الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » شعر وشعراء » غزليات صفي الدين الحلي من خلال صور الغزل في تراث الشعر العربي ممدوح السكاف

غزليات صفي الدين الحلي من خلال صور الغزل في تراث الشعر العربي ممدوح السكاف


غزليّات صفي الدّين الحلّي من خلال صُور الغزل في تراث الشعر العربي – ممدوح السكاف

مخطط البحث:

1 مقدمة (علاقة الرجل بالمرأة وكلفه بها).

2 تعريف الغزل ومرادفاته.

3 أنواع الغزل في الشعر العربي:

آ غزل صناعي

ب عزل عاطفي.

ج عزل ماجن.

4 مُخاطب الغزل في الشعر العربي:

آ المرأة:

ب الغلمان.

ج الغلاميات.

د الذات الإلهية.

5، صفي الدين الحلي: حياته وعصره.

6 أنواع الغزل عند صفي الدين الحلي ومُخاطبه:

آ غزل صناعي.

ب عزل عاطفي.

ج عزل ماجن.

7 طرائق الغزل عند صفي الدين الحلي:

آ مناجاة الطيف.

ب أسلوب الحكيم.

ج استعادة الذكريات.

8 بناء القصيدة الغزلية عند الحلي:

آ من ناحية المضمون.

ب من ناحية الشكل.

9 خاتمة، وحكم.

منذ خلق الله الكون فأبدع، وذرأ البشرية فتفنن، شغف الرجل بالمرأة شغفاً مزدوجاً، معنوياً ومادياً، أو روحياً وحسياً، شغف برقة عواطفها، وسمو مشاعرها وذكاء قلبها، وصفاء أحاسيسها، ولذة مناجاتها، وشغف بجمال وجهها ونعومة جسدها ودقة مفاتنها، وشهوة أنوثتها، وغنج حركاتها، فكان أن سعى وراءها ليجد عندها الراحة والهناءة، وليقطف منها المتعة والنشوة، وليقر إليها ويسكن، ولتستقيم حياته وتتسق.

ويحدثنا التاريخ حديثاً مستفيضاً عن دور المرأة في الأمم والجماعات والأفراد فكثيراً ما كانت سبباً في المنازعات والخصومات، وكثيراً ما كانت سبباً في المهادنة والصلح، فهي ترفع وتضع، وتبني وتهدم، وتستطيع أن تنفذ مآربها، وتصل إلى أهدافها بسعة حيلتها، وسرعة خاطرها، ومضاء سلاحها، لذا نجدها مادة أولية للآداب والفنون في جميع الحضارات، وعلى ممر الزمان، يستلهمها الشاعر في شعره، والرسام في ألواحه والموسيقي في أنغامه، فهي منجم لا ينفد، وبحر عميق بلا قاع، ونهر واسع دون ضفاف.

***

وإذا كان للمرأة كل هذا الشأن، وجميع هذه الصفات، فلابد للأدب العربي أن يهتم بها اهتماماً كبيراً، ويفرد لها صدراً فسيحاً في كتبه ومجلداته، وفي آثار شعرائه وكتابه، ولقد قام الشاعر الجاهلي خير قيام بهذا العبء، فغنى المرأة في قصائده، وحدثها حديث الصب، وبسط أمامها عواطفه، ورجاها بحرارة وتوسل إليه بغصة، واستفاض في الوقوف على الأطلال ومخاطبة الديار، ثم تابعه الشاعر الأموي، فسار على نهجه، فبكى واستبكى، وطلب الوصل، وعاج على المنازل، وجدد في طرق اللقاء، وافتن في أساليب العطاء، ثم أتى الشاعر العباسي، فخلع عنه أغلال القديم، وماشى تطور المجتمع فقذف المحصنات وعشق الجواري والقيان، ومارس الفواحش وتحلل من الأخلاق، واختط لنفسه درباً جديداً في الشعر والحياة.

ونشأ من هذا التاريخ الطويل لحب المرأة والتدله بمحاسنها، ووصف نفسيتها، ورصد ملامحها ومداورتها ما بين صد ووصل وبذل وبخل، وجرأة وحياء، فن من فنون الشعر العربي، هو الغزل. ولقد نما هذا الفن وترعرع، لأنه وجد بيئة خصبة لنضج الإبداع، فالعرب في تلك العصور كانوا يبيحون أن يتحدث الرجال للنساء والنساء للرجال، وكانت أماكن اختلاط الرجل بالمرأة متعددة، فهما يلتقيان في المرعى والسهر، وفي التزاور والاستسقاء وفي الحج والمعارض، وفي أسواق الأدب، فتدرج العواطف بينهما من الإعجاب، إلى الحب.. إلى الغرام.

ولقد أجمع علماء اللغة العربية على أن الغزل هو التحدث إلى النساء، والتودد إليهن، وهذا يعني " أن الغزل بالمرأة يتطلب من الرجل أن يتحدث إليها وأن يكون حديثه مؤثراً، جذاباً حتى يستميلها إلى وده ويستهويها إلى حبه" (1).

وللغزل ألفاظ أخرى منها: النسيب والتشبيب، والعشق والحب، والهوى والصبابة والهيام والشغف والعلاقة واللوعة، والوجد والغرام…الخ (2).

وللغزل دور في فهم الحياة الاجتماعية وتقصي حقائقها. فهو يصور لباس المرأة وأعضاء جسدها وطريقة عيشها، ومنزلها في قومها وذوق عصرها. وعالم الاجتماع حينما يصدر أحكامه على مجتمع من المجتمعات المنقرضة، كثيراً ما يتكئ على ديوان غزلها وما قيل فيها من أشعار، وما وصفت به من صفات خلقية وجسدية (3).

ولم يكن الغزل في تاريخ الشعر العربي، محدود الأفق، مغلق النوافذ، متكرر الأسلوب متحد المعنى، بل عرفت له أنواع تأتي حسب المقام، وتتقيد بالموقف. وهذه الأنواع مرتبطة ارتباطاً وشيجاً بأنواع العواطف، فلكل عاطفة عزل ولكل إحساس أداء، ويمكن تقسيم هذا الأنواع كما يلي:

1 الغزل الصناعي.

2 الغزل العذري.

3 الغزل الماجن.

أما الغزل الصناعي، فهو كما يرى بعض النقاد غزل تقليدي يصطنعه الشاعر في مقدمة قصائده حتى لا يخالف منهج القصيدة العربية، وحتى يشبع عواطف السامعين، لما يعرفه من ميلهم لشعر الغزل، وللحديث عن حسن المرأة وجمالها، وهو حينما ينشد مثل هذا الغزل، ينشده دون أن يملأ الحب قلبه في أكثر الأحيان، ودون أن يقصد بغزله امرأة بعينها، شغف بها حباً، وهام بها وجداً.

ويرى الدكتور شكري فيصل، في كتابه عن تطور شعر الغزل في الأدب العربي، أن المقدمات الغزلية في الشعر الجاهلي، هي محور القصيدة الأساسي وأن كل ما عداها باطل لا يؤبه له كما يرى أن وسم مقدمات القصائد الجاهلية، بالغزل الصناعي أمر يطوي في أحشائه ظلماً لهذه المقدمات فالشاعر الجاهلي كان عفوياً، والصناعة لا يمكن أن تكون وليدة العفوية، بل هي على الأصح وليدة الحضارة والشاعر الجاهلي، بافتتاحياته الغزلية، إنما كان يعبر عن تجربة صادقة، لا تصنع فيها ولا تقليد، بل هي طبيعة فطرية نابعة من أعماقه.

