الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » التاريخ » التاريخ القديم » صور إنسانية من الحياة اليومية والأسرية في بلاد الشام خلال الألف الأول ق.م1 محمد حرب فرزات

صور إنسانية من الحياة اليومية والأسرية في بلاد الشام خلال الألف الأول ق.م1 محمد حرب فرزات


صور إنسانية من الحياة اليومية والأسرية في بلاد الشام خلال الألف الأول ق.م1 ـــ محمد حرب فرزات

أيها السيدات والسادة،‏

أستميحكم العذر إذا أنتقل بكم أيها السيدات والسادة، بعد الكلام الحي والأدب الرائع البليغ، إلى جانب من الأدب في عصر قديم، أو إلى اركيولوجيا الأدب جاهداً تقريبه منا أو محاولاً الاقتراب منه ونحن نبحث عن بعض السمات الإنسانية في حياة الناس وأعمالهم في تاريخ حضارتنا الغابرة. وإنه ليسرني أن أسهم في هذه الندوة العلمية بهذا البحث الذي أود أن أتناول فيه بعض الملامح في صور إنسانية من حياة الأسرة الشامية في عصر من عصور تاريخنا البعيد وهو العصر الآرامي، من أجل التعرف على أحوال بعض أولئك الناس من الذين عاشوا قبلنا في هذه الديار: حرثوا أرضها وأنبتوها، وعمروها وزانوها، ودفعوا أعداءها عنها وسعوا في مناكبها وجدّوا، وشقوا وسُعدوا، وفرحوا وحزنوا، أقاموا ردحاً في أبراج وقصور مشيدة وملكوا البيوت العامرة الرحبة أو عاشوا في مساكن بسيطة أو تحت الخيام، ثم مضوا لم يبق من أثر بعضهم ولا قبر، ولكن خلد لبعضهم بعد زمن طويل طيّب الذكر. إنها روعة الزمن، كما يقول المؤرخ الفرنسي ميشله، أروع ما يزين الأنقاض ويجعلها جميلة!‏

هذا بعض ما كان يجول في الذهن وأنا أدير التفكير في موضوع هذا البحث الذي قد تقود الأمور الصغيرة فيه إلى التأمل في المسائل الكبيرة، فأسائل النفس كيف كان معاش أولئك الناس، وكيف كانوا يواجهون أعباء الحياة؟ لقد عانوا قبلنا بقرون: هُمُّوا وأهمُّوا، وسكنوا ورحلوا، وسافروا، وهاجروا، واطمأنوا واضطربوا ثم صمتوا آخيراً إلى الأبد! كيف يمكن بعدُ ردم الفراغ في رمس التاريخ، كيف يمكن إعادة الحياة إلى ما تخلّت عنه الحياة؟‏

هؤلاء المغادرون الغابرون هم بالأصل من أرضنا ومن بدو باديتنا ومن أهل جزيرتنا العربية قبل أن يستقروا في الحواضر وينشئوا المماليك والدول. كانوا ينطقون بلغة لم تعد لغتنا الدارجة منذ أن أضحت العربية الشمالية الفصحى لغة بلاد العرب. ولكن تلك اللغة القديمة وإن أضحت لغة الموت بعد أن ظلّت طويلاً لغة العمل والحياة ليست في نطقها ولا في بنيتها غريبة تماماً على أسماعنا لأنها لغة شقيقة للغتنا العربية، تفرعتا معاً من أرومة واحدة وتشققتا من أصل واحد.‏

لقد وصلت إلى أيدي المختصين من زمن قريب بعض كتاباتهم وخطوطهم فعادت إلى الأسماع أسماء البعض منهم بعد أن طُمست. وها هي ذي رسائلهم وأوراقهم الخاصة وهي بالمئات وثائق ناطقة بين أيدي الدارسين فهل نستطيع أن نستنطقها لنستخرج منها صوراً من الحياة اليومية والأسرية في بلاد الشام في الألف ق. م؟ أي قبل أيامنا هذه بأكثر من ألفي عام؟ هذه هي مهمة الباحث في التاريخ الذي يكون عليه أن يهبّ لكتابة الملحمة التي صاغ فصولها الراحلون الغائبون الصامتون، يستحضرهم، يعايشهم، يعي وينظر، يأخذ ويسقط، يبعث ويدفن، ثم ينقل أخيراً المعايشة والمعاناة والنظر والتجربة بصدق وأمانة إلى الأجيال. فهل للكلام القديم المسطور والمنقوش أن يخبرنا بخبر الماضين وأن يروي لنا من حديث الأولين؟‏

1 ـ في المصادر:‏

إن الباحث في الحياة الاجتماعية في بلاد الشام بعامة وفي تاريخ تلك المرحلة من العصور القديمة بخاصة يواجه في بحثه جملة من الصعوبات ليس من السهل تجاوزهاـ، أهمها ندرة المصادر الأصلية التي يمكن اعتمادها. فبعد أن فقد معظم الأدب الكنعاني ـ الآرامي، أدب سورية القديمة الذي لابد أنه كتب في تلك الأيام أي في الألف الأول ق. م، كما كتب الأدب العبري المعاصر له بصورة منظمة، لم يبق من المصادر المباشرة لمثل هذا البحث سوى أسفار العهد القديم التي تلتزم بكتابة التجربة التاريخية والروحية لواحد من المجتمعات القديمة من جهة، كما تعكس كثيراً من أحوال المجتمعات الأخرى المجاورة والمعاصرة من جهة ثانية.‏

وهكذا فإن هذه الأسفار هي بنظر الدارس الباحث وثيقة تاريخية يمكن الاستشهاد والاعتداد بها، ويمكن له أيضاً استنطاقها ومقاربتها بغيرها لاستطلاع الحقائق المنشودة منها. ولكن كيف تكون هذه الأسفار مصدراً تاريخياً لموضوعنا الذي نود الحديث عنه.‏

لقد أدى تقلب الأحوال وتعاقب الأحداث إلى تغييب صور باهرة من الماضي التليد لهذه البلاد في جوف الأرض حتى أطبق عليها صمت استطال قروناً. ومن المراحل الفاصلة في تاريخها تلك الأحداث التي وقعت في الثلث الأخير من الألف الثاني ق. م، وأدت إلى تغيير كلي وعميق لوجه المنطقة، تراجع فراعنة مصر عن سورية وفلسطين أمام هجمات عنيفة ومتتابعة لشعوب البحر القادمة من بحر إيجه. وسقطت الإمبراطورية الحثية التي كانت تشكل إحدى كفتى الميزان الناظم للتوازن الدولي. وتعرضت المدن الكنعانية الكبرى على على الساحل السوري للدمار والخراب وأبرزها أوجاريت مدينة التجارة والحضارة والثقافة وحاضنة التراث الكنعاني المكتوب. وكانت أبلا قد غابت عن خارطة المنطقة قبل ذلك بقرون. أما ماري فكان قد لفها النسيان بعد تدمير قصرها العظيم على يدي حمورابي الذي أراد أن يجعل من بابل وحدها ودون غيرها حاضرة الشرق.‏

في تلك الفترة انتقلت مصائر مدن سورية الشمالية والوسطى إلى أيدي السادة الجدد، إلى الآراميين الذين تحركوا من أطراف البادية الشامية ليحلوا محل البيوت الحاكمة المنهارة في حلب وحماة ودمشق وليمدوا سيطرتهم على حوضي الفرات الأعلى والأوسط، والخابور وعلى سفوح طوروس والأمانوس وجبال لبنان والجليل حاملين معهم لهجتهم المختلفة عن الكنعانية التي احتفظت بقواعدها على مناطق الساحل الشمالي وفي بلاد كنعان، فلسطين على الساحل الجنوبي.‏

وفي هذا الجزء من بلاد الشام وقع بين القبائل الغازية وسكان دول المدن الكنعانية ذلك الصراع الطويل الذي أدى حوالي 1000 ق.م إلى تكوين مملكة واسعة على أيدي مجموعة من القبائل المتحالفة بزعامة النبي داود. كانت مملكة عابرة شغلت حيزاً زمنياً ضيقاً من تاريخ البلاد الذي يمتد إلى آلاف السنين. وكان من الممكن أن تضيع أخبارها وتنسى، كما ضاعت ولا شك أخبار أحداث هامة غيرها، لولا أن خلد ذكرها الكتب والكتّاب الذين جمعوا الأخبار وصاغوا نصوصها وسجلوها، راقبوا النظم الاجتماعية والدينية والسياسية ووصفوها، سمعوا أحاديث الناس بلغاتهم وألسنتهم وترجموها ونقلوها. كان ذلك من أروع إنجازات ذلك الملك النبي الذي حشد حوله الكتّاب فسجلوا مرويات كانت أشبه بالأسطورة وجمعوا التراث المتداول على ألسنة الرواة بما فيه من أخبار وقصائد وأشعار كانت وضعت في موازين وقوالب لغة البلاد الموروثة قبل أجيال، لغة كنعان، لغة المغلوب التي أضحت لغة الغالب. هكذا انتقلت عبر قنوات طويلة آثار أوجاريت وجبيل ويبوس أوري شلم وغيرها من ذلك المحيط الثقافي العام لتصب في بوتقة الكتاب الذي كان محصلة أول عملية تصنيف منظم في التاريخ. وإن الباحث المؤرخ عندما يقرر الحقائق العلمية لا يقف هنا "أمام لغويات مقدسة" كما يقول أندريه كاكو (1) لأنه يضع نفسه أمام قضية علمية. فمن هذا المنظار يمكن أن نجد في أسفار العهد القديم شواهد مكتوبة على حياة المجتمعات المعاصرة في مختلف مدن فلسطين وسورية.‏

إن التنقيبات الأثرية المنظمة التي أجريت في أنحاء المشرق العربي وفي سورية ولبنان وفلسطين أخذت منذ قرن تقريباً تكشف عن المظاهر المختلفة للحضارة في بلاد الشام وبدأت تقدم للباحثين المختصين في الخطوط والنقوش واللغات والتاريخ مادة أولية مكتوبة بلغات تلك الأجيال الماضية من الشعوب التي عاشت قبلنا على هذه الأرض. فأخذت صورة الماضي المجهول تقترب منا لتتضح، وتتسع وتتكامل في تكوينها لتحيط شيئاً فشيئاً بجوانب من حياة الناس في الماضي في عصور موغلة في القدم وفي الألف الأول ق. م ولتبين لنا العوامل المؤثرة فيها والحضارات التي تركت بصماتها عليها وبخاصة الحضارة الكنعانية التي شملت البلاد كلها منذ الألف الثاني ق. م.‏

