الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » اللغة العربية » النحو والصرف » الاشتقاق الكبير والقلب صلاح الدين الزعبلاوي

الاشتقاق الكبير والقلب صلاح الدين الزعبلاوي


الاشتقاق الكبير والقلب ـــ صلاح الدين الزعبلاوي

أجرينا الكلام في آخر عدد من المجلة حول الاشتقاق عامة، فعرضنا للاشتقاق الصغير وما تفرع عليه من المسائل على وجه المخصوص.‏

فالاشتقاق عامة، كما يقول الميداني، هو أن تجد بين اللفظين تناسباً في أصل المعنى فترد أحدهما إلى الآخر، فالمردود مشتق والمردود إليه مشتق منه.‏

والاشتقاق الصغير خاصة نزعك لفظاً من لفظ، ولو مجازاً، بشرط أن يكون بين اللفظين اتفاق في الحروف الأصول وترتيبها، وتناسب في المعنى، كاشتقاقك الضارب من الضرب. وقد عنوا بقولهم (ولو مجازاً) أحد أمرين: الأول أن تنزع المشتق من المشتق منه، وهو منطو على معناه المجازي، كاستعمالك المثقف (اسم المفعول) بمعنى المؤدب والمعلم، اشتقاقاً من التثقيف بمعنى التأديب والتعليم، وعلى المجاز. والثاني أن تطلق (الضارب) مثلاً على من لم يضرب لأنه سيضرب، وهو في الحقيقة لمباشر الضرب، أو على من ضرب وهو لا يضرب الآن، كما ذهب إليه بعضهم.‏

وإذا بني الاشتقاق الصغير على اتفاق الحروف الأصول وترتيبها، فملاك الأمر في الاشتقاق الكبير أن يكون اتفاق بين الحروب دون تريبها، ومثاله: كمل وملك ولكم.. وهو يخالف الاشتقاق الأكبر الذي حدّه أن تتفق في اللفظين بعض الحروف وتتقارب في الباقي نحو جبل وجبر، وحلف وحرف، وهمس وهمش. وأما القلب فلا يعني اصطلاحاً غير تغيير مواضع الأحرف في اللفظ مع التزام معناه نحو يئس وأيس وسنبسط القول فيما تقدم على هذا النحو:‏

1-الكلام على الاشتقاق الكبير.‏

2-مرجع القول بالاشتقاق الكبير، وشأنه في المد اللغوي.‏

3-ما الفرق بين الاشتقاق الكبير والقلب.‏

4-ما الذي أراده الأئمة بالقلب اصطلاحاً.‏

5-نصوص الأئمة وكلام الباحثين في القلب.‏

6-المقلوب وما جاء على هيئته.‏

7-كيف يستدل على صحة القلب.‏

8-أيقع القلب اصطلاحاً في الثنائي المضاعف.‏

9-العلاقة بين دلالة اللفظ ومقلوبه هل هي علاقة تضاد؟‏

10-ما دلالة المقلوب في الثنائي المضاعف.‏

11-هل يقع الترادف في الثنائي بين المقلوب والمقلوب عنه؟‏

12-ما موقع دلالة الثلاثي من مقلوبه؟‏

1-الكلام على الاشتقاق الكبير‏

يعرف الاشتقاق الكبير، كما تقدم، بتعويله على ائتلاف الحروف في المادة دون ترتيبها، وهو يلزمك أبداً أن تتلمس للحروف الأصلية المؤتلفة هذه، أصلاً مشتركاً من المعنى، على أي صورة شكلت. وإذا كان ابن فارس قد تذرع في (المقاييس) بالاشتقاق الصغير ليرد مفردات المادة الواحدة إلى أصل من المعنى، فقد تذرع ابن جني، وأستاذه أبو علي حينا، بالاشتقاق الكبير، لينشد في تقاليب المادة كيف ركبت، جنساً من المعنى.‏

ولم يدّع ابن فارس أنه حقق منحاه في (الاشتقاق الصغير) فيرد المفردات إلى أصل واحد في كل مادة، كما لم يبلغ ابن جني شأوه في رد تقاليب كل مادة إلى جنس من المعنى، بل لم يستوف التقاليب في المادة الواحدة، كل حين.‏

قال ابن جني في الخصائص (1525-ط1913) وقد أسمى الاشتقاق الصغير بالأصغر، والكبير بالأكبر: (هذا موضع لم يسمّه أحد من أصحابنا. غير أن أبا علي، رحمه الله، كان يستعين به ويخلد إليه، مع إعواز الاشتقاق الأصغر – أي الصغير. لكنه مع هذا لم يسمه، وإنما كان يعتاده عند الضرورة ويستروح إليه ويتعلل به. وإنما هذا التلقيب لنا نحن، وستراه فتعلم أنه لقب مستحسن. ذلك أن الاشتقاق عندي على ضربين، كبير وصغير، فالصغير ما في أيدي الناس وكتبهم. كأن تأخذ أصلاً من الأصول فتقرأه فتجمع بين معانيه، وإن اختلفت صيغه ومبانيه. ذلك كتركيب، من س ل م، فإنك تأخذ منه معنى السلامة في تصرفاته نحو سلم ويسلم وسالم وسلمى والسلامة.. وأما الاشتقاق الأكبر – أي الكبير – فهو أن تأخذ أصلاًً من الأصول الثلاثة فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحداً، تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها، عليه، وإن تباعد شيء من ذلك زدّ بلطف الصنعة والتأويل إليه. كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التركيب الواحد. وقد كنا قدمنا ذكر طرف من هذا الضرب، من الاشتقاق، في أول هذا الكتاب، عند ذكر أصل الكلام والقول، وما يجيء من تقليب تراكيبها نحو: ك ل م، ك م ل، م ل ك، ل ك م، ل م ك، وكذلك في ق و ل، و ق ل،.و. وهذا أغوص مذهباً وأحزن مضطرباً، وذلك أنا عقدنا تقاليب الكلام الستة، على القوة والشدة، وتقاليب القول الستة، على الإسراع والخفة..) وختم كلامه بقوله: (واعلم أنّا لا ندّعي أن هذا مستمر في جميع اللغة، كما لا ندّعي للاشتقاق الأصغر – أي صغير – أنه في جميع اللغة. بل إذا كان ذلك الذي هو في القسمة سدس هذا أو خمسه متعذراً صعباً، كان تطبيق هذا وإحاطته أصعب مذهباً وأعز ملتمساً 530..)‏

وقد تكلف الأئمة من الجهد، في تقليب الأصل الواحد على وجوهه كيف شُكلت، ما ألجأهم إلى مضايق ومآزق لا مخرج منها ولا محيض. قال ابن جني في الخصائص (111): (على أن هذا وإن لم يطّرد وينقد في كل أصل، فالعذر على كل حال فيه، أبين منه في الأصل الواحد، من غير تقليب لشيء من حروفه. فإذا جاز أن يخرج بعض الأصل الواحد من أن تنظمه قضية الاشتقاق، كان فيما تقلبت أصوله، فاؤه وعينه ولامه، أسهل، والمعذرة فيه أوضح).‏

وقال السيوطي في مزهره (1202- ط. المكتبة الأزهرية): (ولا ينكر مع ذلك أن يكون بين التراكيب المتحدة المادة معنى مشترك بينها هو جنس لأنواع موضوعاتها. ولكن التحيل على ذلك في جميع مواد التركيبات كطلب لعنقاء مغرب)1.‏

وهكذا تراءى لابن جني في تقاليب (ك ل م) القوة والشدة، وتقاليب (ق و ل) الإسراع والخفة. كما تصور في تقاليب (ج ب) القوة والشدة أيضاً. واستدراك فقال: (وإن تباعد شيء من ذلك رُد بلطف الصنعة والتأويل إليه، كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التركيب الواحد) وأشار إلى أن في تركيب (جبر العظم) قوة، وفي (جبر الملك) قوته، وأنه إذا (جربت) المرء أمور اشتدت بها شكيمته، و(الجراب) للحفظ، وفي الحفظ قوة.. وهكذا (البرج) ففيه قوة، و(الرجبة) ما تستند إليه النخلة، وفي الدعم والإسناد قوة. لكنه ذكر (البجرة) وقال إنها (السرة)، وفي السرّة نتوء وغلظة فأين ملمح القوة فيهما، أتراه في قولهم (هذا أمر بجريّ) أي عظيم، والجمع البجاري وهي الدواهي العظام؟ وهو لم يعرض (للجرب) وهو داء الجلد.‏

فقد جاء في الصحاح: (أجرب الرجل جربت إبله.. وأرض جرباء مقحوطة) فأين ملحظ القوة في هذا؟‏

قال الدكتور صبحي الصالح في كتابه دراسات في فقه اللغة 219 (ترى ألم يكن ممكناً أن يسلك ابن جني تقليب – ج ر ب- في باب التضاد الذي هو ضر ب من المشترك فيكون في الرجل المجرّب معنى القوة، وفي الرجل الأجرب معنى الضعف!).‏

أقول لسنا نأبى في هذا تأويلاً، وباب التأويل متسع ومذاهب الاحتيال لا تضيق، ولكن إذا جاز أن تتسع في تلمس المعنى المشترك الذي يتأدى إلى ضم دلالات هذه التقاليب حتى نستسيغ أن نؤلف بين المعنى وضده، فأي تلطف هذا الذي نتذرع به ليؤول الأمر به إلى عكس مآله. أوليس صنيعنا هذا أشبه أن يكون تلعُّباً لا يثمر ولا الظن، أو تحيلاً لا يقذف إلا بالغيب ولا يضرب إلا في شعاب الرجم.‏

أما ما ذهب إليه الدكتور الصالح من أن باب التضاد يعد ضرباً من المشترك، فيمكن أن يصدق هاهنا إذا ابتغينا لصور المادة جنساً آخر من المعنى يحتمل الجمع بين القوة والضعف كالجلل حين يقدّر أنه موضوع للغاية في الشيء فيوصف به العظيم والحقير.‏

هذا وقد حمل التكلف أو التعسر في التأويل الإمام السيوطي إلى أن يقول في مزهره حول الاشتقاق الكبير (1208): (وهذا مما ابتدعه الإمام أبو الفتح وكان شيخه الفارسي يأنس به يسيراً، وليس معتمداً في اللغة ولا يصح أن يستنبط به اشتقاق في لغة العرب). ومن ثم كان لا بد في التماس الدلالات لمختلف صور المادة أن يحتاط مما يروم منه الباحث مراماً قصياً يضيق عنه طوقه ويفوت ذرعه فتقصر عنه كل همة. ولم يقف الأئمة في الاشتقاق الكبير عند تقليب الثلاثي بل تصوروا احتمال التقليب فيما فوقه. وقد بحث هذا الاشتقاق العلامة الحاتمي وتلميذه السكاكي في مفتاح العلوم بما رواه عنه، وابن الأثير في المثل السائر. قال السكاكي في المفتاح(7): (وإن تجاوزت إلى ما احتملته من معنى أعم من ذلك كيفما انتظمت، مثل الصور الست للحروف الثلاثية المختلفة من حيث النظم، والأربع والعشرين للأربعة، والمائة والعشرين للخمسة، سمّي الاشتقاق الكبير). ولا شك أن هذا تصور عقلي يعوزه التطبيق والاستقراء كما يقول الشيخ العلايلي في كتابه (مقدمة لدرس لغة العرب 206).‏

