الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » الأدب العربي » مفهوم الفصاحة بين ابن سنان وعبد القاهر الجرجاني وليد سراقبي

مفهوم الفصاحة بين ابن سنان وعبد القاهر الجرجاني وليد سراقبي


مفهوم الفصاحة بين ابن سنان وعبد القاهر الجرجاني ـــ وليد سراقبي

بادئ ذي بدء لابد من القول: إن النقد العربي قد تطور تطوراً كبيراً منذ زمن بعيد في العصر الجاهلي إلى أوائل القرن الخامس الهجري، ففي العصر الجاهلي نجد بعض الأخبار التي تعطينا فكرة عن بدايات نقدية عفوية، من ذلك مثلاً خبر احتكام امريء القيس وعلقمة الفحل إلى زوج امرئ القيس إذ قال امرؤ القيس:

خليليّ مرّا بي على أم جندب *** لنقضي حاجات الفؤاد المعذب

وقال علقمة:

ذهبت من الهجران في كل مذهب *** ولم يكُ حقاً كل هذا التجنب

وتابع كل منهما قصيدته فقالت لامريء القيس: علقمة أشعر منك. قال: وكيف ذلك؟ قالت: لأنك قلت:

فللسوط ألهوب وللساق درّةٌ *** وللزجز منه وقع أهوج منعب

فجهدت فرسك بسوطك، ومريته بساقك، وقال علقمة:

فأدركهن ثانياً من عنانه *** يمرّ كمرّ الرائح المتحلّب

فأدرك طريدته وهو ثان من عنان فرسه لم يضربه بسوط، ولا مراه بساق ولا زجزه(1).

وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين نجد كثيراً من الأحكام النقدية، كقول النبي صلى الله عليه وسلم في أمية بن أبي الصلت: "آمن شعره وكفر قلبه(2)" ومن ذلك أيضاً قول عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في زهير بن أبي سلمى: ".. إنه لا يمدح الرجل إلا بما فيه، ولا يعاظل في الكلام.."(3).

وهكذا ظل النقد العربي يسير في حركة متطورة، فظهر له أعلامه كالأصمعي وابن سلام وابن قتيبة والمبرد وثعلب في القرن الثالث، وابن طباطبا وقدامه والآمدي في القرن الرابع، وبابن رشيق وأبي العلاء الأجلاء ومن بينهم أبو العلاء المعري وعبد القاهر الجرجاني وابن سنان الخفاجي في القرن الخامس.

وابن سنان هو الأمير عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبي، كان واسع الثقافة تتلمذ على يد عدد من العلماء الأجلاء ومن بينهم أبو العلاء المعري. كانت وفاته مسموماً عام (466 هـ)، وقد خلّف لنا كتابه النقدي "سر الفصاحة" وكتاب "الصرفة" الذي ضاع مع ما ضاع من تراثنا الأدبي.

وقبل أن أخوض في مفهوم الفصاحة لابد لي من أن أعرّج قليلاً على المعاجم اللغوية لنرى المدلول اللغوي لهذا اللفظ. يقول صاحب التاج/: "الفصح والفصاحة: البيان. يقال: فصُح فصاحة فهو فصيح. وفصُح اللبن إذا أخذت عنه الرغوة، قال:

وتحت الرغوة اللبن الفصيح (4)

وقد وردت هذه اللفظة بهذه المعاني في قوله تعالى: .. وأخي هارون هو أفصح مني لساناً(5)" ووردت أيضاً في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أنا أفصح العرب لساناً بيد أني من قريش(6) ومن هنا نجد أن الفصاحة إنما هي الوضوح والإبانة وخلو الشيء مما يستره.

وقد قصر ابن سنان ـ في كتابه سر الفصاحة ـ الفصاحة على الألفاظ وحدها دون المعاني فقال: "الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، والبلاغة لا تكون إلا وصفاً للألفاظ مع المعاني، فلا يقال عن كلمة واحدة لا تدل على معنى يفضل عن مثلها بليغة، وإن قيل فيها فصيحة، وكل كلام بليغ فصيح وليس كل فصيح بليغاً(7)".

