الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » شعر وشعراء » الخصائص اللغوية والنحوية في شعر الصعاليك شوقي المعري

الخصائص اللغوية والنحوية في شعر الصعاليك شوقي المعري


الخصائص اللغويّة والنحوية في شعر الصعاليك ـــ شوقي المعري

لم يكن شعر الصعاليك بدعاً من سائر الشعر الجاهلي، أي اتهم كما اتهم الشعر الجاهلي كله من قبل د. طه حسين وغيره على أنه منتحل على أصحابه الذين عاشوا في الصحراء متنقلين من مكان إلى آخر، هاربين من ظلم الحياة. مطاردين ومطاردين قبائل أخرى في الصحراء ينهبون ويسلبون، فكانوا طائفة خارجة على المجتمع، متمردة على أوضاعه وتقاليده. فلم يحفل بهم القدماء وخاصة الذين جمعوا أشعار الجاهليين- لأنه لم تكن هناك أواصر صداقة ومودة بينهم وبين مجتمعهم- فذهب أغلب شعرهم نتيجة هذا التشرد في الصحراء.

ولكن على الرغم من هذا فقد وصلت إلينا مجموعة كبيرة من أشعار الصعاليك، وقد توزعت بين كتب اللغة والأدب القديمة كالأغاني، ولسان العرب، وجمهرة أشعار العرب، والمفضليات، والأصمعيات، وكتب الحماسة، وقد وصلت عن طريق قبائلهم أو عن طريق القبائل التي استجاروا بها أو عن طريق الصعاليك أنفسهم الذين كانوا يروون أنفسهم وخاصة عروة بن الورد.

فمن خلال هذه الكتب –مع صعوبة إيجاد ديوان لأحدهم باستثناء ديوان جمع شعر عروة والشنفرى- سنعرض لأهم خصائص شعر الصعاليك، من الناحيتين اللغوية والنحوية.

1-الغريب:

إن وجود الغريب في شعر الصعاليك هو الصفة الغالبة على شعرهم بل هو أبرز الصفات على الإطلاق، ولقد كانت لغتهم لغة الشعر الجاهلي، فمهما ابتعدوا عن المجتمع –هاربين مطاردين ومطاردين- فاللغة هي الرابط الأكبر الذي يربطهم بهذا المجتمع.

ولغتهم هذه كانت كالعملة التي اتفق المجتمع الأدبي على أنها أساس التبادل الفكري بين أفراده جميعاً، وهذه اللغة كثيراً ما اختلف فيها القدماء فيما بينهم في شرحها وتفسيرها لصعوبتها فهي تحتاج إلى إجهاد فكري كبير في بعض الأحيان فنحن لا نستطيع قراءتها دون الرجوع إلى المعاجم اللغوية الكبيرة.. والتي احتوت على الكثير من هذه الأشعار التي كثر فيها الغريب، فشعر الصعاليك مليء ويعج بهذه الألفاظ الغريبة، ويكاد تأبط شراً يكون على رأس الشعراء الصعاليك في صعوبة لغته، وهذا ما سنجده من خلال عرضنا لأشعاره. يقول(1):

وحثحث مشعوف النجاء كأنني *** هجفٌ رأى قصراً سمالاً وداجنا

من الحص هزروفٌ كأن عفاءه *** إذا استدرج الفيفا ومد المغابنا

أزج زلوج هزرفيٌ زفازف *** هزف يبذ الناجيات الصوافنا

إننا نلاحظ في هذه الأبيات الثلاثة أن كل كلمة تحتاج إلى تفسير، وهي من الصعوبة أن تفهم من القراءة الأولى، وعلينا الرجوع إلى معاجم اللغة لشرح كل كلمة، وأغلب هذه الكلمات تعني السرعة، وتدور حول معنى الركض والهروب، والفرار التي كان يحياها هو والصعاليك.. فهو يركب حصاناً كالمجنون المذعور يركض بسرعة الظليم وقت غروب الشمس وقد رأى ماء، وجواده قليل الشعر فتراه لسرعة عدوه يطير شعره إذا استدرج في الفلوات، مد أفخاذه في عدوه. ثم هو سريع فأزج زلوج وهزر في كلها تعني السرعة وزفازف تعني الريح، فهو في هذه الصفات يفوق غيره من الخيول.