ولم يفت ابن جني أن ينبّه على ذلك حين قال (الخصائص – 162-ط1913: (ألا ترى أنك لا تجد شيئاً من نحو سفرجل، قالوا فيه: سرفجل، ولا نحو ذلك. مع أن تقليبه يبلغ به مائة وعشرين أصلاً. ثم لم يستعمل من جميع ذلك إلا سفرجل واحده).‏

***‏

2-مرجع القول بالاشتقاق الكبير وشأنه في المد اللغوي‏

بحث العلماء احتمال أن يكون الخليل قد أوحى في معجمه (العين) بهذا الضرب من الاشتقاق، فبعث على التفكير فيه حين عمد إلى تقليب المادة الواحدة على صورها، والكشف عن دلالة كل صورة، فعمل ابن جني على المعارضة بين دلالاتها والتماس ما يوائم بين مناحيها ليضمها في نطاق ويردها إلى أصل مشترك.‏

قال الأستاذ عبد الله العلايلي في كتابه (مقدمة لدرس لغة العرب 205):‏

(لم يكن عمل الطبقة الثانية إلا شرحاً لما بدأه الخليل. فهو أول من تبين الوحدة بين المقاليب وتناولها بالدرس. وزاد بأن حصر ما في العربية من الثلاثي على ضوئها بعد تحققه أن للكلمة الثلاثية ستة مقاليب، فيها المهمل والمستعمل. ومن ثم كان عمله خطيراً جداً. ولا يفهم من هذا أنه قصد الاستفادة من المهملات بعد عمل نظامي، وإنما كان جهده فيها عملاً تحقيقاً فقط).‏

أقول قد أشار إلى هذا بعضهم ونفاه آخرون. وعندي أنه لا يبعد أن يكون قد اتفق لابن جني أن تعهد ما جاء في معجم (العين) بنظره وترصده بفكره فعل يستقري أطواره ويتعرف أحواله حتى خلص إلى ما أستنه في (الاشتقاق الكبير). ذلك أن الخليل قد أتى باللفظ وما ينشأ عنه بالقلب في الموضع الواحد. فذكر (الضرم) مثلاً في حرف الضاد. وأتبعه ذكر (الضمر فالرضم فالمضر فالرمض فالمرض). فإن أهمل شيئاً من وجوه التقليب أشار إليه. وقد جعل كل نوع من الصحيح والمضاعف والمهموز والمعتل على حدة.‏

وأخذ بنهج الخليل هذا الأزهري في تهذيبه وابن سيده في محكمه. وعاب ابن منظور هذه الطريقة في معجمه لسان العرب فقال: (ولم أجد في كتب اللغة أجل من تهذيب اللغة.. وأكمل من المحكم.. فإنهما من أمهات كتب اللغة على التحقيق.. وما عداهما بالنسبة إليهما بنيّات الطريق. غير أن كلاً منهما مطلب عسر الدرك ومنهل وعر المسلك).‏

وقد عقب الشيخ طاهر الجزائري على ذلك في حاشيته على خطبة الكافي فقال: (واعلم أن طريقة الخليل لها موقع عند الذين يرون أن الكلمات التي تشترك في الحروف، وإن اختلفت في الترتيب، لا بد أن يكون لها معنى مشترك هو جنس لأنواع موضوعاتها).‏

وقال ابن الأثير في المثل السائر (294): (وأما الاشتقاق الكبير فهو أن تأخذ أصلاً من الأصول فتعقد عليه وعلى تراكيبه معنى واحداً يجمع تلك التراكيب وما تصرف منها) وإن تباعد شيء من ذلك عنها رُد بلطف الصنعة والتأويل إليها)، وأردف: (ولنضرب لذلك مثلاً فنقول: إن لفظة – قمر – من الثلاثي لها ستة تراكيب وهي: قمر، قرم – رمق، رقم- مقر، مرق – فهذه التراكيب الستة يجمعها معنى واحد هو القوة والشدة).‏

وقد لحظ الشيخ العلايلي في مقدمته أن ابن الأثير قد تفرد، من جميع باحثي الاشتقاق الكبير بهذا الترتيب الذي رعى فيه فاء التقليب. فكأنه رمى بذلك إلى غاية نشوئية حاصلها أنا لو فرضنا مادة كذا أصلاً، فالمادة التي يكون فاؤها فاء الأصل تكون قد أعقبتها اشتقاقاً، فجاء (قمر) ثم (قرم) وهكذا. والذي يعنينا من ذلك هل رام ابن الأثير هذا حقاً؟‏

أقول قد استدرك العلايلي فاستبعد هذا إذ لا دليل عليه، لكنه مضى يتخيل أن العربية قد استنت للتزيد اللغوي سنة جرت عليها، بعد أن أصبح الثلاثة وحدة الكلم. ذلك أنها قلّبت حروف الثلاثي بحيث يكون لكل أصل منه ست صور لها جامع معنوي. وقد روعي في توليدها نهج خاص بني على ترتيب حروف الهجاء. فأقدم ما تألف من الكاف واللام والميم، على ما تصوره العلايلي، هو (كلم) بسبق الكاف تليها اللام فالميم، كما تتوالى بترتيبها في حروف الهجاء، فتولد من (كلم) لمك ثم تولد من هذا مكل فكمل فملك فلمك. ونبه العلايلي على أن ما تفرع على كل أصل ثلاثي لا يشترط أن يبلغ هذا العدد، كما نبه ابن جني أن هذه التقاليب لا تطرد. فإن (لمك) كما قال، لم تأت في ثبت (الخصائص 112).‏

وقد أتى العلايلي بأصل آخر أوضح فيه ما تصوره في تتابع الاشتقاق فقال إن (ز ف ن) أقدم صور هذا الثلاثي لأنها الأوفق للترتيب الهجائي ثم تولد منه (فنز) فـ (نزف) ثم (ز ن ف) وهو الأصل الثاني، وقد تشعب منه: (ن ف ز) فـ (ف ز ن).‏

وبحث العلايلي أمر الاشتراك المعنوي في تقاليب المادة ووجه الاختلاف بين دلالاتها، فقال: (فقد تقرر بما لا يحمل ريباً أن بين مواد الثلاثي الست جامعاً معنوياً، وإنما وجه الخلاف في الخصوصية) وأردف: (وعليه يمكن انتزاع الجامع المعنوي منه، أي من الأصل الثلاثي، وتعيين الخصوصية بمساعدة الثنائي الذي لا نظن في أمره مناقشة). وقد رام العلايلي بذلك أن ينبه على ما كان للاشتقاق الكبير من شأن في المد اللغوي. في مراحل تكامل اللغة وتناميها. أما قوله: (وتعين الخصوصية بمساعدة الثنائي) فهو ينم على أن لكل مادة من مواد الثلاثي الست ثنائياً خاصاً يميز معناه، ولا تشركه في هذا الثنائي مادة أخرى من هذه المواد. ولو صحّ أن يتحد (ثنائي) بين مادة وأخرى من ثلاثي، لاقتضى ذلك تقارب دلالتيهما، وهما مختلفتان. ويحد الثنائي في المادة حرفاه وترتيبهما، وموقعه من الحرف المزيد. ولا بد من إيضاح ذلك في نواح ثلاث:‏

الأولى: أن الجامع المعنوي للتقاليب لم يمنع من اختلاف دلالة كل تقليب عن دلالة سواه، وأن هذا الاختلاف مرهون باختلاف مواقع الحروف بعضها من بعض، أي باختلاف الثنائي وموقعه من الحرف المزيد.‏

الثانية: إذا صحّ أن الثلاثي إنما ينظر في دلالته، أصلاً، إلى المعاني الأولى لحروفه، وأنه أضحى مؤلفاً حرفياً موحد الدلالة مفرداً في مفهومه بعد أن كان مؤلفاً من وحدات لكل منها دلالة (أو من وحدتين: الثنائي والحرف المزيد) فإن وحدة المعنى في كل تقليب لم تبن على معاني حروفه وحسب، وإنما أُسست على ترتيب معين لهذه الحروف. حتى إذا اختلف الترتيب صير إلى تقليب آخر بدلالة مغايرة، ولو متّت هذه الدلالات إلى جنس من المعنى.‏

الثالثة: إذا استقر أن الثلاثي إنما ينظر بدلالته إلى معاني حروفه، فإن الثنائي يهدي بمعناه الموحد إلى فحوى الثلاثي الذي يبنى عليه فيكون دليلاً له. والثنائي إنما يعتمد في معناه كذلك على حرفيه الهجائيين فينم على دلالتيهما الأوليين مفردين، لكنه يتأثر، على كل حال، بموقع كل حرف من صاحبه. وتمس الحاجة بعد هذا إلى تعرف جنس المعنى لكل حرف من الجدول الهجائي يتتبع النصوص الدالة عليه واستقراء معاني الكلم. وهو ما يعقد عن تقصيه جهد فرد من الأفراد.‏

قال العلايلي (ومن هذا أصبح من الضروري أن نتكلم على تحديد معاني حروف الجدول بما تسمح به النصوص المحفوظة. فحرف الهمزة يدل على الجوفية وعلى ما هو وعاء للمعنى، ويدل على الصفة تصير طبعاً. والباء يدل على بلوغ المعنى في الشيء بلوغاً تاماً، 000210). ولكن هل تشف معاني الكلم عن هذه الدلالات حقاً؟ هذا ما لا مناص من محاولة الاهتداء إليه باستقراء لا يدخر عنه جهد، ولا تستوطأ فيه راحة.‏

3-الاشتقاق الكبير والقلب وفرق ما بينهما:‏

خاض الباحثون في شعاب الاشتقاق الكبير وبسطوا القول في القلب. وتداخل البابان حيناً في كلامهم حتى التأما وكأنهما باب واحد، لا سبيل إلى ميز بعضه من بعض. وهكذا مثلوا بـ (جذب وجبذ) للاشتقاق الكبير حيناً، وللقلب حيناً آخر بل أتوا به مثالاً لما جاء على هيئة المقلوب وليس بالمقلوب.‏

وقد جاء التهانوي في كتابه (كشاف اصطلاحات الفنون – 1844) بـ (جذب وجبذ مثالاً للاشتقاق الكبير ثم مثل به لما جاء على هيئة المقلوب وليس بالمقلوب فساوى بذلك بين هذا وذاك (21371)، على حين خالف بينهما في التعريف.‏

