الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » التاريخ » تاريخ العرب والمسلمين » الدولة العباسية » عصر ابن سينا الاقتصادي – نجماتوف نعمان نجماتوفيتش من طاجكستان – ت. زياد ملا

عصر ابن سينا الاقتصادي – نجماتوف نعمان نجماتوفيتش من طاجكستان – ت. زياد ملا


عصر ابن سينا الاقتصادي – نجماتوف نعمان نجماتوفيتش من طاجكستان – ت. زياد ملا

(بحث قدم إلى ندوة برلين في المهرجان الألفي لميلاد ابن سينا).‏

أبو علي بن سينا واحد من أعظم العلماء الموسوعيين والإنسانيين. ولد (980-1037م)، ونشأ عبقرياً من أبناء الشعب الطاجيكي، هذا الشعب الذي يعتبر واحداً من أعرق الشعوب في العالم، وهو يحمل أغنى التقاليد في مجالات الزراعة وبناء المدن والإنتاج الحرفي والصناعي، والخبرات الرفيعة في مجالات التطور الاجتماعي والسياسي والثقافي، وقد كثف ابن سينا وعمم فعلياً جميع إنجازات العقل المبدع والممارسات التطبيقية لعصره والعصور السابقة ولشعبه والشعوب الأخرى.‏

ولد ابن سينا وترعرع وشبّ رجلاً وكهلاً، في العلوم في عصر يتميز بتقدم كبير في القوى المنتجة في آسيا الوسطى وبتطورات جوهرية في ثقافة المجتمع من النواحي الاجتماعية وفي تطوره الإثنو غرافي والثقافي. وفي هذه المرحلة انتصرت، بصورة نهائية العلاقات الإقطاعية التي كانت قد ظهرت في مرحلة سابقة. واكتملت، بصورة أساسية، عمليةُ التكوين الإثنو غرافي للشعب الطاجيكي نفسه، وتشكل جهازه الحكومي من خلال دولة السامانيين وتطورت، بصورة مكثفة وشديدة، ثقافة الشعب الطاجيكي وشعوب آسيا الوسطى الأخرى المادية والروحية. إنه زمن ازدهار اقتصاد ما وراء النهر وخراسان والنمو السريع في بناء المدن وحياتها وإنشاء المدن النموذجية الخاصة بالقرون الوسطى في آسيا الوسطى ذات البنيان الاجتماعي والاقتصادي والثقافي المشتبك اشتباكاً عميقاً. وهو زمن الازدهار الخاص والانطلاق إلى الميدان العالمي لثقافة الطاجيك وآدابهم وعلومهم. لذا يرى العديد من العلماء أن عصر ظهور أول دولة طاجيكية في القرون الوسطى وتطورها بزعامة سلالة السامانيين إنما يؤلف إحدى المراحل البناءة والمتطورة والمثمرة في تاريخ شعوب آسيا الوسطى ما قبل الثورة (ثورة أ كتوبر). ولهذا السبب تبرز الأهمية البالغة لاهتمام الباحثين على اختلاف اختصاصاتهم وكذلك اهتمام فئات واسعة من كادحي شعوب آسيا الوسطى المعاصرة بهذه المرحلة من تاريخ الماضي.‏

ثمت مجموعة كبيرة من الكتب الروسية قبل الثورة والأجنبية، والسوفييتية، تناولت هذه المرحلة. وإن مختلف مسائل تاريخ القرنين العاشر والحادي عشر متضمنة في الأعمال والمؤلفات الجامعة والمتخصصة وكذلك في بعض المقالات والتعليقات كتبها العديد من المؤرخين وعلماء الاستشراق والآثار ومؤرخي الحضارات والعلوم والآداب والفنون(1).‏

تم الكشف عن الخطوط والملامح العامة لتاريخ القرون (9-11م)، وفي عدد من الحالات عن تفاصيل بعض الظواهر والأحداث، كما تم توضيحها ودراستها وتعميمها. ومع ذلك يظل عصر أبي علي بن سينا، وكذلك معاصريه: الرودكي(2) والفردوسي، والفارابي، والبيروني، والمئات من ممثلي تلك الحضارة هو عصر المعماريين والبنائين والفنانين والموسيقيين المجهولين. وسوف يظل في الكثير من جوانبه لغزاً ومادة للبحث والاهتمام يثير السرور والغبطة لدى كل كشف جديد في هذا المجال.‏

