي منها وفد، بل وتدفعهم الحمية إلى ملاحقته حتى عقر داره واحتلاله كما احتلهم، والتاريخ القديم والحديث حافلان بالأمثلة العديدة على ذلك. فالهكسوس عندما استقروا في الدلتا ومصر الوسطى، وجعلوا عاصمتهم أفاريس أو أواريس نجد أن المصريين لم يقبلوا هذا الوجود، فبدأت مقاومتهم أولاً على يد والد أحموس الأول، ثم على يد أخيه، ويدعى "كاموذا" ثم على يد أحموس الأول الذي تمكن من إحراز النصر لمصر، وطردهم خارج البلاد، إلى أول حصونهم العتيدة القوية بفلسطين وهو حصن "شاروهين" أي تل الفرعة في الطرف الجنوبي لفلسطين بالقرب من بئر سبع. وقد حاصرهم فيها ثلاث سنوات إلى أن سقطت على يده، وهناك رأي بأن حصار شاروهين دام ست سنوات ويلاحظ بعد سقوط شاروهين أنه لم يتركها أهلها. كذلك حصونهم في "مجدو" تل المتسلم حالياً، والتي حاصرها تحتمس الثالث بعد ذلك لفترة من الزمن، لم يتركها أهلها، وكذلك الحال في أريحا وهازور وتل العجول وشكيم وحتى حصونهم في الشمال في سهل البقاع بسوريا، بعد أن هزمها جيش مصر، لم يتركها أهلها. بل بقوا في فلسطين وسوريا ولبنان والأردن، وكل ما حصل لهم أنهم فقدوا قوتهم العسكرية ونفوذهم السياسي، وكل النصوص المصرية وخصوصاً المتعلقة بفتوحات "تحتمس الثالث" توضح أنهم لم يتركوا سوريا ولبنان وفلسطين والأردن. بل تشير إلى الغنائم والنصر فقط وهذا يفيد بأنهم عموريون وكنعانيون من سكان "فلسطين وسوريا ولبنان والأردن".‏

6-يشير الباحث الكبير الدكتور أنور الرفاعي إلى أصل الهكسوس العربي، حيث يقول "ان أصل هذه الأقوام التي حكمت مصر مدة طويلة من الزمن والتي أسست الأسرتين الحاكمتين 15، 16 هي من القبائل العربية القادمة عبر سيناء. حين أخرج أمراء طيبة الهكسوس من مصر، أخرجوهم إلى البلاد التي قدموا منها وهي سيناء، ثم لاحقوهم حتى فلسطين… وكان ذلك قد شجع ملوك مصر على احتلال الشام ومحاولة ضمها إلى الامبراطورية المصرية. وذكرت النقوش المصرية وخاصة الباقية إلى اليوم، على جدران الكرنك ومعابد الأقصر الكثير من أخبار حملات مصر ضد قبائل البدو المقيمة في فلسطين وسورية"(9).‏

7-عندما حكم الهكسوس في مصر جعلوا بعلاً معادلاً للإله المصري "ست" كما جعلوا "البعلة" معادلة للإلهة المصرية "ايزيس" وأدخلوا بين سائر الآلهة في مصر أخت بعل ورفيقته "عناة"، كذلك حكمت من الهكسوس سلسلة من الملوك السوريين هناك قبل السلالة الخامسة عشرة، وكانت أسماؤهم كنعانية أو أمورية واضحة، منها "هنات هار" وكذلك أسماء قوادهم وأمرائهم التي أبقوها لنا محفورة على التعاويذ والتمائم المصرية وهي بشكل الخنافس وكانت ترمز للخلود عند المصريين القدماء، كانت أسماء كنعانية أو أمورية(10).‏

8-قد ورد في المجلد الثامن- لمجلة المعرفة ما يفيد، بأن العرب البائدة "اصطلح على تسميتهم بالعمالقة. وقسموهم إلى قسمين كبيرين هما:‏

أولاً- عمالقة العراق، وهم دولة حمورابي في بابل والأدلة على أن دولة حمورابي عربية كثيرة ومتعددة منها أسماء ملوكهم ولغتهم.‏

ثانياً- عمالقة مصر، وهم الذين يسميهم المؤرخون (الهكسوس) وهناك بقايا العمالقة ومنها عاد وثمود، وكان مقامهم بمدائن صالح، وطسم، وجديس وغيرهم، هذا بالإضافة إلى دولة الأنباط في بطرا، ودولة التدمريين في تدمر.‏

وخلاصة ما يستنبط من النقاط السابقة الذكر:‏

أن الهكسوس هم كنعانيون وعموريون من سكان سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، وقد وصلوا إلى مصر على فترات متقطعة، وكان بينهم عدد من الحثيين والحوريين وهؤلاء استخدمهم الهكسوس في سياسة الخيول وخدمتها. وقد وصل الهكسوس إلى مصر على فترات متقطعة ولكنهم حكموا مصر نحو قرن ونصف قرن من الزمن (1730-1580ق.م).‏

والواقع أن الفترة التي يطلق عليها الباحثون فترة الهكسوس هذه الفترة التي يغفلها الباحثون هي في الحقيقة كسب حققته القبائل العمورية والكنعانية من سكان سورية ولبنان وفلسطين والأردن، هذا الكسب تمثل في وحدتهم أول مرة، فكونوا قوة ضاربة عسكرية ظهرت لفترة قرن ونصف قرن من الزمن، وقد أثرت هذه الفترة على جميع أوجه الحياة في فلسطين فعم البلاد رخاء اقتصادي وتجاري.‏

وهكذا يتضح لنا من العرض السابق أن فلسطين عربية كنعانية، وأن الهكسوس هم سكان فلسطين وسوريا ولبنان والأردن وهم عرب كنعانيون "وفي هذا رد علمي على دعاوى الصهاينة، ومناحم بيغن بأن العبرانيين من الهكسوس".‏

ففلسطين عربية كنعانية والهكسوس عرب كنعانيون انحدرنا منهم وحملنا صفاتهم وعبادتهم وأزياءهم وتقاليدهم حتى الآن في سورية ولبنان والأردن.‏

أهم المراجع:‏

(1)-د. وليم ف. أولبرت، مترجم، ص 85، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.‏

(2)-د. جواد بولس، لبنان والبلدان المجاورة، ص 103-104، مؤسسة بدران وشركاه للطباعة والنشر، بيروت.‏

(3)-د. رشيد الفاخوري، جنوب غربي آسيا الشمالية وشمال أفريقيا، الكتاب الأول، ص 331.‏

(4)-د. فيليب حتي، سوريا ولبنان وفلسطين، مترجم، ص 157، 159.‏

د. محمد أبو المحاسن عصفور، معالم تاريخ الشرق الأدنى القديم، ص 138، 147.‏

(5)-د. جواد بولس، لبنان والبلدان المجاورة، ص 71.‏

(6)-د: العبرية: هي لسان كنعان كما ورد في أسفار اليهود، أي أنها ليست لغتهم ولكنهم تعلموها من الكنعانيين، وبهذا فالعبرية هي لغتنا وقد أخذها اليهود عن أجدادنا الكنعانيين.‏

(7)-د. جورج سارتون، تاريخ العلم، الكتاب الأول، مترجم، دار المعارف بمصر، ص 239.‏

(8)-د. محمد أبو المحاسن عصفور، معالم تاريخ الشرق الأدنى القديم، ص 147-148.‏

(9)-د. أنور الرفاعي، قصة الحضارة في الوطن العربي الكبير، ص 61.‏

(10)-د. فيليب حتي، تاريخ لبنان، مترجم، ص 91-92.‏

(11)-المجلد الثامن، مجلة المعرفة، ص 1569، 1570، النشر شركة ترادكسيم، شركة مساهمة "سويسرية" 1971م.‏

((الباب السادس))‏

فلسطين خلال عصر البرونز المتوسط:‏

عم فلسطين خلال عصر البرونز رخاء اقتصادي نتيجة لعدة عوامل هامة وهي الزراعة والصناعة والتجارة.‏

فالزراعة اهتموا بها إلى حد كبير، وقد تفننوا في استصلاح الأراضي الجبلية إذ حولوها إلى مسطحات على شكل مدرجات، ويفصل بين كل سطح وآخر جدار من الأحجار الصخرية الموجودة في البيئة. وهذا النظام الذي بدأه أجدادنا العرب الكنعانيون ما زال متبعاً حتى الآن في قرى المنطقة الجبلية من فلسطين، وعلى جانبي نهر الأردن، وسوريا ولبنان.‏

وقد أدى استغلال الأرض والاهتمام بالزراعة إلى وجود طبقة من الملاك عرفوا باسم الأشراف والملوك وكذلك طبقة من عبيد المزراعين. وقد أفضى هذا إلى بناء مساكن تحميهم وتليق بمكانتهم الاجتماعية وبهذا ظهر نظام خاص بالأشراف وحصون الملوك. كما ظهرت العمارة التحصينية بشكل واضح وملموس وتتكون من الأسوار والمنحدرات والأبراج. فالأسوار كانت نوعين:‏

