الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الثقافة » حرية الفكر في الحضارة العربية الإسلامية حافظ الجمالي

حرية الفكر في الحضارة العربية الإسلامية حافظ الجمالي


حريّة الفكر في الحضارة العربية الإسلامية ـــ حافظ الجمالي

موضوع حرية الفكر، بما تشتمل عليه هذه الحرية من حرية التعبير، وحرية النقد، وحرية الجهر بالرأي، يدخل في هذه الأيام في إطار المواضيع الأساسية المطروحة على العصر الذي نعيش فيه. ومن الواضح أن حرية الفكر هي العنصر الأهم والأكبر، مما يطلق عليه اسم الديمقراطية. وعندما نلاحظ أن الجدل كبير حول الديمقراطية، والدكتاتورية، وصلاح إحداهما دون الأخرى لقيادة الحكم في البلاد المختلفة، المتقدمة أو المتخلفة، فإن من المشروع أن ننظر إلى حرية الفكر في الحضارة العربية- الإسلامية من حيث هي مبدأ مقرر في أساس هذه الحضارة، أو مستبعد عنها. لنعرف، على ضوء ذلك، كم نحن قريبون من منابع حضارتنا، أو كم نحن بعيدون عنها.

إلا أن الحضارة ليست "مطلقاً" يعيش خارج الزمان والمكان والجماعات التي تعيش فيهما. وبتعبير آخر ليست الحضارة قيماً مستقرة، ثابتة، لا تتحول ولا تتبدل مع الأيام بل إنها ككل شيء آخر، تخضع لعاملي التبدل والتطور. ولا بد هنا من الإشارة إلى أن التبدل، غير التطور. فهذا الأخير تكامل، وتقدم إلى الأمام، وبنية أدنى تتحول إلى بنية أعلى منها. أما التبدل، فإنه عشوائي يقلب البنى، أو يعكسها، أو يجعل عاليها سافلها، أو العكس. ولهذا فإنه لا مجال لغض النظر عن رسم صورتي التبدل والتطور، اللتين مرت بهما قيم الحضارة العربية الإسلامية جملة، ولو أننا هنا لا نُعنى إلا بجانب واحد، هو حرية الفكر، وحدها.

وهكذا يقسم موضوعنا إلى ثلاثة أقسام طبيعية:

1-أولها يتناول حرية الفكر كقيمة، والنصوص القرآنية أو النبوية التي تؤكد عليها، وتقررها، وتثبتها، والحدود التي ترسمها لها. ونحن نقول هذا، دون آراء مسبقة، لأننا لا نقرر سلفاً أن حرية الفكر قيمة قررها الدين الإسلامي أو نفاها، وأكدها أو جرحها، وأباحها إباحة، أو حرمها. وكل ما علينا هو أن نضع النصوص التي بين أيدينا موضع البحث، ونستقرئها جملة، ونخلص منها إلى ما لا بد أن نقرره، أو إلى ما لا بد أن يرى العقل أنها تقرره.

2-والقسم الثاني هو استعراض ممارسة هذه القيمة في السنوات الذهبية الأولى، لحياة الدين الإسلامي، أي في عهد الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم ممن جرى على سنتهم، سواء أكانوا قدماء جداً، أو متأخرين أو بين أولئك وهؤلاء. ونعتبر، بالضرورة، أن هذه الممارسة، القريبة من الأصول، شاهد أول وأساسي فيما يتعلق بإثبات هذه القيمة أو نفيها أو التضييق عليها، ببعض الحدود.

3-والقسم الثالث، يتناول تطور هذه القيمة أو تبدلها، والعوامل التي ساعدت على ذلك، ودرجة صلة هذا التطور أو التبدل بالأصل الذي انحدر منه، أو تسلسل تبعاً له.

وفي رأينا- ما دامت دراستنا هذه- كتبت بعد أن هيئت- أن حرية الفكر قيمة مثالية، أكبرها الدين الإسلامي(1)، واحتضنتها التقاليد الديمقراطية العربية، في المجتمعات القبلية التي كان العرب يعيشون في إطارها، ولبثت في القوم قائمة، بمقدار ما كانت الحياة القبلية هي الأصل والأساس في المجتمع العربي، وأنها انهارت شيئاً فشيئاً، بحكم اختلاط المجتمع العربي بالمجتمعات الغريبة، ولا سيما المجتمعات الفارسية بالدرجة الأولى، والرومية بدرجة أقل، ثم غير هاتين من المجتمعات بدرجة أدنى بكثير ولا شك، ولكن دوماً باتجاه الانحطاط والانهيار.

ومع ذلك فإنه يمكن التساؤل هل كانت حرية الفكر، من حيث هي قيمة، مقررة في الدين أو غير مقررة، ومؤكدة بالتقاليد القبلية أم غير مؤكدة، ستتبع في تبدلها، أو تطورها مساراً آخر غير الذي جرت فيه، لو أن التآثر بين المجتمعات العربية وغير العربية لم يتم، أو لو أن التطور لم يتناول من الحياة العربية إلا مظهر الانتقال من حياة البداوة إلى الحياة الحضرية، دون تأثر آخر بالمجتمعات الأخرى؟ إن هذا التساؤل مجاني ولا ريب. ولكنه هام مع ذلك. إذ إن المجتمعات الشرقية والغربية معاً، في تلك الأيام، كان الكثير منها قد انتقل إلى الحياة الحضرية، لا سيما في الهند أو في الصين. إلا أن دكتاتورية الحكم، وقمع حرية الفكر، الذي كان سهلاً يومئذ لعدم وجود وسائل الاتصال الحديثة، كالإذاعة والتلفزيون كانا دوماً ماثلين للسياسة العامة، على الرغم من ضعف التآثر بين المجتمعات المختلفة يومذاك. وإني لأعبر عن رأي شخصي بحت، عندما أقول: إنه على فرض أن حرية الفكر كانت مقررة كمبدأ، في الدين، فلا ريب أنها ستتطور باتجاه التدهور والانحطاط، سواء أتأثر المجتمع العربي بغيره، أم لم يتأثر، جرياً على سنة التطور السياسي العام في حياة كل المجتمعات. ولئن قلنا إن الحياة الاقتصادية انتقلت من حياة الصيد إلى الرعي، إلى الزراعة، فالصناعة الصغرى، فالكبرى، أو من العبودية إلى الإقطاع فالبورجوازية، فالاشتراكية، وكان هذا الانتقال طبيعياً وضرورياً، فإنه يجب القول، بحكم هذا المنطق نفسه، إن الحياة السياسية تنتقل هي الأخرى أيضاً، من الديمقراطية البدائية، ديمقراطية القبيلة، إلى الاستبداد المقابل للإقطاع (سواء أكانت هذه الدكتاتورية مركّزة يقوم بأمرها شخص واحد، أم مفتتة، يقوم بأمرها أمراء أو حكام مقاطعات كثيرون)، ثم إلى الديمقراطية البورجوازية المقابلة لعهد الصناعة الصغرى، ثم إلى دكتاتورية البروليتاريا المقابلة للعهود الأولى للاشتراكية، كمقدمة للديمقراطية الشعبية الشاملة، أو كنقيض لديمقراطية الأقلية في العهد البورجوازي. وأغلب الظن أن القيم، كل القيم، مهما يكن مصدرها، ومن الأرض جاءت أم من السماء، تعيش حياة المجتمع وتتطور بتطوره. ولكن كل شيء يتم كما لو أن التقابل بين القيم وصور الحياة الاقتصادية، ليس توازياً، ولا تعادلاً، ولا يمضي بالسرعة نفسها على كل الخطوط. فالهند مثلاً ديمقراطية، والباكستان ديكتاتورية. هذه منذ وجدت، وتلك منذ نشأت كدولة مستقلة، على الرغم من أن أدوات الإنتاج، ومستوى التطور العام، في الحالين أشياء غير مختلفة، مما يشير إلى أن هناك "اختياراً" متاحاً للإنسان، أو هامشاً من حرية الاختيار، مردُّه أولاً وأخيراً إلى الشعور الجمعي، أو إلى من يُمثل هذا الشعور الجمعي في بعض اللحظات التاريخية الحاسمة. وليس لهذه الملاحظات كلها من قيمة أخرى غير إيضاح هذه الصور العشوائية من التطور التاريخي للمجتمعات السياسية، التي لا تصب كلها في قالب واحد، ولا ينتظمها قانون واحد. وعلى ذلك فإن في وسعنا ألا نستغرب أن يكون التطور الاجتماعي قد قطع مراحل كثيرة لدينا منذ عهد العباسيين حتى الآن، واختلف النسيج الشعبي، وارتقى المستوى الثقافي العام درجات كبيرة، ومع ذلك فإن صورة النظام السياسي بصورة عامة ظلت واحدة، كما لو كنا لا نزال في عهد أبي جعفر المنصور، أو تحت وصاية المماليك، على الرغم من اختلاف المؤسسات ودساتير الحكم، ونواظم العمل. وأبرز ما في هذه الوحدة في الحكم، أن الفرد والحكم يظلان قطبين متعارضين في الأغلب والأكثر، وأن نواظم الالتقاء بينهما تظل شكلية، صورية، وأن الحكم يتفرد بالغلبة والقهر، بغض النظر عن كل النواظم الشكلية أو الظاهرية.