ويقول يصف شعباً يسلكه: (2)

وشعب كشلّ الثوب شكس طريقه *** مجامع صوحيه نطاف مخاصر

به من سيول الصيف بيض أقرّها *** جُبار لضم الصخر فيه قراقر

تبطنته بالقوم لم يهدني له *** دليل ولم يثب لي النعت خابر

به سملات من مياه قديمة *** مواردها ما ان لهن مصادر

فالشاعر يسلك هذا الشعب الصعب الشائك وفيه بقايا من مياه الأمطار التي اجتمعت بين جنباته، وما تزال فيه بقايا من سيول وغدران تركها سيل عظيم قلع الصخر من أمكنته وأنت تسمع صوته جيداً، ودخل في الشعب وهو لم يهد إليه، ولم يعرفه من قبل فوجد فيه بقية من حياة في حوض تركها سيل.

هذه الأبيات كسابقتها صعبة الألفاظ غريبة، ولكن ما إن نفهمها حتى نفهم معانيها.

وقد أورد صاحب اللسان بيتاً لتأبط شراً فيه كلمة غريبة لم يجدها إلا في هذا البيت وهي كلمة "الخيعابة":

ولا خرع خيعابة ذي غوائل *** هيام كجفر الأبطح المتهيل(3)

قال صاحب اللسان "ولم أسمع الخيعابة بمعنى الرديء إلا في قول تأبط شراً".

ويقول أيضاً يصف نفسه وقد هرب من بجيلة:( 4)

كأنما حثحثوا خصّاً قوادمه *** أو أم خشف بذي شث وطبّاق

حتى نجوت ولما ينزعوا سلبي *** بواله من قبيص الشد غيداق

عاري الظنابيب ممتد نواشره *** مدلاج أدهم واهي الماء غساق

كالحقف حدّأه النامون قلت له: *** ذو ثلتين وذو بهم وأرباق

يقول عندما لحقوا بي فكأنهم حركوا بحركتهم إياي ظليماً أو ظبية، فنجا من بجيلة كالمذعور المجنون الذي فقد عقله من شدة سرعته وهربه وطلبهم إياه. ثم يصف نفسه فيقول إني عاري الساقين وظهرت عروق الذراع فأنا أدلج الليل الممطر والمظلم، يعني أنه ذو عزم وقوة وجرأة، ثم شبه عدوه الذي يلحق به- وقد ذكره في بيت سابق- بأن شعره كالرمل الذي تلبد من كثرة ما سار عليه النامون، ويحقره بأنه صاحب قطع من الغنم.

ومن أشعاره التي كثر بها الغريب قوله(5):

قليل ادخار الزاد إلا تعلة *** فقد نشز الشرسوف والتصق المعا

فهو لا يدخل الزاد إلا قليلاً يتعلل به فآثر الطوى حتى هزل، وترى رؤوس أضلاعه شاخصة، وأمعاءه تلتصق بعضها ببعض لخلوها من الطعام.

هذه كلها أشعار مختارة لتأبط شراً، وكلها –كما رأينا- تحتاج إلى إجهاد فكر، والاستعانة بمعاجم اللغة الكبيرة لأننا نقف أمام طلاسم لفظية.