ومن أشهر شعراء الغزل الصناعي في العصر الجاهلي امرؤ القيس، وخاصة معلقته التي يقول في مطلعها:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل *** بسقط اللوى بين الدخول وحومل

ومن أشهرهم في العصر الإسلامي جرير في قصيدته التي يبدؤها بقوله:

ما للمنازل لا يجبن حزيناً *** أصممن أم قدم المدى فبلينا

أما في العصر العباسي، فقد اشتهر كثير من الشعراء بالمطالع الغزلية التقليدية كالمتنبي وأبي تمام والبحتري الذي يقول في مقدمة إحدى قصائده:

ردي على المشتاق بعض رقاده *** أو فاشركيه في اتصال سهاده

أسهرته حتى إذا هجر الكرى *** خليت عنه ونمت عن إسعاده

ولاشك في أن افتتاح الشعراء العباسيين لقصائدهم بالمقدمات الغزلية المتوارثة، كان له سبب وأي سبب فمن المعروف أن معظم القصائد العربية تبدأ بالغزل ما عدا قصائد الرثاء، وعلة ذلك أن الغزل يصل إلى السمع ثم إلى القلب، فيكون برداً وسلاماً، حتى إذا جاء الغرض الحقيقي من القصيدة، وليكن هجاء، استجابت له النفس بسرعة، وأثر فيها تأثيراً بالغاً، وفي هذا المعنى يقول ابن الرومي:

ألم تر أنني قبل الأهاجي *** أقدم في أوائلها النسيبا

لتخرق في المسامع ثم يتلو *** هجائي محرقاً يكوي القلوبا

كصاعقة أتت في أثر غيث *** وضحك البيض يتبعه النحيبا

إلا أن المتنبي يقرر في بيته المشهور: إذا كان مدح فالنسيب مقدم..

إن ابتداء المديح وهو رأس فنون الشعر العربي بالمقدمات الغزلية، ضرورة تقليدية لا مفر منها ونموذج يجب على الشاعر احتذاؤه، ومع ذلك فإن عواطف الغزل الصناعي، غالباً، عواطف باردة مسطحة لأن الشاعر في غزله هذا، لا يصدر عن تجربة ومعاناة، وإنما يقلد تقليداً، ويمشي على سنن الماضين، فليس في غزله خفقة قلب جريح، ولا آهة صدر مثقل بالأحزان، ولا دمعة عين متعبة من السهر، إنه ينسخ معاني من سبقوه، وقد يستعير ألفاظهم، ليحافظ على شكل القصيدة العربية، وليقال عنه أنه شاعر غزل.

وهذا الغزل الصناعي، يصف المرأة عن طريقين، طريق روحها، وطريق جسدها، فهو في الروح يتطرق إلى ذكر لفظها وحديثها ورقتها ونعومتها، وهو في الجسد، يتطرق إلى ذكر محاسنها، من حور في العينين، واكتناز في النهدين، وعبالة في الساقين، إلى ما هنالك من محاسن أنثوية.

أما الغزل العاطفي، أو العذري، فهو غزل يصدر عن صدق وهوى، وعن قلب مترع بأحزان الحب وعن إحساس يضطرم بعشق المحبوبة، وعن نفس ذاقت عذاب الغرام، إنه غزل يعبر عن تجربة مدمرة عصفت بالشاعر فأرهقته، وترامت عليه فهدته، فجرى الشعر على لهاته، يصور مأساته ويرسم انفعالاته، ويرصد عبراته، ويغني لذاته المتألمة، كل ذلك في لفظ شريف ومعنى عفيف، تغمره المودة والصفاء، ويخلو من وصف داعر لأعضاء المعشوقة، ولقصص اللقاء معها.

وشاعر هذا النوع من الغزل، يخاطب امرأة واحدة أحبها وأحبته، فهو لا يحيد عنها إلى غيرها، ولا يبدلها بصاحبتها، إنما يقف قلبه ووجدانه وفكره جميعاً عليها، يذكرها ذكراً مستديماً، ويحن إليها حنيناً عظيماً، يشتهي لها المسرات وإن صدته، ويتمنى لها المغبطات وإن نسيته.. إنها في خاطره أبداً، في حله وترحاله، في نعيمه وشقائه، في نومه ويقظته. وهو باختصار، مخلص لها ولحبها، لأنه يرى بها وبحبها معنى حياته وركن وجوده.

ومن أشعر شعراء هذا النوع من الغزل العاطفي أو العذري، في العصر الإسلامي، أبو صخر الهذلي وهو في شعره يبث حنيناً لاعجاً، وحزناً مؤثراً، وأروع ما قاله في محبوبته الأبيات التالية:

أما والذي أبكي وأضحك والذي *** أمات وأحيا والذي أمره الأمر

لقد تركتني أحسد الوحش إن أرى *** أليفين منها لا يروعهما الذعر

فيا حبها زدني جوى كل ليلة *** ويا سلوة الأيام موعدك الحشر

عجبت لسعي الدهر بيني وبينها *** فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر

وما هو إلا أن أراها فجاءة *** فأبهت لا عرف لديّ ولا نكر

وأمام هذا النوع من الغزل العاطفي أو العذري في العصر الأموي، جميل بثينة، وفي شعره وفاء وإخلاص ورقة في اللفظ وجمال في المعنى، وهو في حبه لبثينة مشغول بها، لا يتخلى عنها إلى غيرها من النساء وهو يكره العاذلات لأنهن يردن التفريق بينه وبينها وهو وفيٌّ لفؤاده مهما صدت عنه حبيبته، ومهما أخلفت أمانيه:

ويقلن أنك قد رضيت بباطل *** منها فهل لك في اجتناب الباطل

ولباطل مما أحب حديثه *** أشهى إلي من البغيض الباذل

ليزلن عنك هواي ثم يصلنني *** وإذا هويت، فما هواي بزائل

ومن شعراء هذا النوع من الغزل العاطفي أو العذري في العصر الأموي العباسي، ابن الأحنف أيضاً غزله تأثر وصبابة، وبكاء دمع، وحزن وأسى لبعد المعشوقة، ويأس وألم لصدها، وقد أحب (فوزاً) ولم ينشد الشعر في سواها، ولم يزهد بغرامها. وديوانه يغص بالغزل الباكي، فكأنه أفرد لذلك:

يا فوز هل لك أن تعودي للذي *** كنا عليه منذ نحن صغار

فلقد خصصتك بالهوى وصرفته *** عمن يحدث عنهم فيغار

هل تذكرين بدار بكرة لهونا *** ولنا بذاك مخافة وحذار

فوددت أن الليل دام وأنه *** ذهب النهار فلا يكون نهار

وشاهد هذا النوع من الغزل في العصر العباسي، علي بن الجهم، فقد كانت عاطفته تدفعه إلى باب الحبيب وأهله، فيهمّ بالباب، وشوقه راعف إلى وجه المعشوقة، ولكن أنى له ذلك والدنيا تضيق أمامه على رحبها، ولذا سلك في غزله مسلك العاطفة الشريفة، وأقام على الوجد والهوى والحنين والشوق وفياً مخلصاً:

أحنُّ إلى باب الحبيب وأهله *** وأشفق من وجد به وأهيم

وإني لمشغوف من الوجد والهوى *** وشوقي إلى وجه الحبيب عظيم

وقد ضاقت الدنيا علي برحبها *** فيا ليت من أهوى بذاك عليم

والعواطف في هذا النوع من الغزل جياشة عميقة صاخبة، لأن الشاعر يقول ما في قلبه، وينطق وجدانه وضميره، ويصف حرارة مشاعره، وهو يصل إلى هذا كله عن طريق الروح والمعنويات في محبوبته، ونادراً ما يتعرض إلى الجسد والماديات، لأن العفة تمنعه، والحياء يحجبه.

وشاعر الغزل العاطفي أو العذري، له مثله العليا، كأن يكون كلفاً بحبيبته، يهواها بعين قلبه لا بعين هواه، ومغرماً مدنفاً متيماً قولاً وفعلاً، حساً وجسداً، ومجاهداً لغرض النفس وغصص الحب ووشاية العواذل، ووفياً أميناً لا يخون العهد ولا ينقض الميثاق.