ومثل الشيخ عبد القادر المغربي في كتابه (الاشتقاق والتعريف 14) بـ(جبذ وجذب) للاشتقاق الكبير والقلب وجعل لهما تعريفاً واحداً.‏

وذهب الأستاذ سعيد الأفغاني في كتابه (أصول النحو 105) إلى نحو من ذلك فجعل (جذب وجبذ) مثالاً للاشتقاق الكبير.‏

ونحا الأستاذ عبد الله أمين في كتابه (الاشتقاق 154) هذا النحو فوحد بين المصطلحين في التعريف، وقد أسمى الاشتقاق الكبير بالقلب الاشتقاقي ومثل له بـ (جذب وجبذ) و(شجه وجشه).‏

فما حقيقة الأمر في ذلك كله؟‏

أقول ليس مصطلح (الاشتقاق الكبير) في مؤداه لديهم كمصطلح القلب. وأظهر دليل على ذلك أن ابن جني وهو مبتدع (الاشتقاق الكبير) بلا نزاع، قد أفرد في الخصائص باباً للقلب فجعل عنوانه (في الأصلين يتقاربان في التركيب بالتقديم والتأخير –1467). ومثل فيه بـ (جذب وجبذ) ووازن بينه وبين (يئس وأيس) وسواه، ولم يشر في ذلك إلى شيء مما عقد عليه الكلام حول ما أسماه (الاشتقاق الأكبر) أي الكبير. وكذلك فعل في كتاب (سر صناعة الإعراب 1219). فقد أتى بـ (آن وأنى) وذهب إلى احتمال أن يكون من أمثلة القلب أو مما جاء على هيئته، ولم يلمح إلى شيء مما يتصل بالاشتقاق الكبير. وهو قد خصّ هذا الاشتقاق في الخصائص (1525) بباب مثل فيه بـ (سلم) وتقاليبه الستة، وصنع مثل هذا في (كلم) و(قول) و(جبر) و(قسو) وتقاليب كل منها، ولم يتطرق إلى شيء مما جاء به في القلب في (باب الأصلين يتقاربان في التركيب بالتقديم والتأخير) من قريب أو بعيد. أفليس يدل الفصل بين (القلب) و(الاشتقاق الكبير) عند ابن جني، وإفراد كل ببحث وباب على حدة، كما رأيت، على أن بينهما من التغاير ما يوجب ميز أحدهما من صاحبه وتعرّف حال كل منهما واستبانة وجهه؟‏

4-ما الذي أراده الأئمة بالقلب اصطلاحاً‏

أراد الأئمة بالقلب غير ما راموه بالاشتقاق الكبير. فأمثلة القلب توحي بأن العرب قد عنوا ألفاظاً بعينها فتحركت ألسنتهم بما يجاورها نطقاً، فلم يخالفوا بين ما نطقوا به وما عنوه من الألفاظ في الحروف، لكنهم خالفوا في مواقع هذه الحروف بعضها من بعض. مثال ذلك قولهم (أيس)، وقد عنوا به (يئس) بمعنى قنط. وقولهم (أشاف) وقد عنوا به (أشفى) بمعنى أشرف. وقولهم (دهدهتُ الشيء) إذا حدرته وقد أرادوا به (هدهدت الشيء). وقولهم (أمضحلّ الشيء) قصدوا به (اضمحلّ) إذا انحلّ، و(اكرهفّ) قصدوا به (اكفهرّ) إذا عبس، وهكذا..‏

وهم لم يؤصلوا ما ازدحمت أحرفه على ألسنتهم فنطقوا به على هذا الوجه، فإذا طلبت في المعاجم (أيس) عدت إلى (يئس)، أو طلبت (أشاف) عدت إلى (أشفى) وهكذا الباقي غالباً. وأسموا (أيس) هذا مقلوباً و(يئس) مقلوباً عنه. وهم تصرفوا في المقلوب غالباًُ لكنهم حدّوا هذا التصرف فلم يتخذوا للأفعال المقلوبة مصادر من جنسها لانتفاء موادها. فقالوا (أيس يأساً) ولم يقولوا (أيس أيساً).‏

فالمقلوب والمقلوب عنه لفظان ترادفاً معنى واتحدت حروفهما ولكن اختلف ترتيبها. ومن ثم كان القلب غير الاشتقاق الكبير. فليس في هذا أي الاشتقاق الكبير، وحدة في المعنى بين تقليب وتقليب ولو كان بينهما جامع، وإنما يتغير المعنى بتغير مواقع الحروف. وكل تقليب هو أصل منصوص عليه نحو كلم وملك وكمل عدا ما كان منه مهملاً. وليس للمقلوب (كأيس) أصل منصوص عليه، وإنما هو محمول على ما اعتدّوه أصلاً له وهو (أيس).‏

ولا بد من التنبيه على أن القلب قد جاء على غير الأصل. ذلك أن الأصل فيما اختلفت مواقع حروفه، كما اتضح في الاشتقاق الكبير، أن يختلف معناه خلافاً للمقلوب. وإذا اتفق في اللغة أن يقع الترادف بين لفظين اختلفت حروفها، أو اتفقت حروفهما وتغير ترتيبها. فليس هذا هو الأصل والغالب.‏

5- نصوص الأئمة وكلام الباحثين في القلب‏

جاء في شرح الشافية (123) للرضيّ تعقيباً على كلام ابن الحاجب حول الفارق بين المقلوب والمقلوب عنه: (ولعلّ مراده – أي ابن الحاجب – أنه إذا كانت الكلمتان بمعنى واحد ولا فرق بينهما إلا بقلب حروفهما، كانت إحداهما صحيحة مع ثبوت العلة فيها دون الأخرى كأيس مع يئس، فالصحيحة مقلوبة من الأخرى). فأشار الرضي صراحة إلى وحدة المعنى في القلب. فإذا افترق المعنى لم يكن قلباً. فقد اعتد ابن الأعرابي مثلاً أن (غرس) و(رغس) من المقلوب ذهاباً إلى أن معناهما واحد. فرد ابن سيده فقال في المخصص (1428): (والمعروف أن الغرس في الشجر كالزرع في الحب، وأن الرغس النماء والبركة وقد رغسه الله)، ففي الصحاح (رغسه الله مالاً.. أي أكثر له وبارك له فيه)، ومن ثم كان كل منهما أصلاً، واختلاف مواقع الحروف مؤذن باختلاف المعنى.‏

واستدلوا على القلب بوحدة المعنى وتغيير مواضع الحروف. قال الزجاجي في شرح أدب الكاتب (على ما جاء في المزهر –1285): (ذكر بعض أهل اللغة أن الجاه مقلوب من الوجه واستدل على ذلك بقولهم وجه الرجل فهو وجيه إذا كان ذا جاه، ففصلوا بين الجاه والوجه بالقلب). وجاء في مفردات الراغب (وقال بعضهم الجاه مقلوب عن الوجه، لكن الوجه يقال في العضو، والجاه لا يقال إلا في الحظوة)، والمعنى واحد.‏

وفي الهمع (2224): (قال أبو حيان: القلب تغيير حرف مكان حرف بالتقديم والتأخير) وكل ما جاء به من الأمثلة على اتفاق المعنى بين اللفظين.‏

وقد ذهب بعض الباحثين إلى احتمال تغير المعنى في القلب. قال جرجي زيدان في كتابه (الفلسفة اللغوية والألفاظ العربية 59): (القلب هو عبارة عن تقديم أو تأخير أحد حروف اللفظ الواحد مع حفظ معناه أو تغيره تغيراً طفيفاً).‏

وقال الشيخ عبد القادر المغربي في كتابه (الاشتقاق والتعريب): (القلب ويقال له الاشتقاق الكبير، وهو أن يكون بين اللفظين تناسب في اللفظ والمعنى دون الترتيب مثل فعل جبذ المشتق من مادة الجذب. فإن الحروف في المشتق هي عينها في المشتق منه. والمعنى فيهما متناسب 14) وأردف: (ومهما كان معنى جذب وجبذ واحداً فلا بد أن يكون في أحدهما شيء من المعنى لم يلاحظ في الآخر 15).‏

قلت الذي أريد بالقلب هو وحدة المعنى كما أسلفنا، خلافاً لما جاء به زيدان، وقد أوردنا عليه الشواهد وأقوال الأئمة. وأما نزوع المغربي إلى تعريف القلب والاشتقاق الكبير بقوله (القلب ويقال له الاشتقاق الكبير، وهو أن يكون..) ففيه نظر. فالاشتقاق الكبير غير القلب كما أوضحنا، والتعريف الذي جاء به إنما هو الاشتقاق الكبير دون صاحبه، وأما مثال (جذب وجبذ) فسيأتي تفصيل الكلام فيه.‏

وقد يمم الأستاذ عبد الله أمين في كتابه (الاشتقاق) سمت المغربي وقصد قصده في التعريف، وقد أسمى الاشتقاق الكبير بالكبار، فقال: (الاشتقاق الكبار هو انتزاع كلمة من كلمة أخرى بتغيير ترتيب بعض أحرفهما بتقديم بعضها على بعض مع تشابه بينهما في المعنى، واتفاق في الأحرف)، وأردف (ويسمى هذا الاشتقاق قلباً لغوياً تمييزاً له من القلب الصرفي الإعلالي.. وقد أسميت هذا القلب، القلب الاشتقاقي لأنه من مباحث علم الاشتقاق، وأكثر ما يكون القلب في الكلمات الثلاثية وبصيغتين في المادة الواحدة مثل جذبه وجبذه إذا شده إليه، وشج رأسه وجشه إذا كسره). وقال في موضع آخر: (الاشتقاق الكبار أو الأكبر أو القلب اللغوي.. أن تعمد إلى كلمة فتشتق منها كلمة فأكثر بتقديم بعض الحروف على بعض دون زيادة أو نقص، مع الاتحاد في المعنى، وأكثر ما يكون الاشتقاق الكبار أو القلب في الكلمات الثلاثية، وأول من عرّفه إمام الأئمة أبو الفتح عثمان بن بزجني..376).‏

وهكذا جعل الأستاذ أمين القلب والاشتقاق الكبير سيّين وهما متغايران كما رأيت. وقد قال بتشابه المعنى بين التقليب والتقليب أو المقلوب والمقلوب عنه: (مع تشابه بينهما في المعنى). ثم عدل عن ذلك فقال بوحدة المعنى فيهما قائلاً (مع الاتحاد في المعنى)، فأوقع القارئ في حيرة وجعله من أمره على تردد.‏