ولكن هل كان تأبط شراً وحيداً في هذا المجال أم أن الشعراء الصعاليك الآخرين قد ضمّنوا أشعارهم مثل هذا الغريب؟

إن الشنفرى يحذو حذو تأبط شراً في أشعاره من جهة إيراد الغريب، ويمتاز هو الآخر بأسلوب خشن في لفظه الذي يمثل الحياة البدوية الجاهلية أصدق تمثيل، والقوة التعبيرية عنده تجعل أسلوبه محكماً رخاوة فيه إلى جانب ما يمتاز به من صدق التصوير، والصراحة في النقل عن الحياة، ولنر أشعاره من خلال ديوانه: يقول:(6)

نمرُّ برهو الماء صفحاً وقد طوت *** ثمائلنا والزاد ظن مغيّب

ثلاثاً على الأقدام حتى سما بنا *** على العوص شعشاع من القوم محرب

فثاروا إلينا في السواد فهجهجوا *** وصوّت فينا بالصباح المثوّب

فهو مع تأبط شراً وغيره من الصعاليك أرادوا مهاجمة العوص فسلكوا الرهو ولم يتوقفوا عنده، وبعد ثلاثة أيام من السير ظهر له شعاع من هذه القبيلة فصاحت بعد أن ثارت علينا.

ويقول (7):

أنا السّمع الأزل فلا أبالي *** ولو صعبت شناخيب العقاب

ولا ظمأ يؤخرني وحر *** ولا خمص يقصر من طلاب

ويقول (8)

ونعل كأشلاء السماني تركتها *** على جنب مور كالنميزة أغبرا

أمشي بأطراف الحماط وتارة *** ينفّض رجلي بُسبُطا مغضصرا

ولصخر الغي قصيدة في كتاب الأمالي تعد من القصائد المغرقة في الإغراب، صعبة الفهم للمرة الأولى. فإذا ما أراد أحدنا أن يقرأها فعليه أن يتأنى كثيراً في قراءتها ثم أن يشرح ألفاظها لفظاً لفظاً ليفهم بعدئذ معانيها، ومن هذه القصيدة اخترنا هذه الأبيات.

يقول: (9)

تهزأ مني أخت آل طيسله *** قالت أراه مبلطاً لا شيء له

وقبلها عام ارتبعنا الجُعله *** مثل الأتان نصفاً جُنعد له

وتارة أنبثُ نبث النقثله *** خزعلة الضبعان راح الهنبله

وهل علمت فحشاء جهله *** ممغوثةً أعراضهم ممرطله

وأمنح الميّاحة السبحلله *** وأطعن السحساحة المشلشله

تكاد هذه الأبيات تكون ملخصة لإغراب كله في شعر الصعاليك.. فنحن أمام طلاسم لفظية، تصعب علينا قراءتها، وفهمها، فقد جمعت إلى جانب الإغراب أن صخر الغي قد نظمها على قافية الرجز التي هي من أصعب أنواع الشعر وأغربها.

أما أبو خراش الهذلي فهو مثال صادق –في لفظه- للشاعر الفطري القديم ومثال صادق للشعراء الذين عاشوا في البيد وألفوها وعرفوها.. فكان يصدر شعره بعفوية دون أن يهتم به أو يزينه أو يتأنق فيه. إنما جاء شعره غريباً خشناً متلاحقاً يعدل في سرعته سرعة حياته، ويشبه في صلابته أيامه. يقول(10)

رفوني وقالوا يا خويلد لم تُرع *** فقلت وأنكرت الوجوه هم هم

فغاليت سبّاق الدريس كأنما *** تزعزعه مومٌ من الورد مُردم

فو الله ما ربداء أو علج عانة *** أقبُّ وما أن تيس رمل مصمم

أُتبّت حبال في مراد يروده *** فأخطأه منها كفاف محزّم

كأن الملاء الممض خلف ذراعه *** صُراحية والآخنيّ المخذم

أوايل بالشد الذليق وحثني *** لدى المتن مشبوح الذراعين خلجم

لم يقف الغريب عند هؤلاء الشعراء فحسب بل لم يبق شاعر من شعراء الصعاليك إلا وغلب على شعره الذي قاله الغريب. الغريب في اللغة من حيث القراءة، وأحياناً من حيث القافية، وأحياناً أخرى صعوبة في الألفاظ الغريبة.