وأما الغزل الماجن، فهو غزل صريح، جريء، مكشوف، خلا من الخجل، وابتعد عن الحشمة، وجانب الصواب، وضل الطريق، وقد كثر كثرة طاغية في العصر العباسي عن طريق البيئة الفارسية المتحللة التي طغت على البيئة العربية المحافظة في ذلك العصر، وعن طريق الترف والنعيم وحياة اللهو والقصف، وفسحة اللذة، والفجور التي سادت في تلك الحقبة من التاريخ، إلا أن له جذوراً في العصر الأموي، نماها واشتهر بها عمر ابن أبي ربيعة، الذي وصف المرأة، فعرض لجمالها وزينتها، ومواضع دلها وفتنتها، وإغرائها، ولم يتحرج أن يأتي وصفه دقيقاً حساساً، ولم يستح من ذكر ما كان بينه وبين النساء من مجالس لهو وعبث ولقاءات ليلية متخفية إلا أن عمر بن أبي ربيعة، مع ذلك يبقى مهذباً بالقياس لشعراء الغزل الماجن في العصر العباسي كبشار بن برد وأبي نواس. "وبشار هو أول من سلك إلى الغزل سبيلاً صريحاً ملتوية معاً، فهي صريحة بألفاظها، ملتوية بغاياتها، جريئة في أهدافها وصورها" (4).

إلا أن بشاراً لم يكن رائداً في هذا النوع من الغزل، وإن ذاع صيته به، واشتهر على معطياته، لقد تأثر خطا أستاذه في هذا الفن، عمر بن أبي ربيعة، وتأثر خطا الوليد بن يزيد أيضاً وكلاهما من شعراء العصر الأموي، فنحن نحد في شعره ميلاً قوياً إلى اللهو، وخلطاً بين الغزل والخمور، وفجوراً وفسقاً شديدين، ومن قصائده التي تعبر تعبيراً صارخاً عن مذهبه في طلب اللذة، قصيدته الرائية:

قد لامني في خليلتي عمر *** واللوم في غير كنهه ضجر

حسبي وحسب الذي كلفت به *** مني ومنه الحديث والنظر

أو قبلة في خلال ذاك ولا *** بأس إذا لم تحلل الأزر

أو عضة في ذراعها ولها *** فوق ذراعي من عضها أثر

أو لمسة دون مرطها بيدي *** والباب قد حال دونها الستر

والساق براقة مخلخلها *** أو مص ريق وقد علا البهر

واسترخت الكف العراك وما *** لت: إيه عني والدمع منحدر

انهض فما أنت كالذي زعموا *** أنت وربي مغازل أشر

ولم يكن بشار وحيداً في هذا الباب، فقد تبعه أبو نواس في مذهبه، وأجرى على لسانه غزلاً فيه عبث، ومجون واستهتار وحيوانية، فهو يتعرض في شعره المفضوح إلى الإماء والقيان، وهو يتظاهر بالحب والهوى لكنه لا يميل في الواقع إلا إلى إشباع غرائزه الجنسية ونزواته البهيمية، همه أن يوقظها إذا خمدت ويتسثيرها إذا نامت، وهو بالإضافة إلى هذا كله يغلو ويسرف في الميل إلى معاشرة المرأة ووطئها، وديوانه حافل بهذا النوع من الشعر الداعر، الذي يموج بالشهوة المتأججة. والرغبة الجامحة، وإذا كان تهذيبه يظهر في شيء ففي طلبه للقبلة، والفوز بها بعد امتناع ونصب:

سألتها قبلة ففزت بها *** بعد امتناع وشدة التعب

فقلت: بالله يا معذبتي *** جودي بأخرى أقضي بها أربي

فابتسمت ثم أرسلت مثلا *** يعرفه العجم ليس بالكذب

"لا تعطي الصبي واحدة، *** يطلب أخرى بأعنف الطلب"

وأبو نواس في شعره الماجن إنما يتأثر أستاذه المباشر وهو والبة بن الحباب الذي كان شاعراً ظريفاً غزلاً، تتلمذ على يديه أبو نواس فغرف من بحره، وجاراه في شعره "وقد يكون من العدل أن ننصف أبا نواس في إعطائه نصيبه الذي يستحقه من المسؤولية عما طرق في باب المجون، فإنه لم يكن خالقاً مبتكراً، لكن اتسع فيه وفتح أبواباً، وكشف منه وجوهاً" (5).

وحظ اللواعج النفسية في هذا الشعر الماجن، ضئيل، أما حظ الشهوات الجسدية فموفور، لأن الشاعر الغزل الماجن لا يستجيب لنداء قلبه بقدر ما يستجيب لنداء جسده، فهو يبحث عن اللذة، ويجري وراءها ولا يلتفت إلى وميض الشوق في أعماقه، لأن قلبه فارغ من الحب، خال من الصبابة، لم يعشق واحدة بعينها ولم يخلص لمحبوبة بذاتها، لذا أتى شعره يموج بالأنين الحسي أكثر مما يموج بالأنين العاطفي، يسترسل في استعماله الألفاظ المكشوفة أكثر من استرساله في استعمال الألفاظ المستورة. ويدور على المعاني المفضوحة أكثر من دورانه على المعاني العفيفة.

هذه هي أنواع الغزل في الشعر العربي، ونحن نلاحظ أن المرأة هي المقصودة ببوح الشاعر وصبابته وحبه. لكننا إذ نظرنا إلى الموضوع من زاوية أخرى، وجدنا أن هذا الغزل، يتطور تطوراً ملموساً وخاصة في العصر العباسي، وهذا التطور لا يتعلق بالصياغة والمعنى بقدر ما يتعلق بالمخاطب الذي يوجه إليه الغزل فقد وجد شعراء في هذا العصر، تأثروا بطبيعة الحياة الجديدة التي طرأت على المجتمع العباسي بسبب اختلاط العرب بالأعاجم وشيوع العادات والتقاليد الفارسية، وبدافع من نفوسهم المنحرفة، فحادوا عن الغزل بالمرأة إلى الغزل بالمذكر، وأول من راد هذا الطريق في الغزل المذكر، أبو نواس، لأسباب نفسية على الأكثر، ولأنه كان مجنياً عليه في صغره من قبل أستاذه والبه بن الحباب، فقد عمد أبو نواس إلى الغزل بالمذكر في مقدمة قصائده بدل الوقوف على الأطلال ومخاطبة الأنثى، وهو في غزله هذا يبث غلامه لواعج قلبه، ويطلب منه الوصل، ويصف جماله، تماماً كما يفعل في غزله للأنثى، وفي قصيدة له يعرض فيها بالعشاق العرب، لأنهم أحبوا نساء ولم يلتفتوا إلى حب الغلمان، ويرى في حب الرجل لغلام، لذة لا ترقى إليها لذة حبه للمرأة، يقول أبو نواس في غلام اسمه رحمة:

أحببت من شعره بشار لحبكم *** بيتاً كلفت به من شعر بشار

يا رحمة الله حلي في منازلنا *** وجاورينا فدتك النفس من جار

إذا ابتهلت سألت الله رحمته *** كنيت عنك وما يعدوك إضمارك

وتابع أبو نواس في غزله بالمذكر كثير من الشعراء، كالبحتري الذي كان يحب غلاماً اسمه (نسيم) وكحماد عجرد في حبه لغلامه (بشر) وكعبد الله بن المعتز في صبابته بغلامه (نشوان).

وعندما فشا هذا النوع من الغزل الخليع السافل. ورأت القيان والإماء عزوف الشعراء عن متابعتهن ووصف محاسنهن، والتغزل بجمالهن، اتجهن اتجاهاً جديداً في الزي، فأصبحن يلبسن ثياباً تحاكي ثياب الغلمان بل هي نفسها، وأخذن يقصصن شعورهن على طريقة الغلمان، حتى يستلفتن شعراء المذكر لهن ثانية واستجاب الشعراء للدعوة ووقعوا في المصيدة، وراحوا يتغزلون بالغلاميات، فالحسين بن الضحاك يتغزل بغلاميته بقوله:

مؤزرة السربال مهضومة الحشا *** غلامية التقطيع شاطرة القد

محنأة الأطراف رؤد شبابها *** معقربة الصدغين كاذبة الوعد

أقول، ونفسي بين شوق وزفرة *** وقد شخصت عيني ودمعي على الخد

أجيزي على من قد تركت فؤاده *** بلحظته بين التأسف والجهد

ويتطور مخاطب شعر الغزل، ويتطور حتى يصل عند ابن الفارض للتغزل بالذات الإلهية، وعشق محاسنها والركوع لعظمتها، وطلب عفوها ومغفرتها، قابساً أصول هذا التصوف من رابعة العدوية التي عاشت في العصر الأموي.