وبعد أن كانت أسفار العهد القديم إذن، هي المصدر الأساس لتلك الفترة، تمثل الآن الوثائق الآرامية الغزيرة المكتوبة على البردي وعلى الفخار والتي وجدت في مصر (2) وهي من العصر الفارسي معيناً لا ينضب لدراسة الحياة الاجتماعية واليومية ومظاهر الفعاليات الاقتصادية والنظم القانونية للمجتمعات السورية الآرامية التي كانت تقيم وتعيش في مصر في أسوان وفيلة وهرمونيتس في ما بين القرنين السادس والثالث ق.م. وترجع إلى عصر كانت الآرامية فيه وهي بالأصل لغة الشام آنذاك هي اللغة الإدارية والعامة للحياة اليومية في الامبراطورية الفارسية كلها من وادي السند إلى وادي النيل.‏

لقد اخترنا لدراستنا هذه عدداً من الوثائق الهامة نقدمها لهذه الندوة لأول مرة باللغة العربية، رجعنا في دراستنا إلى نصوصها الآرامية المنشورة وإلى الترجمات والدراسات التي أعدت عنها وأهمها دراسات ب. بورتن ما بين 1968 ـ 1976 (3) والأستاذ الأب ب. غرولو (1972) (4) وكانت قد اكتشفت النصوص الأصلية لهذه الرسائل في موقع هرمويوليس في صعيد مصر عام 1945 وهي رسائل متبادلة بين أفراد من أسرة آرامية كانت تقيم في أسوان والأقصر ونشرها مراد كامل وادّاً برشياني في روما عام 1966.‏

لقد بدأت تظهر بعض الدراسات العميقة والمنهجية والهامة حول مجموعات من هذه الوثائق الآرامية وبدأت تنجلي من خلالها بعض ملامح هذه المجتمعات القديمة. وبعد تسليط الضوء على الهوية اليهودية لهذه الجاليات المقيمة في مصر بدأت الدراسات الموضوعية (غرولو خاصة) تتحدث عن التعدد الاجتماعي والثقافي للجاليات السورية المقيمة في وادي النيل في تلك المرحلة (5) والتي يمكن أن تعتبر في طراز حياتها اليومية وفي سماتها الأسرية على مثال الأسرات السورية المعاصرة لها في سورية الشمالية وبخاصة في مناطق جبل سمعان وحماة ووادي العاصي. كما يتضح من الدراسات المقارنة للطقوس الدينية (6). لقد احتفظ المجتمع الآرامي في أسوان، بمعتقداته التي حملها معه من موطنه الأصلي فيما بين الرها وجبل سمعان وجبل بركات وكفر نبو (6) كما يحمل المغتربون والمهاجرون معتقداتهم وتقاليدهم معهم إلى المهجر. كذلك أقام الآراميون في أسوان معابد ومزارات للأرباب: نبوبن مردوخ، بنيت (ربة الذرية والبنوة، عشتار)، بيت إل أي مقام الإله، وملكة السماء ـ ملكة شمين، (عنات، عشتار) على مثال معابدهم التي غادروها في بيت أجوشي (أرفاد) وفي حماة ومناطق مختلفة من وادي العاصي.‏

من هذه الزوايا وضمن هذه الاعتبارات جميعاً يمكن أن يتوجه الباحث كما يبدو لنا إلى محاولة البحث عن ماضي المجتمع الآرامي ووضع الأسرة فيه، عن ماضي ناس عاشوا هنا قبلنا في هذه المدن وعلى هذه الديار، كانت لهم حياتهم وعقائدهم ونظراتهم إلى الكون والحياة. كان لهم ما يشغلهم وما يثقل على قلوبهم من الهموم. كانوا يفرحون ويتعبون ويقلقون. لنقرأ هذا القلق مثلاً في رسالة مكي بنيت إلى أخته: (7).‏

".. حروص قلق على صحتهم. الآن كل شيء هنا على ما يرام فيما يخص حروص. لا تقلقي عليه. أهتم به كما لو كنت أنت تهتمين به وتابيموت وأحت سن تعنيان به. أنت غاضبة لأن أحداً لا يسأل عن حروص. الآن أقول كما أعنى بحروص تعني بنيت بي، لأنه حقيقة حروص هو أخي".‏

الأم مضطربة قلقة على ابنها، وأخوها يحاول أن يطمئنها يُشهد على صدق عمله ونيته الربة بنيت.‏

لم يترك أولئك الناس صوراً لهم ولا نقدر أن نسمع أصواتهم. ولكننا نكاد أن نحس بأنفاسهم اللاهثة القلقة، على سطور رسائلهم، في جملها القصيرة والمتكررة والمتلاحقة، نرى الترقب المضني في ارتعاش الأقلام في أيديهم وفي رسوم حروفهم على صفحات قراطيسهم وملفاتهم.‏

كان أفراد الأسرة يسعون إلى التواصل بكل وسيلة بالكتابة على قطعة بردي، على كسرة فخار، كانت آثار خطوطهم ناطقة في توقها إلى الخطاب. كانت معبّرة وإن هم صمتوا، قريبة مفهومة وإن أصحابها بعدوا. هكذا عدنا نقرأ خطاب مكي بنيت ونبو شذب كأنه من رسائل الأقربين.‏

بعد هذا العرض الموجز لمصادر البحث ننتقل الآن إلى الحديث عن الحياة اليومية في البيت الشامي خلال الألف الأول ق.م: وما يتصل بها من ناس وأشياء فنستعرض بعض مراحل تطور هذا البيت على مر العصور ونلتقط ونحن نتلفت هنا وهناك اللقطات المتاحة من أجل محاولة تكوين الصورة المتكاملة المنشودة عن حياة الناس. ثم نتحدث بعدئذ عن أحوال الأسرة الآرامية من خلال وثائقها ورسائلها.‏

2 ـ البيت الشامي في الألف الأول ق.م:‏

كان البيت محور الحياة الأسرية، كما يتضح من التنقيبات في آثار التلال والدساكر والقرى والمدن القديمة في المنطقة. وقد خضعت هندسة البيت وطريقة بنائه، وكذلك أشكال التجمع السكني وحجومه إلى الشروط الطبيعية والاقتصادية التي ما تزال تؤثر في أيامنا هذه في فرص الاجتماع والاستقرار. وحتى مطلع هذا القرن بل إلى ما قبل عقود قليلة من السنين لم يكن الباحث المنقب والدارس المدقق يجد فروقاً كبيرة بين البيت القديم في بلاد الشام والبيت الشامي التقليدي الذي كنا نعرفه قبل أن تغزو مظاهر الحضارة الحديثة بيوتنا ومساكننا وكل جوانب حياتنا.‏

لاشك في أن الخيمة كانت بيت البدوي يقيمه في حله ويحمله في ترحله في بادية الشام التي كانت في تلك العصور القديمة تعج بالبدو الذين كانوا يعيشون باتصال متكامل مع الحضر في القرى والمدن في الحاضرة. وكان الطين هو المادة الأساسية لبناء المسكن في كل المشرق القديم. ولكن في سورية وفلسطين كانوا يبنون فوق أساس حجري مربع الشكل على الأغلب (كما هو الشأن في أريحا، في وادي الأردن) يرفعون فوقه جدراناً من الخشب واللّبن واستخدمت أعمدة من الخشب لتدعيم هذه الجدران في الزوايا والمفاصل الهامة وعند الفتحات والنوافذ ولتكوين هيكل خشبي يملأ بقوالب من الآجر واللبّن أما حل مشكلة السقف والانتقال من السقف القببي الطيني إلى السقف المسطح فهو من الإنجازات الهندسية التي تحققت منذ زمن مبكر عندما تمكن البناؤون من رفع السقف على أعمدة من الخشب تستند أيضاً إلى قواعد حجرية عثر على آثارها في مدن قديمة في سورية وفلسطين. واستخدم الخشب في تغطية السقف كما استخدمت شباك من الحصر والقصب وسدت الفراغات بطبقة من الآجر واللبن. وبقيت المساكن القببية المبنية على شكل الأكواخ القديمة البسيطة إلى جانب البيوت الواسعة، والقصور العامرة التي بدئ بتشييدها منذ أواسط الألف الثالث ق.م. كما في إبلا، في وسط البلاد، وفي تل براك في أقصى الجزيرة.‏

كان للبيوت أبواب ونوافذ وفي بعضها آبار لتزويدها بالمياه وتمر في بعضها الآخر أقنية فيها مياه دافقة جارية كما كان الحال في بيوت الشام إلى زمن قريب.‏

وللتغلب على الخوف عمل الإنسان في مدن الشام على تنمية التنظيم الاجتماعي والسياسي للحياة الحضرية والمدنية من أجل الدفاع عن النفس وعن المصالح الحياتية للسكان فتراصت البيوت ضمن الأسوار المرتفعة والأبواب الموصدة. ويدل بناء هذه الأسوار وتضامن السكان في العمل من أجل تشييدها على إحساس شديد بالخطر من جهة وعلى قدرة سلطة الدولة على قيادة المجتمع لإنجاز الأعمال الكبرى من أجل الصالح العام ومن أجل الدفاع كما حدث في زمن ملك مؤاب ميشع وغيره.‏

ففي زمن نشب فيه الصراع ما بين مملكة مؤاب في شرقي نهر الأردن والبحر الميت وبين عُمري وابنه آخاب ملكي إسرائيل (القرن التاسع ق.م) قام ملك مؤاب ميشع (أي المخلص) بمجهود كبير من أجل تحصين المدن والقرى وترميم الحصون ومضاعفتها وشق الطرق (طرق عرنون) وطلب إلى سكان كل بيت أن يحفروا بئراً وأن يتزودوا بالمياه وقاد بعدئذ حرباً لا هوادة فيها وأوقع بالمهاجمين خسائر فادحة وردهم على أعقابهم. وقد ارتفعت نشوة الظفر في النقش المحفور للنصب التذكاري إلى درجة الإنشاد الملحمي (8).‏

