الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الثقافة » ابن سينا أسهم في تأسيس علم المياه الحديث – د. محمد زهير البابا

ابن سينا أسهم في تأسيس علم المياه الحديث – د. محمد زهير البابا


ابن سينا أسهم في تأسيس علم الميّاه الحديث – د.محمد زهير البابا

أستاذ العقاقير في كلية الصيدلة.جامعة دمشق.‏

من الكتب المشهورة، التي خلفها الطبيب اليوناني المعروف أبقراط، رسالة عنوانها (الاهوية والمياه والمساكن)، تعود بتاريخها إلى القرن الخامس قبل الميلاد.‏

ويقول المؤرخ جورج سارتون، في كتابه تاريخ العلوم "إنها رسالة لم يخامر أحد الشك في صحة نسبتها إلى أبقراط. وهي بلا ريب أول رسالة في علم المناخ الطبي، تصف أثر طبيعة الأرض والمناخ في الصحة والأخلاق، كما أنها تعتبر أول بحث في علم العروق البشرية، أوضح فيها المؤلف الصلة بين طبيعة بعض المناطق من الأرض وأشكال السكان القاطنين فيها وأخلاقهم وأمزجتهم، والأمراض المستوطنة بينهم".‏

ولقد قام العالم اليوناني جالينوس، وهو من أطباء القرن الثاني للميلاد، بشرح وتفسير أكثر مؤلفات أبقراط الطبية، ومن بينها كتاب الاهوية والمياه والمساكن، وجعله في ثلاث مقالات.‏

وفي أواسط القرن التاسع تولج الطبيب العربي حنين بن اسحق في ترجمة أشهر مؤلفات أبقراط وجالينوس، ومن جملتها الكتاب المذكور، ولكن لم يتممه، كما ذكر ابن أبي أصيبعة في كتابه عيون الأنباء.‏

أما الطبيب ثابت بن قرة الحراني فقد قام بجمع تفسير جالينوس لكتاب أبقراط في الاهوية والمياه والبلدان وأتم ترجمته إلى اللغة العربية، في أواخر القرن التاسع الميلادي.‏

لقد اهتم الأطباء، الناطقون باللغة العربية، منذ القرن الثاني للهجرة، بدراسة الصلات الواشجة بين عوامل المناخ والحالة الصحية للبشر، واعتبروها أساساً في حفظ الصحة، وذلك جرياً على المبدأ الأبقراطي المتقدم.‏

وكانت الفكرة السائدة لديهم أن العوامل الطبيعية كحركة الكواكب والأفلاك ومطالع النجوم وهبوب العواصف وتحركات الرياح، وهطول الأمطار أو حصول الجفاف، بالإضافة إلى طبيعة الأرض والمياه المتوافرة فيها، كلها من الأسباب أو العلل الرئيسية لتغير الأبدان وتحولها عن حد الاعتدال، الذي هو دليل الصحة والعافية. ولهذا السبب كان لابد للطبيب من أن يدرس العلوم الطبيعية ومنها علم الفلك.‏

وفي منتصف القرن الثالث للهجرة ظهرت أول موسوعة طبية باللغة العربية هي كتاب فردوس الحكمة لعلي بن سهل ابن الطبري (المتوفى سنة 869م). وقد اقتبس هذا الطبيب فقرات كاملة من كتاب أبقراط (الاهوية والمياه والمساكن)، ضمنها في كتابه المذكور، ولكنه لم يبين أكان نقله هذا عن الكتاب الذي ترجمه حنين بن اسحق، وهو معاصر له، أم اقتبسه من مرجع آخر.‏

وسنورد فيما يلي بعضاً من هذه الفقرات كما جاءت في كتاب فردوس الحكمة (صفحة ـ 501).‏

يقول ابقراط: "إن الأبدان تتغير بتغير الأزمان وباختلاف البلدان والمياه، ويتغير الزمان بمطالع النجوم ومغاربها، وإن معرفة الأزمان هي أصول الطب وأساسه، وأن الأولين كانوا يحكمون أولاً معرفة حركات النجوم وآثارها ثم يتعلمون الطب".‏