لقد كانت أشعار الصعاليك مرجعاً للغويين القدماء فاحتوت كتبهم من معاجم أو كتب أدب، الكثير من هذه الأشعار فاستشهدوا بها، فهي لا شك معين للباحث اللغوي وما تزال حتى الآن.

لقد غلبت هذه الصفة –الإغراب- على جميع الشعراء الصعاليك دون عروة ولكن لماذا؟!.

لماذا لم تكن أشعار عروة بن الورد مغرقة في الإغراب إلى الحد الذي وصل غيره إليه؟

هل –كما قال يوسف خليف- لأنه الزعيم الشعبي وأبو الصعاليك، فعليه أن يخاطب الجماهير بلغة يفهمها الجميع، ولأنه لم يعتزل مجتمعه، ولم يعش في الصحراء فجاء أسلوبه شعبياً سهل اللفظ –بالقياس إلى شعر الصعاليك- وواضح المعنى قريب التعبير لا تكليف فيه ولا تنميق.

إننا إذا ما طالعنا ديوان عروة بن الورد فإننا سنقع على بعض الأبيات التي تحوي ألفاظاً غريبة، أي أننا لا يمكن أن نحكم على جميع شعره أنه سهل بسيط، فهو إذا ما قال: (11)

أقب ومخماص الشتاء مرزءاً *** إذا أغبر أولاد الأذلة أسفرا

فنحن لن نفهم قوله هذا من المرة الأولى، وعلينا أن نعود إلى معاجم اللغة لنشرح الألفاظ الصعبة ثم لنفهم ما يقصد.. ومثل هذا قوله: (12).

وإن شئتم حاربتموني إلى مدى *** فيجهدكم شأو الكظاظ المغرب

فالكظاظ ما يملأ القلب من الهم والتعب والشده… وكان بإمكانه أن يأتي بلفظ أسهل من هذا وقريب إلى المعنى.. ويقول: (13)

أفي ناب منحناها فقيراً *** له بطانبنا طنب مُصيتُ

تبيت على المرافق أم وهب *** وقد نام العيون لها كتيت

وربت شبعة آثرت فيها *** يداً جاءت تغير لها هتيت

ففي هذه الأبيات ألفاظ غريبة كقوله كتيت وهو صوت غليان القدر وكلمة طنب وتعني الحبل الطويل الذي يشد به سرادق البيت أو الخيمة.

هذه الأشعار التي أوردناها لعروة تؤكد لنا أن أشعاره لم تخل من الإغراب في اللغة شأنه شأن أسرته من الصعاليك.

وأخيراً فهذه الأشعار تكاد تكون قاسماً مشتركاً عند جميع الشعراء الصعاليك وإذا ما قيست بشعر الشعراء الجاهليين –من غير الصعاليك- فهي مثله في غرابتها وتفوقه أحياناً عند بعضهم كما عند تأبط شراً… ونستطيع أن نعيد هذا إلى الحياة البدوية الجاهلية التي عاشها الجاهليون والصعاليك معاً.. لكن فرقاً واضحاً بين الشعراء الصعاليك والشعراء الجاهليين يظهر واضحاً جلياً، وهو أن الصعاليك عندما أتوا بهذا الغريب لم يعمدوا إليه ويتأنقوا فيه على عكس الجاهليين الذين اعتنوا بشعرهم أكثر، فجاء أحياناً وقد ظهرت فيه آثار الصنعة الفنية كما في المدرسة الأوسية.