ويقول في مكان آخر من الكتاب: "الفصاحة نعت للألفاظ إذا وجدت على شروط عدة، ومتى تكاملت تلك الشروط فلا مزيد على فصاحة تلك الألفاظ(8)".

ويقسم ابن سنان شروط الفصاحة قسمين: "الأول يخص اللفظة المفردة، والثاني يخص الكلام المركّب. أما الشروط فصاحة اللفظة المفردة فهي ثمانية شروط:

الأول: أن تكون اللفظة مؤلفة من حروف متباعدة المخارج، لأن الحروف التي هي أصوات تجري "من السمع مجرى الألوان من البصر، ولاشك في أن الألوان المتباينة إذا جُمعت كانت في النظر أحسن من الألوان المتقاربة. ولهذا كان البياض مع السواد أحسن منه مع الصفرة لقرب ما بينه وبين الأصفر، وبُعد ما بينه وبين الأسود(9)" ومن الأمثلة الشعرية على ذلك قول امرئ القيس(10):

غدائره مستشزرات إلى العلا *** تضل العقاص في مثنّى ومرسل

وقد تبعه في شرطه هذا كثير من علماء البلاغة والبيان كالقزويني في كتابه "التلخيص" والسيوطي في كتابه "عقود الجمان في المعاني والبيان"(11).

ويؤخذ عليهم في هذا الشرط جعلهم الشذوذ قاعدة وشرطاً، لأن جلّ كلام العرب ـ وهم أرباب الفصاحة والبيان ـ إنما هو بعيد عن مثل هذه المشكلات اللفظية.

ثم أن التنافر الذي يقع في كلمة لا يعني أن مفردات الحروف مستكرهة، وإن كانت مختلفة في العذوبة والسلاسة، "لكن الاستكراه إنما يعرض من أجل التأليف لما يحصل بسببه من التنافر والثقل"(12).

وقد رد يحيى بن حمزة العلوي ـ وهو من علماء القرن السابع ـ على قول ابن سنان فقال: "… قد بان من حسن تصرف واضع اللغة امتناعه من الجمع بين العين والحاء، والغين والخاء،… وما ذلك إلا لما يحصل من تأليف هذه من البشاعة والثقل على الألسنة في النطق"(13).

"وليس ذلك من أجل ما يحصل من تقارب مخارج الحروف، وتباعدها، كما يزعمه ابن سنان وغيره من أرباب هذه الصناعة ـ فإنهم عوّلوا على أن القرب منها يكون سبباً في قبح اللفظ، والتباعد فيها يكون سبباً في حسن اللفظ، وهذا فاسدٌ، فإنه ربما يعرض لما كانت حروفه متباعدة استكراه في النطق، وهذا كقولنا: "ملع" أي: عدا، فالعين من حروف الحلق، والميم من الشفة، واللام من الوسط، ومع ذلك فهي ثقيلة على اللسان ينبو عنها الذوق ولا تستعمل في كلام فصيح. وربما عرض لما تقاربت حروفه حسنُ الذوق في اللسان فكان حسناً ومثاله: ذقته بفمي، فإن الباء والفاء والميم محلها أحرف متقاربة شفوية وهي رقيقة حسنة يخف محملها على اللسان…"(14).

الثاني: أن تتألف الكلمة تأليفاً خاصاً بحيث لو تقدم حرف على آخر في اللفظ لما كان لها في ذلك الحسن الذي حازته من قبل مثل كلمة (غصن فإن لها جرساً يختلف عن قولنا: (عسلوج) ويختلف عنه لو قدمنا أحد الأحرف على غيره، "وهذا التأليف المخصوص قد يكون من جهة الاشتقاق كقول أبي الطيب(15):

إذا سارت الأحداج فوق نباته *** تفاوح مسك الغانيات ورندُه

فإن كلمة (تفاوح) في قمة الفصاحة". وهنا لانجد لابن سنان دليلاً أو حجة يمكن أن يركن إليها المرء، اللهم إلا استحسانه هو لهذه اللفظة أو تلك. إلا أن محمد بن علي الجرجاني ـ في كتابه الإشارات والتنبيهات ـ يعلل استحسان ابن سنان هذا فيقول:

"التحقيق أن المزية في نحو: عذب، وغصن، وفوح، معلّلة بعلتين:

إحداهما: أن كل واحد منها مركّبٌ أعدل تركيب، وهو الثلاثي الساكن الوسط، حرف للابتداء به، وحرف للإعراب والوقوف عليه، وحرف للفصل بينهما ولا يحتاج الفاصل إلى حركة.