ويتابع القول في موضع آخر: "إذا دخل الطبيب مدينة فينبغي أن يعرف موضعها شرقية هي أم غربية، شمالية أم جنوبية، وأرضها معشبة هي أم جرزاء، وماؤها جار أو غير جار، وصخري هو أو رملي، عذب أو متغير…".‏

ويقول الحكيم أبقراط في صفات الماء: "خير المياه ما نبع وجرى من ناحية المشرق. ويكون مثل ذلك من المياه الفاضلة أبيض براقاً، وخفيفاً طيب الريح يسخن سريعاً ويبرد سريعاً. ويستدل بسرعة استحالته على ألطافه وخفته. أما البطئ الاستحالة فإنه يدل على غلظه.. وبعده المياه التي تجري بين مشرق الشمس الصيفي ومغرب الشمس الصيفي. والمياه التي تجري من الطين أفضل المياه وأصحها لأنها تكون حارة في الشتاء وباردة في الصيف.. ومياه الثلوج والجليد رديئة جداً.لأن ما خفّ منها قد طار وبقي أجزاؤه الغليظة، لأن الشمس ترفع ما صفا من المياه إلى الهواء فتبقى متفرقة فيه، حتى إذا تكاثف ذلك وكثر عاد مطراً.‏

مياه الأمطار خفيفة عذبة صافية جداً ـ مياه البطائح والسباخ حارة غليظة في الصيف لركودها ودوام طلوع الشمس عليها، تتولد فيمن شربها الصفراء، وتعظم لذلك أطحلتهم وتفسد معدهم وأكبادهم".‏

أما علة برد مياه العيون في الصيف وسخونتها في الشتاء فيقول الطبري:‏

"إن بعضهم ذكر أن ذلك لأن الشمس يقل لبثها في الصيف تحت الأرض فلا تسخن لذلك المياه. أما في الشتاء فإنه يطول لبثها تحت الأرض فتسخن لذلك بطون الأرض".‏

أما أبقراط فيقول: "إن علة ذلك كثرة ما تجري إليها من الأمطار والأنداء في الشتاء فتحتبس لذلك الحرارة في بطون الأرض. أما الصيف فإن مجاري الأرض تتسع فيه وتنفرج، وتنشف الشمس رطوبتها وتنفذ إلى بطونها الرياح الباردة هرباً من الحر، فتبرد لذلك بطونها ومياهها".‏

ويذكر الطبري طريقة نسبها إلى الفيلسوف (أرسطو) لإثبات أن الماء العذب أخف من الماء المالح، فيقول: "إنك لو أخذت شمعاً فاتخذت منه آنية مجوفة ليس لها فم، ووضعتها في البحر يوماً وليلة، لوجدت في جوفها ماء عذباً، لأن الماء العذب ينفذ إلى جوفها لخفته ولطافته، ولا ينفذ الماء المالح لغلظه"، لقد جمع الطبري في باب الأسفار والعساكر (صفحة ـ 109)، بعض النصائح الصحية، المتعلقة بالمياه، نقلاً عن أبقراط وجالينوس وغيرهما من الأطباء. وسنذكر فيما يلي جانباً منها:‏

ـ إذا عطش المسافر عليه أن يغسل وجهه ورجله، ثم يشرب الماء جرعةجرعة، فإن كثرة شرب الماء البارد ربما أورثت الاستسقاء، ولاسيما إن كان ذلك على الريق أو بعد النوم.‏

ـ إذا قام المسافرون إلى جانب بطائح منتنة نفعهم الدخن الطيبة، وشرب تلك المياه بالخل أو الخمر.‏

إن كان الماء مالحاً القي فيه خرنوب شامي وحب الآس والزعرور وطين خوزي أو السويق فكل ذلك يطيبه.‏

ـ إن كان الماء كدرا غليظا نفع أكل الثوم، وإن كان قذراً يلقى فيه الزعرور والصعتر.‏