الأول- الأسوار الرأسية:‏

ظهرت في حفائر مدينة تل بيت مرسيم وتعود إلى القرن التاسع عشر ق.م حيث بلغ سمك الجدران نحو أربعة أمتار، وقد بني على السور حصن على شكل أبراج طولها عشرة أمتار وعرضها ستة أمتار تقريباً. كما ظهر نظام هذه الأسوار في مدينة بيت زور حيث بلغ سمك جدران الأسوار مترين ونصفاً. وقد بني على السور برج ارتفاعه عشرة أمتار وعرضه نحو خمسة أمتار(1)، وتاريخ الحصن يعود إلى القرن السابع عشر ق.م.‏

وعثر في مدينة اليبوسيين أورشليم على سور ضخم عرضه تسعة أقدام ويمتد في أحد جوانب المدينة لمسافة 49 متراً، وأمامه خندق عرضه أحد عشر متراً ويعود إلى القرن التاسع عشر ق.م.‏

ثانياً- الأسوار المنحدرة:‏

وظهرت في أريحا وشكيم وتل الجزر وتل بيت مرسيم، فقد بلغ ارتفاع أسوار أريحا عن الأساس نحو ستة أمتار ونصف تقريباً، وأسوار مدينة تل الجزر بلغ سمكها خمسة أمتار ويلحق بها أبراج دائرية، أما أسوار مدينة شكيم فقد بلغ ارتفاعها عشرة أمتار.‏

وقد تفننوا ببناء الاستحكامات وخاصة منذ القرن الثامن عشر ق.م، وهي تتألف من مبان ضخمة مستطيلة الشكل، بنيت من اللبن وعثر عليها في "لايش" و"حاصور" بالقرب من بحيرة طبريا، وهناك استحكامات ترابية عثر عليها في تل قيسان وشكيم ولاخيش وتل بيت مرسيم وتل العجول وفي مناطق أخرى لصد الهجمات وتعويق العجلات الحربية وكان لكل حصن بوابة ولها ممر أو ممران أو ثلاثة وعلى جانبي كل ممر زوج من الأعمدة الضخمة.‏

وكانت المنازل نوعين، الأول بيوت العامة من أفراد الشعب، وكان لها نظام مجار أو صرف حيث عثر أسفل الدرجات على مصرف مبني جيداً، وهذا يدل على تقدم في فن البناء(2). والنوع الثاني وهو منازل أو قصور الأشراف ويتألف من طابقين، يقيم أصحاب المنزل في الطابق العلوي، أما الطابق السفلي فقد استخدم للخدم ومخازن للغلال. وقد عثر على نماذج منها في عدة مواقع منها تل بيت مرسيم وتاريخه يعود إلى 1600 ق.م، وفي مجدو وبيت ايل، وشكيم وأريحا وتل العجول(2).‏

والعمارة الجنائزية كانت نوعين، الأول المقابر الجماعية وهي محفورة في الصخر. ويتكون القبر من سلسلة من المقابر وهي عبارة عن سراديب عائلية لكافة أفراد الشعب وقد وضعوا إلى جوار الأفراد الأثاث الجنائزي، ويتكون من الطعام والأثاث وأدوات الزينة الشخصية. وعثر على عدد من هذه المقابر في أريحا وتل بيت مرسيم وتل الفارعة. والنوع الثاني من المقابر، هي المقابر الفردية وهي عبارة عن بئر رأسية تؤدي إلى غرف تحت سطح الأرض وتتصل بالبئر عن طريق جانبي، وقد ترك في هذه القبور أسلحة وحلي ثمينة وهي للأغنياء في الغالب والمحاربين، وقد عثر على عدد منها في أريحا.‏

وأما العمارة الدينية، فتتكون من المعابد وهي عديدة، منها في أريحا وتل بيت مرسيم وتل الفارعة وبيت شان ومجدو وشكيم. وهي في تكوينها ومحتوياتها الداخلية عربية كنعانية.‏

كما اهتموا بالصناعة إلى حد كبير ويذكر المؤرخون أن أصحاب الحرف كانوا منتظمين ولهم نقابات مهنية، وكانت كل جماعة حرفية ترتبط أفرادها بروابط القرابة، حيث كان الأبناء يرثون مهنة آبائهم وكان لهم حي خاص بهم.‏

وقد وجدت مثل هذه المنظمات في فلسطين قديماً منذ القرن الثامن عشر ق.م(3). وأدى الاهتمام بالإنتاج الصناعي التجاري إلى ظهور أنواع من الصناعات التطبيقية الكنعانية العربية ومن أقدمها صناعة الخزف، وقد بلغ هذا الفن مستوى رفيعاً خصوصاً خلال عصر البرونز المتوسط، وذلك عندما استخدم فنانو فلسطين دولاب الخزف في تشكيل أعمالهم الخزفية في نحو عام 2000 ق.م، فامتازت الأشكال بالرشاقة وبنقاوة طينتها.‏

وكان أهم ما يميزها أيضاً الاستمرار في صنع أوان فخارية قديمة وهي الإبريق والزبدية والزير واللقان والبوشة والبقلوشة. والتي ما زالت تصنع حتى الآن في خان يونس وغزة ونابلس والخليل.‏

كما اكتشفوا الزجاج في مدينة عكو وهي عكا حالياً. واشتهروا بالأقمشة ذات الصبغة الأرجوانية، وقد أدى الاهتمام بالأقمشة ذات الصبغة الأرجوانية والمطرزة إلى أن أصبحت أكثر السلع التي تباع في الأسواق حيث بيعت بكثرة إلى سكان جزر بحر ايجه. وهذا هو السبب في انتشار الأزياء الفلسطينية في اليونان وكريت وقبرص ومالطة.‏

وقد دفع الاهتمام بالأقمشة المطرزة إلى الاهتمام بالأدوات لإنتاج هذا الفن الجميل وهذه الأدوات، هي الإبر والدبابيس والأزرار، وقد صنعوها من خامات مختلفة هي البرونز والعظم والعاج، كما تفننوا في المنقوشة من أجل التجارة.‏

وقد ساعد على إنعاش التجارة طرق المواصلات، ومعظم الطرق البرية القديمة، التي تصل العالم القديم بعضه ببعض، وقد كان لا بد أن تمر عبر فلسطين، فالطريق من شمال أفريقية ومصر لا بد أن تمر بفلسطين لتصل إلى باقي أجزاء الشام والأناضول أو إلى بابل أو أرض الجزيرة العربية. وكان أهم هذه الطرق، الطريق من مصر إلى الشام، وهو الذي يمر من سيناء ثم يتحول شمالاً ماراً بمعظم ساحل فلسطين حتى الكرمل، ثم يتفرع من الكرمل إلى طريقين أحدهما ساحلي يمر ببقية مدن الشام الساحلية، ويوصل إلى الأناضول. وأما الآخر فهو يسير داخل فلسطين فيمر بسهل مجدو ثم يعبر فلسطين من الشمال قاطعاً نهر الأردن ثم يتجه إلى مدن ساحل الشام ومنها إلى الأناضول.‏

وهناك طريق آخر يسير من مصر عبر سيناء إلى غزة ومنها يسير إلى أريحا ويعبر نهر الأردن ثم يتجه جنوباً إلى أرض الجزيرة العربية. وقد ساعدت هذه الشبكة من المواصلات الهامة بفلسطين إلى انتعاش الفنون التطبيقية وخاصة التطريز والنقش على المعادن والعاج والأخشاب والزجاج والفخار، وقد اشتهرت هذه بأنها صناعات عربية كنعانية. إلا أن أهمها كان فن التطريز وعاجيات مجدو.‏

وهكذا يتضح لنا عروبة فلسطين خلال عصر البرونز المتوسط.‏

أهم المراجع:‏

(1)-د. وليم ف. أولبريت، آثار فلسطين، مترجم، ص 91-92-93.‏

(2)-عبد الرحمن المزين، رسالة الماجستير، الفن التشكيلي في فلسطين عبر التاريخ، ص 151-152.‏

(3)-د. فيليب حتي، تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، الجزء الأول، مترجم، ص 82، 95.‏

((الباب السابع))‏

فلسطين خلال عصر البرونز المتأخر‏

1600-1200 ق.م‏

يعتبر هذا العصر امتداداً لعصر البرونز المبكر والمتوسط، إذ حافظ المجتمع بفلسطين على نظام المدن المستقلة وبناء القلاع والحصون ومنازل الأشراف، ولم تتغير العبادة فأدى هذا إلى عدم التغيير في نظام عمارة المعبد، ولم تختلف نظرتهم إلى الموت والحياة عما كانت عليه في العصور السابقة ولذلك بقي فن عمارة المقابر كما هو، مع تغييرات بسيطة في عادات الدفن، نتيجة لتأثره بالفن المصري الجنائزي.‏

اهتم أهل فلسطين بالزراعة، وبقي تقديسهم لها خلال عصر البرونز المتأخر كما اتسعت تجارتهم مع جزر ايجه، واستمروا في إنتاجهم للأعمال الفنية التطبيقية، وهي الأقمشة المطرزة والأسلحة البرونزية وقد تفوقوا بالنقش على سطح العاج.‏

والناظر لسوريا ولبنان وفلسطين والأردن ابتداء من الألف الثالث قبل الميلاد يشاهد أنها تكونت في وحدة سياسية واحدة وشعب عربي واحد، خصوصاً في عصر البرونز المتوسط والمتأخر. كما كانت تنتظم في دول قائمة في حصون وقلاع عرفت باسم الممالك، وقد اهتم كل حاكم بتحصين مدينته لحماية حكمه.‏