ما الأحداث التاريخية الأساسية ا لتي جرت في عصر أولئك المواطنين المشهورين؟‏

سنحددها باختصار.‏

قبل كل شيء، اكتملت في هذه المرحلة عملية التشكل الإثنوغرافي للشعب الطاجيكي نفسه كما ذكرنا.‏

من المعروف أن عدداً من القوميات الإيرانية الشرقية المتحضرة والمتطورة زراعياً كانت قد استوطنت آسيا الوسطى في أقدم العصور. الصُّغديون والبقتيريون والطُّخاريون والخوارزميون والبارسيون ـ الخراسانيون والاستراخانيون والفرغانيون، وكذلك قبائل رحل لها اسم مشترك: الساكيون. وكانوا جميعاً يشغلون مراتب مختلفة من النضج الإثنو غرافي ـ الثقافي.‏

برز في العصر الوسيط المبكر، وعلى أساس تعزز الصلات الاقتصادية والثقافية بين بعض كيانات آسيا الوسطى ومناطقها، وفي خلال نموّ المدن في ظروف تطور العلاقات الإقطاعية، الاتجاه هو دمج قوميات آسيا الوسطى، المتحضرة في أغلبها، في شعب واحد. وإن كل قومية من القوميات المنوه بها آنفاً كانت قد قدمت، بعد أن أصبحت جزءاً مكوناً من الشعب الطاجيكي، إسهامها الخاص في الكنز الشعبي العام وهو كل ما كانت قد أبدعته قبل تكوين الشعب الطاجيكي.‏

وفي مجال التاريخ السياسي يتصف عهد العصور الوسطى المبكر بتشتت الأقاليم ـ الدول ـ في آسيا الوسطى. وإن كانت قد ظهرت سابقاً ملامح النهوض الداخلي وعلاماته والتوحيد السياسي لكل منها علىحدة.‏

وقد جرت عملية التوحيد هذه بصورة ناجحة خاصة في الصُّغد وأستراخان وخوارزم وخُتّل وفي بعض الأقاليم ـ الدول الأخرى ـ التي ظهرت فيها سلالات حاكمة قوية نسبياً ـ. وإن السعي المشترك للمحافظة على الاستقلال السياسي في كفاح الأعداء الخارجيين قد أسهم بالطبع في تعزيز القوى المتوحدة مما سهّل على الطاهريين والسامانيين تأسيس دولة طاجيكية لعموم البلاد. وقد اتحدت تحت لواء الدولة السامانية في القرنين التاسع والعاشر جميع الأراضي الطاجيكية.‏

وفي مجال الحياة الاقتصادية يمكن أيضاً تسجيل بعض الاتجاهات التوحيدية إن حصل ذلك كل منطقة أو بين المناطق المتجاورة، وتعززت فيما بينها عمليات التخصص والتعاون في أنواع ومجالات كاملة من الصناعة الحرفية وتوطدت الصلات التجارية بين الأقاليم وازدادت حركة التداول النقدي ونشطت تجارة القوافل الدولية في إنماء طاقات البلاد المالية وفي تكوين قاعدتها الاقتصادية العامة. هذه الاتجاهات تتيح المجال للحديث عن ظهور عناصر الاقتصاد المشترك لأقاليم آسيا الوسطى ضمن حدود الأراضي التي تشكل فيها الشعب الطاجيكي في عصر السامانيين.‏

لقد جرت كذلك في العصور الوسطى المبكرة عمليات التوحيد الإثنوغرافي ـ اللغوي: اللغة الفارسية ـ الدارية ـ الطاجيكية التي تكونت عند ملتقى خراسان وطخارستان (مرو بلخ)، والتي سرعان ما انتشرت إلى الشمال في الصغد وأستراخان وفرغانة والشاش وخوارزم وختل وغيرها من الأقاليم والمناطق الملحقة بها، وكذلك إلى الجنوب في إيران وقسم كبير من أفغانستان، كما أن وحدة اللغة لدى الطاجيكيين، قد اكتملت بصورة أساسية، في عصر السامانيين أيضاً.‏