1-حرية الفكر كقيمة تراثية

عندما نعيد قراءة القرآن الكريم، ومن عادة المسلم ألا ينقطع عن ذلك، حتى ولو اكتفى بالاستماع إلى الإذاعات الرسمية، فإنه، متى كان في ذهنه موضوع ما، يقف مضطراً عند بعض الآيات ذات الدلالة فيما يتصل بموضوعه. وهكذا فقد وجدتني أتساءل عن قيمة الدين نفسه، لا بالنسبة للإنسان المعاصر- الذي لا يزال ديني النزوع إلى حد كبير، أو قل إن هناك قطاعات شعبية كبيرة في كل مكان، لا يزال الدين أمراً أساسياً جداً بالنسبة إليها- ولكن بالنسبة للإله نفسه الذي يفرض الدين على عباده.

وهنا أجد الآية تقول: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (51-56). ومعنى ذلك عندي أن الله لم يخلق مخلوقاته كلها إلا لتعبده، أي لتؤمن بالدين الذي يوحي به إلى رسله، كما لو أن فعل الخلق نفسه لم يكن ليوجد لولا حرص الخالق على أن يعبده. وعندما نتذكر الآية القائلة: {إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً} (4-47) أو الآية الأخرى القائلة: {إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً} (4-116)، فإننا نفهم من ذلك، بقدر ما تتسع عقولنا للفهم أن جوهر العبادة، هو الاعتقاد بوحدانية الله، وأن الإشراك هو الذنب الوحيد الذي لا يمكن أن يغفر، أو أكبر ذنب يمكن أن يقترفه الإنسان.

ولا شك أن وراء الإيمان بوحدانية الخالق واجبات دينية أخرى، تنشأ منه، وتصدر عنه، كالصلاة والصوم والحج، كتعابير خارجية عن هذا الإيمان، ثم وراءه واجبات تتصل بصلاح أمر الناس في الحياة العامة، وانتظامها بنواظم واضحة. إلا أن المطلق الأول في الدين هو الاعتراف بوحدانية الله. وطبيعي بعد ذلك أن تؤلف تعاليم الدين كلها "وحدة عضوية" متماسكة، يكتمل بها الإيمان. فإذا قلنا إن جوهر الدين هو عدم الشرك، قلنا كذلك إن جملة الواجبات المتصلة بهذا الجوهر، هي "الدين" ككل.

ولندع الواجبات الدينية والدنيوية التي يمكن أن يغفرها الله لمن يشاء، ولنقف على الإيمان بوحدة الخالق، ولنتساءل، هل يمكن أن يوجد أي مطلق آخر أكبر من هذا المطلق الأول في الدين؟ إن إحصاء سريعاً للآيات الواردة حول الإثم المقترف بالشرك تزيد على المئة بالتأكيد. وما من شيء آخر خص في القرآن بمثل هذا العدد من الآيات، مما يشير إلى أن الله يعتبر الإيمان بوحدانيته شرطاً أول للدخول في ملكوته. فبماذا فرض الله هذا الإيمان على الناس، أبالإكراه القسري، وهو أقدر من يستطيع ذلك، أم بالرضا والقبول الطوعي؟

لا ريب أن الإنسان يذكر هنا الآية القائلة: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشدُ من الغي} (2-257)، وآية: {لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً} (13-33)، وآية: {وهديناه النجدين} (90-10) ويستخلص منها أن الله،خالق الإنسان، والذي لم يخلقه إلا لعبادته، لم يشأ أن يكرهه أي إكراه على الإيمان. والحقيقة أنه لا معنى للإكراه مطلقاً، إذ ينعدم عندئذ معنى الثواب والعقاب، كما تنعدم القدرة على تمييز مستوى العقول، ومدى قدرتها على التمييز بين الحق والباطل. ولئن كان الله لا يكره الناس على ما يجب أن يؤمنوا به، وهو أحب الأشياء إليه، فكيف يصح أن يطلب من بعض الناس إكراه الآخرين على ما لا يحبون؟

وهكذا نجد، على مستوى آخر، أن حرية الفكر موضوع آيات، كثيرة أخرى، قد لا تكون إلا صراحة أكبر في التعبير عن مبدأ مقرر، هو عدم الإكراه في أي شيء. وبالتالي لا مجال لأن نستنتج أن الله يأبى على نفسه أن يلزم الناس بما لا يحبون، ثم هو في الوقت نفسه يرضى لبعض الناس، ما لا يرضاه لنفسه. كأنه يجوز لهؤلاء إكراه بعضهم البعض الآخر. أما الله نفسه فإنه يُحرّم عليه ذلك. إن المفارقة هنا واضحة جداً، لا مجال لقبولها. ومع ذلك فإن القرآن يلح إلحاحاً شديداً على فكرة الشورى، التي لا معنى لها من دون حرية الفكر. ولنذكر على سبيل المثال، الآية القائلة: {فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر…} (3-159). والآية: {وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا، وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا، وعلى ربهم يتوكلون، والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، وإذا ما غضبوا هم يغفرون، والذين استجابوا لربهم، وأقاموا الصلاة، وأمرهم شورى بينهم، ومما رزقناهم ينفقون} (42 و37 و38 و39).