وفي هذه الفترة كانت هناك صلات كبيرة بين فلسطين ومصر، يؤكدها ما عثر عليه من الفخار المصري في خربة كراك وهو إناء أبيدوس، ومن فخار فلسطين وهو فخار بيت شان المعروف ذي الأيدي المموجة في مصر السفلى، وفخار فلسطين الرمادي المصقول الذي عثر عليه في جرزة وفي مقبرة المعادي. ووجود هذا الفخار يرجع إلى فترة قديمة إلى عصر ما قبل الأسرات المصرية. ولم تنقطع العلاقة بين مصر وفلسطين خلال الألف الثانية قبل الميلاد، يدلنا على ذلك (نصوص اللعنات المصرية) إذ ورد بها أسماء دول وحكام ودلت الأسماء على أنها كنعانية. وكان نفوذ مصر قد امتد منذ بداية الألف الثانية قبل الميلاد حتى بلغ سوريا والساحل اللبناني باستثناء شمال سوريا، إذ كانت داخلة تحت نفوذ أرض الرافدين مثل حلب وقرقميش ثم تحت نفوذ الحوريين.‏

وانقطع نفوذهم خلال فترة (الحقاوخاسوت) وهم الذين عرفوا في التاريخ باسم الهكسوس، إذ توحدت ممالك سوريا ولبنان وفلسطين والأردن وحكموا مصر قرابة مائة وخمسين سنة. ثم عاد نفوذ مصر في عصر البرونز المتأخر على بعض أجزاء من مدن الساحل الكنعاني العربي.‏

وكان ينافس مصر في هذه الفترة الحثيون وهم الذين أتوا من بلاد الأناضول واحتلوا شمال سوريا، وفي هذه الفترة كانت سوريا عامة في مستوى حضاري لا يقل عن مستوى الحضارة المصرية وخاصة حضارة مجدو بفلسطين(1). وخلال عصر البرونز المتأخر حدث اتصال بجزر بحر ايجه. حيث وفد الكثير من التجار لأخذ منتجات أهل فلسطين وخاصة الأقمشة الأرجوانية والمطرزة والصناعات المعدنية والعاجية، كما جاء هؤلاء التجار بمنتجات بلادهم وأشهرها الفخار القبرسي.‏

وخلال عصر البرونز المتأخر، أحيطت المدن بوسائل دفاعية وهي الأسوار العالية والعريضة والمدعمة بالأبراج العالية، الحربية، وكذلك الحال بالنسبة لمنازل الأشراف فإنها لم تتغير في تخطيطها المعماري، إذ بقيت تتألف من حجرات في صف واحد أو تلتف حول باحة تتوسطها وهي مؤلفة من طابقين. وقد عثر على أمثلة من منازل الأشراف تعود إلى عصر البرونز المتأخر في مجدو وبيت ايل وتعنك وأريحا، ومدن أخرى من فلسطين.‏

استمر نظام الصرف الذي ظهر في أريحا خلال عصر المتوسط فقد عثر في أحد منازل الأشراف في بيت ايل على أنابيب مبطنة بالحجر وهي تسير تحت أرضيات المنازل الجصية لتصريف مياه الأمطار ومياه المجاري خارج أسوار المدينة. أما بالنسبة للعمارة الدينية فقد بقيت المعابد مثل معابد عصر البرونز المتوسط، إذ إن العبادة الكنعانية لم تتغير ولكنهم أدخلوا عليها تعديلات. وقد عثر المنقبون في لخيش على هيكل معبد، كما عثر في مجدو على معبد. وهكذا عثر في بيت شان على أربعة معابد كنعانية وأقدمها قد خصص بـ(ميكال ملك بيت شان) ويعود ذلك إلى نهاية القرن السادس عشر وأوائل القرن الخامس عشر ق.م، كما عثر على مبنى كنعاني ضخم يبلغ طوله 25 متراً وعرضه 21 متراً، كان قائماً على جدران خارجية سمكها خمسة أمتار. وللمبنى مدخل على جانبه برجان، وفي داخله صفان من الأعمدة يتألف كل منهما من ثلاثة أعمدة. ويعتقد الباحثون بأنه معبد كنعاني ولكنني أعتقد بأنه قصر وليس بمعبد لأن هذا النظام المعماري هو نظام قصور الأشراف وقد ظهر بفلسطين ابتداء من عصر البرونز المتوسط(2).‏

وقد مهروا بصناعة الفخار وهو نوعان، فخار محلي وتاريخه يعود إلى (1550-1450 ق.م) عثر منه على كميات كبيرة وتميز بوجود أشكال هندسية تتألف من مثلثات ورسومات لطيور وأسماك. والجدير بالذكر أن الإبريق الفخاري قد استمروا بصناعته خلال عصر البرونز المتأخر. كما ظهر الفخار القبرسي، وذلك لأن العلاقات التجارية بين المدن الكنعانية وبين جزر ايجه خلال عصر البرونز المتأخر قد ازدادت، كما ظهرت جاليات كنعانية داخل جزر البحر في كريت وقبرس ومالطة، حتى إن أسماءها كنعانية الأصل (كريت- مالطة).‏

واهتموا بفن النقش والنحت فظهرت أعمال ذات طابع محلي، وبعضها متأثر بالأسلوب المصري والبابلي. وهذه الأعمال صنعوها للتجارة، لأنها كانت مطلوبة في الأسواق. وأما الأعمال ذات الطابع المحلي في النقوش والنحت فكانت تصنع ليضعوها في منازلهم ومعابدهم. ومنها الملاعق العاجية من مجدو، والعربة التي تجرها أربعة جياد ويقودها محارب، كما نحتوا أدوات تطبيقية منها الأمشاط العاجية والإبر والدبابيس والأزرار العاجية. واهتموا بالصناعات المنزلية كأدوات المطبخ وهي منحوتة من الخشب، وقد عثر على نماذج منها في أريحا وكذلك في داخل المقابر بأريحا وهي مصنوعة من الفخار.‏

والتحف المعدنية مهروا بها إلى حد كبير، إذ عثر على السكاكين ورؤوس الحراب والفؤوس الحربية والمخارز والملاقط في أريحا. كما وجد في مناطق متعددة من فلسطين أساور وخلاخل ومشابك للصدر وأقراط وخواتم من البرونز والذهب والفضة، وتاريخها يعود إلى 1500 ق.م، كما عثروا أيضاً على صنوج في تل أبو هوام بالقرب من حيفا وتاريخها يعود إلى القرن الرابع عشر ق.م. ومهروا في صنع الأسلحة الحربية من عربات ودروع وأسلحة أخرى، كما مهروا بصناعة الكؤوس والأباريق من الذهب والفضة، ويؤيد الرأي السابق قول الدكتور نجيب ميخائيل إبراهيم (كانت الحضارة السورية في مستوى الحضارة المصرية إن لم تكن تفوقها في بعض النواحي- والدليل على ذلك أنه لم يظهر من قبل زي عسكري في مصر، ولكننا نشهد في "مجدو" دروعاً تمثل صورها على جدران المقابر، ولم تكن هناك عجلات مذهبة في مصر إذ أنها ظهرت متأخرة، وقد كان ذلك مع الملوك فقط، كذلك الكؤوس والأواني، ويدل هذا على أن الحضارة السورية كانت تفوق المصرية أو تماثلها على الأقل)(3).‏

واهتموا بالصناعات الزجاجية وبالأقمشة الأرجوانية والمطرزة، وكانت هذه أكثر صادراتهم إلى جزر بحر ايجه منذ 1500 ق.م وهكذا يتضح لنا مما تقدم عروبة فلسطين خلال عصر البرونز المتأخر.‏

أهم المراجع:‏

(1)-عبد الرحمن المزين، رسالة الماجستير، الفن التشكيلي في فلسطين عبر التاريخ، ص 181-182.‏

(2)-نفس المرجع السابق، ص 186.‏

(3)-د. نجيب ميخائيل إبراهيم، مصر والشرق الأدنى القديم، رقم (3) ص 104-105. راجع: د. فيليب حتي، تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، مترجم، ص 140.‏

awu-dam.org/trath/02/turath2-011.htm

يتبع الجزء الثاني …

104 Views

عن

تعليقات

  1. المازني قال:

    فلسطين عبر التاريخ الجزء الثاني – عبد الرحمن المزين

    كثيراً ما يتردد على الألسنة أن أصل أهل فلسطين من جزيرة كريت وقبرص أو بحر إيجة. ولذلك أردت قبل الحديث عن فلسطين خلال عصر الحديد. أن أبين هوية قبيلة البولستا التي أتت من كريت وهي قبيلة كنعانية الأصل عاشت في الاغتراب فترة من الزمن وعادت مع مطلع عصر الحديد، إلى أهلها ونستطيع أن نتبين ذلك من خلال العرض التاريخي التالي:‏