يمكن تأكيد الاتجاه نحو ظهور عدد من المراحل في تكوين الاقتصاد المشترك والثقافة الروحية من خلال عدد من الوقائع الأخرى. ففي الظروف الجديدة من استقلال دولة السامانيين الذين وحدوا آسيا الوسطى بأسرها نرى ذاك التطور الشامل والمتنوع للثقافة في القرن التاسع والعاشر وهو الذي يمكن اعتباره عصر التجميع والانبعاث للاتجاهات الثقافية. وقد تم خلق قيم ثقافية جديدة حاز قسم منها اعترافاً عالمياً وهو الشعر الكلاسيكي الطاجيكي وكذلك العلوم.‏

بدأت وحدة الأرض والسياسية والاقتصاد والثقافة واللغة بين القوميات التي امتزجت في شعب طاجيكي واحد من القرن السابع تقريباً. وفي القرن العاشر كانت هذه الخصائص قد شملت معظم السكان الزراعيين الحضر في أحواض أنهار آسيا الوسطى الثلاثة ـ سيحون وزروشان وجيحون، وكذلك خراسان،وسرعان ما أطلق على هؤلاء السكان اسم الطاجيك. وكانت دولة السامانيين التي وحدت الأرض المشار إليها لتكوين الشعب الطاجيكي في القرن التاسع والعاشر أول كيان طاجيكي في التاريخ. وقد رافق تشكل الشعب الطاجيكي وجهاز الدولة تكوين التشكيلة الاجتماعية ـ الاقتصادية الإقطاعية.‏

قام عصر أبي علي بن سينا، عصر الإنجازات الإثنوغرافية الثقافية والاجتماعية والسياسية على أساس تطور البلاد الاقتصادي الصلب والمتين من زراعة وتعدين وصناعات حرفية وتربية مواشي. ولم يحدث مثل هذا التطور من الناحية الزراعية في مناطق ما وراء النهر وخراسان من دون تأسيس نظام واسع ومدروس للري. وقد تضمن هذا النظام مجموعات ووحدات للري ضخمة بالنسبة لذاك العهد مثل مجمّع فرغسار في الصغد السمرقندية ومجمّع روديزرا في الصغد البخارية ومجمع بنجيكنت في استراخان ومجمع مرغاب في خراسان المروزية (نسبة إلى مرو)، ومجمع جيحون الأسفل في خوارزم.‏

وقد تم في عهد الطاهريين والسامانيين بناء قنوات جديدة في الشاش وغيرها من الأقاليم وبناء سد وحوض للتخزين في خانبند في جبال نورات، كما تم تشغيل أنظمة الكهاريز تحت الأرضية في الصغد البنجكنتية وفي جبال استراخان وسفوحها وفي كوبتداغ الخراسانية وغيرها. ومما يذكر أن العديد من هذه المنشآت للري لا تزال تعمل حتى الآن وتخدم إنسان هذا العصر (تو كسانكهريز في منطقة بنجيكنت وقناة دارخوم في إقليم سمرقند وغيرها). كل هذا إنما يدل على المعارف العميقة والإتقان الفني في مجال علوم الري والتكنيك.‏

لدينا الآن معطيات محددة عن مجال أكثر أهمية هو التعدين: حول طبيعة أعمال التنقيب عن الثروات الباطنية وعن نسبة الاستخراج وظروف العمل والوضع الاجتماعي للعاملين في مجالات الاستكشاف والحفر في المناجم. إن كشف علماء الآثار والجيولوجيين عن بقايا مناجم المعادن في عدد من مناطق آسيا الوسطى ـ إيلاق وفرغانة واستراخان وبذخشان وغيرها ـ قد ألقت الضوء على بعض جوانب نشاط علماء التعدين المهرة للغاية وأتاحت المجال للحكم على تركيب المعادن الحديدية وغير الحديدية والتنوع في المنتجات التعدينية، وتتيح المواد المستخرجة المجال للتأكيد على أن الحرف والمهن المرتبطة بالتعدين وصناعة المعادن بشكل عام في آسيا الوسطى كانت متطورة في ذاك الوقت. وكانت سبل التعدين الفنية متعارفة للحصول على الرصاص والفضة وغيرهما.‏