وهكذا نجد أن العلاقة وثيقة بين رفض الإلزام وضرورة الشورى. إذ متى امتنع الإلزام، كان لا بد من الشورى. ونلاحظ أن الإلزام مكروه مستهجن في نص القرآن نفسه: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟} (10-99) ولكن الإكراه مرفوض جملة وتفصيلاً، بدليل الآية القائلة: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً، لتبتغوا عرض الحياة الدنيا، ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} (24-33)، والآية القائلة: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً، ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن، إلا أن يأتين بفاحشة} (4-18). فإذا كان الإكراه مرفوضاً حتى في أعظم الأشياء عند الله، فكيف لا يكون كذلك فيما هو أدنى. وعندئذ لا مقابل لرفض الإكراه، إلا الشورى التي لا يرى القرآن أن تكون معنى متضمناً في مبدأ أكبر، بل يصرح بها، ويصر عليها، ويوجبها. وكذلك لا معنى للشورى إلا في حرية الرأي.

وكثيرة هي الآيات التي ترد بصيغة الإخبار العادي، لكنها لا تعني مجرد الإخبار، بل تعني الإلزام المعنوي. فإذا قال القرآن: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهذا يعني أنه يجب أن تنهى عنهما، لأن من صلى لا ينتهي، حكماً، عن المنكر. وعندما يقول: وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا- والذين يجتنبون كبير الإثم والفواحش- والذين أقاموا الصلاة- والذين أمرهم شورى بينهم، فهذا يعني أن نعم الآخرة لن تكون إلا لهؤلاء: وهؤلاء وحدهم. وعلى هؤلاء، لا أن يجتنبوا كبير الإثم والفواحش، ولا أن يقيموا الصلاة فحسب، بل عليهم كذلك أن يكون أمرهم شورى بينهم. وإذا ذكرنا الآية التي يرد فيها القول: وشاورهم في الأمر، تبين لنا أن الشورى ليست أمراً مستحباً فحسب، بل هي أمر صريح كالأمر بالصلاة، وباجتناب الآثام الكبيرة، لأن الآية تعطف كل هذه الجمل بعضها على بعض، ولا مبرر لجعل الواحدة منها أهم من الأخرى.

2-كيف مورست هذه القيمة في العهد الذهبي للإسلام

وعلى ذلك فإن قناعتي الأساسية هي أن الإكراه مرفوض والشورى بين المؤمنين أساسية، وأصل في الدين. ولا مجال للأخذ برأي آخر. وكيف يمكن أن يؤبى الإكراه في الدين، ويقبل في الدنيا؟

ولكن لننظر هل كانت هذه القيمة "أمراً نظرياً" يقرره الدين بصورة شكلية، ولكنه يتسامح به في الحياة العملية، ويتجاوزه في المناسبة بعد المناسبة، على يد الرجال الأوائل الذين آمنوا بالإسلام، وأخلصوا في إيمانهم كل الإخلاص؟

أما أنه ليس من المقعول أن تنزل على النبي آية تقول: وشاورهم في الأمر، وأن يستبد النبي (ص) برأيه في الأمور العامة، فذلك ما هو واضح جداً. بل إن من طبيعة أية دعوة جديدة، أن يأتلف القائمون بأمرها ائتلافاً عميقاً، وأن تكون الشورى قاعدة لسلوكهم، إذ لا مجال لنجاحها إن اختلف هؤلاء حول السلوك الذي يجب اتباعه من أجل نشرها. وهكذا نجد الرسول يندب الناس إلى اعتراض أبي سفيان في طريقه إلى مكة، ومعه أموال وتجارة. فخف بعضهم، وثقل آخرون، ولم يؤاخذ المتثاقلين. وعندما علم أن قريشاً خفت لنجدة أبي سفيان بعدد كبير، استشار من معه، أيجب أن يتم الصدام، أم لا يجب، وحرص على استشارة الأنصار لأن العدد فيهم. فأجابه سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله، قال: أجل. قال سعد: قد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق… فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، وذلك في كلام طويل اجتزأنا منه ما نحن بحاجة إليه. ولا ننس هنا كلام الحباب بن المنذر في اختيار النبي للمكان الذي يريد فيه لقاء العدو، على أول ماء من بدر. إذ نصح للنبي أن ينهض بالناس ليحل في أول ماء من القوم، ويبني حوضاً يملؤه ماء، ويقاتل القوم، فيشرب هو وأصحابه ولا يشرب أعداؤه. وكذلك استمع النبي (ص) لسعد عندما رأى أن يبني له عريشاً، ولأصحابه الآخرين في قبول فدية الأسرى.

ولقد يطول بنا الحديث لو رحنا نعدد المواقف الصعبة التي كان النبي (ص) لا يقطع فيها بأمر إلا بعد أن يستشير أصحابه، بل إنه وهو النبي المرسل كان يخضع لرأي الأكثرية، حتى عندما يكون رأيه على عكسها، على نحو ما حدث في غزوة أحد، حيث نصح عبد الله بن أبي بن سلول ألا يخرج الناس، خارج المدينة لقتال قريش، وكان النبي على هذا الرأي، لكن الأغلبية كانت مع الرأي الآخر، فانقاد لها.

ذلك هو شأن النبي (ص) فماذا عساه أن يكون ما فعله الخلفاء من بعده، ولا سيما الراشدين منهم.

أما أبو بكر (ض) فنحن نعرف خطبته التي تلت ولايته، والتي قال فيها: "قد وليت عليكم، ولست بخيركم. فإن أحسنت فأعينوني، وإن أخطأت فقوموني". وأما عمر فإننا نعرف سلوكه من خلال خطبته في الناس قبيل وقعة القادسية، إذ جاء فيها قوله: إن الله قد جمع على الإسلام أهله، فألف بين القلوب وجعلهم فيه إخواناً، والمسلمون فيما بينهم كالجسد لا يخلو منه شيء من شيء أصاب غيره. وكذلك يحق على المسلمين أن يكون أمرهم شورى بينهم، بين ذوي الرأي منهم". وكان عمر إذا نزل به أمر لم يبرمه قبل أن يجمع المسلمين ويستشيرهم فيه، ويقول لا خير في أمر أبرم من غير شورى. وكان لشوراه درجات، فيستشير العامة أول مرة، ثم يجمع المشيخة من الصحابة من قريش وغيرهم، فما استقر عليه رأيهم أخذ به.(2) ومن المعروف أنه كان كلما حزبه أمر نادى مناديه، الصلاة جامعة، ليستشير الناس بالأمر، حتى ولو تعلق الأمر بثوب قسم له، وكان أطول مما قسم للناس، أو بهدية تلقتها زوجه أم كلثوم من ملكة الروم، رداً على هدية تلقتها منها، وفي كل هذه الأمور كانت الصلاة الجامعة، والحديث عن الموضوع، والبت فيه بمشورة الناس.

ولا شك أن أوضح برهان على العمل برأي الناس، هو ما لجأ إليه عمر، عندما اختلف الأمر حول توزيع أراضي السواد (العراق المفتوحة) وانقسم الصحابة قسمين، أحدهما يرى رأي عمر في حبسها على المقاتلة والنفقات العامة، وقسم آخر يرى اقتسامها تبعاً لحكم الإسلام في الغنائم في ذلك الحين عمد عمر إلى تعيين لجنة تحكيم لتبت في الأمر، فبتت فيه على نحو ما رأى عمر الذي لم يلبث أن رأى في نصوص القرآن ما يدعم رأيه. وكان واضحاً أن مقتضيات المصلحة العامة هي التي جعلت الخليفة ينحاز إلى وقف خراج الأرض المفتوحة على حاجات المسلمين العامة.