ولست أدري هل ذهب أحد إلى اتفاق المعنى في تقاليب المادة في الاشتقاق الكبير، وهل جاء أن كلم مثل ملك في معناه، وملك مثل كمل في فحواه، وقوس مثل سوق، وسلم نحو ملس.. وإنما تتجلى وحدة المعنى في القلب دون الاشتقاق الكبير، كقولك يئس وأيس، وأشفى وأشاف، واضمحل وامضحل واكفهر واكرهف.. وإذا كان ابن جني قد أوهم بـ (وحدة المعنى) في تقاليب الثلاثي حين قال (1526): (فهو أن تأخذ أصلاً من الأصول الثلاثة فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحداً) فقد قصد بقوله هذا ما تردّ إليه دلالات هذه التقاليب، على اختلافها، من جامع معنوي واحد. قال ابن جني (1 527): (وذلك أنا عقدنا تقاليب – الكلام – الستة على القوة والشدة، وتقاليب – القول على الإسراع والخفة) وهو جلي لا وجه فيه للبس أو إبهام.‏

6- المقلوب وما جاء على هيئته‏

ذهب كثير من الأئمة إلى بيان الفرق بين ما تصوروا أنه مقلوب، وما قدروا أنه جاء على هيئة المقلوب، وليس هو كذلك. ومثلوا للأول بـ (آن) فهو مقلوب من (أنى)، و(أيس) فهو مقلوب من (يئس). ومثلوا للثاني بـ (جذب وجبذ) فكل منهما أصل، وليس أحدهما مقلوباً من صاحبه.‏

فإذا جاء لفظان بمعنى وليس بينهما في التركيب إلا تغيير مواضع الأحرف نُظر، فإذا أمكن أن يعتد أحدهما أصلاً والآخر فرعاً يحمل عليه، كان الفرع مقلوباً من الأصل. ولا يكون ذلك إلا بدليل ثابت. وأظهر دليل يمكن التعويل عليه أن يتسع التصرف في أحدهما ويضيق في صاحبه فيكون أكثرهما تصرفاً هو الأصل والآخر مقلوباً عنه. قال ابن جني في الخصائص (1467): (وذلك كقولهم أنى الشيء يأني، وآن يئين. فآن مقلوب عن أنى، والدليل على ذلك وجود مصدر أنى يأني وهو الأني، ولا تجد لآن مصدراً كما قال الأصمعي). وأردف: (فلما انعدم من – آن – المصدر الذي هو أصل الفعل علم أنه مقلوب عن أنى يأني إنى). ثم استدرك فقال: (غير أن أبا زيد قد حكى لآن مصدراً وهو الأين، فإن كان الأمر كذلك فهما إذاً أصلان).‏

أقول: يعني هذا أنه إذا استكمل كل تصرفه كان كلاهما أصلاً ولم يكن أحدهما مقلوباً عن صاحبه، ولو اتحدا معنى.‏

وجعلوا (أيست من كذا) مقلوباً من (يئست). ذلك أنهم حكوا لـ (يئس) مصدراً هو (اليأس واليآسة) ولم يحكوا لـ (أيس) مصدراً من لفظه قط، فثبت أنه مقلوب من (يئس) على أنهم أتوا لقلب (أيس) بدليل آخر. وذلك أن من حق (أيس) في الأصل أن يُعلّ فتقلب ياؤه ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها فتقول (آس) كما تقول (خاف)، و(إست) كما تقول (خفت).‏

فبقاء الفعل صحيحاً على (أيس) دون إعلال، نمّ على أنه مقلوب. قال الرضي في شرح الشافية (123-24): (ولعل مراده أنه إذا كانت الكلمتان بمعنى واحد ولا فرق بينهما إلا بقلب حروفهما، فإن كانت إحداهما صحيحة مع ثبوت العلة فيها دون الأخرى كأيس مع يئس، فالصحيحة مقلوبة من الأخرى).‏

وقد قصد بقوله (وإن كانت إحداهما صحيحة)، أيس، فقد بقيت صحيحة غير معلّة. على أنه ليس (صحة الكلمة) في الأصل، أي عدم إعلالها، نصاً في كونها مقلوبة، كما أشار إليه الرضيّ في شرحه.‏

قال ابن جني: (ومن المقلوب: امضحل وهو مقلوب من اضمحل، ألا ترى أن المصدر إنما هو على اضمحل، وهو الاضمحلال، ولا يقولون: الامضحلال. وكذلك قولهم: اكفهرّ واكرهف، فالثاني مقلوب عن الأول لأن التصرف وقع على اكفهر ومصدره الاكفهرار، ولم يمرر بنا الاكرهفاف).‏

فإذا تصرف اللفظان تصرفاً واحداً فقد قضوا بأنهما أصلان، وليس أحدهما مقلوباً عن الآخر، وهو ما عنيناه بقولنا إنه جاء على هيئة المقلوب وليس هو بالمقلوب. قال ابن جني (1246): (فمما تركيباه أصلان لا قلب فيهما قولهم جذب وجبذ، وليس أحدهما مقلوباً عن صاحبه، وذلك أنهما جميعاً يتصرفان تصرفاً واحداً نحو: جذب يجذب جذباً فهو جاذب، والمفعول مجذوب. وجبذ يجبذ جبذاً فهو جابذ والمفعول مجبوذ) وأردف: (فإن جعلنا مع هذا أحدهما أصلاً لصاحبه فسد ذلك لأنك لو فعلته لم يكن أحدهما أسعد بهذه الحال من الآخر. فإذا وقفت الحال بينهما ولم يؤثر بالمزية أحدهما وجب أن يتوازيا).‏

وجاء في هامش الصحاح: (وأما ما يسميه الكوفيون نحو جبذ وجذب فليس هو بقلب عند البصريين، وإنما هو لغتان. وقال السخاوي في شرح المفصل: إذا قلبوا لم يجعلوا للفرع مصدراً لئلا يلتبس نحو يئس يأساً وأيس مقلوب منه، ولا مصدر له، وإذا وجد المصدران حكم النحويون بأن كل واحد من الفعلين أصل، وليس مقلوباً عن الآخر نحو جبذ وجذب. وأهل اللغة يقولون إن ذلك كله مقلوب).‏

وقد أجمل التهانويّ صاحب (كشاف اصطلاحات الفنون) كلام الأئمة في ذلك (21171) فقال: (ويطلق القلب عندهم على تقديم بعض حروف الكلمة على بعض، ويسمى قلباً مكانياً، نحو آرام فإن أصله أر آم، كما في الشافية وشرحها للرضي، وعلامة صحة لقلب المكاني أن يكون تصاريف الأصل تامة بأن يصاغ منه فعل ومصدر وصفة، ويكون الآخر ليس كذلك، فيُعلم من عدم تكميل تصاريفه أنه ليس بناء أصلياً).‏

فدلّ هذا على أن جمهرة المحققين من النحاة على أنه إذا استوت الكلمتان في التصرف كانت إحداهما لغة في الأخرى وليست مقلوبة عنها كما هو الحال في جبذ وجذب.‏

7-كيف يستدل على صحة القلب؟‏

يُفهم مما ذكر أن في الحكم على (جذب وجبذ) مذهبين:‏

الأول: أنه مثال للقلب وأن جذب هو الأصل فهو المقلوب عنه، وجبذ هو الفرع فهو المقلوب، وعليه صاحب الصحاح. قال الجوهري: (الجذب المدّ، يقال جذبه وجبذه على القلب). فإذا صحّ هذا ثبتت أصلية (الجذب) وانتفى (الجبذ) بناء أصلياً. قال صاحب المقاييس (الجيم والباء والذال، ليس أصلاً لأنه كلمة واحدة مقلوبة، يقال جبذت الشيء: جذبته).‏

والثاني: أنهما أصلان وليس أحدهما مقلوباً عن الآخر. فإذا صحّ هذا ثبتت أصلية (الجذب) و(الجبذ)، وعليه ابن جني، وقد استدل على ذلك بأن العرب قد تصرفت فيهما تصرفاً واحداً. وأخذ بهذا كثيرون، وعليه جمهرة النحاة. وفي التهذيب أن الجبذ لغة تميم.‏

وأنت ترى مما تقدم أن الأئمة لم يعولوا في الحكم هاهنا على (المعنى) ولم يتطرقوا إليه. ولست أجازف في القول إذا عجت بـ (المعنى) فاتخذته معياراً يقتاس به.‏

وإني لأذكر ما قاله أبو حيان التوحيدي في كتابه (البصائر والذخائر – 1175) حول تعويل النحاة في تحقيق مسائلهم على المعنى. قال أبو حيان: (سمعت شيخاً من النحويين يقول المعاني هي الهاجسة في النفوس المتصلة بالخواطر والألفاظ ترجمة للمعاني. فكل ما صحّ معناه صحّ اللفظ به، وما بطل معناه بطل اللفظ به).‏

فالأصل عندي فيما جاء على القلب أن يتحد فيه معنى المقلوب والمقلوب عنه كما أسلفنا، فإذا صحّ هذا فيما حكاه الأئمة عن معنى (الجذب والجبذ)، كان الجبذ مقلوباً من الجذب. والأكثر في المقلوب أن يقصر عن المقلوب عنه في تصرفه. بل الغالب أن تسقط تصاريفه فتبقى منها بقية تدل عليه لمجيئه على غير الأصل. ولكن ليس يمتنع أيضاً أن يأتي القلب بلفظ فيشيع ويجري على الألسنة فيستتم تصرفه أيضاً، وتكون مطابقة معناه للأصل شاهداً على صحة القلب، كما تكون كثرة التداول دليلاً على أصلية هذا الأصل.‏

والغالب فيما حكاه الأئمة أن الجذب والجبذ بمعنى.‏

وإذا اختلف المعنيان، والأصل في اللفظين إذا اتحدت حروفهما واختلفت فيهما مواقعها أن يختلف معناهما، كانا أصلين متساويين في تصرفهما، ولكن إذا صحّ في اللغة أن يتعاقب على المعنى مثل هذين اللفظين فيكون أحدهما لغة في الآخر، كما حكي عن الجبذ أنه لغة تميم، فليس ذلك هو الغالب والأصل، ويرد ذلك إلى اختلاف اللهجات. وقال الرضي في شرح الشافية (124): (فإن ثبتت لغتان بمعنى يُتوهم فيهما القلب ولكل واحدة منهما أصل كجذب جذباً وجبذ جبذاً، لم يحكم بكون إحداهما مقلوبة من الأخرى). وكلام الرضي هذا ظاهر الاستقامة إذا كان الحكم بأصلية اللفظين قد ترتب على استيفائهما التصرف، ولكن يختلف الأمر إذا ذهبنا إلى أن وحدة المعنى فيهما هي المعيار في الحكم بصحة القلب واستبعاد خلافه.‏