كان البيت العادي يتألف على الأغلب من حجرة واحدة هي الملجأ والمأوى للأسرة حين الحاجة وقد تعد فيها زاوية مرتفعة لتكون سريراً للنوم عليها فرش تحشى بالتبن والقش أما الغطاء فقد يكون من الجلد أو غيره فكان دثاراً في الليل ورداء في النهار. أما المطبخ في هذا المأوى فكان يحتل زاوية أخرى من الحجرة نفسها أو خارج البيت يترك وسط الحجرة لاجتماع الأسرة على بساط من القش والجلد حول موقد ينفذ دخانه من فتحة في الجدار.‏

وتقدم لنا شواهد من فترة متأخرة صورة عن بعض العلاقات الإنسانية التي لم تتغير كثيراً عبر العصور. لقد جاء على لسان السيد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، وهو يعظ الناس ويعلمهم حب الخير والعطاء: "من منكم يكون له صديق ويمضي إليه نصف الليل ويقول له يا صديق أقرضني ثلاثة أرغفة، لأن صديقاً جاءني من سفر وليس عندي ما أقدم له. فيجيب ذلك من داخل ويقول لا تزعجني. الباب مغلق الآن وأولادي معي في الفراش، لا أقدر أن أقوم وأعطيك، وإن كان لا يقوم ويعطيه لكونه صديقه، فإنه من أجل لجاجته يقوم ويعطيه قدر ما يحتاج" (9).‏

وقد وجد المسكن المتعدد الحجرات منذ عصر مبكر في المنطقة من الألف السادس في تل حسونة في العراق، وفي أوجاريت وجبيل على الساحل. لكن بيوت الموسرين في الألفين الثاني والأول ق. م تطورت معمارياً بصورة ملموسة وصارت تضم غرفاً متعددة ومطبخاً مستقلاً تنفتح على أرض الدار المكشوفة من الداخل. فكانت تلك الهندسة بداية هندسة البيت الشامي التقليدي.‏

وفي بعض بيوت الساحل كان باحة البيت متسعة ونصفها مسقوف أحياناً، وكان هذا السقف يستند من أطرافه الثلاثة إلى جدران المنزل بينما يستند من الطرف المفتوح على أعمدة من خشب الصنوبر أو الأرز، وقد تبني حجرة أو أكثر على السطح تخصص عند الحاجة لاستقبال الضيوف. وكان لبعض الأسرات الغنية وللأمراء والملوك بيت للصيف وبيت للشتاء. ولنسمع ما قال برركوت ملك شمأل متباهياً ببيته الجديد، قال الملك الآرامي: (القرن الثامن ق. م).‏

"غبطني أقراني من الملوك على ما ناله قصري من ازدهار.‏

لم يكن لأخواني من ملوك شمأل قصر جميل كقصري.‏

كان لهم قصر الشتاء وكان لهم قصر الصيف، أما أنا فقد بنيت هذا القصر" (10).‏

أما مشكلات الأسرة اليومية فكانت معقدة وتلقي على عاتق أربابها أعباء كبيرة ومن أهم هذه المشكلات: الظلام والتنوير، والمياه، والغذاء، واللباس. إنها مشكلات يومية كبيرة لكن مواجهتها والحلول التي أوجدت لها ارتبطت بالشرط التاريخي للعصر، وهو عصر الحديد، وبالبيئة الاقتصادية وهي بيئة زراعية.‏

الظلام والتنوير:‏

كانت مقتضيات أمن الأسرة تقضي بالامتناع عن بناء النوافذ والفتحات المتجهة إلى الخارج ولذا كان البيت ذو الحجرة الواحدة مظلماً لا يخفف من ظلمائه إلا وهج نار الشتاء أو بصيص نور مصباح صغير، وقد يضطرون إلى فتح الباب طول النهار ليغلق في الليل بمزلاج بسيط عندما لا تكون ضرورة ماسة لفتحه لكن تطور هندسة المسكن أدى إلى التخفيف من الظلام بفتح نوافذ الحجرات على أبهاء مشكوفة في الداخل. بقي هذا التقليد الهندسي متبعاً في بلاد الشام إلى عصرنا، ثم حُلت مشكلة التنوير المنزلي بانتشار المصابيح الفخارية الزيتية التي كانت تصنع محلياً وبطرق مرعية قروناً لكن أجودها كان يستورد من بلاد اليونان. أما تنوير الطرق والشوارع في الليل فلم يكن معروفاً في تلك العصور إلا أيام المواكب حين توقد النيران وترفع المشاعل.‏

كان الظلام مألوفاً في البيوت في الليل حتى في أكبر قصور الشرق. يتحدث الفرعون المصري أمنحت الأول (1970 ق.م) في نص وثيقة هامة عن محاولة فاشلة لاغتياله قائلاً:‏

"انتهت وجبة العشاء، وحلت أظلم الليالي ورقدت على سريري وأغمضت عيني، وأثقل النعاس جفوني وما إن بدأت أحلامي حتى أحسست بخطى متلصصة تقترب مني فاستيقظت وأمسكت بأسلحتي في الظلام.. في الظلام كنت وحيداً بمفردي.." (11).‏

كان وقع الظلام رهيباً على الإنسان وعلى شعوره بالأمن والخوف حتى ألّهت الشمس وعُبد القمر وجعل الإنسان من الليل والنهار أرباباً. جعلها شهوداً على عهوده كالعهود بين متّع آل ملك أرفاد وبرجايه ملك كتك من القرن الثامن ق. م. ونسج حول هذه المعتقدات القصص الخرافية والأساطير.‏

المياه:‏

عني الإنسان كثيراً في الشرق القديم بتوصيل مياه الشرب النظيفة إلىالبيت لاستخدامها أيضاً لحاجات المطبخ والحمامات المنزلية، لكن العناية كانت ضعيفة بتنظيم صرف المياه المستعملة والمالحة التي كانت تترك لتنصرف في الطرق. وبين الحضارات القديمة كانت كريت وبلاد وادي السند متميزة في هذا الشأن، فقد أنشئت مجار بمحازاة الجدران الخارجية للبيوت تتصرف إلى خارج الأسوار وكانت هذه المجاري مكشوفة على الأغلب لكنها قد تكون مغطاة بأغطية نصف مستديرة مصنوعة من الآجر.‏

وكان بعض هذه المجاري ممدداً تحت الأرض. وقد وجدت مثل هذه المنشآت الصحية والأنابيب الفخارية المغلفة بالقطران في سورية في الألف الأول ق. م عندما نمت وتطورت الحياة العمرانية والمدنية في ظل حكومات الدول الآرامية كما نلحظ ذلك في آثار تل حلف ولا بد أنه وجد مثل ذلك في دمشق وحماة وغيرهما من المدن الآرامية الكبرى.‏

البيئة الزراعية وعقلية المجتمع:‏

تقنياً: كان العصر عصر الحديد الذي دخلت فيه المنطقة منذ أواخر القرن الثالث عشر ق.م. فالأدوات كانت تصنع من البرونز ولكن الحديد أخذ يدخل في صناعة الأسلحة والأدوات. أما الاقتصاد السائد فهو الاقتصاد المنزلي المعروف من القرون السابقة، وتشير نتائج التنقيبات الأثرية إلى أن المنزل لم يكن داراً للسكن وحسب بل كان ورشة ومؤسسة اقتصادية وللأسرة أدوات زراعية كانت تحتاج إليها في أعمالها اليومية ولا يمكنها الاستغناء عنها وأهمها الفأس والمحراث والمعول والمنجل والعصا الطويلة لدق سنابل القمح والنورج لدرس محاصيل الحبوب.‏

أما التقويم السنوي، فإن برنامج عمل لمجتمع زراعي، كما يتضح لنا من مدينة جزر الكنعانية، في جنوب فلسطين وهو كما يلي:‏

شهران للحصاد، شهران للبذار، شهران للبذار المتأخر، شهر واحد لحصاد الكتان، شهر واحد لحصاد الشعير، شهر واحد للحصاد والكيل، شهران لقص الكروم، شهر لجز الصوف، المجموع 12 اثنا عشر شهراً (12).‏

وقد وصف النبي أشعيا عمل الفلاح وهو يراقب عمل الفلاحين في فلسطين بقوله: الفلاح يمهد الأرض ويشقها ويعدها ويسوي وجهها للبذر، يذري الكمون، ويبذرر الحنطة في أثلام، والشعير كلاً في مكانه والقطاني في حدودها" (13).‏

ومع الناس كانت تعيش الحيوانات المستأنسة الأليفة في الأرض القريبة من البيت أو في الحقل أو المرعى تكمل العمل الزراعي أو تُعين عليه، وهي الغنم والماعز والبقر والخنازير والحمير التي كانت تستخدم للنقل وحمل المتاع. أما الحصان فهو للأثرياء وللأقوياء. وهو أغلى ثمناً من الإنسان، ففي أوجاريت في أواخر الألف الثاني كان ثمن الحصان المستورد 200 مائتي ثقلاً من الفضة (يزن الثقل البابلي ما يساوي 8 غ من الفضة)، أما الإنسان الذي كان في مرتبة العبد كان ثمنه ما بين 30 ـ 50 ثقلاً. وقد ملكت القبائل العربية الجمل واستخدمته في النقل والحرب كما نعرف من أخبار شلمنصر الثالث (القرن التاسع ق. م) وتكلات فلاصر الثالث (القرن الثالث ق.م) فالزراعة والفعاليات المتصلة بها هي أهم ما كان يمكن ملاحظته في حياة الناس اليومية فلم تكن تخلو أسرة من فلاحين أو مزارعين أو من يعمل منهم في مجال يتصل بالزراعة. وقد انتقل السوريون إلى الزراعة بعد مرحلة طويلة قضوها في الاعتماد على الصيد والرعي ولكن غلبة الزراعة على معظم مظاهر الحياة والمعاش لم تؤد إلى غياب الصيد والرعي، وبقيت هذه الفعاليات مندمجة متداخلة كلها في الحياة اليومية.‏

ومنذ الألف الثالث ق.م طبع الكنعانيون حضارة البلاد بطابعهم وصارت أعيادهم ومناسباتهم من التقاليد التي استمرت في حياة الناس ومن هذه الأعياد، عيد جز صوف الغنم وعيد الفصح الذي كان بالأصل عيداً للتضحية فتقدم القرابين والأغنام بخاصة وتراق دماؤها على مداخل البيوت وفاء بنذر أو طلباً للحماية والبركة ثم فتح هذا التقليد مدلولاً دينياً في العصور المتلاحقة (14).‏