ثانيتهما: أن كل واحد مركّب من حروف متباعدة في المخرج، مرتبة فيه على سمت واحد، وحركة واحدة للآلة، فإن العين من أسفل المخارج، والذال من أوسطها، والباء من أعلاها، وكذلك الغصن. وأما فوح: فترتيب حروفه في المخرج بالعكس فإن الفاء من أعلى المخارج، والواو من أوسطها، والحاء من أسفلها. ولو قدم الذال على العين في عذب وقيل: ذعبٌ احتاجت الآلة إلى حركتين: حركة من أوسط المخرج إلى أسفلها، وحركة من أسفلها إلى أعلاها، لذلك تثقل ولا يكون لها ذلك القبول في السمع، أما نحو: عساليج الشوحط، والجرشّى فكراهة السمع له للغرابة"(16).

الثالث: أن تكون اللفظة غير متوعرة ولا وحشية كقول أبي تمام (17):

لقد طلعت في وجه مصر بوجهه *** بلا طائر سعد ولا طائر كهل

فكلمة (كهل) ـ في رأيه ـ قبيحة نابية وهذا شرط ـ وإن كان غير منكر الحسن ـ إلا أنه من الواجب عدم إطلاق هذا التعميم لأن قضية الغرابة أمر نسبي وهي متعلقة بالأرضية الثقافية للقارئ.

الرابع: أن تبتعد اللفظة عن العامية والابتذال كقول أبي تمام(18):

جليّت والموتُ مبد حرّ صفحته *** وقد تفرغن في أفعاله الأجلُ

فإن لفظة (تفرعن) عامية وغير فصيحة، وهنا أجد لزاماً عليّ الاعتراف بتوفيق ابن سنان في تأصيل هذا الأصل البلاغي.

الخامس: أن تكون اللفظة بعيدة عن الشذوذ، جارية على العرف العربي. وهذا الشرط شامل لكل ما ينكره أهل اللغة وعلماء النحو من التصرف الفاسد في الكلمة فيعبّر بها عن غير ما وضعت له كقول أبي تمام(19):

حلّت محلّ البكر من معطى وقد *** زفّت من المعطى زفاف الأيّم

فقد وضع الشاعر لفظة (الأيّم) مكان الثيّب، والكلمتان ليستا مترادفتين في المعنى لأن الأيّم التي لا زوج لها بكراً كانت أو ثيّباً(20).

وكقول الشاعر(21):

وإذا الفتى طرح الكلام معرّضاً *** في مجلس أخذ الكلام اللذ عنى

فإن (اللذ) ـ في رأيه ـ غير فصيحة مع أنها لغة قليلة في الذي، وقد وردت في شعرنا العربي، قال الشاعر(22):

جشأت فقلت اللذ خشيت ليأتين *** فإذا أتاك فلات حين مناص

وهذا الانتقاد في غير محله، لأن ابن سنان ينتقد العرب الفصحاء الذين لولاهم لما كان لنا أن نضع شيئاً من قواعد اللغة العربية. أما بالنسبة إلى بيت أبي تمام فكان على ابن سنان أن يوجه نقده إلى الشاعر لا إلى كلمة التي لم يحسن الشاعر استعمالها. وها نجد ابن سنان يعترف قائلاً: ".. وكل ذلك ـ وإن لم يؤثر كبير تأثير ـ فإني أوثر صيانتها منه لأن الفصاحة تنبي عن اختيار الكلمة وحسن طلاوتها، ولها من الأمور صفة نقص يجب إطراحها. على أن ما ذكرته يختلف في بعض المواضع دون بعض على قدر التأويل فيه وحكمه"(23).