وقال المغربي في كتابه (الاشتقاق والتعريف 15): (ويجري التنبيه على شيئين: الأول أن الكلمة الأكثر شيوعاً وتداولاً تجعل الأصل المشتق منه، والأخرى الأقل شيوعاً تجعل مشتقاً. فمن ثم كان الجذب هو الأصل والجبذ هو الفرع المشتق،.. والثاني أنه مهما كان معنى جذب وجبذ واحداً فلا بد أن يكون في أحدهما شيء من المعنى لم يلاحظ في الآخر). أقول: إذا ثبتت صحة القلب في (جذب وجبذ) فلا شكّ أن مدار الحكم بأصلية الأصل، على شيوع اللفظ. لكن هذا مرهون باتحاد المعنى لا باختلافه. وخلاصة الأمر أنه إذا كان الاشتقاق الكبير ذريعة إلى المد اللغوي خلال مراحل ارتقاء اللغة وتكاملها، وإن لم يطرد في صوره أو يتفق في كل ثلاثي، وأنه جاء على الأصل حين تعاقبت صور المادة فيه على جنس من المعنى لاتحاد حروفها، وحين اختلفت معاني هذه الصور لاختلاف مواقع حروفها، أقول إذا صح هذا في الاشتقاق الكبير فإن القلب قد عري من ذلك البتة. وقد جاء على غير الأصل، وكان النحاة منه على تردد ومن أمره على خلاف. وقد أبطله ابن السكيت وأثبته البصريون ولكن في مشتقات المعاني كما في (جرف هار وهائر) دون الأفعال والمصادر، خلافاً للكوفيين. وكأن مرد القلب إلى تزاحم أحرف الكلمة وتسابقها على اللسان، كما قال العلايلي في مقدمته (214). وإذا كانت العربية قد أقرته حيناً كما قال أبو حيان (الهمع – 2225) فقد أسقطت شيئاً من تصاريفه في الغالب، وبقيت منها بقية تدل عليه. هذا و(هائر) من هار الجرف يهور هوراً فهو هائر. وقد قلب فقيل (هار)، خفضوه في موضع الرفع. وليس ثمة (هرا) بهذا المعنى فيكون منه (هار)، وإنما هو مقلوب من (هائر)، كما كان (شاكي السلاح) مقلوباً من (شائك السلاح).‏

وقد قيل في تصغير (هار) هويئر، فردوه إلى أصله لأن هذا تصغير (هائر). أما تصغير (هار) على لفظه فهو (هوير) لا (هويئر)، كما قالوا في تصغير (غاز) غويز و(قاض) قويض.‏

8-أيقع القلب اصطلاحاً في الثنائي المضاعف‏

قصدنا بالمضاعف ما تآلف من حرفين ضوعف ثانيهما، نحو: (درّ) و(برّ)..‏

وقد أسمى الخليل في معجمه (العين) نحو (درّ) بالثنائي المضاعف لتألفه من حرفين، ولو أصبحا بمضاعفة الأخير ثلاثة أحرف. كما أسمى المضاعف (دردر) ثنائياً لتكرر الحرف فيه، وجعل (دثر ودرن ودفر) ونحوها هو الثلاثي.‏

وجاء في حاشية الجزائري على خطبة الكافي (4748): (وقد التزم الراغب الأصفهاني أن يبدأ بالمضاعف.. وكأن لذلك سببين: أحدهما أن عنوان الفصل ينطبق على المضاعف.. فإن دخول – برّ – في فصل الباء مع الراء، أظهر من دخول برأ.. والثنائي مقدم على ما فوقه وهو سبب لفظيّ.. والثاني: هو أن المضاعف هو الأصل في كل معنى، وهذا سبب معنوي جدير بالمراعاة). فإذا استقرّ هذا فهل ثمة ما يمنع أن يجري القلب (باصطلاحه المعروف) في المضاعف خاصة؟ أقول يندر ذلك لسببين: الأول أن شرط القلب أن يتعاقب المقلوب والمقلوب على معنى، فكيف يصح هذا واختلاف مواقع الحرفين فيهما مؤذن باختلاف المعنيين؟‏

الثاني: إذا كان مردّ القلب غالباً إلى تزاحم الأحرف على اللسان فهل يصحّ أن يكثر ذلك فيما تألف من حرفين؟ وقلما مثل الأئمة للقلب بالمضاعف حقاً.‏

ولكن إذا تجاوزنا القلب بحدّه الاصطلاحي المذكور وعنيناً به معناه اللغوي فأين يمكن أن تقع دلالة المقلوب عنه من دلالة المقلوب، إذا كان اتحاد حرفيهما موجباً لاتفاق دلالتيهما وكان اختلاف موقعيهما مؤذناً بتغايرهما؟‏

9-العلاقة بين دلالة اللفظ ومقلوبه هل هي علاقة تضاد؟‏

ذهب أحد الباحثين في الدورة العالمية الخامسة (للسانيات)، وقد عقدت بدمشق في صيف عام (1980م و1399هـ )، إلى أنك إذا ترصدت اللفظ ومقلوبه عامة ألفيتهما على معنيين متضادين. والباحث هو الأستاذ محمد عنبر، وقد كتب في تقرير مذهبه هذا رسالة مطولة تقع في نحو ستمائة صفحة، وجعل عنوانها (الحرف العربي أو ديالكتيك الألفاظ).‏

وقد أهدى إلى مجمع اللغة العربية بدمشق نسخة منها وطالب بإعمال النظر فيها والإيعاز في طبعها. ولا أعلم أن المجمع قد فرق له رأي فيما جاء به الباحث، ولعله يفعل ذلك فيعلنه في عدد قادم من مجلته الفصلية.‏

أقول خلوت إلى الكتاب واستفضلت له شيئاً من وسعي فتصفحت بعض ما فيه وابتغيت معالمه وتلمست سره، فأكبرت جهد الأستاذ وأعظمت ما تكلف في تحقيق مطلبه من صعد، وتحمل في التماس الوسائل إليه من نصب ورهق. وإذا كنت لم أمل إلى مذهبه أو أنزع إلى مقالته، فلا شكّ أنه أعدّ للأمر عدته وتذرع له بذرائعه وتآدى بأداته. وفي ذلك ما فيه من خدمة العربية. وإنما يستبين خصوص اللغة بكثرة البحث ويتكشف سرها ومكنونها بموالاة الدرس.‏

ولم يمنعني من متابعة المؤلف ومجاراته أنه قد جنح إلى مذهبه طريف تفرد به فلم ينح فيه نحو أحد من الباحثين فيسلك طريقته ويقفو أثره ويطأ مواضع قدمه، فقد يهدي جهد الباحث، فيما يطلب، إلى ما لم يسبق به حدس، ويقتاد إلى ما لم يسنح في فكر أو يخطر في بال. لكني تدبرت ما جاء به من أدلة، وروأت فيما ساق من حجج وبسط من شواهد، فألفيت فيها موضعاً للقول ومحلاً للنظر، فأردت أن أدلي في ذلك برأيي، استقصاء للبحث في باب يتسع فيه القول وتتشعب وجوهه.‏

-وطأ المؤلف بادئ الرأي لبحثه فذهب إلى أن في كل لفظ وجهين مجتمعين، فهو من حيث الصوت حركة طبيعية.. ومن حيث المعنى سمة إنسانية. ومن حيث أنه صوت ومعنى يجمع الطبيعة والإنسانية جميعاً (ص5). وكلامه هذا سديد. وقد بسطت القول فيه، في مقال عقدته في المجلة حول نشوء اللغات عامة، ومذهب الأرسوزي فيه خاصة.‏

-وتحدث عن الثنائي والثلاثي في نشوء العربية وتناميها فقال: (فالثنائي هو الأصل في العربية، والخلية الأولى موطن التشابه الأول في الاحياء. أما الثلاثي فهو الذي يؤرخ وجه الإنسانية فيها. فالألفاظ الثلاثية تعبر عن السمة الإنسانية السوية التي جاءت في أحسن تقويم.. والثلاثي قائم على جهة الثنائي الأصل، ولم يخرج عليها. وقد اعتبره أهلها أصلاً لكل ما يقبل التصرف فيها 4). وكلام المؤلف فيه واضح، وقد طوينا على ذلك باباً من مقالنا السابق، في بسط هذا الموجز وتقريب بعيده.‏

-وأجرى المؤلف الكلام على المعنى الذي يعد (أصلاً) في المادة، فتتشعب عنه دلالاتها فقال: (ولعل الأصول الأولى في اللغات بمثابة العناصر الأولى في المادة، فكما أن من الممكن أن تتولد من هذه العناصر أصناف لا حد لها من التراكيب، فإن من الممكن أيضاً أن تتولد في اللفظ الواحد معان لا نهاية لها بطريق المجاز. وما المعاني الواردة في المعجمات تحت كل مادة من موادها إلا مجازات يمكن أن تزداد زيادة لا حدود لها)، وأردف: (والذي دعا إلى التقيد بما ورد من معان في كتب اللغة أن هذه المعاني جاءت موصولة الرحم بأصلها، وثيقة الصلة بأصلها الأول الذي صدرت عنه وبنيت عليه. وقد صدرت.. صدور الماء من الينبوع 14). قلت كلام المؤلف في هذا سديد، وهو متصل بما عقدناه في المجلة حول تدرج معاني الكلم، والاشتقاق.‏

-وقال المؤلف: (وإذا جاء عنهم أن الأصل في ذلك هو كذا، فإن هذا الأصل المنصوص عليه لا يعدو أن يكون من باب التقريب، ولإيضاح وجهة اللفظ أكثر مما هو من باب التحديد والتعيين 14). ورأي الأستاذ في هذا وجيه أصيل لا غبار عليه. ولكن كيف السبيل إلى (الكشف عن الأصل) في كل مادة؟‏

-التمس المؤلف إلى بغيته في ذلك وسيلة طريفة ومساغاً جديداً فقال: (والطريق إلى معرفة الأصل هو معرفة الأضداد 15). وهو لا يعني بالأضداد ما اتفقت وجهة الأئمة فيه أو غلب رأي جمهورهم أو أجمع، على الأخذ به، بل قصد شيئاً آخر فقال: (فهل هذه الأضداد هي الأضداد المعروفة والموجودة في كتب اللغة والتي هي في مثل قولهم: العلم ضد الجهل، والشك ضد اليقين، والظلام ضد النور)، وأردف: (ان هذه الأضداد ليست هي الأضداد المقصودة هنا وهي ليست بالأضداد القائمة في الألفاظ ذاتها، ويمكن أن يقال عنها انها أضداد تقليدية. وقد يعجب القارئ من هذا الكلام. فالموضوع ليس إنكار التضاد القائم بينها، لأن ما نحن بصدده إنما هو الأضداد المتقابلة التي تؤلف السداة واللحمة في نسيج هذا الوجود القائم. والأضداد المتعارف عليها ليست كذلك 85 و16). فهو قد تذرع إلى ضبط معنى الألفاظ عامة بالبحث عن أضدادها المتقابلة فقال: (وكذلك يمكن تحديد معنى الألفاظ كلها في هذه اللغة بمقارنتها بأضدادها.. وبهذه المقارنة يكون الوصول إلى كلمة الفصل في الموضوع 27).‏