وينتصب أمامنا واقع تطبيق الكيماويين في آسيا الوسطى، لمنجزات الدراسات والأبحاث الكيماوية البناءة، في ممارسة سبل التعدين. ولن ندرج هنا قائمة طويلة بالثروات الطبيعية المستخرجة في آسيا الوسطى كما لن نتطرق أيضاً إلى جغرافية توزعها. تبرز أيضاً ضخامة قائمة المصنوعات الحرفية وعدد مراكز العمل المختلفة (الورش). وهي كلها تتيح لنا المجال لتصور واضح عن المستوى الرفيع الذي بلغه تطور الحرف في مدن آسيا الوسطى وقراها في ذاك الزمان، وكذلك هو شأن هذه المناطق أو تلك في إنتاج هذا النوع أو ذاك من البضائع. ويعتقد أنه جرت في هذه المرحلة عملية تكوين الاتحادات الحرفية. لقد كان الإنتاج الحرفي لما وراء النهر وخراسان متنوعاً وعلى مستوى فني رفيع. هذا وقد وصلت عملية تأسيس مدينة العصور الوسطى النموذجية في آسيا الوسطى إلى مرحلة الاكتمال في عصر ابن سينا. وهو دليل ساطع على نضج مجتمع آسيا الوسطى في ذاك الوقت. وقد برز هذا، قبل كل شيء، في تغيير البنيان الاجتماعي والاقتصادي للمدن وفي تغير مظهرها ومضمونها . وجرت في المرحلة بين القرنين الثامن والحادي عشر إعادة بناء لمدن آسيا الوسطى سواء من ناحية الطوبوغرافيا والعمارة أو من ناحية التركيب الاجتماعي ـ الاقتصادي والفئوي ـ الطبقي. وقد لخص واضع نظرية تأسيس مدينة آسيا الوسطى في عهد العصور الوسطى آ.ى.ياكوبوفسكي. الحالة كما يلي: (… لقد تحددت عملية تأسيس المدينة الإقطاعية النموذجية وتشكلها في آسيا الوسطى في نهاية القرن العاشر في المدن التي هي أكثر تقدماً مثل مرو وبخارى وسمرقند ونيسابور وغيرها، وفي القرن الحادي عشر في المدن من الدرجة الثانية).(2).‏

أصبحت مدن آسيا الوسطى بتركيبها الطوبوغرافي المعقد (من قلاع وحصون ومشارف…) مركز استقطاب للحياة الاقتصادية والتجارية والاجتماعية والسياسية والثقافية والإدارية. فهي مجهزة بالخدمات والمرافق وتغطيها الخضرة، ففيها العديد من الحدائق وقنوات الري ومجموعات كاملة من القصور والدساكر والبساتين والرساتيق والأحواض والمسابح وحدائق الورد.‏

كما كانت بعض مناطق المدن مزينة تزييناً رائعاً (مثلاً قهندزبخارى). وتكثر الأسواق الجميلة والخانات والمساجد. وتشتهر بخارى بشوارعها وساحاتها ذات الأرصفة الحجرية، ومثلها سمرقند وغيرها من المدن. كان في هذه المدن نظام معقد ومتطور لتأمين المياه بحيث كان متطابقاًمع الظروف المحلية وذلك بالقنوات المكشوفة والقنوات القرميدية والكهاريز المغلقة. وكانت مشهورة آنذاك حمامات مرو ونوشار وسمرقند ونيسابور وطوس وغيرها من المدن..‏