ـ إن كان في الماء علق لم يشرب إلا مصفى في آنية مغربلة الفم، فإن ابتلع العلق شرب الخل الحاذق والملح.‏

ـ إن كان الماء مسموماً، أو فيه هوام قاتلة، طرح فيه الشبرق، وأحرق ما حوله من الشجر، ويدخن الموضع بالقنة أو بقرن الإيل فتهرب الهوام.‏

ـ ويقول الطبري في تصفية المياه الكدرة مايلي: "لقد سألت غير واحد من أهل مصر عن كدورة ماء النيل فذكروا أنهم يلقون فيه نوى الخوخ والمشمس مدقوقاً، فيصفو".‏

ابن سينا وعلم المياه:‏

لقد استفاد ابن سينا (المتوفى عام 1037م) من كتاب الاهوية والمياه والمساكن، كما استفاد من كتاب فردوس الحكمة وكامل الصناعة وغيرهما من المؤلفات الطبية اليونانية والهندية والعربية وغيرها ـ واستخلص من هذه المؤلفات مبحثاً في أحوال المياه، ذكره في الفصل السادس عشر من كتابه القانون. وسنورد فيما يلي أهم ما ورد في هذا الموضوع:‏

1 ـ عرف ابن سينا الماء، فقال: "الماء جوهر، أي جسم بسيط، يعين في تسييل الغذاء وترقيعه وبذرقته، نافذاً إلى العروق، ونافذاً إلى المخارج، لا يستغنى عن معونته هذه في تمام أمر الغذاء".‏

2 ـ بين بصورة واضحة الاختلافات الكائنة بين أنواع المياه، فقال:‏

"المياه مختلفة لا في جوهر المائية، ولكن بحسب ما يخالطها، وبحسب الكيفيات التي تقلب عليها".‏

وقال أيضاً: "يجب أن تعلم أن الماء في حد مائيته متشابه الأجزاء في اللطافة والكثافة، لأنه بسيط غير مركب، لكن الماء يكثف أما باشتداد كيفية البرد عليه، وإما بمخالطة شديدة من الأجزاء الأرضية، والتي لفرط صغرها ليس يمكنها أن تنفصل عنه وترسب فيه".‏

3 ـ صنف المياه بحسب جودتها فقال: "أفضل المياه مياه العيون، وخاصة مياه العيون الحرة الأرض، التي لا يغلب على تربتها شيء من الأحوال والكيفيات الغريبة". (والأحوال هنا جمع حال وهو الطين الأسود)، ومياه العيون الحجرية جيدة، لأنها خالية من العفونة الأرضية، إلا أن مياه عيون الأرض الطينية الحرة خير من ماء عيون الأرض الحجرية".‏

من المعلوم أن الطين يتألف من جزيئات شديدة التلزز لذلك يصفى الماء جيداً، كما أنه يعتبر مستنبتاً طبيعياً تنمو عليه كائنات حية ودقيقة تقوم بتخليص الماء من الشوائب التي تعلق فيه، وقد لاحظ ابن سينا ذلك فقال: "اعلم أن المياه التي تكون طينية المسيل خير من التي تجري على الأحجار، فإن الطين ينقي الماء ويأخذ منه الممزوجات الغريبة ويروقه، والحجارة لا تفعل ذلك.‏

4 ـ عرف ابن سينا تأثير أشعة الشمس والهواء في تنقية المياه فقال:‏

"إن خير المياه الجارية، وخاصة المكشوفة للشمس والرياح، فإن هذا مما تكتسب به المياه الجارية فضيلة. أما المياه الراكدة فربما اكتسبت رداءة بالكشف لا تكتسبها بالغور والستر".‏