    مع نهاية عصر البرونز وبداية العصر الحديدي بفلسطين.. تحركت شعوب هند وأوربية متجهة إلى آسيا الصغرى وسوريا وفلسطين ودلتا مصر ويشير بعض المؤرخين إلى عدم معرفتهم لسبب هذا التحرك البشري، ولكن بعضهم يفيدنا بأن ميسينا الإغريقية، وهي عاصمة الآخيين التي ازدهرت حضارتها خلال قرنين من الزمان (1400-1200ق. م) كان لها أسطول، وكانت بحق "سيدة البحر" ولكنها أهملت قوتها البرية، وقد حدث أن ميسينا لم تصمد في وجه القبائل البربرية وهي المعروفة باسم الدوريين، يمثلون الإغريقية الثانية الآتية من الشمال، وقد استطاعوا احتلال العاصمة ميسينا عن طريق البر، وبالتالي لم يستطع أسطول ميسينا الصمود أو الدفاع عن ميسينا، وبذلك انتهت سيطرة الإغريق الأولين المعروفين باسم الأخيون.‏

    وتبعاً لذلك أصبح الأسطول الآخي القومي في عرض البحر بلا وطن، وكان هذا الأسطول يضم بجانب الآخيين الذين يشكلون الأغلبية عناصر أخرى من آسيا ومنهم ما عرف بـ "الآريين" وكذلك عناصر من جزيرة كريت ومن جزر بحر إيجه.‏

    فاتجهوا إلى المملكة الحيثية في آسيا الصغرى، وسقطت تحت ضرباتهم مدن عدة، ثم ساروا عبر سوريا براً وبحراً، ويبدو أن سيرهم كان بمحاذاة المدن الساحلية، حيث خربوا أوجاريت ودمروها.‏

    ومنذ ذلك الحين لم تقم لها قائمة كما دمروا مدناً كنعانية أخرى ومنها صور ثم ساروا عبر فلسطين إلى دلتا النيل عن طريق البر والبحر، وفي هذه الفترة كانت الإمبراطورية المصرية في حالة لا تحسد عليها، حيث كانت تعاني من حركة قومية عنيفة ذات طابع ديني.‏

    وقد علم ملك مصر بهجوم قبائل البحر، فخرج لملاقاتهم رعمسيس الثالث عام (1191ق. م) وقد شتت قوتهم البحرية والبرية، وبعد هزيمتهم اتجهت "عناصر منهم إلى شواطئ سوريا الشمالية وآسيا الصغرى وجزر البحر الإيجي وسردينيا وإيطاليا"(1).‏

    أي أن كل جماعة اتجهت إلى موطنها الأصلي. أما قبيلة البولاستي فقد اتجهت إلى جزء من ساحل الكنعانيين بفلسطين وهو موطنها الأصلي.‏

    ويذكر بعض المؤرخين أن المدن التي انضموا إلى أهلها الكنعانيين هي غزة –عسقلان –أشدود- عقرون- جت. وبعضهم يشير إلى أنهم أتوا بنسائهم معهم.‏

    وقد تبنوا عبادات الكنعانيين المواطنين ولغتهم(2). وهؤلاء ذابوا في الكنعانيين أبناء جنسهم. والدليل على أن جماعة البولستا كنعانية، هو ما أوردته في رسالة الماجستير (الفن التشكيلي في فلسطين عبر التاريخ) وهو ما يلي:‏

    1-في المرحلة التي استقر خلالها الفينيقيون في فينيقيا(3). خرجت منهم شعبة على الأرجح لتستقر في قبرص التي لا تبعد عن الساحل الفينيقي بأكثر من رحلة لا تعدو سفرة يوم واحد، وإنا لنعجز في كثير من المواقع عن أن نفرق بين أهل قبرص وسلالة المهاجرين الجدد من الفينيقيين وإنا لنلاحظ كذلك أن الظروف السياسية في جزيرة قبرص اتخذت نفس الصورة التي كانت لفينيقيا وفلسطين الكنعانية حتى لنرى قيام دويلات صغيرة المساحة بقدر عدد المدن القائمة.. ويشير في موضع آخر إلى أن الفينيقيين استقروا في قبرص عام 1500 ق. م وقد بقي الفينيقيون في قبرص حتى أخرجهم منها الدوريون (وهذا نفس التاريخ الذي حدثت فيه هجرة قبائل البحر)، كما يشير أيضاً إلى أن هناك شعبة سامية كبيرة جاءت إلى مصر، من عصر الحضارة الأولى، وقد جاء أصحابها من جزر البحر أو الشواطئ الشمالية الشرقية وهي الشواطئ السورية ومن ورائها، وقد كانوا من التجار وأصحاب الحرف(4).‏

    وهكذا نرى أن الهجرات العربية الكنعانية أو الفينيقية وصلت إلى جزر البحر، قبرص، كريت منذ عصر الحضارة الأولى، أي قبل مجيء جماعة البولستا إلى فلسطين بحوالي 1800 عام. أي أن العرب الكنعانيون استقروا في جزر البحر وقبرص وكريت منذ 3000 سنة ق. م.‏

    2-عندما تعرضت سوريا وفلسطين لهجمات الحيثيين والكاشيين والحوريين، والميتانيين، التي تدفقت إلى العراق وسوريا الشمالية، فقد دفعت بالسكان العرب إلى هجرات متتالية نحو مصر ولكن ملوك الدولة الوسطى منعوها، فاتجه معظمها إلى جزر البحر ومنها جزيرة كريت(5). وهذا يفيد أن هناك قبائل عربية كنعانية هاجرت إلى جزر البحر وهي كريت وقبرص وغيرها خلال فترة عصر البرونز المتوسط، أي قبل مجيء جماعة البولستا إلى فلسطين وهذه القبائل حافظت على عاداتها وتقاليدها الكنعانية، كما كانت في فلسطين وسوريا ولبنان والأردن قبل هجرتها إلى جزر البحر.‏

    3-إن قبائل البحر عندما أتت إلى سوريا وفلسطين خلال نهاية عصر البرونز المتأخر عادت جميعها بما كسبت من غنائم، وبقي منها في فلسطين قبيلة البولاستي، ويبدو أن بقاءها وعدم مهاجمة سكان فلسطين من الكنعانيين لها، راجع إلى أن هذه القبيلة من أصل عربي كنعاني، ولنبذها داخل جزر البحر فقد فضلت البقاء بين سكان فلسطين الكنعانيين القريبين منها في العبادات والتقاليد والأصل.‏

    ويؤكد ذلك أن جماعة البولستا أو قبيلة البولستا قد مارس أهلها عبادة الآلهة الكنعانية "داجون-حورون- عنات-عشتر" دون أي ضغط يمارس عليها من سكان فلسطين الذين يشكلون الأغلبية.‏

    وقد كانوا يعبدون الآلهة الكنعانية داخل جزر البحر كما سبق القول منذ فترة زمنية قديمة ولذلك لم يكن العرب الكنعانيون من سكان فلسطين بالنسبة لهذه القبيلة الكنعانية غرباء ولذلك نلاحظ عدم قيام حروب بينهما(6).‏

    4-نلاحظ أن أسماء المدن الكنعانية التي توزعت عليها قبيلة البولستا لم تتغير أسماؤها الكنعانية بل بقيت كما هي. كذلك لم تتغير الديانة واللغة والعادات والتقاليد الكنعانية. وهذا دليل على هوية قبيلة البولستا الكنعانية وإن كان الأمر غير ذلك وكانت البولاستي من سكان جزر البحر…‏

    فإن هذا الأمر لا يغير شعب فلسطين، فالأقلية تذوب في الأكثرية. ولكن الحقيقة واضحة وقد أوضحت ذلك أن هذه القبيلة من الكنعانيين الذين هاجروا إلى جزر البحر على فترات متقطعة خلال عصر البرونز المبكر والمتوسط والمتأخر وقد عادوا من الغربة إلى وطنهم الأصلي فلسطين، وانضموا لأهلها الكنعانيين.‏

    أهم المراجع:‏

    (1)جواد بولس- لبنان والبلدان المجاورة –ص108-.‏

    (2) المصدر السابق.‏

    (3)فينيقيا اسم مرادف لكنعان، وهو آخر اسم أطلق على الساحل السوري، وهو أتى من اللفظة اليونانية فينوكس وتعني تاجر أو صاحب الصبغة الحمراء.‏

    (4)نجيب ميخائيل إبراهيم-مصر والشرق الأدنى القديم رقم (3)- ص93، 94.‏

    (5)نفس المرجع السابق- ص101.‏

    (6)عبد الرحمن المزين- رسالة الماجستير- الفن التشكيلي في فلسطين عبر التاريخ- ص 163، 164.‏

    "الباب التاسع"‏

    فلسطين‏

    خلال عصر الحديد الأول‏

    يمتد هذا العصر من أوائل القرن الثاني عشر إلى آخر القرن العاشر، قبل الميلاد.‏

    ومع بداية هذا العصر شهدت الأرض الفلسطينية تسلل جماعة من اليهود بغرض الاحتلال والاستيطان.‏