لقد أثرت هذه البيئة الزراعية على العقلية العامة للمجتمع، وانعكس ذلك التأثير بأجلى ما يكون في المعتقدات التي سادت عبر القرون وبخاصة في الأساطير والقصص الخرافية التي كان يجري تداولها بين الناس وتنظيم الاحتفالات والمواكب لتمثيلها وتحكى للأولاد في البيوت للتعليم والتهذيب وغرس قيم المجتمع في الأجيال وربما لما لها من قيمة سحرية واعتقاد بقدرتها على التغيير ومن أهم الأساطير أسطورة بعل، أدونيس وهي في معناها العام مشابهة لأسطورتي دموذي / تموز في بلاد الرافدين وأوزير في مصر، مما يدل على وحدة جذور الفكر الديني والكوني في المشرق العربي القديم وعلى وحدة تعبيره الفكري.‏

وفي هذه الأسطورة يموت أدونيس (15) في الصيف ويبعث في الربيع بتجدد الحياة في الطبيعة، كان الناس ينتظرون عودة أدونيس ويثقون أنه سيعود، لكن الثقة كانت مزعزعة فيصلي الناس ويتعبدون سائلين الآلهة الرحمة لتنقذهم من تهديد الجوع ولتمنح الناس نعمة لأن في قيامة الرب وبعثه رد الحياة للإنسان واستمرار للوجود.‏

لهذه الأسطورة التي تعتبر أشهر آثار الآداب القديمة في بلاد الشام جذور ترقى إلى الأدب الميثولوجي الأوجاريتي في قصة عليان بعل الذي ينتصر عليه خصمه موت وهو القحط والجفاف، فيحزن "ال" وتتوسل عنات أخت عليان بعل إلى موت ليعيد أخاها فيرفض فما يكون منها إلا أن تقتله، وتعيد أخاها رمز الخير والخصب إلى الحياة وتنقذ روح الحصاد في حبة القمح. وتروي الأسطورة مراحل الانتصار:‏

"تمسك عنات الابن الإلهي موت (16) وتقطعه بنصلها وتذريه بالمذراة وتشويه على النار وتطحنه بالطاحون وتنثر لحمه في الحقل حتى تأكله الطيور "وهكذا يكون في موت موت حياة عليان بعل بفضل جهود عنات. ويبدو هنا التأكيد على الدور الرئيسي للمرأة في العمل الزراعي وفي انتصار الخير على الشر والخصب والعطاء على الجدب والبلاء.‏

وتشير نصوص أخرى من الأدعية واللعنات والتعاويذ إلى اعتقادات غريبة عن الجن والقوى الخارقة، ومنها الربة شبتي (الرقم 7) التي يمكن أن نرى في هذا النص الآرامي الذي ننقله إلى العربية مقدار قوتها السحرية الرهيبة في أذهان الناس (في القرن الثامن ق. م) لقد أطلقت لعناتٌ محطّمة على من ينقض عهداً من العهود المعقودة بين متع إل ملك أرفاد الآرامي وبين برجاية ملك كتك وجاء فيها: (17)‏

"لتلقح سبعة كباش نعجة فلا تحمل‏

"ولترضع سبع مرضعات ولداً فلا يشبعنه‏

"ولترضع سبع أفراس مهراً فلا يشبعنه‏

"ولترضع سبع بقرات عجلاً فلا يشبعنه‏

"ولترضع سبع نعاج حملاً فلا يشبعنه"‏

ولئن خانت أرفاد عهودها:‏

"ليلتهم الجراد زرعها سبع سنين‏

"وليأكل الدود ثمرها سبع سنين‏

"وليعم فيها القحط، ولا نبت عليها عشب،‏

"ولا ظهرت على وجه أرضها ورقة خضراء."‏

إن دلتنا هذه الأسئلة التي ذكرناها على بعض ملامح المجتمع والعقلية التي كانت سائدة فيه طوال العصر الذي ندرسه فلعل دخولنا إلى البيت يطلعنا على صور أكثر دلالة على الحياة اليومية والأسرية في بلاد الشام القديمة.‏

لننظر إلى البيت من الداخل:‏

الأثاث المنزلي:‏

لا ندري كيف كان يؤثث البيت المتعدد الحجرات في العصر الآرامي القديم، فقد ضاع كل أثاث من تلك العصور بعكس ما هو الحال في مصر القديمة وبلاد الرافدين. ولكن توجد دلائل قد تساعد على تكوين صور مقبولة للتعريف على الذوق العام وعلى حاجات الناس وإمكاناتهم المادية. وقد يمكن أن نكون فكرة من حاجات البيت الضرورية والمرغوبة من نص عقد زواج لامرأة بابلية يبدو أنها كانت تتمتع في أسرتها بشيء من اليسر والسعة هي ليوير ايساجيل، وقد ذكر في هذه الوثيقة ما حملته معها من متاع وأثاث إلى البيت الزوجي بالإضافة إلى العبيد والحيوانات.‏

"اثنين من العبيد، عدداً من الحيوانات، حلياً وملابس، قدراً نحاسياً يتسع لـ 35 قا (ما يعادل 30 ليتراً)، جاروشة برغل، طاحونة طحين ناعم، سريراً، خمسة مقاعد، صندوقاً للزينة، صندوقاً للمؤونة، علبة مزدوجة، مقلمة (علبة) للكتابة. سبعين قا (60 ليتر) من الزيت، سبعة قا (حوالي 10 ليترات) من الزيت المعطر، جرة زيت الزيتون، طبقاً من الخشب يحمل على الرأس، طبقاً آخر كبيراً من الخشب، مشطين خشبيين لتمشيط الصوف ثلاثة أمشاط من الخشب لتمشيط الشعر، ثلاثة ملاعق صغيرة، زبديتين، صندوقاً من الخشب فيه مغازل للصوف، وبرميلاً" (18).‏

ولم تختلف هذه الحاجات كثيراً بعد ذلك، ولا ندري كيف كان شكل بعض هذه الأدوات، كعلبة الكتابة، لكنها على الأرجح لم تكن لتختلف كثيراً عن شكل علبة أدوات الكتابة المعاصرة لها في مصر ما دامت الكتابة هنا وهناك بالقلم وبالحبر وعلى ورق البردي، ويوجد في بعض المتاحف كاللوفر مثلاً نماذج منها.‏

ويبدو أن طرز الأثاث المنزلي لم تتغير كثيراً على مر العصور. وكان المنزل العادي البسيط يؤثث بأثاث بسيط يتألف من البسط والحصر التي تغطي أرض الغرفة أو جزءاً منها وقد ترفع بعض الزوايا مراتب تمد عليها المفارش والجلود تستخدم للاستراحة والجلوس في النهار وللنوم في الليل. وتنشأ في الجدران السميكة خزائن وكُوى كانت ترتب وتحفظ فيها حاجات المنزل. وقد وجدت دائماً المنضدة التي تسند إلى قوائم بنفس الشكل المعهود منذ أقدم العصور، وعرفت المقاعد الخشبية المغلفة بالجلد أحياناً.‏

أما التدفئة: فقد تطورت من الموقد الثابت إلى الموقد المتنقل فالحطب كان يوقد وينقل على مواقد محمولة إلى الحجرات والغرف، ويترتب على ذلك أعمال منزلية منها إفراغ الرماد من المنزل وإعداد منافذ للتهوية وإخراج الدخان الذي قد يفسد جو الغرفة ويؤذي العيون ويضعف الأبصار.‏

كان تعاقب الليل والنهار وضعف التنوير في الليل يتحكمان بتوقيت العمل وبتنظيم فعاليات الحياة اليومية في كل الحضارات القديمة. فالناس كانوا ينصرفون إلى أعمالهم من الفجر إلى الغروب. واليوم مقسم بالضرورة إلى نهار مخصص للعمل وإلى ليل يجتمع فيه شمل الأسرة. وفي القرآن الكريم (وجعلنا الليل لباساً (أي سكناً) وجعلنا النهار معاشاً( (أي للسعي والعمل). وكان من أهم أعمال أفراد الأسرة اليومية والموسمية صنع الأدوات المنزلية المتنوعة من الفخار الذي له تقاليد عريقة في الصناعة ولكونه مادة للتجارة. وتحضير بعض المواد الغذائية السكرية كالعسل والدبس والزيت التي كانت تمثل مواد أساسية في الصناعة والحياة اليومية والمنزلية.‏

وللفخار: في بلاد الشام تقاليد عريقة ترقى إلى الألف السابع ق. م وعندما جاء العصر الآرامي كان قد مضى على استخدام الفخار في الجزيرة وسورية وفلسطين ستة آلاف عام. كان الفخار يصنع باليد قبل اختراع دولاب الخزاف في الألف الرابع. ثم انتقلت إلى سورية التقنيات المتطورة التي ظهرت في العراق وإيران باستخدام النار لشي الفخار، وعندئذ أوجد الفرن الذي أدى إلى صناعة الخزف وهو الفخار الملون اللماع.‏

وكان الفخار يصنع محلياً، وهو متنوع الأصناف والأشكال لتلبية الحاجات المختلفة. فمنه الجرار والأحواض والأباريق والقوالب والأواني المتعددة وكان لمدن الساحل شهرة خاصة في هذه الصناعة لكن الفخار اليوناني المستورد كان مفضلاً ومرغوباً بعد اتساع العلاقات التجارية، فكانت مدينة بوسيئدون عند مصب نهر العاصي بوابة البضائع الإيجية والهلينية على الساحل السوري كما كانت نوقراطيس في مصر ومن هناك كانت القوافل تنقل البضائع المستوردة إلى الداخل عبر وادي العمق، ولاشك في تأثير التنافس بين إنتاج الصناع المحليين وبين مصالح التجار على أحوال الناس اليومية ثم على المصالح المتضاربة بين الدول. فعندما تمكن الملوك الآشوريون في القرن الثامن ق.م من تنفيذ أهدافهم الاستراتيجية بالوصول إلى موانئ البحر المتوسط عملوا بنفس الوقت وضمن حدود إمبراطورية كبيرة على إيجاد سوق تجارية مشرقية واسعة ودفعوا أمامهم التجار اليونانيين الذين اضطروا إلى الابتعاد عن مدن الساحل السوري ليتخذوا مراكز لهم في جزر رودوس وديلوس وأرخبيل السيكلاد بينما تقدم التجار الآشوريون والبابليون والكنعانيون والآراميون نحو كيليكية وسواحل آسية الصغرى.‏