السادس: ألا تكون الكلمة قد عُبّر بها عن أمر آخر يكره ذكره، فإذا وردت ـ وهي غير مقصود بها ذلك المعنى ـ قُبحت وإن كملت فيها صفات الفصاحة السابقة كقول عروة بن الورد(24):

قلت لقوم في الكنيف تروّحوا *** عشية بتنا عند ماوان رزّح

فإن لفظة (الكنيف) أصبحت تدل فيما بعد على الساتر الذي يستر الحدث. وهذا الشرط لا يمكن التسليم به فنتّهم عروة بن الورد بعدم الفصاحة ـ وهو من هو ـ لأن الكلمة أخذت من المعاني ما لم يكن لها من قبل!!

السابع: أن تكون الكلمة قليلة الحروف وإلا خرجت عن وجوه الفصاحة كقول أبي الطيب(25):

إن الكرام بلا كرام منهم *** مثل القلوب بلا سويداواتها

فكلمة (سويداواتها) غير فصيحة في رأي ابن سنان وذلك بسبب كثرة حروفها. ولكن ما الذي يقوله ابن سنان في قوله تعالى: فسيكفيكهم الله؟! هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الشاعر لم يخطئ في استعمال الكلمة لأنه لما ذكر القلوب بصيغة الجمع كان من الأفضل له أن يعبر عن السويداء بصيغة الجمع.

الثامن: ألا تستعمل الكلمة المصغرة للتعبير عن معنى لطيف أو خفي في معان تناقض المعاني السابقة كالتعظيم والتهويل كما في قول الشاعر: (26)

وكل أناس سوف تدخل بينهم *** دويهية تصفرّ منها الأناملُ

فقد استعمل الشاعر لفظة (دويهية) مصغرة في معنى التعظيم والتهويل. وهذا ـ في رأيي ـ ليس شرطاً عاماً لأن الألفاظ المصغّرة قليلة في اللغة العربية، ثم إن معنى التعظيم في اللفظ المصغّر قد اطراد في كلام العرب كقول الحباب بن المنذر في يوم السقيفة:

"أنا جُذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب(27)

وكأني بابن سنان وقد أحس ـ بعد عرضه لشروطه تلك ـ بما قد يوجّه إليه من نقد فطلب من قارئه أن يبسط له العذر في حديثه عن اللفظة وفصاحتها محتجاً بأن تلك القواعد إنما حصلت له بالدربة فهو لم يأخذها عن كتاب مؤلف، ولا قول يوى "ولهذا لست أدعي السلامة من الخلل والعصمة من الزلل وأعترف بالتقصير(28)".

أما بالنسبة إلى فصاحة الكلام المؤلف فقد عدّ ثمانية شروط أيضاً جلها وضع لفصاحة الألفاظ المفردة، منها:

آ ـ أن يكون تأليف الكلام من مخارج متباعدة، "لأن تقارب الحروف في النظم أقبح منه في اللفظة المفردة، وتعليل ذلك أن اللفظة المفردة لا يستمر فيها تكرار الحروف مثلما يستمر في الكلام المنظوم"(29) ومن ذلك قول أبي الطيب المتنبي: (30)

ولا الضعفُ حتى يتبع الضعف ضعفه *** ولا ضعفُ ضعف الضعف بل مثله ألف

ولاشك في أن هذا الشرط حسنٌ، فالمعري ـ مع تعصبه لأبي الطيب ـ قال عند سماعه بيت المتنبي هذا "هذا والله شعر مدبر"(31).

ويستطرد ابن سنان بعد هذا الشطر للرد على أبي الحسن الرماني النحوي قوله: "إن التأليف على أضرب ثلاثة، متنافر، ومتلائم في الطبقة الوسطى، ومتلائم في الطبقة العليا وهو القرآن الكريم، يقول ابن سنان: "إن هذا غير صحيح إذ التأليف على ضربين ليس إلا، وهما: المتنافر والمتلائم وقد يكون المتلائم ما بعضه أشد تلاؤماً من بعض على حسب ما يقع التأليف، وكذلك المتنافر منه ما يكون بعضه أشد في التنافر من بعض (32)".