2-عدم التكلف:

لم يكن الشاعر الصعلوك يفرغ نفسه لكي يتأنق في شعره ليأتي به على أحسن حال.. بل إن واقع حياته هو الذي لم يسمح له بهذا، فالصعلوك دائماً متنقل، هارب، وأنى له الاستراحة والهدوء لإعمال فكره في الشعر. فإذا أراد السليك بن السلكة أن يوصل خبراً لرفيقين له قال هذا الخبر وهو يركض ويعدو بسرعة فكيف سيأتي هذا الشعر منمق الألفاظ؟

يقول:

يا صاحبي ألا لا حي بالوادي *** إلا عبيد رآم بين أذواد

أتنظران قليلاً ريث غفلتهم *** أم تعدوان فإن الريح للعادي(14)

ولكن للشعراء الصعاليك أشعار نلاحظ فيها التفنن في القول ولكنها قليلة ونمثل لهذا بقصيدة لتأبط شراً قالها بعد أن نجا من أعدائه لحيان وعندما عاد إلى قومه: يقول:

فذاك قريع الدهر ما عاش حوّل *** إذا سُد منه منخر جاش منخر

أقول للحيان وقد صغرت لهم *** وطابي ويومي ضيق الحجر معور

هما خطتا إما اسار ومنة *** وإما دم والقتل بالحر أجدر(15)

هذه الآثار تتردد بين الفينة والأخرى في شعر الصعاليك، "ولكن هذه الصنعة قليلة لا تكفي لتكوين مذهب فني خاص نبيح لأنفسنا أن نجعله من خصائص شعر الصعاليك"(16)

ويمكن أن ندخل ضمن هذا الباب بعض الأبيات التي قالها الصعاليك وقد حوت التشابيه التي اعتمدت على الموازنة السريعة بين شيئين، لكن هذه الصور التي جاؤوا بها كانت قاتمة قليلة الإشراق، أما مصدر هذه التشابيه فكان من عالم الحيوان والطبيعة والإنسان…

يقول أبو الطمحان:

إذا شاء راعيها استقى من وقيعة *** كعين الغراب صفوها لم يكدر(17)

ويقول صخر الغي:

وأقبل مراً إلى مجدل *** سياق المقيد يمشي رسيفا(18)

ويقول الأعلم:

سود سحاليل كأن *** جلودهن ثياب راهب(19)

ويقول عروة مشبهاً صوت الرعد بزئير الأسد:

كأن خوات الرعد رز زئيره *** من اللاء يسكنّ الغريف بعثرا(20)

ومن الصور الجميلة هذان البيتان للشنفرى من تائيته المفضلية:

فبتنا كأن البيت حُجّر فوقنا *** بريحانة ريحت عشاء وطُلت

بريحانة من بطن حلية نوّرت *** لها أرج ما حولها غير مسنت

فصاحبته طيبة الرائحة تملأ البيت عطراً وكأن البيت أغلق على ريحانة مطلولة سرت إليها نسمات باردة في وقت العشاء فجاءت بأريجها المعطر وهذه الريحانة نبتت في ربوة، ولهذا هي قوية الرائحة وهي ناضجة خرج نورها وانتشر عطرها في كل جانب، وهي فوق كل ذلك قابعة في بقعة خصبة كل ما حولها خصب.

وهذا يقودنا إلى خاصة من خصائص شعر الصعاليك وهي:

3-الدقة في التعبير:

وهذه الدقة تتجلى في أبيات عديدة، وهي مظهر من مظاهر الصراحة الواقعية فنحن نرى هذه الدقة في الأرقام وتحديد الأماكن بدقة وتحديد اللفظ المعبر بدقة.

يقول تأبط شراً:

تقول تركت صاحباً لك ضائعاً *** وجئت إلينا فارقاً متباطئا

إذا ما تركت صاحبي لثلاثة *** أو اثنين مثلينا فلا أبت آمناً(12)

ومثال الدقة في تحديد الموقع الجغرافي في قول الأعلم الهذلي:

فلست لحاصن إن لم تروني *** ببطن ضريحة ذات النجال

وأمي قينة إن لم تروني *** بعورش وسط عرعرها الطوال(22)

وإلى جانب هذه الدقة في تحديد الموقع الجغرافي نجد الدقة في اللفظ الذي يحدد التعبير الدقيق والذي يحدد بدوره مدلول العبارة.. فتأبط شراً يحدد لنا خروج الحية بدقة بعد غروب الشمس وكأنه يعرف الدقيقة التي تخرج بها. يقول:

أصم قطاري يكون خروجه *** بُعيد غروب الشمس مختلف الرمس(23)

ويقول أبو خراش:

فلما رأين الشمس صارت كأنها *** فويق البضيع في الشعاع خميل(24)

لقد وصل الشعراء في الدقة درجة عالية، ويمكن أن نصادف عدداً من هذه الأبيات ولكن هل جاءت وليدة إعمال فكر؟

أظن أنها لم تأت نتيجة الإجهاد والإعمال، ولو كانت كذلك لرأينا العدد الأكبر منها، فهي لا شك جاءت عفوية وذلك قياساً مع طريقة حياتهم على عكس الشعراء الجاهليين الذين كانوا يقضون سنة كاملة في نظم القصائد التي سميت بالحوليات.

4-عدم الحرص على التصريع:

لأن الصعلوك كان ثائراً على مجتمعه تجيش في نفسه النزعة القوية للثورة على المجتمع وأوضاعه وتقاليده، والعمل على وصوله إلى الحرية التي طالما ناضل للوصول إليها.. فهو لم يقلد المجتمع هذا، حتى في شعره الذي لم يبدأه بالتصريع، بالإضافة إلى أن شعر الصعاليك هو شعر مقطعات والتصريع يكون غالباً في القصائد الطوال، ويمكن أن تكون قصائدهم قد صرّعت ولم تصل إلينا منها إلا مقطعات أما القصائد المصرعة المطالع فأشهرها قصيدة الشنفري المفضلية ومطلعها:

ألا أم عمرو أجمعت فاستقلت *** وما ودعت جيرانها إذ تولت(25)

وقصيدة تأبط شراً القافية ومطلعها:

يا عيد مالك من شوق وإيراق *** ومر طيف على الأهوال طراق(26)

وقصيدة عروة ومطلعها:

أقلي علي اللوم يا بنة منذر *** ونامي فإن لم تشتهي النوم فاسهري(27)

5-مسائل نحوية وصرفية:

لاحظ العلماء اللغويون القدماء أن هناك شعراً للصعاليك تصرف فيه أصحابه كما يشاؤون ولم يتقيدوا بالقواعد النحوية والصرفية المعتمدة فوجدوا بعض الكلمات التي أتت على وزن لم يستعمله أحد الشعراء قبلهم أو أنهم صرفوا الفعل على غير القياس.. من هذه الأبيات قول عروة:

أطعت الآمرين بصرم سلمى *** فطاروا في عضاه اليستعور(28)

قال ابن جني "لم يجئ في الأسماء يفتعول إلا يستعور وهو موضع(29)" وقال صاحب اللسان "بل هو شجر يستاك به.. وقيل إنه يريد السعير"(30).

وقول عروة:

وقالوا ما تشاء؟ فقلت: ألهو *** إلى الصباح آثر ذي أثير(31)

فهو أراد اللهو فوضع ألهو موضعه لدلالة الفعل على مصدره. وهو مثال قولك لمن قال لك: ما يصنع زيد؟ يصلي، أو يقرأ، أي الصلاة والقراءة.

وقول السليك:

على قرماء عالية شواه *** كأن بياض غرته خمار(32)

فقر ماء على وزن فعلاء وهو مثال نادر في الاسم والصفة.

وقول عروة:

إذا قلت قد جاء الغنى حال دونه *** أبو صبية يشكو المفاقر أعجف(33)

فجمع المفاقر على غير قياس وهي جمع للفقير..

ومن الشواهد التي تصرف فيها الشعراء صرفياً في الفعل قول الأعلم:

كأن ملاءتيّ على هزف *** يعُن مع العشية للرئال(34)

فرفع عين الفعل يعُن والصحيح كسر عين الفعل عن يعن.