لقد استمر هذا التفوق المشرقي التجاري في ظل دول مشرقية كبرى أربعة قرون (القرن الثامن ـ القرن الرابع) وبلغ ذروته في زمن الإمبراطورية الفارسية التي ينبغي أن نقول أنها كانت فارسية بسلطانها وإدارتها وآرامية بلغتها الرسمية وتجارتها لكن انتصارات الاسكندر المقدوني قلبت الوضع رأساً على عقب. فقد رافق الانتصار المقدوني الهليني هزيمة عسكرية وسياسية للإمبراطورية الفارسية الأخمينية وهزيمة اقتصادية للتجارة السورية الآرامية الفينيقية، كان من مؤشراتها البارزة.‏

أولاً: سقوط مدن التجارة الكبرى وتهديمها: صيدا وصور وغزة ثانياً الغزو الاستعماري الاستيطاني المقدوني ـ الهليني بإنشاء المدن الهلنستية: أنطاكية وأفامية وسلوقية وغيرها..‏

ويشكل تحضير المواد السكرية إحدى الفعاليات الغذائية الرئيسية والضرورية للأسرة. فقد عملت أسرات سورية في مناطق كثيرة في تربية النحل واستخرجت العسل الذي كان يصدر إلى بلاد الرافدين وغيرها ـ وأدخلت صناعته إلى آشور بعد التوسع الآشوري غربي الفرات في القرن الثامن ق. م.‏

لكن الدبس كان أكثر انتشاراً ويتم تحضيره منزلياً من عصير زبيب العنب الأحمر وتطورت صناعته منذ ذلك العصر واستمرت تقاليدها القديمة إلى أيامنا هذه. لم تختلف طريقة تحضيره في تلك الأيام البعيدة عن طريقة تحضيره قبل إدخال الآلات الحديثة. فكان يوضع دريس الزبيب في أوعية من الخفار مثقوبة من الأسفل وعلى الثقب قطعة من الليف وتحمل الأوعية على سقالة من خشب مثقوبة عند أسفل الوعاء وتوضع أوعية كبيرة تحت الأوعية المثقوبة المحمولة لتجميع العصير الذي يقطر من الثقب ويضاف الماء الصافي فوق الدريس ويحرك المزيج حتى يرشح السائل إلى الوعاء السفلي فيأخذونه بعدئذ ويطبخونه حتى يصير دبساً.‏

لنتحدث عن الزيوت على سبيل المثال:‏

أما الزيوت: فكانت تحضر أما في البيوت باشتراك أفراد الأسرة أو في معاصر القصور والدور الكبرى والمعابد التي كانت مراكز متنافسة للفعاليات الاقتصادية إلى جانب دورها السياسي والديني. فالسمن الحيواني معروف في المجتمعات الشامية القديمة التي مارست الرعي منذ فجر التاريخ. ولكن في المجتمعات المدنية استخرجت الزيوت بصورة منظمة من السمسم الذي ورد ذكرها بهذا اللفظ في نصوص ماري تل الحريري (القرن الثامن عشر (20)).‏

وبقي استخدامه تقليدياً لدى بعض المجتمعات في بلاد الشام القديمة حيثما حلت. أما استخراج زيت الزيتون فقد شكل جانباً هاماً من إنتاج البلاد في ظل الاقتصاد المنزلي. وبنيت المعاصر الكبيرة لعصر الزيت وتموينه وخزنه وتصديره. واشتغل في مختلف مراحل العلم فيه كثير من الناس من قطف الثمر إلى جمعه ونقله وعصره وحفظه والاتجار به. حتى البذر كان يعصر ويؤخذ ما تبقى من الخشب وقوداً للأتون وللأفران وصار لشجرة الزيتون مكانة خاصة ولزيتها قيمة سحرية في البيت والمعبد. فجعلت التقاليد من الزيت مادة مقدسة إذ تذكر الأخبار أن ملك مقاطعة نحاشة الواقعة جنوبي حلب، سيم جدة كاهناً أكبر على يدي الفرعون تحوتموس الثالث الذي صب على رأسه الزيت المعطر المقدس. فأضحت عادة المسح بالزيت من طقوس احتفالات التتويج بعدئذ.‏

وهكذا نجد إذن أن الأسرة في ظل هذا النظام الاقتصادي المنزلي لم تكن مؤسسة اجتماعية وحسب، بل كانت مؤسسة اقتصادية أيضاً. كانت المرأة إلى جانب الرجل عاملاً اقتصادياً فعالاً ومهماً قام بدور تاريخي في تطور المجتمع وحضارته، لكن لقاء ثمن باهظ من التعب والنصب والجهد والأرق والعرق. وبالإضافة إلى ذلك كان للمرأة في الأسرة عمل تختص به هي التي تقوم به أو تديره بنفسها، وهو إعداد الطعام وإعداد اللباس.‏

المطبخ وإعداد الطعام:‏

إن أبرز صور الحياة الأسرية هو إعداد الطعام والمائدة المشتركة للأسرة، وللمرأة دور أساسي في ذلك فهي المسؤولة عن المطبخ وإعداد الطعام بينما يمضي رب الأسرة وأولاده الكبار إلى الحقل أو البستان أو ينطلق بعيداً متنكباً قوسه أو حاملاً رمحه ليصيد في البر أو مزوداً بشبكة للصيد في البحر. وعندما يبتعد الرجل عن البيت تبقى المرأة أمّا كانت أو زوجاً حاضرة فيه واعية لما عليها من أعباء جسام.‏

كان عليها في ذلك العصر أن تعد كل شيء، وأن تكون متقنة للكثير من المهارات لخدمة المنزل وتأمين حاجاته. كان عليها أن تجرش القمح وأن تطحن الحبوب بقوة ساعديها على طاحونه من الحجر صنعت بيدي نقّار ماهر ثم تطور شكلها عبر العصور، فبعد أن كانت تتألف من حجر مسطح أو مقعر يدرج فوقه حجر أسطواني على الحبوب لجرشها أو طحنها صارت تتألف من حجرين مستديرين للعلوي منها خرق تلقم من الطاحونة كمية من الحبوب ويدار بمقبض مثبت عليه.‏

وكان الاهتمام كبيراً بالموقد الذي كان يبنى في المطبخ وقد تعد أحياناً مواقد مرتفعة قليلاً وتقام فوقها مداخن لسحب الدخان وإخراجه من المطبخ. وكان يبنى في البيت تنور لخبز الخبز لأن الأفران العامة لم تكن موجودة إلا في القصور الكبرى أو المعابد التي قد يبلغ عدد الأفراد الملحقين بها والذين يتناولون طعامهم اليومي منها المئات بل الآلاف أحياناً.‏

كان طريقة الخبز على الصاج معروفة أيضاً ووجدت قوالب فخارية لصنع المعجنات بأشكال مختلفة منذ الألف الثاني ق. م كما يتضح من آثار قصر زمرى ليم في ماري (21).‏

ويجدر بنا هنا أن نقف عند بعض أصناف الطعام التي كانت تحضر آنذاك. ويأتي الخبز في المحل الأول من الأهمية ويعتبر عنصراً أساسياً في التغذية، ويصنع من طحين الشعير ومن القمح، ومن أهم المشروبات الجعة التي تحضر من الشعير وهي معروفة في النصوص الآكادية (شكارو)، ويصنع السكر من التمر. أما نبيذ الزبيب وصهباء العنب فمعروفان في المناطق الكنعانية بخاصة، ومن أسماء العنب في الأوجاريتية والكنعانية وين. وفي لسان العرب الوين هو العنب الأسود والأبيض. وقال ابن خالويه: الوينة الزبيب الأسود فالكلمة مشتركة في اللغات العربية السامية وهي تشبه في نطقها مرادفاتها في اللغة الأوربية التي ترجع إلى الأصل اللاتيني Vinum واحتفظت سورية بشهرتها بالكرمة والخمرة في العالم القديم الكلاسيكي والإغريقي الروماني ومنها خمر أفامية التي يمزج بالعسل. وخمر الأندرين وخمر الجليل والخمر الفلسطي، وقد تغنى به شعراء العرب في الجاهلية.‏

أما الخضار والبقول المعروفة فمنها القرع والحمص والعدس والبصل والبراصية وأنواع اللفت وجذور الشمرة والخيار والفجل وذكر من الثمار التين والجوز واللوز والفستق والرمان، وعرف السماق وعرق السوس ومن الزهور الزنبق.‏

واعتمدوا في غذائهم اليومي على البيض والحليب والجبن وانصرف عدد كبير من الناس للعمل في الصيد فحضروا الشباك وأعدوا السنارة أو الحربة حتى أضحى الصيد من فعاليات دول المدن الكنعانية الساحلية وانعكست حياة البحر وما فيها من خطر وغموض وأسرار الصياد الغائب الذي كانوا ينتظرون عودته وهم يعدون الأيام والشهور وقد استحوذ على أفئدتهم قلق ممض لم يكن من السهل الفكاك منه.‏

أما اللحم فكان يقدم في مناسبات اجتماعية وأسرية وتهدى الأضاحي للآلهة والمعابد في الأعياد والمناسبات الدينية وتكون من الغنم والماعز والبقر والغزلان والخنازير ومن أنواع الطيور. وقد كانوا يأكلون بأيديهم ولكنهم كانوا يستخدمون عند الحاجة السكاكين من الحجر والعظم والمعدن والملاعق التي تبدو على شكل ساعد يحمل صدفة كما وجدت القموع لصب السوائل والموازين لوزنها.‏

الملابس:‏

كان إعداد الملابس من المهام الكبرى الملقاة على عاتق الأسرة فلا توجد معامل أو مؤسسات خارجية حقيقية يمكن الاعتماد عليها لتزويد الناس بحاجاتهم إلى اللباس سوى ما ينتج في ورشات الحياكة في المعابد مثلاً ولذا كان على الأسرة أن تعتمد غالباً على نفسها في تأمين حاجاتها الأساسية. وفي بلاد يشكل الرعي فيها جانباً كبيراً من الفعالية الاقتصادية يكون الصوف مادة أولية لغزل الخيوط ونسج الملابس وفي المتاحف بقايا آثار من أدوات النسج كالقبّان المؤلف من الحجارة الثقيلة والمثقوبة لتثقيل لفائف الغزول كما عثر على نماذج من المغازل والمكوك.‏

كانت الملابس تصنع من مواد أولية متعددة فالكتان لصنع الملابس الخفيفة، والصوف لصنع الملابس الغليظة واللبود.‏