    وقد دامت رحلة هذه الجماعة من مصر وتتكون هذه الجماعة من قوم موسى، ومن المصريين الذين آمنوا بديانة التوحيد، ثم جاء سيدنا موسى إلى سيناء حيث المدينيين الكنعانيين، فتزوج ابنة شيخ كبير فيهم، وهو ما يطلق عليه اسم "شعيب" وقد آمن بديانته جزء كبير من المدينيين، وسار هذا الخليط الذي يجمعه ديانة واحدة إلى فلسطين، وكان سكانها من العرب الكنعانيين يعيشون داخل مدن محصنة ذات أسوار عالية منيعة، وخنادق وأبراج دفاعية، ولذلك لم يستطيعوا دخولها، وقد مات سيدنا موسى على جبل نبو (شيحان) غربي مادبا، وقد تولى قيادة هذا الخليط شخص متعطش للدماء، واغتصاب أملاك الغير وهو يوشع بن نون، فعبر نهر الأردن وحاصر مدينة أريحا، وقد صادف قيام زلزال فهاجم المدينة وأهلها تحت الأنقاض، فذبح كل من فيها من الإنسان والحيوان، وهدم وأحرق أقدم مدينة في التاريخ القديم، وبعد ذلك تسلل اليهود إلى المدن الجبلية الفلسطينية، وكانوا يقيمون وسط الحقول، ويتحاشون الاشتباك بالحصون ثم ما لبثوا أن استولوا على لخيش (تل الدوير) وعاى، ومما ساعدهم على ذلك هو نظام المدن الفلسطينية، حيث كانت كل مدينة عبارة عن مملكة مستقلة بذاتها وتدافع عن نفسها فقط، مما ساعد على سقوط بعض مدنها الجبلية، ولكنهم لم يستطيعوا أن يهاجموا المدن المحصنة ذات الأسوار العالية والقلاع المنيعة مثل –بيت شان- مجدود- بيت زور- عكو- يافي- أشدود-عسقلان – غزة- بئر السبع-تل جاز- سدوم. وكل مسرح الحوادث بين أهل فلسطين والغزاة اليهود، كان في المنطقة الجبلية، وخلال هذا الصراع طلب اليهود من أحد أنبيائهم، وهو صموئيل أن يجعل لهم ملكاً عليهم مثل ملوك مدن فلسطين فاختار لهم أقوى وأطول رجل فيهم، وهو شاؤل ومسحه بالزيت وذلك عام 1020 ق. م من كتفه فما فوق كان أطول من كل الشعب(1). واتخذ مكانه في جعبة "تل الفول" على بعد أربعة أميال شمالي أورشالم، وكانت مملكة صغيرة وخاضعة للكنعانيين سكان فلسطين. وقد قتله أهل فلسطين في معركة "جلبوع" بالقرب من بيت شان هو وأولاده الثلاثة، وقد قطعوا رأسه وسمر جسده وأولاده الثلاثة على سور المدينة في بيت شان، وأما سلاحه فقد أرسل كغنيمة إلى معبد عشتاروت(2).‏

    وبموت شاؤل تولى الحكم بعده داوود زوج ابنته وذلك حوالي عام 1000 ق. م "وقد بدأ حكمه تحت سيادة الفلسطينيين".‏

    وقد أراد أن يوسع حدود مملكته، فاختار حصن أورشليم اليبوسي، ومن ثم انتزاعه منهم، وبعد داوود تولى ابنه سليمان وذلك حوالي عام –963-923 ق. م وقد بنى قصراً له بواسطة "معماريون فينيقيون كنعانيون". كما بنى هيكلاً، وقد أصبح معبداً لليهود بعد ذلك. ويجب أن يعرف بأن البنائين والمعماريين والنجارين هم –كنعانيون عرب، وأن زخارف الهيكل وعبيده وطقوسه الخاصة والذبائح أخذت من الكنعانيين، حتى كلمة هيكل. وما تسمى باللغة العبرية هي لهجة كنعانية، استعاروها لتدوين كتابهم الديني بأول فصلين من سفر الملوك، حتى أن موسيقى الهيكل وأدواته الموسيقية والعازفين كانوا كنعانيين.‏

    في تلك الفترة كان الكنعانيون، يقيمون في ممالكهم المحصنة في (عكو-يافي-أشدود-عسقلان-غزة-بئر السبع- عقرون-تل بيت مرسيم- عقرون-جت- مجدو- بيت شان- تل جازر- سدوم).‏

    والأماكن التي احتلها اليهود وأطلقوا عليها مملكة داوود وسليمان في أورشليم، كان أهلها الكنعانيون العرب يشاركونهم في الأرض وخاصة اليبوسيين "وأما اليبوسيون الساكنون في أورشليم، فلم يقدر بنو يهوذا على طردهم فسكن اليبوسيون مع بني يهوذا في أورشليم حتى هذا اليوم"(3).‏

    وهناك في الداخل حصون الكنعانيين التي لم تطأها أقدام اليهود مثل حصن "جزر الكنعاني" والذي قاوم أهله بعناد احتلال اليهود لأراضيهم. وبموت سليمان انقسموا: إلى قسمين قسم في أورشليم واسم مملكته يهوذا، وقسم في شكيم أو السامرة واسم مملكته إسرائيل، أي أن احتلالهم ونفوذهم كما تشير كتبهم لم يتعد، مدينة نابلس والقدس وأن أهلها، الكنعانيون كانوا يعيشون معهم تحت الاحتلال.‏

    ويجب أن يفهم أن وجود اليهود بفلسطين خلال عصر الحديد الأول لم يكن له أي أثر قومي على سكان فلسطين من العرب الكنعانيين، سوى احتلال بعض المدن الجبلية، كما أن حكم داوود وسليمان الذي يرد في كتب التاريخ وكأنه حكم إمبراطورية واسعة الأرجاء هذا الحكم القصير الاحتلالي، لا يتجاوز عمر الرجل، وكان محصوراً في منطقة صغيرة من فلسطين.‏

    وقد ترك الكنعانيون العرب أعمالاً تدل على استمرارية وجودهم ومنها الفخار وأهمه التوابيت الفخارية والتي عثر على عدد منها في مقابر تل الفرعة في النقب، ومقابر بيت شان وتعود إلى القرنين الثاني عشر والحادي عشر قبل الميلاد(4). والتوابيت الفخارية قديمة حيث ظهرت بفلسطين منذ 4500 ق. م في الغسولية والخضيرة وبيسان.‏

    كذلك ظهر فخار برتقالي مصغر عثر عليه في مناطق متعددة من فلسطين منها بيت زور وتل النصبة- بيت إيل ومجدو وتل الفارعة، وتتميز هذه الأواني بأنها لا تختلف عن أشكال، الأواني التي ظهرت بفلسطين خلال فترات عصر البرونز المبكر وعصر البرونز المتوسط والمتأخر، وهي الأباريق، ولا تختلف عن أشكال الأباريق الفخارية المعاصرة التي يصنعها أهلنا في خانيونس وغزة والخليل ونابلس، ويشتريها الصهاينة منهم ويرسلوها إلى أوروبا مدعين، أنها فن صهيوني.‏

    كما ظهر فخار مجدو الملون وهو لا يختلف عن الأواني التي ظهرت في عصور سابقة بفلسطين وعن الأواني المعاصرة التي يشكلها أهلها في أرضنا المحتلة.‏

    وقد مارسوا فن النقش والتطعيم على العاج وتركوا أعمالاً عديدة عثر على معظمها في مجدو. كما أنهم نقشوا على سطح الطين حيث تركوا لوحات طينية عثر عليها في تل بيت مرسيم وقد نقش الفنان عليها صوراً تمثل الآلهة عناة وعشيرة مما يدل على استمرار العبادة الكنعانية. واستمرت الطرز المعمارية الكنعانية في العمارة الدنيونية والتحصينية والدينية والجنائزية، وعثر على آثار متعددة منها في مجدو، في الطبقات 7، 5،6 وفي بيت شان في الطبقات 6، 5، ومدينة جبلية أخرى.‏

    ولم تنقب الهيئات الأثرية في مدن الساحل وذلك لوجود الهوية الكنعانية.‏

    ففي بيت دجن، معبد الإله الكنعاني داجون. وقد كان موجوداً ضمن أراضي مختار بيت دجن وهو من عائلة "حبش". وقد بقي المعبد حتى احتلال فلسطين عام 1948.‏

    هذا وقد اهتم أهل فلسطين خلال عصر الحديد الأول بتشكيل الدروع والعربات الحربية والحراب والأسرة الجميلة والكراسي المزدانة بالملائكة، كذلك الأقمشة المطرزة.‏

    وقد مهروا إلى حد كبير بتشكيل الحديد خلال عصر الحديد الأول، وهذا هو الذي ساعدهم على السيطرة على الغزاة اليهود. وهكذا يتضح لنا من العرض السابق عروبة فلسطين خلال عصر الحديد الأول، والاحتلال اليهودي الذي استمر 69 عاماً لبعض مدننا وهي أورشالم، شكيم، أريحو مع وجود أهلنا فيها.‏

    أهم المراجع:‏

    (1)صموئيل الأول 9: 2.‏

    (2) صموئيل الأول 31: 1-10.‏

    (3) يوشع اصحاح 15 آية 63.‏

    (4)د. وليم ف.. أولبرايت- آثار فلسطين-مترجم- ص 118.‏

    الباب العاشر‏

    فلسطين‏

    خلال عصر الحديد الثاني والثالث‏

    سكن فلسطين أهلها العرب الكنعانيون وتوزعوا في عدة مدن سميت بالممالك، وكانت مدنهم محصنة ذات أسوار عالية وأبراج مراقبة، وبوابات بعدة ممرات قائمة على أعمدة حجرية لدخول العربات الحربية.‏