وربما وجدنا في تفاصيل الأحداث ما يعيننا على ملاحظة المستوى العالي لحرية الرأي أيام عمر. فهو لا يرى أنه لا خير في أمر من غير شورى، فحسب، بل لعله لا يرى بأساً في أن يعود إلى الحق فيلزمه إذا ما نُبّه عليه. ذلك أنه.. لاحظ غلاء المهور على سبيل المثال، وحث على الاقتصاد فيها، وانبرت امرأة من أقصى المسجد تذكره بقول الله تعالى: {وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً} فقال: أصابت امرأة، وأخطأ عمر.

وقل مثل ذلك في عثمان الذي تلقى وفود الأمصار التي جاءت للتحقيق معه في أمور أنكرت عليه، فلم يكن منه إلا أن خضع للتحقيق ودافع عن نفسه بالتي هي أحسن، ورفض استخدام القوة لدفع المحتجين عليه.

وما سلوك علي رضي الله عنه في السماح لمن كان يشايع معاوية في رأيه، بالانضمام إليه، إلا صورة أخرى مفرطة المثالية لحرية التعبير، كما فهم الخلفاء وصحابة رسول الله الأولون، غير أن حرية التعبير هنا مضافة إلى حرية التصرف، أي أن الرجل، من أصحاب علي، لا يقول كلمة هي: "أن معاوية على حق. بل يباح له أن يلحق به. ولا نعرف في العالم كله دولة، قديمة أو حديثة، استطاعت أن تصل بحرية الفرد إلى مثل هذه الحدود.

3-تطور حرية الفكر بعد عهد الراشدين

ونعرف من التاريخ أن قمع حرية الفكر والحرية جملة، بدأ مع الأمويين، بدرجات تزيد أو تنقص، تبعاً لشخصية الخليفة. ولا شك أن معاوية حرص على الحد الأدنى من الشورى، بدعوته وفوداً من مختلف الأقاليم، لاستشارتهم فيمن سيكون خليفة بعده. إلا أنه في الواقع لم يدع إلا أولئك الذين كانوا يعرفون سلفاً رغبة الخليفة في ابنه يزيد، فتخلوا عن كل تفكير حر، وتملقوا، ومالؤوا، وسايروا، وأمعنوا في تأييد رأي الخليفة، المضمر، وكأنما هم أشد حماسة منه، حتى لكأنهم هم مبتكروه وأصحابه، كالمغيرة ابن شعبة. وعندما علم معاوية بمقالة عبد الرحمن بن أبي بكر: "أردتم لأمة محمد، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية، كلما مات هرقل قام هرقل آخر" وعلم أن الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ينكرون هذا الاختيار، وسمع الأحنف بن قيس يخاطبه بقوله: نخافكم إن صدقنا(3)، ونخاف الله إن كذبنا(4)، لم يذهل عن الذهاب إلى مكة للاجتماع بالمعارضين، وليقيم على رأس كل منهم رجلين، مع كل واحد سيف، حتى إذا خطب هو بالناس، داعياً إلى بيعة يزيد، لم يجرؤ واحد منهم على المعارضة، وتكون الصورة الشكلية لحرية الفكر قد تحققت، في الظاهر ولكنها أبطلت في الواقع. ولئن ابتدع معاوية هذه الصورة الشكلية في الشورى، فإنه، على ذلك، لم يزد على أن أنشأ مدرسة تعلم بها الكثيرون درسه هذا، وما زالوا على نهجه يسيرون. وما أشبه الليلة بالبارحة!

ومنذ ذلك الحين حلّت إرادة السلطة محل إرادة الشعب، وأصبحت حرية القوة، بديلاً عن حرية الفكر. ولكن ما أغلى الثمن الذي دفعته الأمة، لقاء ذلك، في ثورات المختار الثقفي، وعبد الله بن الزبير، والخوارج في شيعهم المختلفة، مما هو مشهور ومعروف.

ومع ذلك فإن انقسام الحياة القبلية إلى قيسيين ويمنيين كان يترك بعض المجال لحرية الفكر، أو لوقوف السلطة عند بعض الحدود، في تعاملها مع الشعب. لقد كانت تلك القبائل أشبه ما يكون بالأحزاب القائمة، الشديدة القوة، ولهذا فإن الخلفاء الأمويين لم يستطيعوا أن يمارسوا الاستبداد المطلق، رعاية لتوازن القوى بين مختلف القبائل. ولم يكن لهم من مخرج آخر غير أن يلعبوا على هذا التوازن، مرة لجانب هذا الفريق، ومرة أخرى، للفريق الآخر. إلا أن نمو الحياة الحضرية، والضعف المتزايد للروابط القبلية، جعل خط الاستبداد يتصاعد شيئاً بعد شيء، بحيث نرى أن أواخر خلفاء الأمويين أكبر استبداداً من أوائلهم، وأشد عنفاً على الشعب والمعارضين. وهذا ما يتضح من قول عبد الملك لأبيه عمر بن عبد العزيز أثناء خلافته: يا أمير المؤمنين: ما تقول لربك إذا أتيته وقد تركت حقاً لم تحيه أو باطلاً لم تمته؟ فقال: "يا بني إن أجدادك قد دعوا الناس عن الحق، فانتهت الأمور إليّ، وقد أقبل شرها، وأدبر خيرها، ولكن أليس حسناً وجميلاً ألا تطلع الشمس عليّ في يوم إلا أحييت حقاً، وأمت باطلاً؟" وبديهي أن خلافة عمر بن عبد العزيز كانت ظاهرة شاذة في تاريخ الأمويين.

ومع ذلك فإن "حرية الفكر" كمبدأ ظلت هي السائدة في قلوب الناس. وعندما نعلم أن أهل سمرقند شكوا إلى عمر بن عبد العزيز أن قتيبة غدر بهم واستولى على مدينتهم، على غرة منهم، أمر بأن يقضي قاض بينهم، فقضى هذا أن يخرج العرب من المدينة، وينابذوا أهلها على سواء، فيكون صلحاً جديداً أو ظفراً، وتبدو هذه الحادثة العجيبة والفريدة دليلاً واضحاً على نمو الوجدان الديني، واحترام القيم الأخلاقية، والرجوع عن ميزان القوة إلى ميزان العدل، وشيوع ذلك كله بين الناس، القريب أو البعيد، والصديق أو العدو.

أما في عهد العباسيين، فقد استفحل أمر الاستبداد، وقُضي على حرية الفكر، بدرجة أقوى وأشد. إذ جاء هؤلاء إلى الحكم بثورة ضد الأمويين، وغُدر بأبناء عمهم، أبناء علي بن أبي طالب. فاستتبع هذا ثورات كثيرة قادها الأئمة من هؤلاء. وزاد في الاستبداد ثلاثة عوامل:

1-أولها دخول العنصر الفارسي كشريك قوي في الحكم، وإحياء تقاليد الحكم الفارسية القديمة، وهي تقاليد القمع والاستبداد والقضاء على كل فكر حر.