وقد صبغوا الأقمشة وشرّقوها بالألوان الجميلة ومنها اللون الأرجواني الأحمر (22) الذي اشتهرت به مدن الساحل الكنعاني وصدرته إلى قصور المشرق وإلى بلاد حوض المتوسط. وكانت تصنع سترات من الفراء والجلود، كما يتضح من رسالة مكة بنيت إلى بسامي ووهب رع. (انظر فيما بعد).‏

وانتشر استعمال القطن منذ القرن السابع مع التوسع الآشوري في المنطقة وعثر في التنقيبات الأثرية على دبابيس وأزرار كانت تستخدم لربط قطع الملابس المفصلة وإحكام إغلاقها. لكننا لا ندري كيف كانت تخاط الملابس هل كانوا يفصلونها على قطع أم كانوا يقصونها من قطعة واحدة من القماش. لكننا نعرف بعض أنواع الملابس من التماثيل والنحوت الباقية فكان الرجل العادي يلبس قميصاً فوق رداء يشد بحزام ويعصب شعره بعصابة تلف حول الرأس ثم صنعت أغطية الرأس من اللباد للرجال. وللنساء أثواب متنوعة من الكتان منها ثوب يصنع من قطعتين أو أكثر ويغطي الكتفين، كان مكسّراً أو مثنى ومزيناً بحواش وتضع النساء القلانس الطويلة المرتفعة وفوقها منديل طويل قد يستخدم نقاباً أو حجاباً وانتشر لبس السراويل الواسعة في العصر الفارسي في كل ولايات الإمبراطورية ومرزباناتها منذ القرن السادس.‏

واستخدم الموسرون الأحذية الجلدية والأخفاف والنعال التي كانت تحتذى وتشد الساق بأحزمة تربط بعناية كما يتضح من آثار النحت لكن الغالبية العظمى من الناس لم تكن تجد حذاء أو نعلاً.‏

وعُني الناس من الرجال والنساء على السواء بالزينة لكن الزينة للنساء هي الأغلب فاقتنوا الحلي من الفضة والذهب والبرونز والحجارة الكريمة كالفيروز والعقيق وصنعت منها الأقراط والقلائد والمعاصم والخواتم والمعاضد والخلاخيل. أما الشعر فكان يترك طويلاً ولا يقص إلا مرة في السنة، لكنهم كانوا يعنون بتنظيمه بمنقوع النباتات والغار ومغلي نبات الخروع ويدّهنون بالزيوت المعطرة.‏

وصنعوا من عاج الفيل الذي كانت قطعانه تعيش في سورية الشمالية في غاب العاصي حتى القرن السابع ق.م الأختام المنقوشة بمشاهد من الحياة اليومية والدينية والتماثيل والعُلب والأمشاط والحلي واللوحات واستخدموه للتنزيل على الخشب لتزيين الأثاث وبعد أن كانت أوجاريت مركزاً مهما لصناعة العاج احتلت هذا المركز بعدئذ كركميش (جرابلس) ووجدت آثار عاجية هامة في موقع أرسلان طاش (حداتو القديمة) وهي موجودة الآن في متحف اللوفر.‏

وقد تفننوا بصنع الأحزمة وأغطية الرأس والمناديل الملونة التي كانت محلاً للمنافسة والتباهي. وقد تستورد من مناطق بعيدة بعد أن عرف الشرق القديم في النصف الثاني ثم الألف الأول ق.م أوسع سوق اقتصادية في تاريخه امتدت من الهند وتركستان شرقاً إلى وادي النيل وبحر إيجه غرباً.‏

في هذا العصر الذي امتد قرنين تحت تأثير الفرس (من أواخر القرن السادس ـ أواخر القرن الرابع ق. م) وثلاثة قرون أخرى ما بين دخول الاسكندر المقدوني والاحتلال الروماني (من أواخر القرن الرابع ـ 64 ق. م) حدث تلاق متنوع وشامل وعميق بين حضارات المشرق بعد حلول الإمبراطورية الفارسية الشاملة محل عروش الممالك القديمة فوحدت الإدارة ولغتها رسمياً لأول مرة في هذه المنطقة من العالم القديم وفرضت اللغة الآرامية نفسها لغة عامة ومشتركة للإمبراطورية الكبرى المتعددة الألسنة واللغات واحتل التجار السوريون في البر والبحر دوراً هاماً في بنية الدولة الاقتصادية فحملوا معهم العطور والأقمشة والعقاقير والتمر والزيوت والثمار المجففة واستوردوا الحرير والتوابل والبخور وتحركت أسرات وجاليات بين بلدان الدولة وأقطارها حاملة معتقداتها وثقافاتها وعاداتها فأثروا وتأثروا في البيئات الاجتماعية والأوساط الثقافية التي انتقلوا إليها وهو ما يبدو لنا بأجلى صورة في دراسة أحوال أسرات سورية آرامية أقامت في مصر حوالي القرن الخامس ق. م.‏

3 ـ ملامح من أحوال أسرة آرامية مقيمة في أسوان في حوالي أواسط القرن الخامس ق. م:‏

الأسماء:‏

تستند هذه الدراسة إلى نصوص عدد من الرسائل (24) نشرها مراد كامل واداً برتشياني عام 1966 ودرسها وترجمها إلى الانكليزية ب. بورتن عام 1968 وإلى الفرنسية ب. غرولو عام 1972 وهانحن أولاء نقدم مع نقد الدراسة ترجمة لهذه الرسائل إلى العربية بعد الرجوع إلى النص الآرامي والترجمات الحديثة له.‏

أرسل هذه الرسائل شخصان هما: مكي بنيت (من كبنيت) وبنيت هي عشتار ربة الخصب والإنجاب والبنوة. ونبو شذب (نبوشة = نبو يشذب) من منفيس إلى أهلهما في أسوان.‏

لهذه الرسائل قيمة تاريخية كبيرة فعدا عن محتواها وأسلوبها وخطّها ورد فيها ما يقرب من خمسين من أسماء الأعلام وإن لهذه الأسماء أهمية كبيرة من الدلالة على المجتمع الذي ينحدر منه أصحابها. وهي مصدر الدلالة على الهوية الاثنية للأفراد والجماعات وعلى العلاقات الأسرية ومؤسسات العائلة والمعتقدات. وبعد أن سلطت الأضواء في الدراسات التي صدرت من قبل عن هذه الوثائق على الأسماء اليهودية أعدت قوائم مفصلة بأسماء آرامية وفينيقية ومصرية وأكاديمية وإيرانية وأناضولية وعربية وإغريقية (25). وهكذا فإن المجتمعات الكبيرة المدنية تلتقي فيها جنسيات وثقافات متعددة. وإننا نرى أن دراسة أمثلة من هذه الأسماء قد تقدم لنا عينة يمكن أن تساعد على تكوين فكرة عن الجالية التي كانت تعيش في أسوان وفي مراكز أخرى. فالاسم في المكان الذي يوجد فيه وبالصيغة التي يكتب بها وثيقة تعبر عن انتماء صاحبه وعن هويته الثقافية، كما تعبر الأسماء المختلطة عن تفاعل الثقافات وهذه الأمثلة عن أسماء مركبة مع أسماء معبودات مثل:‏

سين (القمر): أخت السين، سين عقب، (سين حرس) سين أبُلط (سين أحيى).‏

بنيت (عشتار): مكي بنيت (من كبنيت).‏

نبوتن: نبو أعطى.‏

نبو راعي: نبو راض.‏

نبو شذب: نبو شذب (خلص، أنقذ).‏

نبو عقب: نبو حرس.‏

ونجد أسماء آرامية مركبة مع اسم الربّة عشتار، عثر أثار، كما تلفظ بلهجات مختلفة مثلاً:‏

أتا أدرى: عشتار، عنات أرزى / أدد أدرى / أزرى.‏

عتر ملكي = عشتار ملكي.‏

عتر دمري = عشتار قوّتي وناناي حم= ناي الحميمة.‏

ووردت في النصوص أسماء أعلام مركبة أرباب مصرية، مثل حُر ورع:‏

وحب رع = رع رحيم، واسع الصدر، وهو اسم الفرعون أبريس.‏

حروص = حور ووجا أي حُر سعيد.‏

من الأسماء الآرامية الدارجة التي يتضح لنا معناها بالمقابلة الفورية مع العربية:‏

أبي طاب: أي طيب.‏

أخي قر: أخي غالي، وقور.‏

عبد صدق: عبد صادق.‏

عوذ نهر: نهر أو نهار يعوذ.‏

رحب آل: آل رحب.‏

راعي بل: بل راع.‏

أخت أبو: أخت الأب.‏

وهناك مجموعة من الأسماء غير المركبة من العربية القديمة:‏

عمرو: وأيضاً عبد عمرو أي عمر وعاش عمراً مديداً سعيداً.‏

بئرى: نبعي.‏

حبيب: حبب.‏

حجّاج: المُكثر من الحج.‏

حرمان: من محرم.‏

عدي: من عاذ: معاذ.‏

عربايا: العربي.‏

عُقبة: عقبة، حرس.‏

وهنا أسماء طريفة مثل:‏

قلقلان: من قلقل، وسائل من سأل ويتم، يتما: يتيم.‏

بنية الأسرة ومشكلاتها:‏

الأسرة الآرامية التي نتحدث عنها هي أسرة أبوية تخضع لسلطة الأب الكبير في الأسرة وهو الجد: بسامي (بسامتيخ) ابن نبو نتن. زوجة الجدة ماما، وخلافاً لاحتمال التشابه اللفظي مع مفردات تدل على الأم يرجح أن يكون الاسم مشتقاً من معم، معمع بالمصرية، نخلة وهذا المعنى يفضل على ميمي، ميميت: زرافة.‏

ويُخاطب الجد والجدة في الرسالة بكل احترام: خادمك سيدي، وما يزال هذا الخطاب مرعياً في التربية الأسرية الشامية.‏

أما مرسلاً الرسائل فينتميان إلى أسرة واحدة. ولكن لا نستطيع أن نعرف بدقة صلة القرابة الحقيقية، لأنه ليس من الضروري عندما يخاطب المرء رجلاً آخر: أبي، أو امرأة: أمي أن يكون ولداً لهما كما هو حال نبوشة الذي يمكن أن يكون ابناً لـ بط خنوم (خنوم أعطى!) وماما أو صهراً لماما ولزوجها الثاني بسامي.‏

ونقع أمام إشكال آخر عندما نقرأ كلمة أخ أو أخت فعلى الطريقة المصرية القديمة يتخاطب الزوجان بقولهما:‏