-وهو لا يروم بالمعنى (الأصل) ما أراده الأئمة، وإنما يبغي به ما أسماه (وجهة المعنى أو اتجاهه). فانظر إليه يقول: (هل لهذا المعنى – الأصل – في صورته الأولية وجود مستقل عن الوجهة، أم أن وجوده في الوجهة ذاتها، أو هو الوجهة ذاتها 46). ويقول أيضاً: (فاللفظ الأصل يتجلى وجوده في اتجاهه 47).‏

-ويذكّر هذا بمقالة أصحاب المنطق في أن لكل قضية مادة ووجهة. فمادة القضية كيفيتها، أما وجهتها فهي نسبتها إلى سلب أو إيجاب. وإذا كان الاختلاف بين الكيفيتين يصير إلى التضاد، فالاختلاف بين الوجهتين يؤول إلى التنافي. والتقابل بين السلب والإيجاب، أقوى من التقابل بين المتضادين.‏

-ولا يتأتى أو يتسنى الكشف هنا عمّا أرده المؤلف بقوله (الأضداد المتقابلة) وقوله (وجهة المعنى أو اتجاهه) حتى نعرض لأمثلته التي ساقها في تأييد مذهبه وتوثيق حجته، فنبلو سرها ونتعرف كنهها وفحواها.‏

-وقد اقتصرنا فيما أوردناه من كلام المؤلف على ما عرض فيه للناحية اللغوية، وأقصرنا بل أمسكنا عمّا نحا فيه نحو الفلسفة لئلا يعدل بنا عمّا نحن فيه من البحث اللغوي الصرف، فيلتبس على القارئ وجهته فيكون منه على غمة وحيرة.‏

من ذلك قول المؤلف: (اليوم في مجلس كبار علماء الطبيعة أنهم يقتفون في مختبراتهم أثر اكتشاف جديد هائل.. ألا وهو اكتشاف ما يسمى – مضاد المادة – ويعني وجود مضاد المادة فناء لكل مادة، والعكس صحيح في حالة تواجههما. ويؤمن كثير من العلماء إيماناً عميقاً بوجود مضاد المادة.. حتى انه يظن أن الضدين – المادة ومضاد المادة – قد خلقا في آن واحد، ساعة خلق هذا الكون. ومن نفس الأصل، وربما كان لها نفس تطور المادة، ولكنها لا تحمل شيئاً من صفات المادة المتعارف عليها. وتركيبها الفيزيائي والذري يماثل تماماً تركيب المادة التي نعرفها، ولكن بطريقة معاكسة.. 29). وقوله: (في الملاحظة الآنفة الذكر اتساق مع منطق الجدلية التي ينطق بها هذا الحرف العربي ويعلنها نظام ألفاظه في تركيب كلماته. فاللفظ يحوي ضده في ذاته، وضده في ذاته ذو اتجاه يعاكس اتجاهه..30).‏

وخير ما نستعين به لإيضاح مذهب المؤلف وإماطة حجابه والإفصاح عن مضمونه، أن تأتي بما أورده من الأمثلة مستظهراً بها على سداد منهاجه وصدق دعواه، فنعمد إلى تأملها واختبارها لنبت فيها حكماً ونبرم رأياً.‏

10-دلالة المقلوب في الثنائي المضاعف‏

-مثل المؤلف في (محاضرته) للمضاعف بـ (جنّ ونجّ) فقال: (وهذا الكشف الذي يظهر أوّل مرة في العالم سبق للعلاّمة ابن جني أن قال ان جميع تقليبات اللفظ تتجه إلى صفة واحدة، أي أن لفظ – جن – يتجه في جميع تقليباته إلى الستر) وأردف (ولو قال إن جّنّ تعني الاستتار، ونجّ تعني الظهور من قولهم تجّت القرحة إذا خرج منها ما فيها من قيح، وبرز، وعمم ذلك على ألفاظ العربية لكان للأمر شأن آخر، ولكنه لم يصل إلى ذلك. وهذا الكشف ينتهي إلى قانون: ضد اللفظ قائم فيه. والجديد فيه جانبه اللغوي. أما القانون نفسه فهو معروف قديماً).‏

أقول: فيما حكاه المؤلف في (محاضرته) عن ابن جني نظر. وهو لم يذكر الموضع الذي نقل منه هذا القول. ذلك أن المقصود هاهنا مشتقات اللفظ لا تقاليبه. فالتقاليب عند ابن جني كما رأيت هي الصور الحاصلة بتغيير مواضع الأحرف في المادة، وهي للثلاثي ستة تقاليب، أما للمضاعف فتقليبان لا ثالث لهما.‏

وحكى المؤلف (في كتابه 115) نحواً من هذا عن ابن فارس في المقاييس، والحكاية صحيحة.‏

قال المؤلف: (ولكنه حين قال: إن الجيم والنون تدلان أبداً على الستر، قد قال نصف الحقيقة فقط، فهما كذلك حين تكون الجيم أولاً والنون آخراً. أما حين ينعكس الأمر وتكون النون أولاً والجيم آخراً، فإن الآخر ينعكس وتصبح – ن ج – للبيان والظهور).‏

والذي يعنينا من المسألة الجانب اللغوي. فـ (جنّ) تعني (ستر)، لا شك في ذلك. ففي الصحاح: (جننت الميت وأجننته واريته، وأجننت الشيء في صدري أكننته. وأجتنت المرأة ولداً، والجنين الولد ما دام في البطن). ولكن ما الذي يعنيه مقلوب (جنّ) وهو نجّ)؟‏

قال صاحب المقاييس: (النون والجيم أصل يدل على تحرك واضطراب وشبيه ذلك)، ثم قال: (ونجّت القرحة سالت). ولم يذكر للمادة أصلاً معنوياً آخر. والذي سال وتحرك دم الجرح أو مدته أي قيحه. قال الجوهري: (نجّت القرحة تنجُّ بالكسر نجيجاً سالت بما فيها).‏

وقال ابن القوطية: (ونج الجرح نجيجاً سال دمه) وجاء في التاج (ونجّ أسرع فهو نجوج) وإذا التبس معنى المضاعف الثنائي عُوّل على المضاعف الرباعي، كما فعل المؤلف نفسه في مواضع كثيرة من أمثلته، فما معنى (تجنج)؟‏

قال الجوهري في الصحاح:‏

(نجنجت الرجل حركته.. ونجنج إبله إذا رددها على الحوض.. والنجنجة ترديد الرأي.. والنجنجة الجولة عند الفزع).‏

ونحو من ذلك ما جاء في اللسان والتاج. ففي اللسان (النجنجة التحريك والتقليب، ويقال نجنج أمرك فلعلك تجد إلى الخروج سبيلاً). وفي التاج: (نجنج إذا حرّك وقلب، وتنجنج: تحيّر واضطرب).‏

فـ (نجّ) إذاً لا يعني ظهر ولا برز، كما تراءى للمؤلف، وإنما يعني تحرّك واضطرب وسال وجرى وعدا، هذا معناه وهذه وجهته. ونجنجه حركه وقلبه. فكيف يكون (نج) هذا مضاداً لـ (جنّ) الذي يعني (الستر) أو جارياً في عكس وجهته؟‏

ولا شك أن باب الأمر في هذا تحقيق أصل المعنى ووجهته، لا ما بدا منه وسنح أول وهلة. أو ليس حد الأصل أن يتأتى رد الفرع إليه؟ فإذا كان أصل المعنى في (نج) برز وظهر، كما ذهب إليه المؤلف، فهل يتسنى أن تعزو إليه (نجّ: أسرع فهو نجوج، ونجنج إذا حرّك وقلّب، وتنجنج إذا تحيّر واضطرب)؟‏

أقول هذا إذا تذرعنا باستقراء معاني كل من (جنّ) و(نجّ). فإذا عجنا بوسيلة أخرى هي (التحليل) فحاولنا تدبر المعنى الذي يمكن أن يكون عليه من اللفظين بالعودة إلى حرفيهما ومراعاة موقع كل من صاحبه، خلصنا إلى ما وراء الدلالة التي عزيت إليهما. ولكن لا بد هاهنا من التعويل على (الحدس) والحدس كما لا يخفى أول الكشف، والسبيل إليه.‏

فإذا توسلنا بالتحليل القائم على الحدس (وحدسُنا هذا مسنون لا عبث فيه ولا رجم) كان لا مناص من معرفة الدلالة الأولى للجيم والنون، وما يترتب على تعاقب هاتين الدلالتين في تأليف معنى اللفظ.‏

أما (الجيم) فيبدو أنها تعني (التحرك) كما يتضح من (أجّ و بجّ و حجّ و دجّ و رجّ و زجّ وضجّ و عجّ و مجّ ونجّ وهجّ)2.‏

وأما (النون) فتدل على الستر والخبء والتطامن والضعف، كما يتضح ذلك من (أن وجن وحن ودن وذن ورن وشنّ وصنّ وضن وظن وغن وكن ومن وهن)3.‏

وسترى أن الحرف الثاني، المشدد، هو الذي يطغى على معنى اللفظ، وإن شف هذا المعنى عن دلالة الحرفين جميعاً، ومن ثم أتينا للاستدلال على معنى الجيم بما انتهى من المضاعف بهذا الحرف، وعلى النون بما ختم من المضاعف بالنون.‏

فمعنى (جن) على هذا أن شيئاً متحركاً قد اختبأ واستتر، وهو واضح في معنى (الجنين) و(الجنّ)، ومعنى (نجّ) أن شيئاً مخبوءاً مستوراً قد تحرك، وهذا جلي في قولك (نجت القرحة) إذا سالت بصديدها أو دمها. وليس معنى كل من اللفظين مناقضاً لمعنى الآخر، وإنما اختلف تعاقب دلالتي المحرفين في كل منهما، فسبق في (جن) الشيء المتحرك وتبعه ما دل على أنه مخبوء وطغى (الخبء) على معنى اللفظ، كما تقدم في (نجّ) الشيء المخبوء وتبعه ما دلّ على أنه متحرّك، وغلب التحرك على معناه.‏

ولكن هل يتأتى أن يكون المقلوب مضاداً للمقلوب عنه؟ أقول يتراءى هذا إذا تألف اللفظ المضاعف من حرفين يدل كل منهما على نقيض الآخر أو نحو منه. فالراء مثلاً يدل على اليسر والجري، والدال تدل على تشدد وتمنع وحيلولة. فقولك (درّ) يدل على أن شيئاً متمنعاً قد استيسر وجرى، وقد جعل المؤلف له معنى (العطاء). و(ردّ) يدل على شيء جار مستيسر، حال ما اعترض جريه واستيساره، وقد جعل له المؤلف معنى (المنع). ولكن هل يعني هذا أن (ردّ) في نقيض (درّ) في كل حال، كما تراءى للمؤلف؟‏