كان لابد من هذه الإلمامة بشعر الغزل في الأدب العربي خلال العصور الجاهلية والإسلامية والأموية والعباسية، حتى نستطيع أن ندرس على ضوئها غزليات صفي الدين الحلي الذي ولد وعاش في عصر الانحطاط من سنة 677 إلى سنة 752 هجرية.

وصفي الدين الحلي كما تدلنا ترجمة حياته المنشورة في مقدمة ديوانه (6) هو أبو المحاسن عبد العزيز بن سرايا، ولد في الحلة من العراق، واليها نسب، ومات في بغداد، وقد أولع بنظم الشعر منذ شب عن طوقه. وكان شيعياً قحاً وفارساً شجاعاً، وعربياً صافي العروبة، وخاض غمار الحروب التي وقعت بين أهل هولاكو لأجل العرش، ثم ما لبثت الفتن أن حملته على الرحيل إلى آل ارتق ملوك ديار بكر بن وائل، فمدح ملكهم المنصور نجم الدين أبا الفتح بتسع وعشرين قصيدة، وهي المعروفة بالأرتقيات. وتدل على مقدرته اللغوية وخصب شاعريته. ثم اتصل بالسلطان المؤيد عماد الدين إسماعيل، ثم بابنه شمس الدين، ولما رث حبل الأمن، رحل إلى مصر ومدح سلطانها الناصر بعدة قصائد دعاها بالمنصوريات. وكان متفنناً في البديع فنظم قصيدة عدد أبياتها، مئة وخمسة وأربعون بيتاً، سماها (الكافية البديعية في المدائح النبوية ). ولم يترك فناً من فنون الشعر إلا ونظم فيه نظم في الفخر والمدح والطرديات، والإخوانيات والمراثي والخمريات والغزل والشكوى والاعتذار والأهاجي والزهديات والمجونيات.

ولا بد لنا ونحن نهم بدراسة غزليات صفي الدين الحلي، من أن نسلط أنواراً كاشفة على الدور المملوكي المغولي الذي عاش فيه شاعرنا، من حيث الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، لعلها ترشدنا إلى فهم شعره، والحكم عليه حكماً موضوعياً مقترناً بطبيعة الفترة التاريخية التي انغمر فيها، وبمقاييس الشعر في ذلك العصر، وفي عصرنا الحاضر، ومن أجل ذلك نضع أمام أعيننا الملاحظات التالية:

1 انتقل مركز الحضارة العربية من بغداد إلى القاهرة عندما انتقلت الخلافة العباسية إلى هناك.

2 تسلطت العناصر الأجنبية على الحكم، نتيجة اعتزال العرب الأمور السياسية، وانصرافهم إلى كسب العشس عن طريق الزراعة والصناعة، وشاع اعتماد المماليك على القوة والدسائس في حكم البلاد.

3 زاد تفكك المجتمع، وتفاقم التناقض بين طبقاته، فمن أغنياء غنى فاحشاً إلى فقراء فقراً مدقعاً، ومن اهتمام بقشور الحياة وزخرفها إلى ترك لجوهرها وحقائقها، ومن منازعات عنصرية قومية، إلى خصومات دينية مذهبية.

4 نشطت في هذا الدور حركة التأليف، وذلك لغيرة العلماء على العلم والدين، ولتشجيع المماليك للعلماء تقرباً للرعية المسلمة "والتقى في هذا التأليف مفهومان للأدب بمعناه الخاص، وبمعناه العام ولكن هذه الكثرة من الكتب التي ألفت في هذا العصر، لا هي إلى الأدب الصرف، ولا هي إلى المعرفة الصرفة، ولعل العلم الأساسي الذي ساق التأليف هذا المساق، هو تكدس التراث الأدبي طبقة بعد طبقة وجيلاً بعد جيل واتساع ذاكرة الجماعة العربية الشعرية، وتتابع شعراء العصور، العباسية" (7)، مما لم يدع مجالاً إلا للتصنيف، وجمع ما ضمته بطون الكتب السابقة.

قبل أن نبدأ بدراسة غزليات صفي الدين الحلي وندخل في صميم الموضوع، لابد لنا من أن نشير إلى أن هذا الشاعر، لم يكن ذا باع طويل ومقدرة فنية في شعر الغزل، وإنما اشتهر في أبواب الفخر والحماسة والمديح ووصف الطبيعة، ذلك لأن مخاضات الحياة التي عاشرها وما فيها من حروب خاض غمارها، وارتحالات قام بها وألوان من التجارب عاناها، جعلته يلتصق شعرياً ببعض الفنون الأخرى ومنها الغزل.

ومن خلال قرائتنا لمعظم القصائد في ديوانه، ولباب الغزل والنسيبب منه خاصة، وجدنا أن غزل صفي الدين الحلي، ينقسم إلى ثلاثة أنواع:

1 غزل صناعي:

وهو يفتتح به قصائد المديح على الوجه الأعم، ونادراً ما يستعمله في الفخر والحماسة، ويسير في هذا النوع من الغزل سيرة من سبقه من الشعراء الجاهليين والأمويين والعباسيين، متأثراً خطاهم ناسجاً على منوالهم من حيث الطريقة المتبعة في المقدمات الغزلية، لا من حيث السبك الفني الراقي، فيقف على الأطلال الدوارس والآثار والمعفاة، فيناجيها ويستنطقها، ويبثها حرقة قلبه ونوزاع نفسه ويبكي أمامها مستعطفاً، شاكياً، ويستعيد معها الذكريات الخوالي وأيام الأنس والصفاء:

لا تخش يا ربع الحبيب هموماً *** لقد أخذت على العهاد عهوداً

وليفنين ثراك عن صوت الحيا *** صوب المدامع إن طلبت مزيدا

كم غادرت بفناك يوم وداعنا *** سحب المدامع منهلا مورودا

ولكم سكبت عليك وافر أدمعي *** في ذلك اليوم الطويل مريدا

ثم ينتقل ليصف الحور الحسان اللواتي كان يلتقيهن في هذا الربع، بأنهن أخجلن زهر الأقحوان وضاهين شقائق النعمان، وبأن أردافهن ثقيلة، وقدودهن مياسة، وبعدها يصل إلى وصف أناته العاشقة وسقم جسمه، وسهد جفنيه، مترقباً زيارة الحبيبة:

كم قد سهرت الليل أرقب زورة *** منها فلم أر للصباح عمودا

ورعيت أنجمه فأكسبت السها *** سقمي وأكسب جفني التسهيدا

وحملت أعباء الغرام وثقله *** فرداً وحاربت الزمان وحيدا

ويلاحظ في غزل صفي الدين الحلي الصناعي، تضخم (الأنا) عنده، وانتفاخ الشخصية، فهو كثيراً ما يخاطب مجموعة من النساء، لا امرأة واحدة، ولعله يفعل ذلك حتى يظهر أنه عاشق مرغوب، أو معشوق مقصود أو لعله يفعل ذلك حتى يؤجج نار الغيرة في صدر محبوبته، إن كان له محبوبة معينة أو لعله يفعل ذلك حتى يمد نفسه الشعري ويطيل المقدمة الغزلية، ليرضي ممدوحه ويكسب ثناءه، وليتخلص من جدب عواطفه وتكرارها، وليستر هذا الجدب بأنواع من الحلية اللفظية:

أسلبن من فوق النهود ذوائباً *** فجعلن حبات القلوب ذوائبا

وسفرن لي فرأين شخصاً حاضراً *** شدهت بصيرته وقلباً غائباً

أشرقن في حلل كأن وميضها *** شفق تدرعه الشموس جلاببا

ومعربد اللحظات يثني عطفه *** فيخال من مرح الشبيبة شاربا

حلو التعتب والدلال يروعه *** عتبي ولست أراه إلا عاتبا

كما يلاحظ في غزله جنوحه نحو جسد المرأة، يصفه ويشبب به، أكثر من جنوحه نحو روحها ونفسيتها وطباعها، ولعل سبب هذا الجنوح التفات الحكام وشواذ الشعب إلى مواجهة الحياة مواجهة صريحة، بدون تستر وإعوجاج، وانغماس الناس في تلك الفترة بالملذات، بعد أن أثقلوا بالحروب العنيفة، والفتن الطائفية وبعد أن أرهقتهم مظالم السلاطين ودسائسهم.