أخي أختي سن، وسنت، كما يمكن إطلاق هذا النداء على أشخاص آخرين من الأقرباء.‏

ويرد معنا اسم زوجة مكي بنيت تاشاي (تع نت شي)= Tasay واسمها مصري معناه ابنة القدر. ويقيم بعض أفراد الأسرة تارو وتابي في أوفى (الأقصر) بينما تقيم رعية أم حروص وتاشاي زوجة مكي بنيت بسامي رب الأسرة حم زوجة نبو شذب في أسوان.‏

ونستطيع أن نفهم من مضمون رسائل الخاصة أن توزعها كان لضرورات العمل والوظيفة. كما أننا نستطيع أن ننفذ إلى ضمير أفراد هذه الأسرة لندرك عمق إيمانهم إلى جانب تسامحهم وبعدهم عن التعصب فالرسائل التي أرسلت من منفيس إلى أسوان كانت تتوج بتوجيه التحية إلى معبد نبو (المعبد الآرامي) ثم بمباركة بتاج رب منفيس المصري، وفي ذلك مثل رائع على التسامح الديني بين الآراميين المقيمين في مصر إلى جانب جاليات أخرى ومؤمنين آخرين.‏

كانت الرسالة تطوي ويكتب على الوجه الخارجي اسم المرسل إليه واسم المرسل والعنوان. وكان البريد ينقل بطريق المراكب النيلية ويحمله المسافرون من التجار أو الجنود، أو الموظفون الرسميون.‏

ولكن ماذا تتضمن هذه الرسائل؟ إنها تتضمن ما يمكن أن تواجهه أية أسرة في حياتها اليومية: قلق الأب الغائب على بيته وصحة أولاده (في نص رسالة الحلم). قلق الأم على ابنها، (في رسالة مكي بنيت إلى أخته). أم رسالة مكة بنيت إلى زوجة فهي على جانب كبير من الأهمية لما تتضمنه من معلومات من حاجات الأسرة ومشترياتها: من الصوفي وزيت الزيتون وزيت الخروع والخشب.‏

وفي رسالة مكي بنيت إلى بسامي إشارة إلى طلب جلود حيوانات لصنع معطف أو رداء. أما رسالة نبو شذب إلى زوجة ناناي حم فتتضمن طلبات وتحيات إلى أفراد الأسرة والأصدقاء والجيران. وتتضمن الرسالة الأخيرة نص بطاقة من رجل إلى أمه يوصيها برعاية أطفاله. وهي تطلعنا على بعض دخائل حياة الناس وهموهم اليومية والعادية وتؤكد لنا اهتمام رب الأسرة بأسرته ورقابته عليها..‏

وفيما يلي ترجمة عربية لنصوص هذه الرسائل:‏

النصوص:‏

النص الأول: الحلم، من سجل النقوش السامية (CIS II ,137)‏

هو من أكثر النصوص طرافة لكنه من أكثرها صعوبة. ربما يتضمن الحديث عن حلم يرويه مرسل الرسالة لزوجته. يقول أنه منذ أن رأى الحلم وهو يشعر أن حرارته ارتفعت وبدا له من يخاطب بقوله: رعتك السلامة:‏

"والآن إن شئت ينبغي أن تشتري أي شيء يجب أن يأكل الأولاد وإلا يُبقوا من الطعام شيئاً".‏

وكأن هذه الرسالة التي اختلف في ترجمة نصها الأصلي المترجمون (26) جواب على رسالة من الزوجة إلى زوجها المقيم في مقر عمله، يكلفها بأن تشتري أي شيء من الطعام لتقديمه لهم بدون تقنين أو تقتير.‏

النص الثاني: رسالة مكي بنيت إلى أخته (27) من مجموعة رسائل هوموبوليس (LH 1) يبدو أنها رسالة جوابية على رسالة تلقاها مكي بنيت من أخته رعية (رفيقة).‏

يؤكد مكي بنيت اهتمامه بما تشكو منه ويبدي رأيه بمشكلات تخص أسرته.‏

نص الرسالة:‏

"السلام على بيت نبو،‏

إلى أختي رعية: من أخيك مكي بنيت، ليباركك بتاح لأرى وجهك بصحة طيبة.‏

سلامي إلى بنيتي سرلئي (اسم أكادي معناه لتمنحني بنيت ابناً عادلاً وقوياً)، إلى أرج إلى أيسيرا شوت (Isrswt = 3s rs wy إيزيس تسر، وإلى شردور (الملك حصن)، حروص قلق عليهم.‏

الآن، كل شيء هنا على ما يرام فيما يخص حروص. لا تقلقي عليه. أهتم به كما لو كنت أنت تهتمين به. تابيموت وأحت تعنيان به. والآن (أقول) إنك لم ترسلي رسائل لاسمه والآن أنت قلت لبتاي، وأنت غاضبة علي: أن لا أحد سائل عن حروص. الآن أقول: كما أعنى بحروص تعني بنيت بي. لأنه حقيقة هو أخي، أرسل إليهم (لحروص ومن معه) مبلغ من المال (من منفيس) وستحفظ لحسابهم في أسوان إن وجد دائن بهرن يطالبهم بدينه فلتحولوه إلى تابيموت (التي تسلمت المبلغ). والآن لا تشتر (لحروص) ملابس ولا ترسلي إليه شيئاً. أرسلي إليه أخباراً عن بقية (متبصرة) و(ربما هي قريبة لتابيموت). الآن وجهي اهتمامك إلى تاشاي وإلى ابنها.‏

وأخبريني بكل ما يمر بالبيت من أحداث.‏

لتحيتك أرسل إليك هذه الرسالة."‏

(العنوان): "إلى أبي بسامي بن نبو نتن."‏

من مكي بنيت. يحمل إلى أسوان."‏

النص الثالث: من مجموعة رسائل هرموبوليس (LH 2):‏

رسالة من مكي بنيت إلى زوجه (28).‏

في الوقت الذي أرسل فيه مكي بنيت رسالة إلى أخته أرسل رسالة أخرى إلى زوجه تا شاي. ويتضح من هذه الرسالة مدى ضغط المشكلات الاقتصادية على الأسرة وأهمية التجارة الداخلية. والحاجة الماسة إلى الخشب.‏

نص الرسالة:‏

"سلام على بيت بنيت، إلى أختي تاشاي، من أخيك مكي بنيت. ليباركك بتاح لأرى وجهك بصحة طيبة.‏

نبوشة بخير هنا لا تقلقي عليه. لن أبتعد عن منفيس سلامي إلى بسامي وياقي (يقيه حذرة، بصيرة)، سلامي إلى ناناي حم.‏

الآن مبلغ المال الذي كان معي أقرض بفائدة إلى بنيت سر ابن طاباي (تلاحظ النسبة إلى الأم) أخت نبوشا وهو 6 ثقل وزوز واحد من الفضة، (الزوز: نصف ثقل).‏

الآن أرسلي إلى تاباي: (تاباي: صابة باي أتت) لترسل لك كمية من الصوف لقاء ما عليها من الماء وهو ثقل واحد. الآن إن سُلّمت إليك نعجة من صوفها أخبريني برسالة. وإذا أعطي إليك الصوف المستحق من قبل مكي أرسلي إلي (رسالة). وإن لم يعط إليك الصوف أرسلي إلي. عندئذ أعترض عليهم هنا.‏

الآن اشتريت زيت زيتون من أجل يقي، وثوباً، وإناء جميلاً لك وزيتاً معطراً لبيت بنيت (المعبد). لكنني لم أجد من يحمل لكم هذا كله.‏

الآن أرسلي لي من زيت الخروع 5 حفنات (29). أعط من الحبوب إلى وحب رع: ليشتري بها أعمدة من الخشب وليدعها في بيته. لا تعترضي سبيله بشيء ليشتر كل عمود يعثر عليه. إذا ما أعطتك رعية من الصوف أرسلي لي.‏

سلامي إلى تيطوزيري (اسم مصري): تع ديت أوزر، (أي هبة أوزر) اعتني بها.‏

أرسلت إليك هذه الرسالة لأحييك."‏

(العنوان): "إلى تاشاي من مكي بنيت بن بسامي ينقل إلى أسوان".‏

النص الرابع: من مجموعة رسائل هرموبولس (Lh 3):‏

من مكي بنيت إلى بسامي (أبيه)‏

ومعظم محتواها يخص وهب رع‏

يظهر في هذه الرسالة اسم الأم ممه: (ماما). ولم تتضح علاقة القربى مع رحب رع ربما كان صهراً وزوجاً لإحدى أخوات مكي بنيت.‏

يلفت النظر طلب الجلد لصنع ملابس جلدية. وذلك لتوفر الجلد في إفريقية. ربما كان يؤتى بها من النوبة وتشترى في سوق أسوان.‏

نص الرسالة:‏

"سلام على بيت بنيت في أسوان:‏

إلى سيدي بسامي، خادمك مكي بنيت.‏

سلامي إلى أمي ممه (ماما) سلامي إلى أخي بتاي، إلى زوجته وأولادها، سلامي إلى رعية لتكن مطمئنة من جهة حروص، لن أتركه وحيداً بقدر ما أستطيع. وإني الآن أعنى به.‏

إلى أخي وحب رع من أخيك مكي بنيت.‏

أرسل إليك تحيتي وأمنياتي بطول العمر.‏

الآن إن وصلت إليك جرة الزيت الصافي، أرسل إلي وأخبرني عن طريق عقبة بن رحب رع.‏

الآن أطلب مني ما تريد.‏

أرسل لي جلوداً، الكمية اللازمة لصنع ملابس جلدية عدد (1). اقتطع من شعير تاشاي وسدد به ثمن الخشب. ودع لممه (ماما) كل عارضة خشبية تجدها.‏

اشتريت من البروكار "حطبت" (يرد ذكرها في وثائق عقود الزواج أيضاً ومن الزيت المعطر، لكنني لم أجد من يحمله لكم.‏