وبالطبع، ليست قليلة مآثر جهازي الدولتين الطاهري والساماني المنظمين بدقة وكذلك الشخصيات المرموقة أمثال عبد الله بن طاهر (822-844م)، وطاهر ابنه (844-862م)، واسماعيل (892-907م)، وناصر (914-943م)، والوزراء من بيوت بالام وجيحون في تنظيم مثل هذا البناء الاقتصادي لبلدين ثريين في الشرق هما ما وراء النهر وخراسان وفي الإشراف والإدارة الاقتصادية والسياسية. لقد قام معاصر السامانيين العالم العربي "المقدسي" بجولة في جميع أرجاء البلاد الإسلامية. ولم يكن من قبيل الاتفاق أن كتب أ نهم (أي السامانيين): "من أحسن الملوك سيرة ونظراً وإجلالاً للعلم وأهله". و"أنهم لا يكلفون أهل العلم تقبيل الأرض، ولهم مجالس عشيات جُمع شهر رمضان للمناظرة". ولقد كانت بين يدي السلطان فيبدأ هو فيسأل مسألة ثم يتكلمون عليها. وبحضور الحاكم". والحديث يجري هنا عن الاجتماعات العلمية ـ الأدبية الخاصة في بلاط الحاكم الساماني. وكان للرابطة العلمية "إخوان الصفا". التي تشكلت في أواسط القرن العاشر وللشبكة الكاملة من مكتبات بخارى (المشورة باسم "خزانة الحكمة"). ومرو والمدن الأخرى وكذلك أسواق الكتب في بخارى وغيرها شأن كبير في الحياة الروحية للعصر الساماني وفي انتشار المعارف العلمية وتطوير الآداب والفنون.‏

كانت المدن آنذاك تمتص جماهير غفيرة من السكان القرويين النازحين إليها والذين كانوا يحافظون بشدة على العادات والآيين الشعبية. وكان الحرفيون من أوائل حملة هذه الآيين وناقليها. لقد كانوا يستنبطون المواضيع للبناء الفني من أماكنها الأصلية من محيط وطن الأجداد. لذا كانت تظهر في بعض الأحيان مواضيع تتعارض والإسلام في الفنون الجميلة.‏

وقد تطور تيار وطني علمي وأدبي ـ ضمن النشاط الانبعاثي العام في الميادين الحكومية والاجتماعية العامة. وقام المثقفون المحليون الذين كانوا يعرفون اللغة العربية جيداً والذين كانوا أوفياء لتقاليدهم وماضيهم بترجمة المؤلفات الأدبية والأعمال العلمية إلى اللغة العربية من لغات شعوب آسيا الوسطى وإيران والبلدان الأخرى، كما أبرزوا في الوقت نفسه الإنجازات الثقافية لشعوبهم. وانتشر نشاط الترجمة هذا انتشاراً واسعاً خاصة في النصف الأول من القرن التاسع الميلادي.‏

وفي هذه المرحلة ظهرت الشعوبية وحاولت تحت ستار معارضة ثقافة العرب إبراز ثقافات الشعوب الخاضعة للخلافة ومقاومة الإسلام بهذا الشكل أو ذاك، وتدل الآثار الأدبية التي وصلت إلينا من تلك الأزمنة أن الشعوبية قد تعرضت لبعض التغيرات مع مرور الزمن. لقدكان الارستقراطيون الشعوبيون في القرنين الثامن والتاسع يتميزون بنظرة متعالية تجاه الشعب العربي بشكل عام، وقد حاولت الشعوبية إضفاء شكل العداء نحو العرب من قبل الشعوب الناطقة بالإيرانية، ولكن هذه السمة قد اختفت في القرن العاشر. بيد أن الشعراء الطاجيك في القرن العاشر، الذين وقف بعضهم ضد حكم الخلافة العربية فمجدوا تاريخ شعبهم وثقافته، كانوا في الوقت نفسه لا ينكرون أيضاً إنجازات الشعب العربي الثقافية.‏

وفي هذا الإطار شكل الهراطقة الغلاف الديني للحركات الشعبية. وكانت حركة القرامطة(3). من أقوى هذه الحركات التي هزت مجتمع آسيا الوسطى في القرن العاشر. وتركت آثراً واضحاً في الحياة الثقافية لشعوب تلك المناطق.‏

وفي مجال الثقافة المادية كان عصر أبي علي بن سينا عصر التطور الكبير في مجال الحرف الصناعية في المدن التي أثرت بسلعها ا لرائعة حياة السكان اليومية. ثم في مجال فن البناء والعمارة الذي أبدع آثاراً جميلة وهامة في آسيا الوسطى. وهذا ما أتاح لهذه المنطقة أن تشغل مكاناً رائداً في العالم في تلك المجالات من الإنتاج المادي كاستخراج بعض أنواع الثروات المعدنية، وصناعة الورق والزجاج والفخاريات والخزفيات وغيرها. لقد كان ذلك العصر عصر الحرفيين المهرة والموهوبين والفنانين التطبيقيين والمعماريين العظام والعباقرة المبدعين الذين تجسدت روائعهم في آثار الثقافة المادية. ولكن مع الأسف لم يحتفظ الأخلاف بأسماء أولئك الأسلاف حتى زمننا هذا.‏