    وأشهر الممالك (عكو-يافي- أشدود-عسقلان-غزة-بئر سبع- أدوم-عقرون-تل الدوير-بيت شان- مجدو) وكل سكانها عرب كنعانيون. أما اليهود الذين دخلوا إلى فلسطين خلال عصر الحديد الأول فقد انقسموا بعد موت سليمان في مدينتين.‏

    الأولى شكيم وسموها مملكة إسرائيل والثانية أورشليم وسموها مملكة يهوذا. وكان يعيش بينهم العرب الكنعانيون الذين احتلت مدينتهم.‏

    وتشير نصوص رأس شمرا أو أجاريت إلى وجود العرب الكنعانيين في القرن السابع قبل الميلاد في مدنهم وخاصة النقب والساحل كذلك في كتبهم المقدسة ورد على لسان النبي اليهودي صفينا في الاصحاح الثاني من سفرة الآيات (2-1).‏

    ويشير إلى أن غزة وممالك ساحلية كان يسكنها أهلها من الفلسطينيين أو العرب الكنعانيين(1). وإذا ما تتبعنا الحالة السياسية لممالك فلسطين، فإننا نجد أنها كانت في منطقة وقعت بين إمبراطوريتين كبيرتين الإمبراطورية الآشورية والإمبراطورية المصرية وكانوا يتنافسون في فرض السيادة على هذه الممالك الصغيرة، وفرض الأتاوة عليها، ولذلك نجد سرجون وخلفه سنحاريب يقومون بعدة حملات لتأديب كل مملكة أو مدينة كنعانية لم تدفع الجزية وتدخل تحت سيطرة أشور.‏

    وقد حدث في عهد سرجون أن تمردت بعض الممالك بفلسطين، ولم تدفع الجزية، وحابت مصر فقام شلمناصر الخامس وحاصر السامرة ثلاث سنوات ومن ثم سقطت في عام 722 ق. م في يد خلفه سرجون الثاني "الذي سبى أحسن رجال إسرائيل وعددهم (27280) شخصاً إلى ميديا"(2) ومن ثم تلاشت مملكتهم من الوجود إلى الأبد.‏

    ويعتقد بأن الآشوريين "قد أتوا بقبائل من بلاد بابل وعيلام وسورية وبلاد العرب عامة لتحل محل اليهود المسبيين من مدينة السامرة وأسكنوها السامرة ومنطقتها. وقد امتزج المستوطنون الجدد بمن تبقى من اليهود في المدينة ليشكلوا السامريين، واتحدت معتقداتهم الدينية أيضاً مع عبادة يهوه(3) وقد استولى سرجون على صيدا وعكو، فقام ملوك عمون ومؤاب وأدوم وأشدود بإرسال وفود للتفاوض ودخلوا في النهاية تحت سيطرة آشور. ولكن ملوك يافا وغزة وبئر سبع ولاخيش وعسقلان وعقرون وأورشالم رفضوا الرضوخ، فاستولى جيش آشور على مملكة يافا، عسقلان، غزة، بئر سبع، لاخيش، ولكن عقرون قاومت وتم الاستيلاء عليها.‏

    وأثناء سيطرة جيش آشور على ممالك أهل فلسطين من العرب الكنعانيين، تحرك الجيشان المصري والحبشي ضد جيش آشور فرأى ملك آشور عدم ترك أحد الحصون أو الممالك وراءه دون فتحها وهي "أرشالم" أو حصن يهوذا. فأرسل فرقة آشورية لتأديب الحصن أما باقي الجيش فقد تقدم والتقى مع الجيشان المصري والحبشي عند خربة المقنع "التقية". وقد حال دون تقدمهما، ولكن ملك آشور أمر جيشه بالتراجع لأن مرض الطاعون قد فتك بأعداد كبيرة من جنوده.‏

    بعد سقوط نينوى في يد الإمبراطورية الجديدة البابلية "الكلدانية" وذلك حوالي عام 612 ق. م. تجد مصر ترجع لتوسيع حدودها الإمبراطورية وبسط سيطرتها مرة ثانية على الساحل الكنعاني (السوري-اللبناني- الفلسطيني). فزحف ملك مصر المعروف في ذلك الوقت باسم "نيخو" وتحالف معه ملك يهوذا وهو يهوياقيم ولكن والده قاتلهم، وقد اتبع ملك أورشالم سياسة مصر وخالف سياسة بابل وبذلك تحدى نبوخذ نصر-قائد جيش بابل وهزم جيش مصر في قرقميش عام 605ق. م، واستولى على "جميع الممالك الخاصة لمصر في ذلك الوقت" ومنها ممالك فلسطين إلا أن مملكة أرشالم أو يهوذا خالف ملكها سياسة بابل عام 597ق. م. فقام جيشها بتأديبه حيث كبل ملكها بالسلاسل(3) ولكنه مات فألقوا بجثته خارج أسوار أورشالم أو أورشليم، ومن ثم تولى ابنه يهويا قيم ملك المدينة لمدة قصيرة وسبى الملك مع نسائه، وأمه وموظفيه وسبعة آلاف من جنوده، وأخذ ألفاً من الصناع المهرة إلى بابل حيث نصب عم الملك المسبي ملكاً على يهوذا واسمه صدقيا (597-586ق.م) فأطاع وأظهر الولاء لنبوخذ نصر لعدة سنين كبقية ممالك فلسطين، ولكنه عاد و تمرد معتمداً على مساندة مصر له، فقام نبوخذ نصر بإرسال جيش بابلي وأرسلت مصر جيشها بقيادة "هفرغ" فرجع الجيش البابلي إلا أن البابليين عادوا مرة ثانية عام 586ق. م وحاصروا أورشليم، فهرب ملكها تحت جنح الظلام، ولكن جند ببال أمسكوا به في سهل أريحا وأحضروه إلى معسكر نبوخذ نصر في "ربله" حيث قتل أولاده أمامه ومن ثم سملت عيناه وقيد بالسلاسل وحمل إلى بابل وقام البابليون بهدم أورشليم والهيكل وسبوا معهم خمسون ألفاً، ولم يبق إلا جماعة من البائسين.‏

    أما باقي ممالك كنعان بفلسطين فقد خضعت لحكم بابل ودفعوا الجزية، ومن هذه الممالك "عكو-مجدو-يافي-أشدود-بيت شان-غزة- بئر السبع- عقرون-عسقلان-باستثناء صور التي قاومت حتى عام 752ق. م.‏

    وبانتهاء أورشليم عام 586 انتهى نفوذهم السياسي في هذه المدينة الكنعانية وبقي فيها أهلها الكنعانيون.‏

    بقيت الممالك الكنعانية بفلسطين خاضعة لبابل منذ (605-525ق. م). وبعد أن تحطمت الإمبراطورية البابلية على أيدي الإمبراطورية الفارسية دخلت فلسطين تحت حكم الإمبراطورية الجديدة منذ (525 ق. م- 331ق. م). فقام الفرس بإعادة بعض اليهود من بابل إلى القدس "أورشليم" بحجة بناء الهيكل، وذلك مقابل مساعدة اليهود لكورش في انتصاره على بابل حيث كانوا جواسيسه على الإمبراطورية البابلية، ولكي يكونوا أيضاً جواسيس لقورش على أهل فلسطين تمنعهم من الاتصال بمصر(2).‏

    خلال عصر الحديد الثاني والثالث بقي نظام العمارة التحصينية والمعابد والمباني الدنيوية والجنائزية كما هو، واهتموا بالصناعات التطبيقية وخاصة الصناعات المعدنية والفخار الذي صدروه إلى جزر إيجة والمنسوجات الأرجوانية والأقمشة المطرزة التي اشتهروا فيها منذ القدم وبرعوا بزخرفتها إلى حد كبير، كذلك صدروا الزجاج، وظهرت عملة "أتيكا" اليونانية وأصبحت العملة الرسمية بين التجار، كذلك ظهرت عملة بفلسطين نقش أهلها أحد آلهتهم الكنعانية عليها وهو الآلهة داجون وذلك في القرن الرابع قبل الميلاد.‏

    وهكذا يتضح لنا من عرضنا السابق لفلسطين خلال عصر الحديد الأول والثاني أن وجود اليهود في فلسطين قد انحصر في مدينتين شكيم- وفي "أورشليم": القدس وقد كان الكنعانيون العرب يسكنون معهم تحت الاحتلال اليهودي، وأما باقي مدن فلسطين فلم تطأها أقدام اليهود.‏

    أهم المراجع:‏

    (1)د. حسن ظاظا- الساميون ولغاتهم ص 57-58.‏

    (2)سفر الملوك الثاني 17: 16.‏

    (3)سفر الملوك الثاني 17: 25-33 د. فيليب حتي –تاريخ سورية ولبنان وفلسطين الجزء الأول- مترجم- ص 214.‏

    (4)عبد الرحمن المزين- رسالة الماجستير- الفن التشكيلي في فلسطين عبر التاريخ- ص 237.‏

    الباب الحادي عشر‏

    فلسطين خلال العصر‏

    اليوناني-الروماني‏

    في عام 332 ق. م حاصر الاسكندر مدينة غزة مدة شهرين، وقد دافع عنها أهلها ببسالة إلى جانب حامية الفرس، حيث أصيب الاسكندر بجراح ومن ثم سقطت المدينة بيد الاسكندر ودخلت فلسطين تحت حكم الإمبراطورية اليونانية.‏