ويلاحظ في هذا الغزل أيضاً برودة العواطف وسطحيتها وتكلفها، لأن الشعر لا يستقي من ينبوع نفسه وإنما يستقي من ينابيع الشعراء السابقين، ولأنه حينما ينظم هذا الغزل، ينظم بذاكرته وعقله وثقافته أكثر مما ينظم بقلبه ومشاعره وانفعالاته.

ما بين طيفك والجفون مواعد *** فيفي إذا خبرت أني راقد

إني لأطمع في الرقاد لأنه *** شرك يصاد به الغزال الشارد

2 غزل عاطفي:

الغزل كما هو معروف، حديث القلب العاشق للقلب العاشق، والنفس المرهفة للنفس المرهفة، وقد حفظ لنا تاريخ الغزل في الشعر العربي، أسماء شعراء عانوا تجربة الحب معاناة فاعلة ومنفعلة، فأعطوا أدبنا فيضاً من العواطف المحترقة، والأنات المجروحة، والآهات الحارة، وسربلوه برومانسية رائعة في المضمون، ولو نوه بألوان الشعور الرقيق الحساس، وهم لم يقدموا لنا هذا النتاج الفني إلا لأن تجربة الحب الصادقة صهرتهم في مصهرها، وقذفتهم في أتونها، وإلا لأنهم أيضاً أحبوا حبيبة واحدة فأخلصوا لها وعاشوا من أجلها. ولقد اقترنت أسماء هؤلاء الشعراء بأسماء محبوباتهم، كجميل (بثنية) وكثير (عزة) ومجنون (ليلى) وكقيس بن ذريح في حبه للبنى، وذي الرمة في حبه لمية، وعنترة في حبه لعبلة.

وصفي الدين الحلي لم يعان مثل هذه التجربة، ولم ينفرد لامرأة بعينها، نقول هذا بعد أن طالعنا كل شعره الغزلي، فلم نر فيه اندفاعاً قلبياً نحو محبوبة بالذات، ولا وجداً معربداً ينم عن صبابة، وشاعر كهذا لم تحرك أعماقه تجربة الحب، ولا يمكن أن يقول غزلاً عاطفياً حاراً، نابعاً عن فؤاد مدنف، ونادراً ما نقع عنده على قطعة تشع بعاطفة صادقة، وانفعال هائج، كقوله يتذكر ويناجي ديار الحبيبة:

يا ديار الأحباب بالله ماذا *** فعلت في عراصك الأيام

أخلقتها يد الجديدين حتى *** نكرت من رسومها الأعلام

قد شهدنا فعل البلى بمغاني *** ك ودمع الغيوم فيك سجام

واقترضنا منها الدموع فقالت *** كل قرض يجر نفعاً حرام

وهو حقاً يذكر في شعره ما يقع للأحباب من وصل وصد، وسهر في الليل وحزن في النهار، ولوعة في البعد وفرحة في القرب، ولهفة اللقاء، وخوف من الفراق، إلا أن هذا كله يأتي على شكل مسطحات فكرية صناعية، لا نصيب فيها لوقدة الشعور وتوهج الحنايا، وإنما يغلب عليها الافتعال والتقريرية المباشرة.

وليس هذا بمستغرب، فقد خمدت العواطف في هذا العصر، خموداً محزناً، وأنشدّ الشاعر نحو ظواهر الشعر وعاف بواطنه وأًصبح كما قلنا من قبل ينظم بعقله أكثر مما ينظم بقلبه، وهذا لا يمكن لعاطفة باردة خامدة سقيمة أن تفجر شعراً حاراً مندفعاً صحيحاً.

آخر من بني الأعراب حفت *** جيوش الحسن منه بعارضين

تلاحظ سوسن الخدين منه *** فيبدلها الحياء بوردتين

3 غزل ماجن:

وجدنا دراستنا لأنواع الغزل في الشعر العربي، أن الغزل الماجن قد فشا وشاع في العصر العباسي شيوعاً عظيماً، وأن هذا الغزل تناول المذكر مخاطباً له، وموضوعاً لبثه الغرام والحنين والشكوى ومادة لوصف مواطن الجمال والحسن فيه.

وقد استمرت هذه البدعة في الدورين الأخيرين من أدوار العصر العباسي، وانسحبت حتى عصور الانحطاط، ومارسها الشعراء بإلحاف، وتابعهم في ذلك شاعرنا صفي الدين الحلي ونستطيع أن نقول أن غزله مشطور شطرين، شطر في النساء وشطر في الغلمان وهو في غزله الغلامي بارع متفنن، متعدد الأغراض متنوع الأساليب، ظريف التناول، كثير التساؤل، ويمكننا أن نقسم غزله في الغلمان إلى قسمين: الأول لا يجانب فيه الأخلاق والذوق، والثاني يجانب فيه الأخلاق والذوق. فأما القسم الأول فيدور على وصف الغلمان ومخاطبتهم، ومناجاتهم والتغزل بهم تغزلاً تظهر فيه العاطفة أكثر من ظهورها في غزله النسائي.

ونستطيع أن نجمل آراءه في هذا القسم بالملاحظات التالية:

أ معظم غلمان صفي الدين الحلي، يحملون أسماء أنبياء كيوسف وسليمان وداود وموسى وإبراهيم، ويستغل شاعرنا هذه الأسماء في شعره استغلالاً حسناً، فيستفيد من معاني التسمية وما تحمله من دلائل كقوله في غلام اسمه يوسف:

يا سمي الذي به اتهم الذئ *** ب وأفضى إليه ملك العزيز

لو تقدمت مع سميّك لم يم *** س فريداً في حسنه المنبوز

(والمنبوز بالزاي هنا بمعنى المتعارف).

وقوله في غلام اسمه سليمان:

يا سمي الذي دانت له الج *** ن وجاءت بعرشها بلقيس

غير بدع إذا أطاعت لك الأن *** س وهامت إلى لقاك النفوس

وقوله في غلام اسمه إبراهيم:

يا سمي الذي فدى الله إكرا *** ماً له نجله بذبح عظيم

لو تمكنت لافتديت تداني *** ك بسوداء مهجتي والصميم

ب لا يصف الشاعر غلمانه ويتغزل بهم في حالة الصحة فقط، وأجواء الانطلاق والسرور، بل يصفهم ويتغزل في حالة المرض أو التمارض المعتمة، فمن هذا قوله في غلام متمرض:

لا حال في جوهر من جسمك العرض *** ولا سرى في سوى الحاظك المرض

حوشيت من سقم في غير خصرك أو *** في موعد لك في أخلافه غرض

فتور نبضك من عينيك مسترق *** وضعف جسمك من جفنيك مقترض

وقوله في غلام رمد:

وما رمدت عيناك إلا لفرط ما *** أصر على كسر القلوب انكسارها

أرقت دم العشاق في معرك الهوى *** فصار احمراراً في الجفون أحورارها

ج وغلمان صفي الدين الحلي، فنانون، فمنهم من يحسن الرقص، ومنهم من يجيد الضرب على العود، ومنهم من يتفنن في لعب الشطرنج، ومنهم من يتفنن في سقاية الخمر، وشاعرنا في هذا كله يتابعهم متغزلاً واصفاً، فمن ذلك قوله في غلام راقص:

جاء في قده اعتدال *** مهفهف ما له عديل

قد خففت عطفه شمال *** وثقلت جفنه شمول

ثم انثنى راقصاً بقد *** تثنى إلى نحره العقول

فعطفه داخل خفيف *** وردفه خارج ثقيل

وأما القسم الثاني وهو الذي يجانب فيه الأخلاق والذوق فيكاد يخرج من باب المجون، إلى باب التسفل والبذاءة وانعدم الحياة، ذلك لأن الشاعر في هذا القسم من التماجن، يخلع عنه مؤتزر الوقار، وينحدر إلى حضيض الشهوة الشبقة، فيصف طريقة معاشرة الغلمان معاشرة جنسية، بألفاظ بذيئة وصور قبيحة، وعواطف منحطة، وأفكار سخيفة، ونحن نجل قلمنا عن الاستشهاد لهذا النوع من المجون الفاجر الداعر إن في النساء وإن في الغلمان، ونعتذر للشاعر بقولنا: إنه نظم هذا النوع من المجون حتى يثبت مقدرته على خوض فنون الشعر، وخاصة "فيما اقترح عليه نظمه على نمط ابن الحجاج امتحاناً له".