أقول لا، إذ ليس في قولك (رددت الأمانة إلى أهلها، أو رددت الأمر إلى نصابه) منع أو استعصاء، وإنما ثمة حيلولة دون بقاء الأمانة في غير أهلها، والأمر في غير نصابه. فلا وجه إذاً لإطلاق التضاد بين اللفظين ولو تضاد في الدلالة حرفاهما.‏

أما قولنا إن الدال تدل على التشدد والتمنع والحيلولة فذلك معنى جدّ وسدّ وصدّ وكدّ وندّ.. وأما أن الراء تدل على الجري والاستيسار فذلك معنى برّ وتر وثرّ وكرّ وجرّ ومرّ…‏

ومثال آخر هو (لفّ وفلّ). فقد جاء في المقاييس (اللام والفاء أصل صحيح يدلّ على تلوّي شيء على شيء، يقال لففت الشيء بالشيء). وفي الأفعال لابن القوطية: (ولففت الثوب وغيره لفاً جمعته). فاللف في الأصل أن يُضم بعض الشيء إلى بعض أو يضم بشيء آخر. ففي الأساس: (لف الثوب وغيره، ولف الشيء في ثوبه).‏

وإذا كان (اللف) ضم الشيء بعضه إلى بعض وطيّه، فأي معنى يتجه في عكسه أو يقال في ضده؟ أو ليس (نشر الشيء وبسطه)؟ ففي مفردات الراغب (قال تعالى جئنا بكم لفيفاً أي منضماً بعضكم إلى بعض.. وقوله وجنات ألفافاً أي التف بعضها ببعض). وفيه (نشر الثوب والصحيفة والنعمة والحديث: بسطها)، ومنه البساط. وفي الأفعال لابن القوطية:( نشرت الثوب تقصت طيه)، ولعلّ الصحيح: نقضت بالضاد.‏

قال المؤلف: (ولو نظرت إلى لفظ، فلّ الشيء، التي تعني أن الشيء يكون ملفوفاً فتفلّه، وتأملت في عكسها، لفّ، التي تشير إلى أن الشيء كان مغلولاً فلففته، ترى أن وجودهما كامن في الاتجاه 74).‏

أقول قد تتذرع بتأويل فتقول لففت الشيء بعد فلّه، وأن تعني باللف أن تضم بعضه إلى بعض ضماً شديداً يقارب بين طرفيه، وتتسع أيضاً فتقول فللت الشيء بعد لفه فيباعد الفلّ بين طرفيه وينتقض اللف، ولكن هل هذا هو الأصل في معنى كل منهما ووجهته، وإنما ينقض (اللف) ويجري منه مجرى الضد النشر والبسط، وينقض (الفلّ) ويقع منه موقع العكس الجبر والرأب واللأم.‏

وإذا عدنا إلى التحليل وكشفنا عما وراء (فلّ) و(لفّ)، استبان أن (الفاء)، يدل على رقة واستدارة، كما هو معنى (حفّ وزفّ ورفّ وشفّ وكفّ ولفّ وهفّ)4. وأن اللام يدل على كسر وضعف ونحو ذلك، كما هو معنى (أل وتل وجلّ وحلّ وزلّ..)5 ، فإذا صحّ هذا كان معنى (فلّ) أن شيئاً رقّ واستدار، أصابه كسر، ومن ثم قال الجوهري (الفل واحد فلول السيف) وقال ابن القوطية (فللت حدّ السيف) ونحو ذلك ما جاء في المظان، ومعنى (لفّ) أن شيئاً كسر أو وهن فاستدار به شيء آخر، وهو ما يعنيه اللف. ولا يخفى أن الغلبة في معنى كل من اللفظين للحرف الثاني فعليه المعوّل، ومن ثم كان النص فلّ إذا كسر، ولفّ إذا استدار شيء بآخر وضمه، وليس أحدهما نقيض الآخر.‏

11-أيقع الترادف في الثنائي بين المقلوب والمقلوب عنه‏

أقول يقع الترادف أو نحو منه في الثنائي بين المقلوب والمقلوب منه، كقولك جشه وشجه، وتله ولته، وصرّه ورصّه، وقدّه ودقّه، ومثّه وثمّه.. وقد ترصدت ذلك فألفيت أنه يغلب فيما كان (الباء) أحد حرفيه نحو (كبّه وبكّه، ولبّ وبلّ، وتبّ وبتّ، وجبّ وبجّ، وقبّ وبقّ، وصبّ وبصّ، وضبّ وبضّ، وربّ وبرّ، وسبّ وبسّ، وشبّ وبشّ، وعبّ وبعّ، وغبّ وبغّ، وهبّ وبهّ).‏

أما علّة الترادف أو التوارد عامة فقد يكون تقارب معنى الحرفين في الثنائي، وأما سببه فيما كان أحد حرفيه هو الباء، فهو أن الباء ترد لاستيفاء المعنى واستتمامه. وقد فرق لي ذلك بالاستقراء، وأشار إليه الشيخ العلايلي بقوله (الباء يدل على بلوغ المعنى في الشيء بلوغاً تاماً 210). ولعلّ الذي يوحي بذلك قولهم (يقال للشاب الممتلئ البدن نعمة وشباباً: ببّة) قاله ابن الأثير في النهاية، وقولهم: (كل شيء ينبت على وجه الأرض فهو الأبّ)، قاله عطاء، وحكاه اللسان.‏

أما دليل الترادف أو التوارد في الثنائي ومقلوبه إذا كان أحد حرفيهما (الباء) فهو ما سقناه من ذلك آنفاً. فكبّه قلبه وبكّه مزقه، ولبّ أقام وبلّ المكان لزمه، وتبّ وبتّ بمعنى قطع وهكذا جب وبج وقب وبق، وصب الماء أراقه وبص الماء سال وجرى، وضب الدم سال وبض الماء رشح، وربه أصلحه وبرّه صدقه وأحسن عشرته، وسب قطع وبسّ فرق، وشب الغلام إذا نما وارتفع وشبت النار اتقدت وبشّ به أقبل عليه وبش بخير أعطى، وعبّ شرب من غير مصّ وبعّ صبّ في سعة، وكذلك غبّ وبغّ، وهبت الريح نشطت وبهّ نبل ونبه).‏

وقد يجيب مؤلف (جدلية الحرف العربي) عن هذا بقوله: إن (عبّ) في عكس اتجاه (بعّ) فالأول (شرب) فهو أخذ، والثاني (صبّ) فهو عطاء، وكذلك (غبّ) و(بغّ) و(صبه إذا أراقه) و(بصّ) إذا رشح، ففي الأول (سرف) وفي الثاني (قصد)، وهما متعاكسان، وكذلك ضبّ وبض.‏

على أنه إذا صح هذا بتأويل، فأي تأويل يمكن أن يسلك ما جاء من ذلك على معنى، في زمرة الأضداد.‏

ولا يظن ظان أننا استطعنا بما تذرّعنا به أن نحسم المسألة فنقع على معنى الثنائي ومقلوبه كلما اهتدينا إلى دلالة حرفية، فالأمر صعب الممارسة عزيز المنال. فإذا كان (لبّ)، مثلاً، قد وافق (بلّ) في واحد من معانيه وهو (الإقامة والملازمة) فقد غايره فيما عدا ذلك. ففي (الألباب) مواجهة، وفي (التلبب) تحزّم وتشمُّر. أما في (البلّ) فثمة، غير الملازمة، نداوة وتواصل ورزق وشفاء وعافية. وتتشعب وجوه القول في تدرج المعاني. وليس في هذا ما يثبت أن (اللام) إنما تفيد (الكسر والضعف) كما تجلّى لنا في شواهد سابقة، على أنه أجدر بمن رام أن يقضي من الأمر نهمته أن يحتمل الكلفة في موالاة البحث ويركب البلوى في اقتحامه، فلا يعتاقه عن بغيته كدّ، أو يحبسه عن لبانته صبر أو نصب.‏

12-موقع دلالة الثلاثي من مقلوبه‏

قال مؤلف (جدلية الحرف العربي) في تحقيق مذهبه (فضدّ – غلف – هو: فلغ الكامن فيه، وعكس الحروف تأتي بعكس المعنى دائماً، وأن المؤشر يتضمن في داخله المؤشر بحكم الضرورة)، وأردف: (والتغلف تستر والتفلُّغ – تفتح وتشقق، فالتضاد في الاتجاه مؤذن بالتضاد في المعنى، كما أوضحنا نتائج التجربة 4).‏

والجواب عن ذلك أننا إذا تجاوزنا في القول الجانب الفلسفي، ألفينا في الحكم بتضاد اللفظين تكلفاً. فـ (غلف) الشيء غطاه وغشاه، و(فلغ) رأسه شجه، وليس الشج والتغطية، أو الشق والتغشية ضدين في معنى أو اتجاه، إلا بتأويل. وما يقال في (لفّ) و(فلّ) يُقال في (غلف) و(فلغ)قائم على دلالة (لف)، كما يقوم (فلغ) على دلالة (فل). وقد زيد (الغين) في أول الثنائي تارة وفي آخره تارة أخرى. ودلالة الغين في الغالب (الغيبة والخفاء)، كما هو الحال في (غاب وغار وغاض وغال وغام، وغمد وغمر..، وغرب وغرز، وغلف وغلق..).‏

ويعلم المؤلف أن الباحثين قد سلكوا (فلغ) في طائفة من الألفاظ اتفق في تركيبها أول أحرف اللفظ وثانيها (أي فاؤه وعينه) واختلف الثالث (أي لامه)، فقالوا: (فلج وفلح وفلع وفلغ وفلق وفلّ..) وقد تضمنت معنى الشق. وأشار إلى هذا الزمخشري في كشافه في تفسير قوله تعالى: (وأولئك هم المفلحون( (البقرة5).‏

فللمؤلف أن يأتي لكل فعل مما ذكرنا بمقلوبه ويقيم البرهان على أنه في عكس وجهته أو معناه. فهل في اللغة أن (جلف وحلف وقلف..) مثلاً تعاكس معنى (شقّ) وفي المثل: إن دواء (الشق) أن تحوصه. والحواص الخياطة والتضييق بين الشيئين. وأتوا من هذا القبيل بـ (فرث وفرج وفرد وفرّ وفرز وفرش وفرص..) فقالوا إنها تدل على (الفصل والفرق)، فهل جاء في الأمهات أن (جرف ورفّ وزرف وشرف وصرف). وهي مقاليب تلك، في معنى أو وجهة تعاكس (الفصل والفرق)؟‏