2-والثاني شعور العباسيين بأنهم جاؤوا للخلافة بما يشبه الحق الإلهي، واعتبار كل الخلفاء الآخرين، كمغتصبين، مما يشهد عليه خطبة عم العباس السفاح، داوود، في أول خطبة لتدشين الخلافة العباسية.

3-والعامل الثالث، هو أن صورة الحكم في كل البلاد المعروفة يومئذ، كانت صورة الحكم الاستبدادي الذي يقوم على إعدام حرية الفكر، فلا غرابة أن يتطور الحكم العربي- الإسلامي، في هذا الاتجاه العام الشامل، ولو خرج فيه عن تقاليده الأولى وقيمه الأساسية.

ولا شك أن بعض العهود العباسية عرفت صوراً من حرية الفكر قل مثيلها في العالم، في ذلك الحين مما أتاح للمعتزلة أن يروا في الدين آراء غير تقليدية. إلا أن المأمون نفسه الذي أعز المعتزلة، واقتنع بصحة رأيهم، لم يزد على أن عامل المعارضين بمنتهى القسوة والاستبداد، حتى ليضرب أحمد بن حنبل لأنه لا يرى رأي المعتزلة. ومن الغريب أن يقوم رأي المعتزلة على حرية الفكر، ومسؤولية الإنسان عن أفعاله، وأن يجدوا مع ذلك أن لا حرية لمخالفيهم في الرأي، وأن على المعارضين أن يروا رأيهم ولو بالقوة. ونحن نعرف من ناحية أخرى كيف أن الورعين من رجال الدين والأئمة، كانوا يرغبون عن مناصب الدولة، لبعدها عن قيم الإسلام الأولى، حتى يجب أن يُضرب أبو حنيفة، ويُعنّف، ويُقسى عليه، ليقبل القضاء على بغداد.

وعندما حل المعتصم فرق جيشه العربية والفارسية، مستبدلاً بها الفرق التركية، وما تلا ذلك من تطورات مماثلة، أصبح الجيش الغريب هو الحاكم. وعندما تتحكم القوة، أية قوة، حتى ولو كانت وطنية، فإنه لا مجال للحديث عن حرية الفكر.

وهناك دراستان، إحداهما لعبد العزيز الدوري(5)، والأخرى للمستشرق فون غرينباوم(6) تتحدث أولاهما عن تطور مفهوم الخلافة، والثانية عن تطور مفهوم الاجتهاد في التشريع وتنبئ كلتاهما عن انقلاب القيم من الشورى وحرية المفكر، إلى قمعهما وكبتهما.

أما الدراسة الأولى فنلاحظ أن فكرة الشورى- أي انتخاب الخليفة- التي نادت بها الثورة الزبيرية، ونمتها فرقة الخوارج، الذين اتسعوا بها إلى انتخاب أي عربي، ثم أي مسلم فاضل، يعتبر مسؤولاً بصورة مباشرة أمام الأمة فتعزله إذا انحرف، هي النظرية الرئيسية في الأوساط العامة لا أيام الخلفاء الراشدين فحسب، بل كذلك أيام الأمويين، وقد تجلى هذا، عملياً، إما في محاولة إقناع رؤساء القبائل والأشراف- خاصة من الشام- أو في التخيير بين اتفاق هؤلاء على مرشح بين أكثر من شخصية طامحة، كما حصل في اختيار مروان بن الحكم من قبل الملأ- أو مجلس أشراف اليمانية- في دمشق، وبين نوع من الوراثة، وبين الثورة المدعومة بقوى قبلية، كما فعل يزيد بن الوليد، ومروان بن محمد، دون أن ننسى خلال ذلك أن الأمويين حاولوا التأكيد على فكرة الجبر، وأن السلطة بقدر من الله. وأن الخليفة هو خليفة الله- بدءاً من عبد الملك- وأن على الناس الطاعة. ولكن هذا الواقع المتأثر أكثر فأكثر بأساليب التنظيم الساساني والبيزنطي، البعيدين كل البعد عن الفكرة الإسلامية الأولى- كان يناهض الرأي العام السائد ويثير النقمة، على ما يلاحظ "جب" في كتابه: دراسات في حضارة الإسلام (1974، ص 45-60). ومع أنه كان هنالك رأي مناهض للشورى، يقول بضرورة الإمامة، المفروضة من عل، فإن تعريف الإمام الأول هو أنه سيملأ الأرض عدلاً، كما ملئت من قبل ظلماً وجوراً، ولا شرعية لإمام، من غير هذا النوع. وهكذا نجد المذهبين، الشوري والإماميّ، يلتقيان في شروط للإمام أهمها العلم، والكفاءة، والعدل، والقدرة على حماية الأمة من الأخطار. وكلا الأمرين مشروع، لو حقق غايته.

وفي ظل العباسيين كان مثل أبي يوسف (182/798) يؤكد (خضوعاً لرأي السلطة بلا شك) أن الإمام خليفة الله في أرضه، وأن طاعته واجبة، ولو أن عليه إقامة الحدود، ورد الحقوق إلى أهلها، ومع أن الإمام ليس مسؤولاً أمام الناس، لكن من الخير أن يستمع إلى آرائهم، وأن يكون للرعية حق في نقد ولاة الأمر، وضرورة التشاور معهم. وهكذا ننتقل خطوة جديدة يتضاءل معها حق الشورى، ويرقى بها ولي الأمر إلى مستوى المطلق. ولم يكن رأي بعض الخوارج (المنجدات)، وبعض المعتزلة (أبو بكر الأصم) في عدم الحاجة إلى إمام، إذا تواطأت الأمة على العدل وتنفيذ الشرع إلا رداً على مثل رأي أبي يوسف، بأن الإمام خليفة الله وأنه غير مسؤول أمام الناس، ككائن متعال، مفارق، يجب أن يوجد على كل حال.

أما نهاية التطور فنراها لدى ابن جماعة (733/1333)، الذي يوسّع نطاق أهل الحل والعقد ليشمل الأمراء والعلماء والرؤساء ووجوه الناس، خلافاً للغزالي الذي يرضى باختيار الإمام من قبل شخص واحد، إن كان ذا شوكة، ولكن الخطورة تكمن في قوله: "إن إذا خلا الوقت من إمام فتصدى لها من ليس لها أهلاً، وقهر الناس بشوكته وجنوده، بغير بيعة واستخلاف، انعقدت بيعته، ولزمت طاعته، في سبيل انتظام شمل المسلمين، وجمع حكمتهم. وعلى حين أن كل من سبقه كان يشترط في الخليفة أن يحكم وفق الشرع، فإن ابن جماعة يرى أن البيعة تنعقد لصاحب الشوكة، تلقائياً، ولا يقدم في ذلك كونه جاهلاً أو فاسقاً (تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام). وهكذا نجد أن تطور الحكم في أمر الخلافة، منذ الأصول، حتى القرن السابع، اتبع خطاً منحدراً باستمرار، بدءاً من ضرورة العلم، والتقوى، والقدرة على الدفاع عن الحمى، والعدل، وإقامة الحدود ورد المظالم، ومشورة الناس، إلى الاستغناء عن كل شورى وعلم وعدل وتقوى، بالقوة والقهر. ولا شك ان هذا التطور يعكس ما يوازيه من قمع كل الحريات، وفي طليعتها حرية الفكر.(7) وكذلك حرية القضاء. وهكذا يقول غرينباوم(8).