5 ـ لقد اعتبر أبقراط ماء المطر من أجود المياه عذوبة وخفة، بدون شرط أو تحفظ، أما ابن سينا فقال: "ومن المياه الفاضلة مياه المطر، وخصوصاً ماكان صيفياً، ومن سحاب راعد. أما الذي يكون من سحاب ذي رياح عاصفة فيكون كدر النجار الذي يتولد منه، وكدر السحاب الذي يقطر منه، فيكون مغشوش الجوهر غير خالصة"، ويضيف إلى ذلك قوله: "إلا أن العفونة تبادر إلى ماء المطر، وهي ملاحظة ذكرها الطبري، ولكن ابن سينا يضيف إليها الملاحظة الصحيحة الآتية: "ولكن إذا بودر إلى ماء المطر وأغلي قل قبوله للعفونة".‏

6 ـ قارن ابن سينا بين مياه العيون ومياه الآبار، فقال:‏

"أما مياه الآبار والقني، بالقياس إلى مياه العيون، فرديئة، وذلك لأن مياهها محتقنة، ومخالطة للأرضيات مدة طويلة، وهي لا تخلو من تعفين ما"، ويضيف إلى ذلك قوله:‏

"وماء النز أردأ من ماء البئر لأن ماء البئر يستجد بنوعه بالنزح فتدوم حركته… وأما ماء النز فماء يطول تردده في منافس الأرض العفنة، ويتحرك إلى النبوع والبروز. وحركته بطيئة لا تصدر عن قوة اندفاعها، بل لكثرة مادتها، ولا تكون إلا في أرض فاسدة عفنة".‏

7 ـ سمح ابن سينا باستعمال الجليد والثلج، بشرط أن يكون من مياه صالحة، فقال:‏

"والجمد والثلج، إذا كان نقياً غير مخالط لقوة رديئة، فسواء حلل ماء، أو برد به الماء من الخارج، أو إلقي في الماء، فهو صالح، وليس تختلف أحوال أقسامه اختلافاً كثيراً فاحشاً، إلا أنه أكثف من سائر المياه، ويتضرر به وجع العصب، وإذا طبخ عاد إلى الصلاح.‏

أما إذا كان الجمد من مياه رديئة، أو الثلج مكتسباً قوة غريبة من مساقطه، فالأولى أن يبرد به الماء محجوباً عن مخالطته".‏

من ذلك يتبين لنا أن ابن سينا قد عرف بحكمته وتجربته أن البرودة لا تقضي على رداءة الماء، بعكس الطبخ أي الغلي، فإنه يصلح الماء…‏

8 ـ اعتبر كثر الأطباء المتقدمين أن الهواء هو أكبر العوامل تأثيراً في الصحة العامة ويليه الغذاء ثم الماء.‏

إلا أن ابن سينا يقول في الفصل السابع من كتابه القانون، وعنوانه (في توقي المسافر مضرة المياه المختلفة)، مايلي: "إن اختلاف المياه قد يوقع المسافر في أمراض أكثر من اختلاف الأغذية، فيجب أن يراعى ذلك ويتدارك أمر الماء.. ومن تداركه كثرة ترويقه وكثرة استرشاحه من الخزف الرشاح وطبخه…".‏

9 ـ لقد بين ابن سينا الصفات التي تميز الماء الجيد عن المياه الرديئة، فقال:‏

"الماء الجيد ما كان عذباً، يخيل أنه حلو، لا يحتمل الخمر إذا مزج به منه إلا قليلاً، وكان خفيف الوزن سريع التبرد والتسخين لتخلخله، بارداً في الشتاء حاراً في الصيف، لا يغلب عليه طعم البتة ولا رائحة، ويتهرى فيه ما يطبخ به"، أما المياه الرديئة فيعرفها بقوله: "هي الراكدة البطائحية، والغالب عليها طعم غريب، ورائحة غريبة، والكدرة الغليظة، الثقيلة الوزن والمبادرة إلى التحجر، والتي يطفو عليها غثاء رديء".‏

ولكي تتأكد لدى ابن سينا خفة الماء لجأ إلى تعيين الوزن النوعي، مستعيناً بإحدى الطريقتين الصحيحتين الآتيتين، وقال: الوزن بالمكيال، وقد يعرف بأن تبل خرقتان بماءين مختلفين أو قطنتان متساويتان في الوزن، ثم يجففان تجفيفاً بالغاً، ثم يوزنان، فالماء الذي قطنته أخف فهو أفضل".‏