أقول اجتهد المؤلف في أن يجعل (صرف) ضد (فرص) فهل بلغ غايته وعاد بمصداق مقالته؟ قال المؤلف (ص 86): (حين ينصرف لفظ الفرصة في شكله العام لمعنى – الشقّ – الذي يستهدف فتح طريق ما، يقابله لفظ – صرف – الذي يعني وجود ما يمنع السير في هذا الطريق. وهذا التضاد بمثابة إشارة تعلن أنه سالك أو غير سالك وكأن الإشارة تقول هناك فرصة، أو هناك ما يصرف عن السير). وأردف (ومعاني كل من اللفظين تضاد معاني الآخر في الأكثر، وتتشابه في الأقل. أما التضاد فمن طبيعة اللفظين القائمة على اختلاف الوجهتين. أما التشابه فمن الحروف الواحدة فيهما).‏

ذهب المؤلف إلى أن المعنى اللازم (للفرصة) هو الشق، وفي الشق فتح كفتح الطريق. أقول ليس في اللغة ما يسدد هذا القول من قريب أو بعيد. فالفرص إذا عنى الشق قصد به شق الجلد أو نحوه. وليس في هذا فتح كالفتح الذي عناه، بل فيه قطع واقتطاع، ففي الصحاح (وقد يكون الفرص الشق، يُقال فرصت النعل إذا خرقت أذنيها للشراك). وفي الاشتقاق (ومنهم بنو فرّاص وهو فعّال من الفرص من قولهم فرصت النعل.. إذا شققت فيها موضع الشراك، والمفراص حديدة تفرص بها 274).‏

أما (الفرصة) ففسحة اقتطعت كما اقتطعت (فرصة) القطن أو الصوف. ففي المقاييس (الفاء والراء والصاد: أصل صحيح يدل على اقتطاع شيء من شيء. من ذلك الفرصة القطعة من الصوف أو القطن.. ثم يُقال للنهزة فرصة لأنها خلسة، كأنها اقتطاع شيء بعجلة..) فأين هذا كله من (الشق) الذي أراد به المؤلف الفتح فتح الطريق؟‏

وقال المؤلف (يقابله صرف الذي يعني وجود ما يمنع السير في هذا الطريق)، وليس في اللغة شيء من هذا، فالصرف عودُك بالشيء أي عدلك به أو تحولك به إلى غير الوجهة التي كان فيها. فكما تقول (صرفته عن وجهته) إذا حولته عنها، فإنك تقول (صرفته إلى وجهته) إذا أطلقته إليها. ففي المصباح (صرفت الأجير والصبي: خليت سبيله).‏

فإذا تراءى للمؤلف (المنع) في قولك (صرفته عن وجهته) فإن فيه (الإطلاق) في قولك (صرفته إلى سبيله) فهل في صرف الرجل إلى قصده أو انصرافه إلى بغيته (منع أو حبس)؟‏

وأين لمنع في قولك (صرفت الدينار) إذا أخذت بدله دراهم؟ وإنما في صرف الدينار تحوّل به من حال إلى حال، وهو أصل معناه. ولا ننس أن (الصرف أو التصريف) قد استعمل بمعنى (الإنفاق) أيضاً، ففي المقاييس (وتصريف الدراهم في البياعات كلها: إنفاقها). وفي المصباح (وصرفت المال أنفقته) فهل في الإنفاق غير الإطلاق وغير البسط دون القبض! وانظر إلى قول صاحب الأساس (وصرّفه في أعماله وأموره فتصرف فيها). فصح بما ذكرنا أن (الفرص) ليس فتحاً كفتح الطريق، وأن (الصرف) ليس منعاً، وأنهما ليسا ضدين ولا متعاكسين في اتجاه.‏

***‏

ولكن كيف اتفق للمؤلف أن يرى من معاني اللفظ ومقلوبه ما لم يسنح لنا أو يخطر في بال أحد من الباحثين؟‏

أقول: كان المؤلف قد جرى على أن يعرض للفظ فيبسط معانيه واحداً واحداً، ويعرف لمقلوبه فينثر دلالاته واحدة واحدة، فإذا فرغ من ذلك ترصد معنى من معاني اللفظ يعاكس دلالة من دلالات المقلوب. فإذا خلص إلى هذا اعتد هذا المعنى أصلاً لمعاني اللفظ جميعاً، وهذه الدلالة أرومة لدلالات المقلوب كلها. ثم مضى بعد ذلك يتذرع بالتأويل فيستعين به على رد ما بقي من معاني اللفظ ومعاني المقلوب إلى ما اعتده هو الأصل. في كل منهما.‏

وقال المؤلف فيما تقدم أن (معاني كل من اللفظين تُضاد معاني الآخر في الأكثر) وليس يخلد إلى هذا بيقين كما رأيت. وأردف (وتشابه في الأقل). وعلل ذلك فقال: (وأما التشابه فمن الحروف الواحدة فيهما).‏

أقول: إن معنى الثلاثي لا يتعلق بدلالة حروفه وحسب وإنما يتصل بمواقع هذه الحروف بعضها من بعض، كما فصّلنا القول فيه. وكل تقليب يغاير صاحبه في معناه بتغير مواضع حروفه. فـ (صرف) يغاير (فرص)، ولكن قد يجمعهما جامع مشترك من دلالة، فالفرص اقتطاع وفيه فصل شيء عن أصله، والصرف عدول بالشيء عما كان فيه، ففيه فصل عن وجهته. فإذا جاء تقليب من ذلك فوافق (صرف) أو (فرص) في معناه من كل وجه، فقد جاء على غير الأصل، وقد يكون مقلوباً من أحدهما. إذ جاء (الرفصة) فعلاً بمعنى (الفرصة). قال الجوهري: (الرفصة الماء يكون نوبة بين القوم، وهو قلب الفرصة، وهم يترافصون الماء، أي يتناوبونه). وفي اللسان: (وترافصوا على الماء مثل تفارصوا).‏

فإذا اتحد بين ثلاثيني أو أكثر الحرفان الأولان واتفق ترتيبهما تقارب المعنى، وقد مثلنا لذلك آنفاً. وثبت بهذا أن الثنائي يؤلف جنس المعنى في هذا المزيد.‏

وذهب الجزائري في حاشيته على خطبة الكافي أن الثنائي إذا كان في أول الثلاثي كان هذا أدعى إلى التقارب من أن يكون في آخره. فإذا فصل بين حرفي الثنائي فقد آذن هذا ببدء التباعد. قال الجزائري: (فإن التقارب بين كن وكند وكنز.. أبين من التقارب بين ركن وزكن وسكن.. والتقارب في هذه أبين من التقارب بين كمن وكان وكهن.. وإن كانت هذه الكلمات كلها متقاربة لوجود الكاف والنون فيها جميعاً. غير أن الأخيرة قد فصل فيها بين الحرفين حرف أجنبي بخلاف الأولى والثانية).‏

وقد أشرنا قبل أن الثنائي الذي عليه مدار المعنى، إنما يُعرف باتحاد حرفيه واتفاق ترتيبهما، وموقعه من الحرف المزيد. وإذا كان حلول الثنائي في صدر ثلاثيين أدعى إلى تقارب المعنى في اللفظين فذلك لأنه يؤلف معناهما المشترك، فإذا ذيّل بالحرف المزيد كان ذلك قيداً له، كما أسلفنا. وليس الأمر كذلك إذا تقدم المزيد وتأخر الثنائي أو حال المزيد بين حرفي الثنائي.‏

وقد أتى الجزائري بـ (كنّ وكند وكنز وكنس وكنع وكنف..) فكنّ الشيء وأكنّه ستره، وأستكن استتر، وكند إذا كفر النعمة فهو كنود، وأصل الكفر تغطية الشيء، وكنز المال المدفون واكتنزه جمعه وادّخره، وكنس الظبي كنوساً دخل في كناسه، وهو مستتره في الشجر، وكنع انقبض..‏

***‏

هذا ما رأيت أن أبسط القول فيه حول الاشتقاق الكبير والقلب وما يتصل بهما أو يتشعب عنهما.‏

وإذا كنت قد ملت إلى الإسهاب حيناً فقد قادني إليه تشعب مذاهب البحث واختلافها في قبول الرأي وردّه، وإني أكتب للمشتغلين الذين انقطعوا للبحث وأقاموا عليه أو كادوا، فباتوا يلتمسون فيه بغيتهم فيتلطفون لها ويسلكون إليها كل سبيل، فهم لا يتخففون في تحصيلها أو يدّخرون سعياً دون بلوغها وإدراكها.‏

1 : أغرب إذا أبعد المرمى، ومنه قولهم: (طارت به عنقاء مُغرب).‏

2 -فـ (أج) عدا وأسرع، ورجل بجباج: اضطرب لحمه، وحج بنو فلان فلاناً إذا طالوا في الاختلاف إليه: والحجوج الرياح الشديدة، ودج القوم على الأرض: دبوا، ورجه رجاً حركه وزلزله، وزج الظليم برجله في جريه: دفع، وضجّ القوم إذا جلبوا وصاحوا، وأعجت الريح اشتدت وأعج الرجل أسرع، ومج التراب إذا رمى به، ونجت القرحة سالت ونجنجت الرجل حركته، وهجت النار هجا سمعت صوت استعارها.‏

3 -فـ (أن) المريض إذا رقق صوته، وجننت الشيء واريته، ورجل محنون مجنون، من الحن وهم حي من الجن، والخنة كالغنة، والدنن في الظهر انحناء وفي العنق والصدر دنو وتطاطؤ وتطامن، والدن الراقود يجمع ويخبأ فيه السائل، والرنة الصيحة الحزينة والرنن الماء القليل، والزن الظن روزن الماء قل والزنين الحاقن الذي حبس بوله، واستشن الرجل هزل، والصن شبه السلة المطبقة بجعل فيه الخبز، والضن البخل، والظن معروف والظنون البئر القليلة الماء، والغنة صوت في الخيشوم، والكن السترة والكنان الغطاء، ورجل منين ضعيف منّه الدّهر، وهن هنا حن‏

4 -فـ (حف إذا طاف بالشيء واستدار، والزف صغار ريش النعام، والزفف كون زغب الطائر ملتفاً بعضه على بعض، ورف الناس به أحدقوا، والشف ستر رقيق يستشف ما وراءه، وكفة القميص ما يضم ما استدار حول الذيل، وكل ما استدار فهو كفة بالكسر، وكفاف الشيء ستارة، واللف تلوي شيء على شيء، والهف بالكسر السحاب الرقيق وهفهاف: رقيق شفاف).‏

5 – فـ (آله طعنه وثل البيت هدمه، وتجلجلت قواعد البيت تضعضعت، والخلل الوهن وكذلك الاختلال، وذل ضعف وخضع، وزل تعثر، وشلّهم بالسيف كسرهم).

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد العاشر – ربيع الثاني 1403 – كانون الثاني "يناير" 1983 – السنة الثالثة

112 Views

عن

إلى الأعلى