***

بعد أن عرضنا لأنواع الغزل عند صفي الدين الحلي ورصدنا ميزاته، لابد لنا من أن نتحدث عن الطرائق أو المتكآت التي يعتمد عليها الشاعر في تلوين غزله، ونحن نقصد بالطرائق أو المتكآت، الوسائل والدروب والمنعطفات التي تصب الغزل في أداء فني، يختلف باختلاف المواقف، ويتباين بتباين درجة العواطف، ذلك أن لكل شاعر مسلكاً يسلكه، ونموذجاً يحتذيه في تفريغ الأثر الفني، والباسه لبوس الصناعة، وها نحن أولاء فيما يلي نوجز أهم هذه الطرائق ونمثل لها:

1 مناجاة الطيف واستحضاره: لا عجب إذا قلنا إن جملة العشاق يشكون من الهجر والبعد والفراق، والإنسان بما وهبه الله من نعمة التخيل، يستطيع أن يستحضر في ذهنه، وبواسطة عينيه، صورة من يحب ويفتقد، إذا كان بعيداً، ونعمة التخيل هذه تنقلب عند العشاق إلى قوة التخيل، فهم يستطيعون أن يجسدوا المحبوب أمامهم أعينهم، فيناجون طيفه ويشكون له العذاب ويطلبون منه الوصل.

وفكرة الطيف ومناجاته واستحضاره وتجسيده، قديمة في شعرنا العربي، نجد لها أصولاً في بعض أبيات للجاهلين، وخاصة عند قيس بن الخطيم، وعمرو بن قميئة وطرفة بن العبد، ونجدها تنمو في العصر الأموي عند جرير، ويشتد نموها فتصل إلى حد الإبداع في العصر العباسي عند البحتري:

فطرفة بن العبد وهو من الجاهليين يطرد خيال الحبيبة في قوله:

فقل لخيال الحنظلية ينقلب *** إليها فإني واصل حبل من وصل

ويقلده جرير وهو من الأمويين، فيطرد خيال الحبيبة طرداً رقيقاً في قوله:

طرقتك صائدة القلوب وليس ذا *** وقت الزيارة فارجعي بسلام

ويعكف أبو نواس وهو من العباسيين، على الطيف فيصفه وينفخ فيه الحياة بقوله:

إذا التقى في النوم طيفانا *** عاد لنا الوصل كما كانا

يا قرة العينين، ما بالنا *** نشقى ويلتذ خيالانا

ويأتي البحتري فيكثر من وصف الطيف ويقلب فيه المعاني، فيجسمه ويلقاه ويعاتبه ويودعه، ويبلغ فيه شأواً رفيعاً:

ولم أنس إسعاد الكرى بدنوها *** وزورتها بعد الهُدوّ وما تدري

وأخذي بعطفيها وقد مال ردفها *** بطيّعة العطفين مهضومة الخصر

أو:

أخيال علوة كيف زرت وعندنا *** أرق بالخيال الزائر

طيف ألم بنا ونحن بمهمه *** مرت يشق على الملم الخاطر

ويقع صفي الدين الحلي، على ما قيل في الطيف والخيال في شعر البحتري وأضرابه فيركب نفس المركب ويسير على نفس المنوال، فيكثر من وصف الطيف في أشعاره كثرة ملحوظة، إلا أنه يتناوله على الغالب من الخارج، فيتحدث عنه حديثاً دون أن يناجيه، أو يستنطقه، أو يبثه شكواه أو يقاسمه همومه أو يطرد زيارته أي إنه يقف منه موقف الواصف فقط، لا موقف المجسد، وهو على كثرة ذكره للطيف، لا يقلب فيه المعاني، إنما يدور على معنى واحد، هو أنّ الطيف قد يكون بديلاً عن المحبوبة في أيام البعاد ومعوضاً عنها في أوقات الصد، وما يتفرع عن هذا المعنى من معان جانبيه، فطيف الحبيبة يصافحه في يقظته وفي منامه:

لم تخل منك خواطري ونواظري *** في حال تسهادي وحين أنام

فبطيب ذكر منك تبدأ يقظتي *** وبشخص طيفك تختم الأحلام

وطيف الحبيبة لا يجفوه ولا ينساه، بل دائم الذكرى له:

لعمرك ما تجافى الطيف طرفي *** لفقد الغمض إذ شط المزار

ولكن زارني من غير وعد *** على عجل، فلم ير ما يزار

وطيف الحبيبة كريم معطاء سمح، فإذا بخلت الحبيبة باللقاء فهو لا يبخل، وإذا ضنت بإهداء التحية فهو لا يضن:

لئن بخلت إن الخيال مسامح *** وإن غضبت فالطيف منها مصالح

حبيب لإهداء التحية مانع *** وطيف للذات التواصل مانح

2 أسلوب الحكيم:

أسلوب الحكيم، فن من فنون البديع، وهي تلقي المخاطب بغير ما يترقبه، إما بترك سؤاله، والإجابة عن سؤال لم يسأله، وأما بحمل كلام المتكلم على غير ما كان يقصد ويريد، تنبيهاً على أنه كان ينبغي له أن يسأل هذا السؤال، أو يقصد هذا المعنى، ولهذا الأسلوب أصول وشواهد في القرآن الكريم، كقول تعالى: {ويسألونك ماذا ينفقون، قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل}.

وكقول ابن حجاج البغدادي:

قلت: ثقلت إذ أتيت مراراً *** قل ثقلت كاهلي بالأيادي

قلت: طولت قال أوليت طولا *** قلت: أبرمت قال حبل ودادي

ويستعمل صفي الدين الحلي هذا الأسلوب في قليل من غزلياته، فيصيب حظاً عظيماً من الإبداع والجمال والظرف، لما في قاله وقالته من إصابة للمعنى، ولطف في المأخذ، واتساق بين الأفكار والألفاظ:

قالت: كحلت الجفون بالوسن *** قلت: ارتقاباً لطيفك الحسن

قالت: تسليت بعد فرقتنا *** قلت: عن مسكني وعن سكني

قالت: تشاغلت عن محبتنا *** قلت: بفرط البكاء والحزن

قالت: تناسيت، قلت عافيتي *** قالت: تناءيت، قلت عن وطني

قالت: تخليت، قلت عن جلدي *** قالت: تغيرت، قلت في بدني

ومثل هذا الأسلوب، أسلوب المحاورات والأجوبة، الذي يقص فيه شبه قصة، أو حادثة وقعت له، ويكون الشاعر طرفاً فيها، فيبدأ مع محاوره بسلسلة من الاستفهامات والأسئلة، وخير شاهد على أسلوب المحاورات هذا، القصيدة التي يبدأ بها الشاعر باب الغزل، يفتتحها بقوله:

ظن قومي أن الأساة ستبري *** داء وجدي، والعلاج يفيد

فأتوا بالطبيب وهو لعمري *** في ذوي فنه، مجيد مجيد

3 استعادة الذكريات:

وهي كالطيف، أسلوب من أساليب تهدئة العاشق، لوجده، يفزع إليه الشاعر في أويقات الحرج والحزن والمكابدة، فيستعيد في خاطره أيام لهوه وغبطته، ومغاني انسراحه ونشوته، وتكاد لا تخلو قصيدة من قصائد صفي الدين الحلي الغزلية، استعادة الذكريات، وبخاصة في الغزل الصناعي، فهو يلتذ بالذكريات إذا ماجت صورها أمام حدقتيه، ويلتذ أيضاً بحديث اللاحي الذي ينعى عليه لجوءه إلى جوها:

