الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الثقافة » مشابه في التراث العالمي – د. عبد الكريم اليافي

مشابه في التراث العالمي – د. عبد الكريم اليافي


مشابه في التراث العالمي – د. عبد الكريم اليافي

شيمة الثعلب المكر وشيمة الذئب الغدر، ولكن مغبة الغدر والمكر دمار مرتكبيهما، كما أن في التعاون قوة لا تقهر. جاء في كتاب "الحيوان" للجاحظ ج2 ص 172 ، 173 تحقيق عبد السلام محمد هارون تحت عنوان (اتحاد المتعاديين في وجه عدوهما المشترك) والعنوان من وضع المحقق النص الآتي:

"قال أبو حسن عن سلمة بن خطاب الأزدي قال: لما تشاغل عبد الملك بن مروان بمحاربة مصعب بن الزبير اجتمع وجوه الروم إلى ملكهم فقالوا له: قد أمكنتك الفرصة من العرب بتشاغل بعضهم مع بعض لوقوع بأسهم بينهم".

فالرأي لك أن تغزوهم إلى بلادهم. فإنك إن فعلت ذلك بهم نلت حاجتك.

فلا تدعهم حتى تنقضي الحرب التي بينهم فيجتمعوا عليك. فنهاهم عن ذلك وخطّأ رأيهم. فأبوا عليه إلا أن يغزوا العرب في بلادهم. فلما رأى ذلك منهم أمر بكلبين فحرّش بينهما، فاقتتلا قتالاً شديداً، ثم دعا بثعلب فخلاه. فلما رأى الكلبان الثعلب تركا ما كانا فيه، وأقبلا عليه حتى قتلاه. فقال ملك الروم: كيف ترون؟ هكذا العرب. تقتتل بينها فإذا رأونا تركوا ذلك واجتمعوا علينا. فعرفوا صدقه، ورجعوا عن رأيهم.

هذا وقد نبغ الشاعر الروسي (إيفان أندريفتش كريلوف) (1768-1844) وتأثر بالشاعر الفرنسي "لافونتين" (1621-1695) وترجم طائفة من قصصه على لسان الحيوان. ولافونتين نفسه كان قد تأثر بكتاب كليلة ودمنة لابن المقفع الذي غدا عيالاً عليه كل من عالج مثل هذه القصص فقد ترجم كتاب كليلة ودمنة إلى الفرنسية بعنوان Le livre des lumiéres ونشر سنة 1664.

كريلوف هذا كتب قطعة شعرية حين غزا نابليون بونابرت (1769-1821) روسية فتعثر في ربوعها وأراضيها الشاسعة وبردها القارس يلمح فيها إلى ذلك التعثر والخيبة ورأينا أن ننشرها لمناسبتها في العصر الحاضر. وقد ترجمها ترجمة حرفية عن الروسية العميد محمد وليد الجلاد وصغناها شعراً متقيدين كل التقيد بالنص الأصلي. ولعل في نشرها ومقابلتها بما أورده الجاحظ فائدة وعبرة وهذه هي القطعة.

ذئب في حظيرة الكلاب

تسلل الذئب ليغتال الغنم

لكنه ضل الطريق المقتحم

في ليلة حالكة الجلباب

فحلّ في حظيرة الكلاب

وهبّ من في الحيّ من كراه

لما أحس الوغد في حماه

وهرّت الكلاب في الزرائب

واستشرفت لداهم النوائب

تصايح الشباب يا للسارق

هيّا إلى العصيّ والبنادق

وطار كل مالكاً صوابه

وأسرعوا فأقفلوا البوابه

فصارت الحومة كالجحيم

تنذر بالنار على الرجيم

لما رأى الأرعن ما دهاه

أقعى لدى الجدار واستذراه

أنيابه اصطكت من الإبلاس

وشعره قفّ أمام الناس

وعينه تلتهم الجماعه

كم ودّ لو يفرسها في ساعه

وما رأى أمامه قطيعاً

وإنما رأى العدا جميعاً

وأيقن الهلاك والتبابا

والعاجل المخيف والحسابا

فلجأ الماكر للمفاوضه

لعله يغوي بها من عارضه

وصاح يا صحب لم الضوضاء

آن لنا أن يُنبذ العداء

قد جئت للصلح وللصداقه

كم بيننا فيما مضى علاقه

بنوة الأعمام والأخوال

تشهد بالصدق على مقالي

فلننس ما فات ونبن الآتيا

ولنُرس فيما بيننا الأواخيا

لا غدر، لا اغتيال بين الغنم

لسوف أحميها بروحي ودمي

نعيش منذ اليوم كالأحباب

وقسمي بشرف الذئاب

ولاح من بين الجموع ضار

فؤاده قد ضاق بالثرثار

قال له كم بيننا من فارق

أعرفه منذ زمان سابق

فلونك الغبرة والعماء

ولوني الشهبة والصفاء

وطبعك الخداع والخيانه

وطبعي الوفاء والأمانه

هيهات أن نركن للخوّان

إنهم للسلخ والهوان

وأهوت الكلاب فوق الذئب

تنهشه من رأسه والجنب

عبد الكريم اليافي

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد التاسع – السنة الثالثة –المحرم 1403 تشرين 1 – أكتوبر 1982

32 Views

عن

إلى الأعلى