    وبعد وفاة الاسكندر في حزيران من عام 323 ق. م ببابل على إثر إصابته بالحمى تقاسم الإمبراطورية قادته الأربعة فيما بينهم.‏

    ففي مصر بطليموس، وسوريا وأرض الرافدين سلوقس، وآسيا الصغرى انتيفوس، واليونان "مقدونيا" انيتباتر، وكانت فلسطين من نصيب أسرة لاغوس المعروفين في التاريخ بالبطالة، وذلك منذ عام 323 ق. م وحتى عام 198ق. م.‏

    ولكن أنطيوخس حاول في عام 217 ق. م ضم فلسطين، ولكنه فشل حيث هزم بالقرب من رفح "رافيا القديمة". إلا أنه عاد واستطاع ضمها إلى سوريا عام 198 ق. م. وقد اعتبر أنطيوخس نفسه آلهاً، أو الإله الظاهر (تيوس ابيفانس) وقرن نفسه بزفس أوليمبيوس، وأعطى أهل سوريا أنفسهم امتياز عبادة الملك، واستولى على كنوز معابد الكنعانيين بفلسطين.‏

    واعتبر الإله زفس معادلاً للإله بعل ولم يعترض سكان فلسطين. ولكن اليهود الذين أعادهم الفرس لبناء المعبد اليهودي تمردوا، عندما وضع ايطوخس في معبدهم مذبحاً للإله اليوناني وكان الإله زفس يعبد بصفات كنعانية ويمثل بلبلس نصف كنعاني.‏

    إلا أن اليهود الموجودين في القدس لم يقبلوا بذلك فقاموا بمعارضة الاعتداء على الهيكل عام 168ق. م، وتزعم المعارضين ابن كاهن يهودي اسمه يهوذا، واتخذ اسمه "المكابي" وتعني المطرقة، ولكن السلوقي ديمتريوس الثاني نيكابور قام بإعطائهم الحرية الدينية وعين منهم كاهناً اسمه سمعان، ومن ثم عينه حاكماً على فلسطين عام 141 ق. م وهذه سنة المستعمرين حيث يعطى الحكم والنفوذ للأقليات ليكونوا جواسيس للسلطة على أهل البلاد.‏

    وهكذا كان دور اليهود بفلسطين خلال فترة الإغريق، ولكن نزعتهم الدينية تحولت إلى نزعة قومية فقاموا بالضغط والإجبار على الكنعانيين العرب كي يدينوا باليهودية وكذلك الختان. ومن القبائل التي مورس الضغط عليها الأدوميين عام 26 ق. م(1).‏

    كما تطاولوا في عهد خلف سمعان، أرسطو بولس (105-103م) حيث ضغطوا على الأريتوريين العرب، سكان الجليل وهم كنعانيون، وخيروهم أيضاً بالختان والدخول في اليهودية. وقد دخل كثير منهم في الديانة اليهودية ولذا نجد أن كثيراً ممن عمل السيد المسيح (عليه السلام) بينهم واتخذ منهم أكثر تلاميذه هم من أصل عربي. وكان اليهود ينظرون إليهم وكأنهم أدنى من اليهود وغير أهل لظهور نبي فيهم(2).‏

    سقطت فلسطين في يد روما عام 63 ق. م وأصبحت تحكم من قبل نائب قنصل روماني. ومن ثم أعطت روما خلال القرن الأول قبل الميلاد هيرودس حكم أجزاء من فلسطين (37-4ق. م) وهو أدومي كنعاني عربي. ولكن اليهود الموجودين في القدس عادوا وتمردوا ضد بيت المقدس 70 م بأمر من تيتوس الروماني وأنهى وجودهم ولم يبق إلا النذر البسيط، عاشوا في فلسطين بالقدس بين أهلها الكنعانيين الذين كانوا يرزحون تحت نير الاحتلال الروماني. واستمر الاحتلال حتى عام 323م. حيث انتصرت المسيحية في أوائل القرن الرابع الميلادي على يد قسطنطين.‏

    وخلال الفترة من عام 332 ق. م إلى عام 323 م خضعت فلسطين إلى حكم الإمبراطوريتين اليونانية والرومانية وتركت الهيلينية(3) بصماتها واضحة على مظاهر الحياة أيام اليونانيين وذلك نتيجة لأن الاسكندر قام بإنشاء (70) مدينة ضخمة على الطراز الإغريقي، استخدمها كمراكز ثقافية لنشر الحضارة الهيلينية في البلاد الشرقية وكذلك لتأمين طرق المواصلات.‏

    سكنها المسرحون من الجيش، وقد جمعت المدن الكثير من العسكريين والتجار والعلماء والفنانين والعبيد ومن المدن الثقافية التي أنشئت في العهد اليوناني، بيلاوديون "تل الأشعري"، وهيبوس "قلعة الحصن" ويقعان شرقي طبريا "فيلوتير" في الطرف الجنوبي من بحيرة طبريا، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى فيلوتير شقيقة بطليموس الثاني فيلادلفوس مدينة جيرازا، وقد حول الإغريق الكثير من أسماء المدن العربية، فأعطوها أسماء إغريقية ورومانية، منها عكا، حيث سميت بتولما في عهد بطليموس الثاني وبيسان سميت سكيثوبوليس، وبيت جبرين أطلق عليها اليوثيروبولس.‏

    بعد العصر الإغريقي الروماني أعاد العرب إلى مدنهم أسماءها الكنعانية العربية القديمة باستثناء نابلس التي كانت تسمى شكيم وسماها الإغريق نابلوليس حرفت وأصبحت حالياً نابلس. وهذه المدن أو المراكز الثقافية اتبع في تخطيطها النظام المعماري اليوناني، وأصبحت معظم المدن وخاصة يافا وعسقلان وغزة ورافا ذات صبغة هيلنستية خلال الحكم اليوناني الروماني، وخلال فترة الرومان أقيم اتحاد مدن عرف باسم اتحاد الديكابوليس(4).‏

    ومن المدن التي اشتهرت في هذه الفترة مدينة الأنباط البتراء عاصمة مملكتهم وسكانها من القبائل العربية. وهم الذين يعرفون اليوم باسم الحويطات ويعيش جزء منهم في الأردن، حول البتراء، وجزء آخر في النقب وسيناء وجزء في السعودية ثم تغير اسمهم عبر التاريخ فيوماً كان اسمهم المدينيين ثم الأنباط ثم الحويطات إلا أنهم في الأصل عرب كنعانيون.‏

    وخلال العصر اليوناني بفلسطين تغير نظام الحياة، حيث خضعت المدن إلى حكم الإمبراطور مباشرة، وأصبحت المدن تشتمل على رقعة واسعة من الأراضي تحيط بها الأسوار ولها بوابات ضخمة ورهيبة وذات جلال، وبداخل الأسوار يقع القصر الملكي أو قصر الحاكم، وكذلك الساحة العامة والمدرج الضخم والمسرح وبرك السباحة، والمعابد الضخمة المتعددة بينما خلت الحياة في الريف الفلسطيني من الصبغة اليونانية الرومانية، ولم تختلف الحياة عن صورة الأجداد الكنعانيين، حيث لم يتدخل الرومان واليونان في حياة الفلاحين، ولذلك بقي الفلاحون يعيشون حياتهم العادية. فتأثرهم بالحضارة الإغريقية والرومانية غير واضح، ولذلك استمروا يمارسون حياتهم وفق عاداتهم وتقاليدهم القديمة، فخلت فنونهم من التأثير: العمارة الدنيوية والدينية والجنائزية، فن التطريز، الخزف، الزجاج والمنحوتات الخشبية(5).‏

    أهم المراجع:‏

    (1)سفر المكابيين الأول 4: 29.‏

    (2)أنجيل مرقس 14: 70، أعمال الرسل 2: 7، لوقا 22، 59، يوحنا 1: 46.‏

    (3)الهيلينية: هي الحضارة اليونانية في بلاد اليونان وتسمى داخل اليونان باسم الهيلينية أما حضارة اليونان التي ظهرت خارج اليونان، وهي مزيج من اليونانية والشرقية وتسمى الهيلنستية.‏

    (4) هو اتحاد يضم عشرة مدن إغريقية كان منها بيسان، جداراً، جراسا فيلادلفيا دمشق.‏

    (5)عبد الرحمن المزين- الفن التشكيلي في فلسطين عبر التاريخ ص 253 إلى 256.‏

    الباب الثاني عشر‏

    فلسطين‏

    خلال العصر المسيحي‏

    يمكن القول إن العصر المسيحي بفلسطين يمتد منذ ميلاد السيد المسيح حتى ظهور الإسلام. وقد لاقت المسيحية بفلسطين صعوبات كبيرة من الإمبراطور والديانات الوثنية الكنعانية والديانة اليهودية ثم زالت هذه الصعوبات بعد أن اعترف قسطنطين بالمسيحية عام 312 ودخلت فلسطين تحت الحكم البيزنطي، ومن ثم أصبحت فلسطين كلها مسيحية.‏