إذ كان القرنان السادس والسابع قد برزا مرحلة أولية لتشكل الفن الإقطاعي في آسيا الوسطى. فقد كانت التقاليد الحرفية للحضارتين الرومانية واليونانية القديمة لا تزال قوية، إلا أنها في الوقت نفسه قد طرأت عليها تطورات من ناحية إدخال مواضيع فنية جديدة (وخاصة مواضيع الملاحم الإقطاعية البطولية الحماسية) والاتجاهات البلاغية الأسلوبية (وهذا واضح خاصة في آثار التصوير والرسم والنحت في برخشان وبنجيكنت وبنجكت)، وفي القرنين التاسع والعاشر أخذ يبرز في الفن بصورة واضحة تأثير الإسلام والانتقال من الواقعية إلى سيطرة الفن الزخرفي التزييني. وصارت الزخرفة والزينة وإخضاع الشكل للمضمون وللمحيطات الهندسية هو الصفة المميزة لأسلوب الفنون الجميلة. ولكن، مع ذلك، فإن تصورات الناس الفنية في القرنين التاسع والعاشر ما زالت، في كثير من جوانبها، قريبة من تصورات الناس في القرون الفائتة. وهذا ما أثر في مختلف مجالات الفن الذي أخذ يتطور من خلال تفاعل ثقافتي بلدان الشرقين الأوسط والأدنى: الجاهلية والإسلامية.‏

لقد كان المزارعون والمنقبون في المناجم والحرفيون والعاملون في المجال الفكري هم المنفذين المباشرين والمبدعين لكل الخيرات المادية والروحية في هذا النهوض الاقتصادي والثقافي لآسيا الوسطى في عهد السامانيين. وإننا ندين بكل شيء وقبل كل شيء، لعملهم. إن النهوض الجبار للحياة الاقتصادية والثقافية هو، قبل كل شيء، ثمرة خالقي التاريخ الأصليين: الكادحين. وكما تبين الدراسة المرموقة لمختلف المعطيات الموجودة اليوم تحت تصرف العلم وفي سائر مجالات الحياة والخبرات الإنتاجية، والثقافة والعلوم والآداب والفنون، أن سمات الخط الديمقراطي الشعبي للإبداع تبرز أكثر من سمات الخط الأرستقراطي. ولولا إبراز هذا التقليد الشعبي في مجالات الحياة لما كان بإمكان عصر السامانيين ، عصر الرودكي والفردوسي والفارابي وابن سينا والبيروني أن يشغل من حيث أهميته التاريخية أحد الأمكنة الأساسية في تاريخ الشعب الطاجيكي.‏

يبرز الأثر العميق للعبقرية الشعبية في جميع مجالات الاقتصاد الوطني والثقافة. ومما يدل على هذا تلك النجاحات الكبرى في الزراعة المعتمدة على الري، وفي المزروعات المحددة حسب المناطق، والنتائج المذهلة الناتجة عن البحث عن الثروات الباطنية وطرق الكشف عن المناجم، والإنجازات في مجال ميتالورجيا الحديد والمعادن غير الحديدية والحرف الفنية ـ التطبيقية ـ والأبحاث الإبداعية تقريباً في جميع مجالات علوم العصور الوسطى والتكنيك المعماري وما إلى ذلك.‏

كان القرن التاسع ككل يمثل مرحلة انبعاث الدولة الوطنية والتقاليد المحلية، والقرن العاشر زمن ازدهار اقتصاد ما وراء النهر وخراسان والثقافة الطاجيكية للعصر الإقطاعي، زمن الازدهار الخاص للآداب والعلوم الطاجيكية ونمو بناء المدن وحياتها. إنّ الأساس الاقتصادي والثقافي وفعالية القوى المنتجة الكامنة في عهد السامانيين قد أظهرت حيويتها لدرجة أنه رغماً عن القوى المدمرة للتدخل الخارجي القراخاني والغزنوي والسلجوقي وفقدان الإدارة الحكومية، فإن التقدم الشامل للشعب الطاجيكي قد استمر ولم يضعف تقريباً في القرن الحادي عشر.‏