ويلحق بهذه الخاصة خاصة أخرى هي استعمال بعض الألفاظ لغير الأصل:

يقول أبو خراش:

ولا أمغر الساقين ظل كأنه *** على محزئلاّت الأكام نصيل(35)

فالأمغر يقال للرجل، ويقال للمرأة مغراء ولكن أبا خراش استعمل اللفظ للإبل. ويقال للرجل إذا سقط خرّ لكن أبا خراش أعطى هذه الصفة للسيف. يقول:

به أدع الكمي على يديه *** يخرّ تخاله نسراً قشيبا(36)

أما تأبط شراً فيرى أن السماء هي أم النجوم، وقيل إن أم النجوم المجرة لأنه ليس من السماء بقعة أكثر عدد الكواكب منها. يقول:

يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي *** بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك(37)

6-عيوب الشعر:

يعد عروة الوحيد بين الشعراء الصعاليك الذي كثرت عنده العيوب الشعرية، ومن هذه العيوب القلب في قوله:

فلو أني شهدت أبا معاذ *** غداة غدا بمهجته يفوق

فديت بنفسه نفسي ومالي *** وما آلوك إلا ما أطيق(38)

فقد اضطره الوزن الشعري إلى إحالة المعنى فقلبه عروة إلى خلاف ما قصد به فهو أراد أن يقول فديت نفسه بنفسي..

ومن العيوب بتر المعنى في البيت الأول وإتمامه في البيت التالي: قال عروة:

فلو كاليوم كان علي أمري *** ومن لك بالتدبر في الأمور

لم يتم المعنى في هذا البيت فقال لإتمام المعنى:

إذاً لملكت عصمة أم وهب *** على ما كان من حسك الصدور(39)

ومن هذه العيوب الحذف كأنه يحذف الشاعر كلمة من اللفظ يتم المعنى بها.

يقول:

عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم *** ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا(40)

فإنما أراد أن يقول عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم في السلم ومقتلهم عند الوغى أعذر فحذف "في السلم".

لقد انفرد عروة بهذه الخاصة من دون غيره. والسبب ربما لأن عروة كان قليل الإغراب في شعره مما جعله يتأنق بعض الشيء في ألفاظه.

7-البيت المقلد- المستغني بنفسه:

من خلال قراءتنا لأشعار الصعاليك نقع على أبيات استغنت بنفسها، وجاءت بين طياتها الحكمة أو المثل عبرت عن معان جميلة صادقة، نابعة من الواقع الذي يعيشه الصعلوك وهذا بعض منها:

يقول تأبط شراً:

هما خطتا إما اسار ومنة *** وإما دم والقتل بالحر أجدر(41)

وله أيضاً بعض الأبيات التي قصد بها الإرشاد والتعليم، وتذكرنا بأبيات زهير بن أبي سلمى في معلقته. يقول:

إذا المرء لم يحتل وقد جدّ جدّه *** أضاع وقاسى أمره وهو مدبر

ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلاً *** من الخطب إلا وهو للقصد مبصر(42)

ويقول:

ومن يُغر بالأعداء لا بد أنه *** سيلقى بهم من مصرع الموت مصرعا(43)

ويقول:

ومن يغزُ يغنم مرة ويشمّت(44)

ويقول عمرو بن براق:

متى تجمع القلب الذكي وصارما *** وأنفاً حمياً تجتنبك المظالم(45)

ويقول أبو خراش:

حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا *** خراش وبعض الشر أهون من بعض(46)

لقد كانت معاني هذه الأبيات معاني جاهلية بدوية، تدور في أغلبها حول الصراع والقتال أي أنها تمثل الجزء الأكبر من حياة الصعاليك، وهي شديدة الاتصال بوقائع هذه الحياة.