تصفية المياه وإصلاحها:‏

اعتمد ابن سينا عدة طرق لتصفية المياه وإصلاحها نذكرها فيما يلي:‏

آ ـ التركيد:‏

يقول ابن سينا، "والمياه الرديئة لو استصفيتها كل يوم من إناء لكان الرسوب يظهر بها كل يوم من الرأس. ومع ذلك فإنه لا يرسب عنها ما من شأنه أن يرسب إلا بأناة من غير إسراع، ومع ذلك فلا يتصفى تصفيياً بالغاً. والعلة فيه أن المخالطات الأرضية يسهل رسوبها عن الرقيق الجوهر (أي الماء النقي)، الذي لا غلظ له ولا لزوجة ولا دهنية، ولا يسهل رسوبها عن الكثيف بتلك السهولة"، لذلك يعتبر ابن سينا أن الطبخ والمخض من أحسن الطرق التي تفيد المياه رقة في الجوهر وبالتالي تؤدي إلى رسوب ما يخالط الماء من الشوائب الأرضية.‏

ب ـ الترويق (أو التقطير):‏

ويصف ابن سينا طريقته كما يلي: "وربما فتلت فتيلة من صوف، وجعل منها في أحد الإنائين، وهو المملوء، طرف، وترك طرفها الآخر في الإناء الخالي، فقطر الماء إلى الخالي، وكان خرباً جيداً من الترويق، وخصوصاً إذا كرر".‏

ج ـ مخض الماء مع الطين:‏

يشترط ابن سينا أن يكون الطين المستعمل حراً لا كيفية رديئة له، وخصوصاً المحترق في الشمس، ثم يصفى الماء بعد ذلك".‏

د ـ بالطبخ أو الغلي:‏

يقول ابن سينا: "والتصعيد والتقطير مما يصلح المياه الرديئة، فإن لم يمكن ذلك فالطبخ، فإن الماء المطبوخ، على ما شهد به العلماء أقل نفخاً وأسرع انحداراً".‏

لقد كان أبقراط يظن أن طبخ الماء، أي غليه، يؤدي إلى تصعيد الجزء اللطيف منه، ويبقى الجزء الكثيف، لذلك لا فائدة من الطبخ، إذ يزيد الماء تكثيفاً، ويرد ابن سينا على ذلك بملاحظته القيمة الآتية:‏

"إن الطبخ يزيل التكثيف الحادث عن البرد أولاً، ثم يخلخل أجزاء الماء خلخلة شديدة، حتى يصبح أرق قواماً، فيمكن أن تنفصل عنه الأجزاء الثقيلة، الأرضية المحبوسة في كثافته، وتخرقه راسبة، وتباينه بالرسوب. ويبقى ماء محضياً قريباً من البسيط، ويكون الذي انفصل بالتبخير مجانساً للباقي، غير بعيد منه.‏

لأن الماء إذا تخلص من الخلط (أي الشوائب الكلسية)، تشابهت أجزاؤه في اللطافة، فلم يكن لصاعدها كثير فضل على باقيها. فالطبخ إنما يلطف الماء بإزالة تكثيف البرد، وبترسيب الخلط المخالط له. والدليل على ذلك أنك إذا تركت المياه الغليظة مدة كثيرة لم يرسب منها شيء يعتد به، وإذا طبختها رسب في الوقت شيء كثير، وصار الماء الباقي خفيف الوزن صافياً".‏

هـ ـ الطبخ بوجود الطين:‏

لقد لاحظ ابن سينا أن الطين يخلص المياه من طعمها المرّ ومن رداءتها فقال: "إذا طبخ الماء المر والرديء وطرح فيه، وهو يغلي، طين مر وكباب صوف، ثم تؤخذ وتعصر، فإنها تعصر عن ماء خير من الأول".‏