وهكذا برزت المرحلة الممتدة بين القرنين (التاسع والحادي عشر)، في تاريخ حضارة الشعب الطاجيكي بصفتها عصر الإنجازات الكبرى للتطور الاقتصادي والثقافي، كما كانت مرحلة إنشاء الجهاز الحكومي وإكمال التكوين الإثنوغرافي الوراثي للشعب نفسه وتثبيت اسمه. وشكلت تلك المرحلة بداية خروج العلوم والآداب الطاجيكية إلى الميدان العالمي، مما قدم الخدمات لخير البشرية جمعاء. لقد استعملنا مفهوماً محدداً لهذه المرحلة من تاريخ الطاجيك باستعمال لفظ "إنجاز" وهو مناسب لمنطقة ما وراء النهر وخراسان أكثر من مصطلح "النهضة" الأوروبي المستعمل أحياناً.‏

كان أبو علي بن سينا وليد عصر الإنجازات هذا بالذات. وهو من أعظم مبدعي هذا العصر. كما كان من أعظم علماء عهد العصور الوسطى. وهو مفكر مستقل وأصيل. وقد ألف العشرات من الأعمال في مختلف مجالات المعرفة: في الطب والفلسفة، والمنطق، وعلم النفس والأخلاق والرياضيات والكونيات وكيمياء النبات، وعلوم اللغة والموسيقى وغيرها. وفي الوقت الحاضر نعرف من مؤلفاته أكثر من أربعين كتاباً في الطب وحوالي 185 كتاباً في الفلسفة، والمنطق واللاهوت، وحوالي 30 كتاباً في الفلك والعلوم الطبيعية وثلاثة كتب في الموسيقى. ومعروفة كذلك أشعاره الفلسفية والاجتماعية الحادة من الدرجة الأولى. لقد كتب أعماله، في معظمها، باللغة العربية، العالمية آنذاك، كما كتب جزءاً منها باللغة الأم ـ الطاجيكية. ووصل العديد من مؤلفاته إلينا. واختفى الكثير منها بلا أثر. وإن أعماله المخطوطة محفوظة في مختلف مكتبات الشرق والغرب. غير أن جزءاً منها فقط قد تم طبعه وإصداره. وكان العديد منها قد ترجم، في زمن مبكر نسبياً، إلى اللاتينية والعبرية القديمة وغيرهما من اللغات. هذا وتوجد دراسات وبحوث عديدة، لاختصاصيين من مختلف البلدان وبالعديد من لغات العالم، مخصصة لحياة ابن سينا وإبداعه المتعدد الجوانب.‏

إنّ عظمة ابن سينا لا تكمن فقط في نشاطه العلمي الشمولي والعميق. لقد كان ابن سينا إنسانياً أصيلاً حقاً ومكافحاً من أجل أفكار التقدم والحرية الأخلاقية. فهو أحد الأوائل الذين تجاوزوا الجسر القائم بين الشرق والغرب، وأطلعوا الشرق على تعاليم مريدي المدرسة الأرسطو طالية، وأطلعوا أوربا على الطب الآسيوي ونقلوا إلى الغرب خبرة وطنهم الطبية العريقة. لذا كان ثمة أساس كامل لكي يطلق عليه "حكيم الشرق والغرب"، ترأس ابن سينا العلوم الطبية في العصور الوسطى. فهو قد درس وأدخل في الحياة العلمية الأعمال والمؤلفات التي كتبها بالعربية العلماء النساطرة واليهود والزرادشتيون والصابئة، وكان يعرف الوسائل الدوائية العلاجية الهندية والصينية والتبتية، ويشير إليها في مؤلفاته.‏