ولذلك لا يرى فرقاً بين القرآن الكريم وكلام العرب الفصيح، وهذا ناتج بالطبع عن أنه يعتبر الإعجاز القرآني راجعاً إلى صرف الله العرب عن معارضته وهذه هي الفكرة التي ان ينادي بها زعيم المعتزلة النظّام.

ب ـ أن يكون التأليف جارياً على قواعد النحو العربي. ولا يخفي أنه يلتقي ـ في هذا الشرط ـ مع الإمام عبد القاهر الجرجاني، الذي كان يلح على توخي معاني النحو في النظم.

ج ـ ألا يكون التأليف قد عُبّر به عن أمر آخر يُكره ذكره، كقول عروة ابن الورد: (33).

قلت لقوم في الكنيف تروّحوا *** عشية بتنا عند ماوان رزّح

وهذا شرط صادفناه عند حديثه عن اللفظة المفردة، إضافة إلى أننا لا نسلّم به كما مر معنا.

ومن هذا الشروط أيضاً الابتعاد عن الكلمة ذات الحروف الكثيرة، والابتعاد عن التصغير الدال على غير معناه…، إلى ما هنالك من شروط وضعها للفظ المفرد وأعادها هنا مرة أخرى عند الحديث عن فصاحة الكلام المركّب.

ثم يتحدث عن أثر التقديم والتأخير في الكلام الفصيح، وعن دور التشبيه والاستعارة والكناية، والمحسنات اللفظية والمعنوية والمبالغة إلى غير ذلك من الشروط التي لا علاقة لها بالفصاحة. إضافة إلى إدخاله عيوب القوافي من إيطاء وسناد، وإقواء وغير ذلك من شروط فصاحة الكلام المنظوم في رأيه.

ولكي يتضح مفهوم الفصاحة عند الخفاجي أكثر فأكثر لابد من أن أعقد مقارنة بينه وبين أحد أئمة البلاغة المعاصرين لابن سنان، كالإمام عبد القاهر الجرجاني الذي هو بحق شيخ البلاغيين بغير منازع.

وإذا كان ابن سنان قد قسم شروط الفصاحة قسمين: قسماً يرجع إلى اللفظ وحده، وقسماً يعود إلى التأليف، فإن عبد القاهر يقف على طرفي نقيض معه. فقد كان بفكره الكلي يجعل مدار الفصاحة على النظم الذي هو تلاؤم اللفظة مع أختها السابقة أو اللاحقة ولذلك "ينبغي أن يُنظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف، وقبل أن تصير إلى الصورة التي بها يكون العلم أخباراً، ونهياً، واستخباراً أو تعجباً، وتؤدي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلا بضم كلمة إلى كلمة، وبناء لفظة على لفظة، هل يُتصور أن يكون بني اللفظتين تفاضل في الدلالة حتى تكون هذه أدل على معناها الذي وضعت له من صاحبتها..؟ وهل تجد أحداً يقول: هذه اللفظة فصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها؟!" (34).

وممن أخذ برأي الجرجاني هذا، يحيى بن حمزة العلوي في كتابه "الطراز" حيث قال: اعلم أن الألفاظ إذا كانت مركبة لإفادة المعنى فإنها يحصل لها بمزية التركيبة حظٌ لم يكن حاصلاً مع الإفراد" (35).

فلو كانت الكلمة حسنة كمن حيث هي لفظ أو اتصفت بمزايا الشرف والحسن على انفرادها دون النظر إلى حالها مع أخواتها، " لما اختلف بها الحال ولكانت إما أن تحسن أبداً أو لا تحسن أبداً (36)

ولكن لا يعني هذا أن الفصاحة ـ عند الجرجاني ـ ليست سوى ضم الألفاظ بعضها إلى بعض دون ترابط في المعنى لأنه "لو كان لمجرد الضم تأثير في الفصاحة لكان ينبغي إذا قيل: "ضحك خرج" أن يحدث من ضمّ ضحك إلى خرج فصاحة" ثم إن الفصاحة ليست العلم بغريب اللغة، وقواعد الإعراب أو ما طريقه طريق الحفظ دون الاستعانة بالنظر والفكر إذ أننا "نقرأ السورة الطويلة من القرآن الكريم فلا نجد فيها من الغريب شيئاً، ولو كانت أكثر ألفاظه غريبة لكان محالاً أن يدخل ذلك في الإعجاز، والعرب ـ هم من هم ـ في العلم بغريب اللغة، ولكان بإمكان معارضته"(37).