"وكان مركز القاضي الحرج بإزاء سلطة تنفيذية تعمل على مقاومته، واستحالة احتفاظه على وجه الإجمال بضمير صاف نقي أمام ضغط الخليفة عليه بالمطالب استناداً إلى مقتضيات السياسة العليا، فضلاً عن كراهية إصدار أحكام على إخوان له من المسلمين قد تكون مكانتهم الخلقية أعلى بكثير من مكانة القاضي نفسه، كل هذه العوامل جعلت الأتقياء ينفرون من ذلك المنصب. فلم يبق شيء يبرر به هؤلاء الأتقياء قبولهم لذلك المنصب إلا القسر والإجبار. وما أكثر ما كان المشرع يضطر إلى استخدام علمه ليبرر من الأمير ما لا ينهض له عذر ولا مبرر، أو يسوغ على الأقل، ما هو مخالف للشريعة، وذلك بليّ التأويلات لياً بارعاً، أو حتى بتنفيذ نصوص الأحاديث. وكان ذوو الورع يخافون من الخلود في نار جهنم عندما يحملون قسراً على القضاء. ألا ترى إلى أبي حنيفة كيف لم يقبل قضاء بغداد حتى ضرب وأوجع؟

أما ما يتصل بانحدار حرية الرأي، أو الاجتهاد كما يقال في لغة الفقه. فإن غرينباوم نفسه يعلق على ذلك بقوله:

"والمذاهب السنية البكرى تختلف إبان مراحل تطورها الأولى من ناحية تسليمها بشرعية الرأي، أو عدم اعترافها بذلك. ومما هو جدير بالملاحظة أن المذاهب الأربعة كانت تزداد ضيقاً بالرأي كلما تقادم عليها الزمن- وكان كل من الأئمة العظام: أبو حنيفة (المتوفى عام 767هـ) ومالك بن أنس (المتوفى 795) والشافعي (المتوفى 819) وأحمد بن حنبل (المتوفى 855) وداوود الظاهري (المتوفى عام 883) أقل ميلاً إلى إجازة الرأي من سابقه".

ونلاحظ بغير عناء أن التوازن بين التساهل في شروط الخلافة من جهة أولى، وتضييق باب الاجتهاد في التشريع من جهة أخرى، توازن يلفت النظر، والعنصر المشترك هنا هو الاعتماد على السلطة، كبديل عن الاعتماد على العقل. وعندما يقرر حتى ابن خلدون أن الخلافة إنما تؤخذ بالغلبة، ويجعل من ذلك نظرية مقررة كما لو أنه يلتزم بالواقع وحده كما كان يجري تحت سمعه وبصره قبل حياته وخلالها فإنه ليس من الصعب أن يلتزم الأئمة أكثر فأكثر بالنصوص الحرفية الواردة في شأن الدين. وكل ذلك إنما يغرينا بالقول: لقد تزامن ضيق الحرية الفكرية الدينية مع ضيق الحرية السياسية، وحرية التعبير. ويخيل إلينا أن هذا المر طبيعي، إذ لا بد للبنية الاجتماعية الواحدة أن تعزز نظريات متماثلة ولو كان علينا أن نتابع تطور الحياة السياسية وتطور الفكر الديني، لوجدنا حرية الفرد في الحالين، إنما تقع على مستوى واحد، فكلما ضاقت في جانب، ضاقت في الآخر، والعكس بالعكس.

وخلاصة كل ما تقدم، هي أن حرية التعبير كحق متساو ومشترك بين المسلمين، بدت وكأنها أصل في الحياة الاجتماعية للإسلام، بنص القرآن، وسلوك النبي، إلا أنها ما لبثت أن تراجعت خطوة بعد خطوة، بمقدار ما كان الطامعون بالخلافة يعتمدون القوة وحدها، للوصول إليها، مغلفين نجاحهم برداء المذهب الأشعري الذي يعتبر كل ما يقع، كأنه قدر من الله، لا سبيل إلى الإفلات منه، ومعتمدين على نظرية غريبة عن الدين، بمقدار ما كانت رائجة، وهي أن الخليفة واجب الإطاعة، وغير مسؤول أمام رعيته وقد وجد بطبيعة الحال من يبرر هذه الفكرة من رجال الدين، تبريراً وصل بأمثال الغزالي، على ما كان عليه من نقاء ديني، إلى حد القبول بالخليفة ذي الشوكة، العاصي، عندما لا يوجد له بديل، من حيث أن نظام القهر أفضل على كل حال من الفوضى.

ومع أن هذا النوع من التفكير مخالف مخالفة تامة لنصوص شرعية هي أكثر ما تكون وضوحاً، فإن مجرد وروده على لسان مثل هؤلاء الأئمة يعني أو يجب أن يعني أن صاحب السلطان كان يستطيع القضاء على كل من يجرؤ على الجهر برأي شرعي يناقض واقع السلطة اللامشروعة. وهكذا يلخص ابن خلدون تطور فكرة حرية الرأي- حتى تلك المستندة إلى الدين- في مثل الكلمات التالية:

"إن الإمامة زمن الراشدين كانت تقوم على الشورى، وكان أساسها الوازع الديني وبساطة المجتمع. وكانت الإمامة نوعاً من العقد. فتولية الخليفة تعبير عن اتفاق مشترك. ولكن التحولات الاجتماعية بعد الفتوح أدت إلى الفتنة، ثم أفضت إلى ضعف الوازع الديني، وظهور العصبية أساساً للسلطة، ومع ذلك تدهور مفهوم الشورى، إذ انحسر فتحول من الأمة إلى أصحاب العصبية وصار إلى أهل الحل والعقد منهم. وحين تعتمد السلطة على العصبية فإن ذلك يعني تحولها التدريجي من الموافقة إلى الإكراه"(9).

ولنلاحظ أن فقدان الشورى لا يقابل إلا الاستبداد من جهة الحاكم، والخضوع من قبل المحكوم. والقضاء على كل رأي حر. وعندما يتبدل الحاكم، يتبدل الرأي الذي يجب الأخذ به، ويصبح حلال الأمس حرام اليوم. ففي عام 738 أمر الخليفة هشام (724-743) بقتل جعد بن درهم لأنه أخذ بمبدأ خلق القرآن… وعندما سمع هرون الرشيد (786-809) أن بشراً المريس يرى أن القرآن مخلوق، هدده بقتله بطريقة لم يقتل بها أحد قبله. فاضطر أن يختفي عشرين سنة.. إلا أن المأمون بن هرون (الذي كان مشغولاً بألف ثورة). أعلن على الملأ عام 827، أن من لا يقول بخلق القرآن فليس له حظ من الدين ولا نصيب من الإيمان واليقين. لا بد إذن أن أبا المأمون المسكين قد مضى إلى النار مباشرة، بحكم رأي ابنه المأمون.