وبعد استعراضنا لخصائص اللغة عند الشعراء الصعاليك وجدنا أن القصيدة عندهم لم تكن إلا مقطعات وربما عاد هذا إلى ضياع أغلب شعرهم، وهذا يعني أن القصيدة الواحدة –القصيرة لم تكن تتناول أكثر من موضوع واحد خلا من المطلع الغزلي أو الطللي، وخلا مطلعها من التصريع، ولقد حفلت هذه الأشعار بالغريب الذي كان عفوياً وبحكمهم العفوية التي استقوها من حياتهم اليومية.

وأخيراً يمكن أن نلخص لغة الصعاليك بهذه الكلمات: "مثال صادق في لفظه للشاعر الفطري القديم، ومثال صادق للشعراء الذين عاشوا في البيد وألفوها وعرفوها، فكانت تصدر بعفوية دون اهتمام أو تزيين أو تأنق ، إنما جاء شعرهم غريباً خشناً متلاحقاً يعدل في سرعته سرعة حياته ويشبه في صلابته صلابة أيامه.

الهوامش:

(1)الأغاني 21/136 لجنة نشر الكتاب- القاهرة.

(2)الأصمعيات 125- تحقيق شاكر وهارون.

(3)اللسان (خعب).

(4)المفضليات 27-31. تحقيق شاكر وهارون. الأغاني 21/132.

حماسة البحتري –52. تحقيق لويس شيخو.

(5)حماسة أبي تمام 2/67 – تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.

الأغاني 21/145.

(6)الطرائف الأدبية 32.

(7)الطرائف الأدبية 33 اللسان (شخب).

(8)الطرائف الأدبية 35.

(9)أمالي القالي 2/288. دار الكتب العلمية.

(10)حماسة البحتري 49.

الخصائص 1/247-258-3/337, تحقيق محمد علي النجار.

(11)ديوان عروة – دار صادر- 35.

(12)ديوان عروة –دار صادر- 17.

(13)ديوان عروة- دار صادر- 17.

(14)الأغاني 20/377.

(15)حماسة أبي تمام 1/38- العقد الفريد 3/22.

(16)يوسف خليف 308.

(17)الأغاني- بولاق 11/134. الحيوان 3/421.

(18)د. الهذليين 2/70 مصورة عن دار الكتب.

(19)د. الهذليين 2/80.

(20)ديوان عروة 56.

(21)الأغاني 21/135.

(22)شرح أشعار الهذليين 1/237- معجم البلدان 4/167.

(23)اللسان (قطر).

(24)د. الهذليين 2/119.

(25)المفضليات 108- الأغاني 21/186- الطرائف 33.

(26)المفضليات 27- الأغاني 21/132.

(27) الأصمعيات 43.

(28)د. عروة 32- د. عروة بشرح ابن السكيت 58. المزهر 2/65- مقاييس اللغة 3/76.

(29)المصادر السابقة.

(30)اللسان (شعر).

(31)وهو من الشواهد المشهورة. انظر ابن جني في الخصائص 2/433.

(32)الكتاب 4/258- معجم البلدان قرماء 4/329.

(33)د. الحماسة 4/246.

(34)د. الهذليين 2/83. حماسة البحتري 51.

(35)مقاييس اللغة 1/125.

(36)مقاييس اللغة 1/149.

(37)مقاييس اللغة 1/24.

(38)الموشح 85.

(39)الموشح 86.

(40)الموشح 233. وديوانه 82.

(41)حماسة أبي تمام 1/75.

الأغاني 21/141.

(42)العقد الفريد 3/22.

(43)حماسة أبي تمام 2/67. الأغاني 21/145.

(44)المفضليات 108.

(45)حماسة البحتري 21. المؤتلف والمختلف 88.

(46)حماسة أبي تمام 2/280.

http://awu-dam.org/trath/24/turath24-005.htm

كلمات البحث الموفِدة:

  • yhs-004 (1)
  • أهم خصائص شعر الصعاليك (1)
  • الخصائص الفنية المميزة لشعر الصعاليك (1)
  • خصائص أسلوب الشاعر عروة بن الورد (1)
  • قصيدة صعبة الالفاظ للشنفرى (1)
199 Views

عن

إلى الأعلى