ز ـ إصلاح الماء بإضافة الخمر أو الخل أو الربوب:‏

ومن الطرق التي نصح ابن سينا باستعمالها، في إصلاح الماء، إضافة الخل الحاذق إليها، وهو ما ذكره أكثر من سبعة من المؤلفين، ولكنه يضيف إلى ذلك قوله: "إن مزج الماء بالخل، وخصوصاً في الصيف، يغني عن الاستكثار من الماء عند شدة العطش"، كما أنه يعتبر أن مزج الماء بالربوب الحامضة تدبير جيد لإصلاح الماء أيضاً.‏

الفوائد المختلفة لأصناف المياه وأضرارها:‏

لقد جمع ابن سينا التأثيرات الدوائية لأصناف المياه فقال:‏

1 ـ ماء البحر: حريف حاد، ينفع من الشقاق العارض من البرد، قبل أن يتقرح، وهو يقتل القمل، ويحلل الدم المنعقد تحت الجلد. ماء البحر ينفع استعماله من الحكة والجرب والقوابي، كما ينفع من أمراض الأعصاب (مثل الرعشة، والفالج والخدر وغيره)، وخصوصاً إذا استحم به.‏

ماء البحر ينطل به لأورام الثدي، وقد يحقن به للمغص، وقد يسقى فيسهل، ثم يشرب بعده مرق الدجاج فيسكن لذعه، بخار ماء البحر ينفع من الصداع البارد. من لسعته الأفعى فجلس في ماء البحر انتفع به، وكذلك سائر الهوام القتالة.‏

2 ـ المياه الكبريتية: جيدة للبهق والبرص ـ نافعة من أورام المفاصل والصلابات والثآليل المتعلقة وهذه المياه جيدة للجرب والقوابي استحماماً، وكذلك من السمنة. وهي نافعة من أورام الطحال، وأوجاعها وكذلك الكبد.‏

3 ـ الماء البارد يضر أصحاب السدد، لكنه ينفع أصحاب التخلخل والسيلان أي سيلان كان من أي عضو كان، ومن يعرض لهم بسببه أمراض.‏

والماء البارد يقوي القوى كلها على أفعالها، إذا كان باعتدال، أعني الهاضمة والجاذبة والماسكة والدافعة. أما الماء البارد جداً فردئ للصدر.‏

الماء الفاتر جيد لأورام الحلق واللهاة والصدر. المصروعون ينتفعون بالماء الفاتر ويستضرون بالماء الحار.‏

4 ـ الماء المالح يسهل ثم يمسك بتخفيفه. وجميع الماء المعدني يعسر البول والحيض والولادة، وأكثرها يطلق ويجفف، وبعضها كالشبي يعقل،وقد يحدث القولنج أيضاً.‏

5 ـ ماء الشب نافع من نفث الدم، وينفع من القيء، ويمنعه، ويمنع الإسقاط ونزف الحيض.‏

6 ـ المياه الحديدية والنحاسية جيدة للكلى والقولنج، والماء المطفأ فيه الحديد ينفع من نفث الدم وماء النحاس ينفع الفم والأذن.‏

7 ـ الماء البورقي ربما نفع الرئة، كما أنه ربما نفع المعدة الرطبة.‏

8 ـ المياه الكدرة تحدث الحصاة في الكلية والمثانة.‏

9 ـ ماء القفر رديء للعين.‏

مما سبق يتبين لنا أن ابن سينا قد استفاد، عندما تكلم على أصناف المياه وأوصافها وإصلاحها وفوائدها، من مؤلفات قدماء الأطباء، كأبقراط وجالينوس وغيرهما، ولكنه تجاوزهم حين عالج موضوع المياه بعمق أكثر وبفكر تجريبي بعيد عن الفلسفة، بحيث يمكننا أن نقول بأن ابن سينا يعد من مؤسسي علم المياه الحديث.

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العددان 6/5 – السنة الثانية – حزيران "يونيو" 1982

14 Views

عن

إلى الأعلى