وبطبيعة الحال، فإن هذا مجرد مثل على فقدان حرية الرأي، فقداناً يصل به الأمر إلى أن من يأخذ هو نفسه بمبدأ الحرية، يقمع بمنتهى القسوة من لا يقبل هذا المبدأ. ولم يكن القمع مما يتناول البعد الجسدي، بالقضاء على الفرد بالموت، ولكن يتناول مصادرة الأموال. حتى أصبحت هذه باباً هاماً من أبواب الموازنة، زمن العباسيين ومن بعدهم. وأصبح الناس يخفون ثرواتهم ويتظاهرون بالمسكنة ويركمون المال بلا توظيف، خوف المصادرة(10). وهذا هو السر من أن الطبيعة البورجوازية لم تعرف حقاً في المجتمع الإسلامي، على ما يرى الدكتور عزة حجازي في مقاله في مجلة المستقبل العربي 10 (11-979). بل إن بلادنا لم تعرف قط صورة النظام الإقطاعي التي عرفها الغرب. لشدة التقطع في انتقال الأرض من يد إلى يد. طبقاً لإرادة السلطان. وهكذا لم يتراكم رأس المال المنتج. ولم يتجل في تنمية ولا في بناء ولا عمارة ولم يوجد بحكم ذلك طبقة تحمل مشعل التقدم الحضاري، على نحو ما حدث في العالم الغربي. وليس من الأمور القديمة الدلالة أن الأخذ بالنظام الديمقراطي في الربع الثاني من القرن العشرين، في بعض البلاد العربية. لم يكن إلا شكلياً، أي أنه دكتاتورية بواجهة ديمقراطية كذلك فإن العقائدية التقدمية الأوسع انتشاراً من غيرها في وطننا، هي التي تسوغ الاستبداد وتركزه على أسس نظرية، وتفلسفه وتجعله ضرورة نظرية لها منطقها. ولو أن ابن خلدون عاد إلى الوجود، وتابع الكتابة في مقدمته لما رأى أية حاجة لتعديل جوهري في النص الذي استشهدنا به من قبل. فكأن رسوخ التقاليد الساسانية والرومية القديمة هو من القوة. بحيث يميل بنا، لا شعورياً، إلى القبول الأكبر لكل عقائدية تبرر الاستبداد، وتحويل كل عقائدية حرة، إلى لون جديد نطعمها فيه بالعقائدية القاضية على الحرية. وكما استطاع المتنبي أن يقول يوماً: "بكل أرض وطئتها أمم.. ترعى بعبد. كأنها غنم" وأن يقول: "وماذا بمصر من المضحكات. ولكنها ضحك كالبكا". استطاع حافظ إبراهيم أن يقول: "وماذا بمصر من المضحكات كما قال فيها أبو الطيب" كما استطاع جعفر ماجد- الشاعر التونسي المعاصر أن يقول:

اقرأ تواريخ الشعوب تجد بها

كتباً بأفعال الطغاة تؤلف

يا أمة لا تنتهي أوجاعها

ودموعها من ألف عام تذرف

لم يقلب التاريخ ظهر مجنه

إلا وحظ الفكر فيك تعسف

أغنية؟ لا شك مالك وافر

لكنه في غير سوقك يصرف

ولا بد أن نتذكر هنا أبيات ابن المعتز (المتوفى عام 908) والتي يقول فيها:

وويل من مات أبوه موسرا

أليس هذا محكماً مشهرا

وطال في دار البلاء سجنه

وقال من يدري بأنك ابنه

فقال جيراني ومن يعرفني

فتتفوا سباله حتى فني …

وأن نتذكر كذلك قول أبي العلاء المعري:

مل المقام فكم أعاشر أمة

أمرت بغير صلاحها أمراؤها

ظلموا الرعية واستجازوا كيدها

وعدوا مصالحها وهم أجراؤها

الذي يضرب على هذا الوتر نفسه.. كأن شيئاً ما لم يتغير في هذه الأرض، فلا عجب إذن أن تكون الأرض العربية 10% من كل مساحة الأرض. وأن يكون سكانها 3.4% من سكان العالم. وأن يكون دخلها كله مع البترول 1.1% من دخل العالم كله (يحيى أبو بكر. المستقبل العربي 12/2/1980).

ملاحظات أخيرة:

ويمكن التساؤل هل كانت مبادئ الإسلام الأولى في حرية الرأي، واللاإكراه في الدين، وبالتالي اللاإكراه في كل شيء، قد انتشرت بصورة أو بأخرى في بيزنطة وأوروبا. وأثرت بصورة أو بأخرى في توجيه الأحداث، أو التطور السياسي، هناك؟ والحقيقة أن مراكز التأثير كانت في صقلية، وإسبانيا بالدرجة الأولى، ومن هناك كانت تترجم روائع المؤلفات العربية إلى اللاتينية مباشرة، أو غير العبرية على يد الفلاسفة اليهود. إلا أن من الصعب القول أن الواقع الذي كان قائماً في صقلية أو إسبانيا، كان يتسع لإلقاء دروس على الآخرين، إذا ذكرنا من هؤلاء الآخرين أمثال وليم الكوشي (1080- 1154)(11) الذي تأثر بكثيرين منهم: حنين بن إسحق(12) وقال بأن في الألوهية قدرة وحكمة وإرادة، وهي التي يسميها القديسون أقانيم ثلاثة، وفهم القصة القائلة بخلق حواء من ضلع آدم فهماً مجازياً واسعاً، ويأبى إلا أن يرى لكل شيء سبباً، ولا يرد السببية إلى حكم العادة كالأشاعرة، بل يتبع مثل أبيلار الراهب من قبله، فلا يقتل، ثم ذكرنا يوحنا السالزبوري الذي يكتب في كتابه(1159) عن مثالب رجال الحاشية، وآثار الفلاسفة، فقرات مقذعة منها قوله: إن نار الجشع الدنسة، تهدد مذابح الكنائس نفسها، وأن الرسولي نفسه لا يضنون بأيديهم عن أن تدنسها العطايا، ويجوسون أحياناً خلال الديار في عربدة جنونية، كما يكتب فقرة عنيفة مثيرة في حق الحكام يقول فيها:

"إذا حاد الأمراء شيئاً فشيئاً عن الطريق الحق، فليس من الخير في شيء أن يطاح بهم كلية على الفور، بل كيفي لومهم على ظلمهم بتعذيرهم والصبر عليهم، حتى يُتبين أخيراً أنهم معاندون مصرون على فعل الشر… أما إذا تعارض سلطان الحاكم مع الأوامر الإلهية، وأراد أن أشاركه في حرب على الله. فإني لا أتردد أبداً في الرد عليه بالقول: إن الله يحب أن يفضل على كل إنسان على ظهر الأرض أياً كان قدره… وليس قتل المستبد مشروعاً فحسب، بل هو حق وعدل(13)." فإنه هو الآخر لا يُقتل أيضاً على يد الطغاة وضيقي الفكر، على حين أن شيئاً من هذا القبيل ربما جعل قائله يهتز فرقاً في الشرق العربي المسلم، أمام الطغاة القدماء والمعاصرين. ومع أن محاكم التفتيش كانت مضرب المثل في اضطهاد الحرية والفكر، فإن ضحاياها كانوا دوماً يحاكمون ولو بصورة شكلية.