ثمة نقاط ضعف مختلفة وهفوات وآراء باطلة وردت في تعاليمه، مع مناقشات لا طائل فيها واتجاهات صوفية يعود سببها إلى ضيق الأفق التاريخي الذي كان محتوماً ومقدراً على المجتمع الإقطاعي آنذاك. غير أنّ هذا لا ينتقص من أهميته. ويجدر أن نتذكر رأي لينين القائل: "إن المآثر التاريخية لا يحكم عليها من خلال ما قدمته الشخصيات التاريخية بالمقارنة مع المتطلبات العصرية بل بما قدمته بالمقارنة مع سابقيهم"(6).‏

يقف ابن سينا أمامنا أعظم مفكر في عصره حائز على اللقب المشرف في سائر أنحاء الشرق وهو "الشيخ الرئيس"، وكان تأثيره في عقول الشرق ا لمفكرة عظيماً للغاية. ففي غضون القرون الوسطى وما بعدها كان الاختصاصيون في الطب والفلسفة في الشرقين الأوسط والأدنى يستندون إلى أقوال ابن سينا. إنّ اسم ابن سينا معروف لا في صفوف العلماء وحدهم بل في صفوف فئات الجماهير الشعبية الواسعة. وما زالت الأحاديث إلى يومنا تذكر مآثره وتنوه بمزاياه. وهنا أودّ أن أذكر كلمات عالم الاستشراق السوفييتي البارز أ.أ.سيميونوف عن ابن سينا: "لقد نشأ عالماً ممتازاً بلغ كل ما استطاع علم ذلك الزمان أن يقدمه له، في ظرف ثقافي عاشته الدولة السامانية.. وهو مرتبط من حيث مولده ومنشؤه والظرف الذي تكوّن فيه بالماضي التاريخي والثقافي للشعب الطاجيكي".(7).‏

قدم أبو علي بن سينا إسهاماً كبيراً في العلوم والثقافة لشعبه الطاجيكي بل للشعب العربي ولشعوب آسيا الوسطى الأخرى والإيرانيين وشعوب أفغانستان والهند وباكستان والعديد من شعوب الشرق والغرب. وإن قيمته وأهميته لا تكمن فيما قدمه من إسهام في العلوم والثقافة العالمية فحسب، بل في أفكاره الإنسانية الشعبية العميقة التي تدعو لتقارب الشعوب وتمازج ثقافاتها، ومما يدل على ذلك، بلا شك، المهرجانات التي يحتفل بها الرأي العام السوفييتي والعالمي بمناسبة مرور ألف عام على ميلاد الابن العبقري لوطننا.‏

الحواشي:‏

(1)ـ هو أبو عبد الله جعفر الرودكي (860-941م)، شاعر طاجيكي فارسي ترك أثراً كبيراً في الشعر الفارسي وفي أسلوب هذا الشعر حتى القرن الحادي عشر الميلادي. (المجلة).‏

(2)ـ هو أبو القاسم الفردوسي مؤلف "الشاهنامة" أي كتاب الملوك ولد حوالي 934م، في قرية قريبة من طوس (وهي الآن قرب مدينة مشهد في إيران). وكانت طوس قصبة خراسان ولكن تيمور لنك خربها خلال القرن الرابع عشر الميلادي (وتوفي حوالي 1020). (المجلة).‏

(3)ـ ظهرت حركة القرامطة في نواحي واسط بالعراق حوالي 890م، وقطعوا الطريق على قوافل الحجاج (914-943م)، (المجلة).‏

(4)ـ ن.ن. نجماتوف، دولة السامانيين (ما وراء النهر وخراسان في القرن التاسع ـ العاشر)، دوشانبة "دونيش"، 1977م.‏

(5)ـ ا.ى.ياكوبوفسكي، المسائل الرئيسية لدراسة تاريخ تطور مدن آسيا الوسطى، الفرع الطاجيكي، لدى أكاديمية العلوم السوفييتة، المجلد 29، ستالينباد، 1951م، الصفحة 15.‏

(6)ـ لينين، المؤلفات الكاملة، المجلد2، الصفحة 178.‏

(7)ـ أ.آ. سيميونوف، أبو علي بن سينا، ستالينباد، 1945م، الصفحة 5

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العددان 6/5 – السنة الثانية – حزيران "يونيو" 1982

28 Views

عن

إلى الأعلى