الآن أرسلوا لي من زيت الخروع 5 حفنات (الحفنة مقدار يساوي ملء الراحتين).‏

لا تقلقوا علي، لكنني أنا قلق عليكم.‏

لتحيتكم، أرسل إليكم هذه الرسالة."‏

(العنوان): "إلى والدي بسامي من مكي بنيت بن بسامي، ينقل إلى أسوان."‏

النص الخامس: من مجموعة رسائل هرموبوليس. (LH 4):‏

رسالة من نبو شذب إلى زوجته ناناي حم (ناناي الحميمة) (30).‏

موضوع هذه الرسالة أمور عائلية خاصة تتعلق بالملابس ومرة أخرى بزيت الخروع الذي كان من المواد التي تتجر بها الأسرة وتأتي هذه الرسالة شاهدة على دخول الطقوس الدينية الرافدية والسورية إلى مصر. وتؤكد مصادر أخرى تعدد مراكز عبادتها في مجدول ومنفيس وأسوان (31).‏

وهذا يعني بنظرنا أن الحضارة المصرية القديمة لم تكن منعزلة عن حضارة المشرق العربي القديم.‏

نص الرسالة:‏

"السلام على بيت بيت آل وعلى بيت ملكة شمين (ملكة السماء) إلى أختي ناناي حم من أخيك نبوشة.‏

ليباركك بتاح لكي أرى وجهك بصحة طيبة.‏

سلامي إلى بيت آل نتن: سلامي إلى نقي، إلى عشا (ع C S = غني)، إلى تاشاي وعناتي وآتي ورعية.‏

الآن الثوب الذي أرسلته إلي وصل.‏

إن قلبي لم يتعلق به، سأبادله بإناء مع آتي.‏

الآن الثوب الذي أرسلته إلى أسوان هو الذي ألبسه. الآن أرسلوا إلينا زيت خروع ونبادله بالسمن (ربما زيت السمسم).‏

الآن لا تقلقي علينا علي وعلى مكي بنيت لكننا نحن قلقون عليكم. احرصوا على بيت آل نتن من حبب (أو خبب) (أيضاً حبب) في المصرية القديمة تعني الماء والنهر.‏

الآن إن وجدت من أثق به أرسلت لكم شيئاً معه.‏

سلامي إلى شبتاي بن شوج. سلامي إلى باساي، سلامي إلى عزر بن باساي، سلامي إلى سلائل بن بتحورتيس (من أعطاه حورتيس) وإلى عشا بن بتاح نوم.‏

سلامي إلى الجيران جميعاً.‏

لتحيتكم أرسلت هذه الرسالة. سلامي إلى أبي بسامي سلامي إلى أمي ممه وسلامي إلى أخي بتي وزوجه.‏

سلامي إلى وحب رع."‏

(العنوان): "إلى ناناي حم من نبو شذب بن بتاح نوم.‏

إلى أسوان."‏

النص السادس: من مجموعة رسائل هرموبوليس (LH 5):‏

رسالة من نبوشة باسمه وباسم مكة بنيت‏

إلى تارو وتابي أختيه (32).‏

في هذه الرسالة بطلب المرسل إرسال صندوق. ويلح فيها على ضرورة إرسال زيت الخروع المطلوب مع حروص بن بيت شذب… ويتساءل شاكياً: "كيف حدث أنكم لم ترسلوا لي رسالة؟ أنا عضتني أفعى وكدت أموت وأنتم لم ترسلوا لي رسالة لتعرفوا إن كنت حياً أو ميتاً."‏

لتحيتكم أرسلت هذه الرسالة.‏

إلى تارو من نبوشة بن بتاح نوم إلى أوفي."‏

النص السابع: من مجموعة رسائل هرموبولس (LH 7):‏

بطاقة من رجل إلى أمه (33).‏

في هذه البطاقة المختصرة يتوجه رجل إلى أمه أتاردمري (وتدعى تحبباً آتار دي) طالباً إليها رعاية أولاده وهي بكلماتها القليلة حافلة بمعانيها الإنسانية وتعكس بوضوح عواطف رب الأسرة واهتمامه بأولاده والعلاقة بين الابن وأمه. وهي على بساطتها عميقة في تعبيرها عن سمات إنسانية في الحياة الأسرية في بلاد الشام في الفترة التي تناولناها في هذا البحث.‏

نص البطاقة:‏

"إلى أمي أتار دمري من أخيك أماي أبعث إليك بسلامي وبامنيتي لك بحياة مديدة.‏

سلامي إلى أخوتي (بناتي) أيسيويري، زبابو، كاكي، الآن أتوجه إليك أرعي هؤلاء البنات. سلامي إلى فاسارازا (اسم فارسي) وإلى شبنيت وأولادها وإلى بيطامون. سلامي إلى هيربووطا وأخته.‏

لتحيتك أرسلت هذه الرسالة.‏

(العنوان): "إلى أختي آتار دي من أخيك أماي.‏

ينقل إلى أوفي."‏

الخاتمة:‏

بعد هذا الاستعراض لجوانب عديدة من الحياة اليومية والأسرية في بلاد الشام خلال فترات من الألف الأول ق. م قد يمكن لنا أن نستخلص النتيجة التالية:‏

إن أبعاد الاتصال الحضاري في التاريخ العربي أبعد مدى وأعمق غوراً مما هو متداول ومألوف في معرفة هذا التاريخ في حدود الزمان والمكان، وهو ما يستدعي ضرورة الاهتمام بالدراسات اللغوية والتعمق في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية لاستجلاء جوانب الحياة الإنسانية المختلفة.‏

وبمثل هذه الدراسات يغدو الإنسان نفسه وكله مصدراً تاريخياً كاملاً هذا الإنسان كله بجسمه ومسكنه بلغاته وغذائه وأدواته وبمظاهر عقلياته وتغيراتها، كل هذه المواد التي أهملت وأهمل البحث فيها في السابق أضحت أخيراً مادة للدراسة بين أيدي الباحثين والمؤرخين.‏

وبهذا الصدد يقول أحد أعلام مدرسة التاريخ الجديد في فرنسا، بيير نورا: "بينما يؤدي اتساع التاريخ إلى العجز عن التأريخ، يجري بالمقابل استثمار أكثر دقة للثوابت والسواكن في التأريخ المشترك. ومن هذه الرؤية يكون التطلع إلى البحث التاريخي، وإلى الكتابة التاريخية التي تجدد عندنا وسائل التعرف والإطلاع وتشحذ فينا الرغبة في المعرفة التي تصنع حاضرنا" (34).‏

الحواشي:‏

1 – A. CAQUOT, Lecon Inaugrale, Paris 1972. P, 13.‏

2 – A. E. COWLEY, Aramaic Papyri of te fifth century B.C. oxford (1923).‏

E. G. KRAELING, the Brooklyn Museum Aramaic Papyri, Mew Documents, of the‏

Fifth century B.C. New Haven, (1953).‏

E. BRESCIANI-M. KAMIL, le letter aramich di Hermopoli, Rome (1966).‏

3 -B. PORTEN, Archives from Elephantine, Berkeley & Los Angeles (1968) P. 264.‏

B. PORTEN, Aramaic texts with translation (1976).‏

4 – P. GRELOT, Documents Arameens d,Egypte (1972), P. 144 – 168.‏

5 – GRELOT, op. et suiv.‏

6 – PORTEN, Archives.. P. 18 – 173.‏

6 – (Double) IDEM p. 17, 18, 172 – 175.‏

7 – GRELOT, Docments .. P. 150.‏

H. DONNER – W. ROLLIG = Kai II No. 181 P. 8 ـ انظر نص نقش ميشع ملك مؤاب في: 188.‏

9 ـ انجيل لوقا 11: 7 وما بعد.‏

10 – KAI II, No. 216, 233.‏

11- حول المؤامرة على امنمحت انظر:‏

E. DRIOTON ET J. VANDIER, L,EGYPTE, PUF, 1938 / 1975, P. 251.‏

12 – KAI II, No, 182, 181.‏

13 ـ أشعيا 28: 24.‏

14 ـ جورج حداد، تاريخ الحضارة دمشق 1951 ص 115..‏

15 ـ المرجع نفسه.‏

16 ـ انظر الأسطورة في: TEXTES OUGARITIQUES, E.. Ducerf, Paris 1974, 223.‏

17 – A. DUPONT – SOMMER ET J STARCK, Les inscriptions arameennes de sefire, paris 1958, P. 4 – 5.‏

18 – J. DESHAYES, Les civilizations de l,orcien, Arthaud, paris 1969, P. 308.‏

19 ـ راجع محمد سعيد القاسمي، قاموس الصناعات الشامية، مادة دباس.‏

20 – ARCHIVES ROYALES DE MARI XXII (1983) No. 276.‏

21 – ANDRE PARROT, MARI, payot, / fig. XXV / 2. paris, (1974).‏

22 – J. DEHAYES, Les civilisations de l,orient Ancien, P. 601.‏

23 – J. DEHAYES. Op. cit. p, 558, voir C. Descamps de Merzenfeld, Inventaire cimmente des Ivoires pheniciens, paris 1954.‏

24 ـ انظر فوق، الحواشي ذات الأرقام 2، 3، 4.‏

25 ـ انظر خاصة:‏

P. GRELOT, op. cit. 455.‏

26 – H. DONNER, W. ROLLIG LAI II, No. 270 p. 321.‏

P. GRELOT, Documents No. 22 p. 139.‏

27 – OP. cit. p. 150.‏

28 – OP. cit. p. 154.‏

29 ـ ذكر زيت الخروع في هذه الرسالة (الآرامية T Q M) تشير إلى أهمية هذه المادة في الحياة اليومية. انظر دراستنا في "مجلة الدراسات السامية".‏

H. FARZAT Encore sur le mot YQM, semitica XVII paris (1967) P. 77 – 80,‏

وفيها وضحنا استعمالات الخروع في الطب المنزلي آنذاك: للسعال، للضماد وللتقطير في العين. وينقع نباته وورقه مع نباتات أخرى لاستخدامه في الحمام. وكان يستخدم وقوداً للتنوير بشهادة هيرودوت.‏

30 – P. GRELOT, Documents.. P. 160.‏

31- ـ سفر أرميا، 44: 15 ـ 9.‏

32– P. GRELOT, OP. cit. p. 163.‏

33– OP. cit. p. 167.‏

34 – DE CERTEAU, L,ecriture de l, Histoire Gallimard, paris (1975).‏

1 محاضرة ألقيت في الندوة الرابعة للسمات الإنسانية للعلم والعمل في بلاد الشام في 4 / 10 / 1985. ونوقش موضوعها في جمعية البحوث والدراسات باتحاد الكتاب العرب في 2 / 11 / 1985

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 23 – السنة السادسة – نيسان "ابريل" 1986 – شعبان 1406

162 Views

عن dahsha

إلى الأعلى