    ونستطيع أن نقسم الفترة منذ ميلاد السيد المسيح حتى الفتح الإسلامي إلى قسمين:‏

    1-فترة الحكم الروماني- اضطهاد المسيحية.‏

    2-فترة الحكم البيزنطي- فترة الاعتراف بالمسيحية.‏

    أولاً- فترة اضطهاد المسيحية:‏

    ولد النبي عيسى بن مريم (عليه السلام) حوالي عام 6 ق. م وفي ذلك الوقت كانت فلسطين جزءاً من سوريا وتخضع للإمبراطورية الرومانية ولم تمت دعوته حيث قام أتباعه بتسجيل تعاليمه وأعماله في كتب تعرف اليوم باسم الأناجيل، وهي التي تبين لنا حياة سيدنا عيسى. وقد اعتنق الديانة المسيحية الكثير من الفلسطينيين وكذلك بعض اليهود، الذين كانوا يقيمون بين أهل فلسطين في القدس كأية جالية أجنبية.‏

    واستطاع الآباء المسيحيون، الأوائل وخاصة "بولس" أن يوصلوا هذه الديانة إلى سكان الإمبراطورية الرومانية. وذلك بأن أعطوها الصبغة الهيلينية، والذي ساعدهم على ذلك هو معرفتهم باللغة اللاتينية، فأهل فلسطين كانوا يعرفون الآرامية واليونانية خلال العصر المسيحي وخاصة أيام الرومان. وهذا أدى إلى سرعة انتشار الديانة المسيحية خاصة في اليونان وروما. وتبعاً لذلك ظهرت جماعات مسيحية في اليونان وروما لم تؤد واجباتها للآلهة الوثنية، فبدأ ما يعرف في التاريخ "الاضطهاد المسيحي"(1).‏

    والمعروف أن اليونان والرومان كانوا يؤمنون بآلهة متعددة، وكانوا متسامحين مع أصحاب الديانات الأخرى الوثنية، لأنهم كانوا يحترمون آلهتهم، ولكن أصحاب الديانة المسيحية لم يشاركوا في الأعياد الدينية الوثنية، وأعياد الإمبراطورية فبدأ الاضطهاد.‏

    وكان أول اضطهاد هو محاولة قتل المسيح عليه السلام على يد اليهود عام 27-29م، ثم إبادة المسيحيين بعد حريق روما الشهير في عهد نيرون عام 64 م، ثم بعد ذلك حكم على بولس بالموت صلباً في روما عام 67 م في عهد نيرون أيضاً، ثم أصبح المسيحيون في جميع أرجاء الإمبراطورية يقتلون ويضطهدون، وخاصة عندما تحل كارثة أو وباء أو مجاعة أو قحط في أي بلد من أنحاء الإمبراطورية الرومانية، حيث كانوا يعزون ذلك إلى المسيحيين.‏

    واستمر الاضطهاد، ففي عام 303م أصدر ديوكليتان أمراً بإزالة الكنائس المسيحية وحرق جميع كتبها الدينية. وطرد كل مسيحي من وظيفته وحرمانه من العمل في أي وظيفة، وأصبحوا يعاملون كخونة، إذا لم يقدموا مراسم الاحترام للآلهة. وقد تفننوا في قتل المسيحيين، من أجل ذلك فإن كثيراً من المسيحيين تعرضوا للهلاك والتعذيب وخاصة عرب فلسطين ولهذا فإن كثيراً منهم اضطروا لترك الديانة المسيحية والعودة لديانة الأجداد الكنعانية، ومن بقي منهم مسيحياً فقد كتم أمره عن أقرب الناس إليه، ولذلك كانوا يجتمعون في أماكن بعيدة عن الرؤيا مثل الكهوف والمغارات، وأي منزل عادي بعيد عن أنظار الناس.‏

    من هنا لم تقم لهم أماكن عبادة علنية خاصة بالدين المسيحي الأمر الذي جعل فنونهم لا تختلف عن فنون الأجداد الكنعانيين، فالكنيسة في فترة الاضطهاد كانت عبارة عن منزل أو معبد كنعاني، ولهذا فإن طراز الكنيسة الأول بفلسطين هو طراز المعابد الكنعانية والتي يعود تاريخ ظهورها إلى 6800ق.م.‏

    وكان أقدم بيت بفلسطين حول إلى كنيسة عام 200 م وعثر عليه في مدينة دورا على الشاطئ الشمالي الفلسطيني، وعثر في نفس المدينة على كنيسة تعود إلى منتصف القرن الثالث وبه باب خاص بالنساء، وكذلك مقاعد خاصة بهن، وعثر أيضاً على بقايا كنيسة في دورا يعود إلى 232م، وهي أقدم كنيسة عرفت بفلسطين، بل وتعتبر "أقدم كنيسة مسيحية عثر عليها"(3).‏

    ثانياً: فترة الاعتراف بالمسيحية:‏

    عندما انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين، قسم يحكم في روما ويعرف بالإمبراطورية الرومانية الغربية، وقسم يحكم في القسطنطينية، ويعرف بالإمبراطورية الشرقية البيزنطية، ويذكر المؤرخ فيليب حتي: إن سوريا الجنوبية "فلسطين قد أصبحت تابعة للإمبراطورية البيزنطية، وقد قسمت إلى ثلاثة أجزاء: فلسطين الأولى وكانت قيصرية مدينتها الرئيسية، ضمت أورشالم، نيابوليس- جوبا "يافا" عسقلان-غزة، وغيرها من المدن. وفلسطين الثانية ومركزها سكيثو بوليس "بيسان" ومدنها الرئيسية جدرة- طبرية. ثم فلسطين الثالثة وكانت البتراء مدينتها الرئيسية وتضم جنوب فلسطين وشمال الجزيرة العربية والبتراء وما حولها" ويذكر أيضاً أن البلاد أصبحت كلها مسيحية، وسيطر على العصر بوجه عام الروح الدينية، وأصبحت الكنيسة مكان المعابد القديمة الكنعانية، وأصبح للقديسين شأن كبير واحتلوا مكان كهنة المعابد. وقد نالوا احترام الناس واهتموا ببناء مراكز ثقافية تنشر تعاليم المسيح، ففي مدينة غزة في الجنوب برز منها المؤرخ الكنسي اليوناني "سوزمين، سوزمينوس" في القرن الخامس الميلادي. وفي شمال فلسطين قيصرية التي ينتسب إليها يوسيبيوس وهو أول مؤرخ كنسي عظيم، كذلك المؤرخ بروكوبيوس والكثير من القديسين ومنهم (جيروم) وهو من قرية بالقرب من غزة(4).‏

    بعد الاعتراف أصبحت فلسطين تابعة للإمبراطورية البيزنطية، وبنيت كنائس كبيرة على طراز الباسيليكا، وهي عبارة عن مبنى ضخم مستطيل كان يستخدم زمن الرومان كمحاكم قضائية أو مكان للأعمال التجارية، وكان يوجد به ثلاث قبلات ولا تقل في الغالب عن قبلة واحدة كبيرة وعظيمة والقبلة فسحة دائرية(5). والواقع أن نظام القبلات الثلاث، قد ظهر بفلسطين في معبد أريحا منذ 6800 ق. م. إذن فالرومان قد نقلوه عنا وأسقف الكنائس كانت عبارة عن جمالونات خشبية تغطي بالقرميد، وأسلوب الجمالون قديم كنعاني ظهر بفلسطين في بيسان مجدو منذ 4500 ق. م.‏

    وهناك كنائس كثيرة منتشرة في ربوع فلسطين والأردن وسوريا وخاصة في طبريا وبيت لحم والقدس والناصرة، وهي تزخر بمختلف أنواع الفنون.‏

    وقد أدى انتشار المسيحية إلى زيادة الطلب على الأقمشة الأرجوانية والمطرزة، حيث أصبح رجال الكهنوت يرتدونها، ومن هنا زاد الطلب على هذه الأقمشة المطرزة، كما جاء الحجاج المسيحيون إلى فلسطين وأخذوا معهم ملابس أرجوانية وملابس مطرزة تبركاً بها وهدايا. ولهذا انتشرت الأزياء الفلسطينية في ربوع العالم المسيحي، حتى الموسيقى وأزياء الرهبان الخاصة بالكنائس هي من تراث أجدادنا الكنعانيين.‏

    وما أن حل ظهور الإسلام ودخلت جيوش المسلمين فلسطين رغم تغيير أسماء المدن الرئيسية بأسماء يونانية ورومانية وبيزنطية ابتداء من 331 ق. م وحتى 631م، فقد حفظ الأقدمون الأسماء العربية وأورثوها لأجيالهم قرابة ألف عام وعندما ظهر الإسلام وذهب الاحتلال، أعادوا إلى مدنهم أسماءها الكنعانية العربية ومنها: -أسدود- يافا- غزة- عسقلان- بيت جبرين- عقرون وغيرها الكثير وهكذا يتضح لنا عروبة فلسطين عبر التاريخ.‏

    أهم المراجع:‏

    (1)عبد الرحمن المزين- الفن التشكيلي في فلسطين عبر التاريخ- ص 261،262.‏

    (2)نفس المرجع السابق-ص 263.‏

    (3) د. فيليب حتي- تاريخ سورية ولبنان وفلسطين- الجزء الأول- مترجم- ص 386 إلى 398.‏

    (4)نفس المرجع السابق- ص403، 404.‏

    (5)محمد خليل نايل ومحمد أمين عبد القادر –تاريخ العمارة- الجزء الأول ص 544، 245.‏

    الباب الثالث عشر‏

    فلسطين‏

    خ

إلى الأعلى