ويلذ لي تذكاركم فأعيره *** أذناً لغير حديثكم لم تأذن

وأقول لللاحي الملح بذكركم *** زدني، لعمر أبيك قد أطربتني

أسكرتني بسلاف ذكر أحبتي *** يا مترع الكاسات فاملأ واسقني

***

والآن نتقدم في دراستنا خطوة أخرى، فننظر في بناء القصيدة الغزلية عند صفي الدين الحلي، من ناحية المضمون والشكل، أو من ناحية المعنى والمبنى، ولابد لنا أن نقول، بداءة، أننا حينما ندرس بناء القصيدة الغزلية عند شاعرنا، فكأننا ندرس بناء القصيدة عنده بشكل عام، وفي مختلف الأغراض، فشخصية الحلي الفنية تتردد وتتكرر، في معظم قصائده، ولا نستطيع أن نلحظ فيها خطأ للتطور، فشعره كله نفس واحد ومنهج منسوخ،

ومضمون القصيدة الغزلية عند الحلي، مضمون فارغ، مستعار، فارغ لأنه لا يضيف جديداً، إلى موروثنا الغزلي ولا يفتح نافذة بكراً في أفق الفكر، ومستعار لأنه يجتر عطاء السابقين من الشعراء ولا يسعى للابتكار والجدة فالمعاني الغزلية التي يوردها الشارع في قصائده، مقتبسة عن المتقدمين، وقد يأخذها الشاعر ببعض التحوير حتى يستر اقتباسها، إلا أنها تبقى مع ذلك مفضوحة للبصر بسالف الشعر وجديده، وهذه المعاني ينقصها التسلسل والاتساق والترابط، ويكثر فيها الاستطراد والانتقال المفاجئ، ويشوبها غموض والتواء، بفعل الإغراق في الصناعة البديعة، وتفتقد للصدق الفني، لأن المبالغة الممقوتة تسودها، وتشكو من الابتذال والتقليد، لأنها سطحية.

ومن المألوف أن يقتبس الشعراء بعضهم عن بعض شيئاً من المعاني، وهذا الاقتباس ليس متنكراً فيما إذا حسّن المقتبس المعنى الذي أخذه، أو استطاع أن يكسوه حلة جديدة، أو يزيد عليه فكرة مبتكرة، ولكن شاعرنا لم يرق إلى هذا المستوى، بل هو على العكس، اقتبس فانحط عمن أخذ عنه.

ومع أن شاعرنا يلبس معانيه حلة قشيبة مزركشة، ويعنى بجمال التعبير في التركيب، إلا أن أخيلته صناعية مفتعلة، جافة لا تعدو التشابيه والاستعارات والكنايات والمجازات، ولا تعبر بالفكر إلا في حدود البصر واللون والصوت، وهي على الأكثر الغالب، نتاج ثقافة ودراسة وذاكرة قوية، وليست نتاج خيال وثاب مجنح، ومن هنا لم يستطع الشاعر بها إثارة عواطفنا لأنها مكرورة متداولة. ونستطيع أن نضرب مثالاً على سوء الاقتباس في المعاني والصور بالبيتين التاليين:

قال عنترة يخاطب عبلة:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل *** مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها *** لمعت كبارق ثغرك المتبسم

وقال صفي الدين الحلي مقلداً:

ولقد ذكرتك والسيوف مواطر *** كالسحب من وبل النجيع وطله

فوجدت أنساً عند ذكرك كاملا *** في موقف يخشى الفتى من ظله

فبيتا عنترة تلتقي معانيهما بصورهما التقاء رائعاً، على حين أن بيتي الحلي يفتقدان هذا الاتقاء بين المعاني والصور، ويشكوان من الغثاثة والتعمد.

وتبدو تقريرية خيالية ومباشرة في كثير من قصائده الغزلية أيضاً، فهو حينما يصور يوازن بين المشبه والمشبه به، أو المستعار والمستعار له، موازنة دقيقة أمينة، لا تثير فينا انفعالاً أو هزة شعور، ولا تنقلنا من عالم المحسوس إلى عالم اللامحسوس، ولا تسوق خيالنا إلى عوالم جديدة.

ولاشك أن المبالغة إذا أكسبت المعنى طرافة ومتعة، وزادته إشراقاً وجمالاً، كانت مستحبة مقبولة، أما إذا جانبت هذه المبالغة الصدق الفني وطعنت المعنى ولم تخدمه، فإنها تسيء إلى حلاوة الشعر ورونقه ومثل هذه المبالغة الأخيرة عند صفي الدين الحلي كثيرة وملحوظة، منها قوله:

متيم لا تهتدي عواده *** إلا بما تسمع من أنينه

أصبح يخشى الظبي في كناسه *** ولا يخاف الليث في عرينه

ومما يسيء إلى المعاني في غزليات الحلي، إفراطه في استعمال المحسنات اللفظية من طباق وجناس ومقابلة الخ.. إفراطاً يذهب بجمال الشعر، ويجعله حلية لفظية، تتكئ على تناغم الألفاظ وموسيقيتها، وتهدر من أجل ذلك دور الأفكار، والحلي في هذا الإفراط بالمحسنات اللفظية إنما يتابع أبا تمام، ولكن شتان ما بينه وبين أستاذ البديع ومفتق عجائبه، فشاعرنا يأتي بالمحسنات اللفظية للمحسنات اللفظية بدون هدف آخر، وحتى يثبت براعته في استقصاء كل أنواع البديع، وطول باعه في هذا الفن، وأبو تمام على يأتي بالمحسنات اللفظية مسربلة بالتصوير، أو التصوير مسربل بها، ويغوص بواسطتها على المعاني، ويعمل فكرة في غرائبها حتى يصل حد الغموض ومن أمثلة الطباق الفارغ الذي لا ينفع في تصوير معنى أو توضيح فكرة، قوله:

وإني إن حلفت له يميناً *** فما غير الفعال لها شمال

فيا من سرني باللفظ منه *** ولكن ساءني منه الفعال

ومن أمثلة الجناس الذي يكثر كثرة عجيبة ومملة في هذه الغزليات وكل أغراض الشعر الأخرى عند الحلي، ولا يفيد شيئاً سوى تطريب موسيقي بائخ، قوله:

أطعت ما سن أعدائي وما فرضوا *** وشاهدوك بسخطي راضياً فرضوا

هذا عدا عن التورية والاستخدام وتأكيد المدح بما يشبه الذم، وتأكيد الذم بما يشبه المدح، وكل أنواع البديع المعروفة وتفريعاتها:

والواقع أن مذهب البديع الذي أصّله وتفنن في تفنياً رائعاً أبو تمام ومعاصروه من الشعراء العباسيين والذي كان يهدف إلى تجميل الشعر في الشكل، وتعميقه في المعنى، ووصل الفلسفة والمنطق الفكري، لا لفظياً بروح القصيدة، الواقع أن هذا المذهب، انقلب عند صفي الدين الحلي إلى هندسة لفظية خارجية وأوعية براقة فارغة لا تحمل في مطاويها إلا الإلحاح في التصنع والإلحاف على الزركشة، وخنق المعاني الشعرية بأنشوطة البديع، واستشهاد الخيال في حومة الجناس والطباق والمشاكلة.

ولا يكتفي شاعرنا في غزلياته بالإسراف في البديع، والإكثار من فنونه، بل تشده (موضة العصر) إليها شداً عنيفاً فيستجيب لها فرحاً، ويستعمل في شعره مصطلحات النحو، مضمناً إياها معانيه الغزلية:

يا جاعلي خبري بالهجر مبتدئاً *** لا عطف فيكم ولا لي منكم بدل

رفعت حالي، ورفع الحال ممتنع *** إليكم، وهو للتمييز يحتمل

فهو من أجل أن يدل على معرفته بالخبر والمبتدأ، والعطف والبدل والحال والتمييز، يجفف نبضات قلبه ويأسر عواطف حبه، وينساق وراء المظاهر الخلابة والجواهر المزيفة، ويترك الأعماق الخلاقة واللآلئ الكريمة.