والخلاصة، إن حرية الفكر مبدأ مقرر في الدين الإسلامي، والروح العربية، غير أنها سرعان ما تبددت بفعل وتأثير الحضارات الشرقية المجاورة، كالفرس والروم، وعلى حين أن العالم الرومي أو الغربي جملة قد تطور من الاستبداد إلى الحرية، فإن هذا التطور لم يُعرف بعد في أرضنا، مما يشير إلى أننا لا نعيش ديننا، بل نعيش نقيض هذا الدين. وليس مجرد دعوى أن يقال إن العرب ضلوا طريقهم عندما حادوا عن قيمهم الدينية، بل إن هذا هو الحقيقة تماماً، متى فهمنا أن الدين ليس مجرد صلاة وصيام ولكنه مجموعة قيم مثالية، تتناول صميم الحياة، وأن من أولى هذه القيم حرية الرأي والتعبير التي لم يؤد كبتها وقمعها إلى تخلف جانب خاص من الحياة العامة، بل إلى تأميم هذا التخلف، ومدّه على كل نطاق، وإبقائنا أسرى له باستمرار، حتى في مجال الدين. ولا ننس بطبيعة الحال أن المفارقة الكبرى هي أن يزداد قمع حرية الرأي، بمقدار ما تكثر وسائل التعبير عنه، كأن هذه الوسائل الكثيرة من صحافة وإذاعة وتلفزة ونشر واسع للكتب والمطبوعات لم تكن إلا وسيلة لزيادة قمع الحرية وكبتها.

ومع ذلك، فإن الواقعية السياسية، لا النظريات المثالية، تفرض علينا في بعض الظروف الاستثنائية- أن نقبل بالتخلي عن الحرية بصورة مؤقتة، لاسترداد حقوق، تبدو في المنظور القائم أعظم شأناً من الحرية. لكن المشكلة هنا أنه متى تم التخلي عن الحرية، لم يعد من السهل استردادها، وطال زمن قمعها، بألف حجة ممكنة. ولكن حتى هذا يظل مقبولاً من الوجهة الواقعية- إذا استطاع الحكم أن يستمد مشروعيته- بصورة لاحقة- من فضائل تدابيره، وسلامة سلوكه. ومن المؤسف أن انحسار القيم العربية الإسلامية الأصيلة لم يساعد على تقدم العرب والمسلمين، بل أدى إلى انحطاطهم المتزايد، مما جعلنا لا نستفيق على الحياة، لنفرح بها، ولكن لإحصاء همومها. ومنذ بحث الغربيون في التخلف العربي، أي منذ أكثر من ثلاثة قرون- بدءاً من الطبيب الفرنسي بيرنييه (1670) الذي زار بلادنا، وكتب عن رحلاته فيها، ومروراً بمونيتسيكيو وفولتير ومن بعدهم، لم يستطيعوا إلا أن يعزوا هذا التخلف لاستبداد الحكم، وتعسفه اللامعقول، وفقدان كل حرية، حتى حرية التملك(14). ومن الجدير بالملاحظة أن هؤلاء المفكرين عاشوا في عهود الملكية المطلقة، أي الاستبداد الأكبر، فكأن الاستبداد الشرقي مختلف نوعياً عن الغربي، لأن الأول لم يتح إلا التخلف، والثاني أتاح التقدم، بحيث كنا نبدو للغربيين وكأننا من نوع آخر من البشر، وأن في استبدادنا ما يحول دون أي تقدم، خلافاً لاستبدادهم الذي نظروا إلينا من خلال نتائجه لديهم، فكانت هذه تقدماً، نُدعى نحن متخلفين بالنسبة إليه.

وأخيراً فإنه ليس عبثاً أن النهضة الغربية السابقة للحضارة الصناعية، بزمن طويل، لم تظهر إلا في إيطاليا، أي في مثل جنوا، وفلورنسا، وفينيسيا، تلك الدول الصغيرة التي كان الحكم فيها مضطراً إلى الأخذ ببعض مبادئ الديمقراطية، ولئن تقدمت الدول الأخرى بعد ذلك، فبالعدوى، من إيطاليا نفسها، وحكوماتها الصغيرة، أما في الشرق فإن كل شيء يشير إلى أن نوعية الحكم تقف حائلاً حتى دون هذه العدوى.

ويطول الحديث في أيامنا هذه عن ضرورة وصل الحاضر العربي بماضيه، والعودة إلى التراث. وتختلف الآراء حتى لتجد من ينكر التراث كل الإنكار، وتجد من يرى أنه الأول والآخر. لكن الكثيرين لا يحاولون تعريف التراث الذي يتحدثون عنه. فإن كان علماً أو فلسفة، فلا ريب أن العصر تجاوزه، ولم يعد لنا به من حاجة إلا في بحث تاريخ الحضارات. وإن كان أدباً فهو لغتنا وأساليب بياننا، وصورة حياتنا، وليس علينا إلا أن نغني أنفسنا به، متجاوزين في ذلك تلك الحدود التي وقف عندها. أما إذا كان لا بد حقاً من التراث، فإن إعادة الحياة إلى قيمنا الأصلية، هي بمثابة الأمر الحيوي الذي نشعر أن حاضرنا يستند فيه إلى الماضي. وما دمنا نتنكر لمثل هذا التراث، فعبثاً نعود أو نحاول أن نعود إلى حياة كريمة.

المراجع والحواشي:

(1)-كتب في هذا الموضوع، الأستاذ عبد الله غوشة، في مقال له، نشر في كتاب: الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة، جمع وتقديم محمد خلف الله.

(2)-تاريخ الأمم الإسلامية. الخضري. الجزء 2 ص 17.

(3)-انظر كتاب جورج جرداق: بين علي والثورة الفرنسية ولا سيما فصل المقابلة بين مبادئ علي، ومبادئ الثورة الفرنسية ص: 443- فما بعدها. مطبعة الجهاد- بيروت.

(4)-الخضري: تاريخ الأمم الإسلامية ص: 117- الجزء الثاني.

(5)-انظر مجلة المستقبل العربي العدد 9/9/1979.

(6)-حضارة الإسلام. ص: 190 فما بعدها.

(7)-انظر تفاصيل هذه الآراء في المصدر السابق المشار إليه في مقالة الدكتور عبد العزيز الدوري.

(8)-حضارة الإسلام. ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد. من مجموعة الألف كتاب، الصادرة عن إدارة الثقافة، بوزارة التربية والتعليم ص: 314.

(9)-انظر ابن خلدون، المقدمة، كاترمير (القاهرة، المطبعة الأزهرية 1930) ج1 ص 346- 350- و351- 513.

(10)-حضارة الإسلام. ص 131-136 لغريي باون.

(11)-راجع الفصل الأول من الباب السادس والثلاثين من قصة الحضارة، بعنوان مغامرات العقل ص: 92-100.

(12)-كان من عادة المؤلفين المسيحيين في القرون الوسطى أن يستشهدوا بابن سينا والغزالي وابن رشد خاصة، واسحق إسرائيلي، وابن جبيرول، وابن ميمون. انظر في ذلك قصة الحضارة- ول ديورانت ترجمة محمد بدران. جزء عصر الإيمان والنهضة- ولا سيما الصفحة 120.

(13)-انظر كتاب: قصة الحضارة، ديورانت ترجمة: محمد بدران ص: 78- من المجلد السابع عشر، وقارن هذا كله بما كان يكتبه الجاحظ (775-869) في كتابه التاج أو آداب الملوك، حيث يرى التذلل للملوك أمراً أوجبه الله حتى للعاصين منهم، فما بالك بمن أطاع الله، ص: 12.

(14)-قصة الحضارة- ديورانت. ترجمة الجامعة العربية. محمد بدران الجزء الأول، من المجلد الخامس. ص: 121 فما بعدها، من الطبعة الثانية.

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد الثاني – السنة الاولىأيار "مايو" 1980

36 Views

عن

إلى الأعلى