فالفصاحة تعود في رأيه أولا وأخيراً إلى المعنى لأن "المزية التي من أجلها استحق اللفظ الوصف بأنه فصيحٌ عائدة في الحقيقة إلى معناه، ولو قيل إنها تكون فيه دون معناه ينبغي إذا قلنا في اللفظة: إنها فصيحة أن تكون الفصاحة واجبة لها بكل حال. ومعلوم أن الأمر بخلاف ذلك فإننا نرى اللفظة في غاية الفصاحة في موضع، ونراها بعينها فيما لا يحصى من المواضع وليس فيها من الفصاحة قليل ولا كثير"(38).

وقد خالفه في رأيه هذا صاحب كتاب الطراز إذ قال: "فأما من زعم أن الفصاحة متعلقها اللفظ لا غير فقد أبعد، فإن الألفاظ لا ذوق لها ولا يمكن الإصغاء إليها إلا لأجل دلالتها على معانيها، وأبعد من هذا من زعم أن متعلق الفصاحة المعنى فقط فإن المعاني إنما توصف بالبلاغة" (39).

وواضح من هذا القول أن صاحب الطراز لا يخالف الجرجاني وحده، وإنما يخالف ابن سنان أيضاً. وكأنما يريد أن يخرج برأي هو مزيج من الرأيين.

والجرجاني حين ذهب مذهبه ذاك لم يكن ـ في اعتقادي ـ إلا رادّاً على الرأي الذي قال به الجاحظ في كتاب الحيوان: ".. والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والبدوي والقروي، والمدني. وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخيُّر اللفظ، وسهولة المخرج وكثرة الماء، وصحة الطبع وجودة السبك"(40).

وحينما يتحدث الجرجاني عن الاستعارة والتشبيه والكناية فهو لا يتحدث عنها حديثاً يقف عند الظواهر الشكلية لهذه الأمور البلاغية. فالاستعارة ـ مثلاً ـ تثبت معنى لا يعرفه السامع من اللفظ، وإنما يعرفه من معنى اللفظ فليس الغرض من قولنا: رأيت أسداً إلا مساواة الرجل للأسد في شجاعته. والسامع حينما يدرك هذا المعنى لا يدركه من لفظ الأسد، ولكنه يعقله من معنى هذا اللفظ لأنه يعلم "أن لا معنى لجعله أسداً ـ مع العلم بأنه رجل ـ إلا أنه أراد بذلك بلوغه من شدة مشابهته للأسد مبلغاً يتوهم معه أنه أسد بالحقيقة"(41).

والأمر نفسه بالنسبة إلى الكناية، ففي قولنا: "كثير الرماد" من الفصاحة والبيان ما لا يكون إذا قلنا: هو كثير القرى والأضياف فإذا "نظرت إلى الكناية وجدت حقيقتها ومحصول أمرها أنها إثبات لمعنى أنت تعرف ذلك المعنى من طريق المعقول دون طريق اللفظ"(42).

ومن الأمثلة التي يناقشها الجرجاني محاولاً نفي الفضيلة عن اللفظ إلا من خلال نظمه مع أخوته، قوله تعالى: واشتقل الرأس شيباً (43) إذ يتساءل عن السبب الذي حاز به الفعل "اشتعل" الفضل والمزية؟! يقول: ".. فإن السبب أنه يفيد مع لمعان الشيب في الرأس ـ الذي هو أصل المعنى ـ الشمول وأنه قد شاع فيه، وأخذ من نواحيه وأنه استغراقه وعمّ جملته، حتى لم يبق من السواد شيء أو لم يبق منه إلا ما لا يعتد به. وهذا مالا يكون إذا قيل: اشتعل شيب الرأس أو الشيب في الرأس. ووزان ذلك أنك تقول: اشتعل البيت ناراً فيكون المعنى أن النار قد وقعت فيه وقوع الشمول، وأنها استولت عليه وأخذت في طرفيه ووسطه هذا التعبير من الشمول ما لا يعقل من اللفظ البتة، وإنما من إضافة الاشتعال للرأس معرّفاً، وللشيب منكّراً"(44).