كما يستعمل في شعره أيضاً آيات من القرآن الكريم ومصطلحات الفلاسفة والمناطقة وعلماء الكلام ويمزجها معاً:

وأعلم أن بعض الظن إثم *** ولكن لليقين به احتمال

وكنت عذرتكم والقول نزر *** فما عذري وقد كثر المقال

أو قد يعمد إلى استعمال آيات من القرآن منفردة:

جل الذي أطلع شمس الضحى *** مشرقة في جنح ليل بهيم

وقدّر الخال على خده *** ذلك تقدير العزيز العليم

بدرٌ ظننا وجهه جنة *** فمسنا منها عذاب أليم

أو إلى استعمال مصطلحات الفلاسفة والمناطقة وعلماء الكلام منفردة أيضاً:

يا جيرة الحي أجيروا عاشقاً *** ما حال عن شرع الهوى ودينه

باطنه أحسن من ظاهره *** وشكله أوضح من يقينه

وهكذا فإن مضمون القصيدة الغزلية عند صفي الدين الحلي يكاد يكون أقرب إلى الترهل منه إلى الصحة لأن الشاعر فيما يبدو كان ينظم بدون دوافع مفجرة للشعر الذي تملأ الحياة والحرارة أعطافه، وإذا كانت هناك دوافع وحوافز، فإنها دوافع تقليدية، لا تنبع من صميم الذات، بقدر ما تنبع من جو المناسبة.

هذا من ناحية المضمون في القصيدة الغزلية عند صفي الدين الحلي، أما من ناحية الشكل ونحن هنا نفصل بين المضمون والشكل لتسهيل الدراسة، وإعطائها الصبغة المنظمة فإننا نستطيع أن ندرسه على الطريقة التالية، وذلك بأن نقسمه إلى شكلين، شكل خارجي، وشكل داخلي، أما الشكل الخارجي فنقصد به الحب والغزل ومعانيهما ومقومات وجودهما، وطريقة تناولهما، وكيفية ترتيبهما، وكنا قد وجدنا فيما سبق أن الشاعر يقف على ديار الحبيبة، فيسلم عليها ويصفها، ويذكر أيام أنسها ورغدها، ثم يتطرق إلى وصف مجموعة من النساء، حتى يصل إلى ذكر المحبوبة فيتلاشى نفسه عندئذ فيحزن من صدها ويطلب وصلها. ونضيف هنا مقوماً آخر من مقومات هذا الغزل، هو ذكر الشاعر كثيراً للعذول، حتى يثبت أنه محسود بحبه، وأن هناك من يعمل لتمزيق علاقته، وأن هواه محفوف بالمكدرات، ويستدر الحزن وتكاد لا تخلو قصيدة غزلية له من ذكر العذول، بل إنه أحياناً يبتدئ مدائحه به، كما في مقدمة قصيدته التي يمتدح بها الملك الناصر:

إني ليطربني العذول فأنثني *** فيظن أني عن هواكم أنثني

يا عاذلي إن كنت تجهل ما الهوى *** فانظر ظباء الترك كيف تركنني

ولا يغيب عن ذهننا، أن نلاحظ عشق الشاعر للتركيات، وتحوله عن العربيات، فهو يطنب في وصف جمالهن وغنجهن، وشدة تدلهه بهن، ولا عجب في ذلك فلقد اندمج العنصر التركي بالعنصر العربي، اندماجاً قوياً منذ عهود الضعف في الدولة العباسية، وانفصال السلاجقة ببعض الإمارات وحكمهم لها حتى بدء النهضة الحديثة، وأصبح للمرأة التركية، مقام رفيع في المجتمع العربي، لما تتمتع به من حسن وظرف ولعب بأوتار القلوب، وقدرة على تعاطي الفنون الممتعة المسلية، كالرقص والموسيقا والغناء:

ظله عيش بالحبيب قضيته *** فويق قويق والزمان حميد

بظبي من الأتراك في روض خده *** غدير مياه الحسن فيه ركود

وعشقه أيضاً لمولدات الأتراك اللواتي يخالط دماءهن الأصلية، دم تركي، أو لمولدي الأتراك من الغلمان:

مولد الترك وكم من كمد *** مولد من ذلك المولد

معتدل القد عليه لمةٌ *** فهو بها كالأنف المشدد

والشاعر في حبه يتضاغى، فهو أحياناً ذليل لمحبوبته ذلة بائسة، حتى لتكاد تنمحي شخصيته وكرامته وكبرياؤه وهو أحياناً أخرى عزيز عزة رفيعة، يأبى الخضوع والزحف والتمرغ، فمن خنوعه وذلته لحبيبته قوله:

غيري بحبك سواكم يتمسك *** وأنا الذي بترابكم أتمسك

أضع الخدود على ممر نعالكم *** فكأنني بترابها أتبرك

ومن شموخه وأنفته في الحب قوله:

وما أنا ممن يبذل العرض في الهوى *** وإن جدت للمحبوب بالروح والمال

على أنني لا أجعل الذل سُلّماً *** ترقى به نفسي إلى نيل آمالي

وما زلت في عشقي عزيزاً مكرماً *** أجرُّ على العشاق بالتيه أذيالي

وأما الشكل الداخلي فنقصد به الأسلوب، وندرسه من ناحيتين، الألفاظ والتراكيب، ألفاظه وقبل أن نفعل ذلك نشير إلى أن شاعرنا يملك ديباجة بحترية من ناحية اللفظ، ذلك لأن ألفاظه رقيقة فصيحة، سهلة النطق مألوفة على السمع، واضحة المعنى، تموج بالوقع الموسيقي، وتتخللها بعض الشحنات العاطفية، ولها جوها الذي يكثر فيه الإيحاء، ومبتذلها قليل نادر، وغزارتها ملحوظة، وغريبها ضئيل.

وكل هذه الميزات للألفاظ جعلت التركيب الشعري قوياً متيناً، آخذاً بعضه برقاب بعض، فالشاعر يجيد المزاوجة بين الألفاظ، فيكون لها حلاوة ورنين، بحيث تحلو في النطق والسمع، وينتقي التعبير الذي لا تنافر فيه ولا تعقيد، بحيث يستقر بسهولة في العقل غير أنه أحياناً يميل في صياغته إلى النثرية، كقوله:

لقد بعته قلبي بخلوة ساعة *** فأصبح حقاً ثابتاً من حقوقه

ويخطئ في النحو، وإيراد الكلمة على وجهها الصحيح، كإدخاله الباء على أن في غير موضعها بقوله:

قصدت بأن جعلت العذر عيباً *** عساه يقيك من عين الكمال

وإدخاله (ال) التعريف على (غير) في قوله:

فأصبح لما جرب الغير نادماً *** كثيف حواشي العيش منخفض الحال

***

من خلال هذه الدراسة المتواضعة لغزليات صفي الدين الحلي نستطيع أن نقول إن غزل شاعرنا لا يرتقي إلى منزلة الغزل الذي ينبغ من القلب ليصب في القلب، وإنما هو غزل يلوكه اللسان فستعذبه الآذان.

الحواشي:

(1) الغزل عند العرب، تأليف حسان أبو رحاب، صفحة / 8 /.

(2) انظر في مجلة التراث العربي دمشق العدد رقم (5) السنة الرابعة دراسة الدكتور عبد الكريم اليافي (الحب في التراث العربي الإسلامي).

(3) راجع الحب في التراث العربي، د. محمد حسن عبد الله سلسلة عالم المعرفة وخاصة الفصل السابع منه وعنوانه (الحب في الدراسات الموسوعية.

(4) الغزل منذ نشأته حتى صدر الدولة العباسية، للدكتور سامي الدهان، من سلسلة فنون الأدب العربي الجزء الثاني، صفحة / 15 /.

(5) تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري، تأليف نجيب محمد البهبيتي صفحة / 432 /.

(6) ديوان صفي الدين الدين الحلي دار صادر بيروت، بتصرف عن مقدمة كرم البستاني.

(7) الأدب العربي في آثار الدارسين، بحث الدكتور شكري فيصل في (الأدب العربي من سقوط بغداد حتى أوائل النهضة). صفحة / 301 /.

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 19 – السنة الخامسة – نيسان "أبريل" 1985 – رجب 1405

83 Views

عن

إلى الأعلى