وفي الحقيقة إن البون شاسع بين مفهوم الفصاحة عند الجرجاني، ومفهومها عند الخفاجي. وذلك على الرغم من اتفاقهما ـ أحياناً ـ في بعض الأمور.. فابن سنان يبحث في الأدب من أدنى منازله وأقل جزئياته من صوت ومقطع ولفظ. لكن الجرجاني يذهب "مذهباً آخر في البحث البياني، وينظر نظرة لا تعرف إلا الكلّ نظماً مستوي الأجزاء، كامل الصفات، وتنكر مكان الجزء إنكاراً واضحاً، ويصرّح بأن هذا الجزء لا أثر له في بناء العمل الأدبي"(45).

إن فكر عبد القاهر ينطلق من نظرة كلية إلى الأدب، ولا يعد لأشلائه الممزقة أي تأثير. ولهذا فهو يحكم بتخطئة من قصر الفصاحة على اللفظ فقط من حيث هي أصوات منطوقة، وما ذلك إلا أن المعاني هي التي تترتب في النفس أولا، ثم تقفوها الألفاظ، فلا "يتصور أن تعرف للفظ موضعاً من غير أن تعرف معناه، وأنك تتوخى الترتيب في المعاني وتعمل الفكر هناك فإذا تم لك ذل أتبعتها الألفاظ، وأنك إذا فرغت من ترتيب الألفاظ لم تحتج إلى أن تستأنف فكراً في ترتيب الألفاظ بل تجدها تترتب لك بحكم أنها خدم للمعاني(46).

"إن الكلمة ثمرة الفكرة فمتى نضجت الفكرة سقطت كما تسقط الثمرة الناضجة ولكنها تسقط على كلمتها" (47) أن الفكرة عندما تتصل إلى تمامها تصيح بكلمتها ـ على حد تعبير أحدهم ـ.

وأخيراً أود أن أقول للدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، الذي يقول: (48) "إن كتاب "سر الفصاحة" أعمق كثيراً، وأشمل فكرة، وأوسع مدى، وأبلغ بياناً من كتابي "دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة" أود أن أقول له: هذا قولٌ مجانب للصواب، فيه الكثير الكثير من التجني على إمام فذ من أئمة العربية، تشهد له أبحاثه على خصب ملكته العقلية، وقدرته على الإقناع والبرهان. وقد أخذت نظرية النظم التي قال بها منذ مئات السنين تحتل مكان الصدارة بين النظريات اللغوية الحديثة ومن منا ينسى قوله تعالى: أما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض (49)؟!.

الحواشي:

(1) ديوان علقمة الفحل، ص 5.

(2) ديوان أمية بن أبي الصلت، ص 126.

(3) الأغاني، ج 10، ص 289.

(4) تاج العروس، مادة "فصح" وأساس البلاغة أيضاً.

(5) الآية 34 من سورة القصص.

(6) تاج العروس، مادة "فصح".

(7) سر الفصاحة، ص 60.

(8) المصدر السابق، 65 ـ 66.

(9) المصدر نفسه، ص 66.

(10) و(11) التلخيص، ص 24، وعقود الجمان، ص 4.

(12) الطراز، ج1، ص 107.

(13) الطراز، ج 1، ص 107 ـ 108.

(14) الطراز، ج 1 ص 108.

(15) ديوان المتنبي ج 2، ص 120، والإشارات والتنبيهات، ص 9.

(16) سر الفصاحة، ص 75. والجرشى: النفس.

(17) ديوان أبي تمام، ج 4، ص 523. ورواية الديوان: "بلا طائر سعد ولا طائر سهل".

(18) ديوان أبي تمام، ج 3، ص 216. ورواية الديوان "في أوصاله".

(19) ديوان أبي تمام، ج 3، ص 253.

(20) سر الفصاحة، ص 83.

(21) ديوان المتنبي، ج 4، ص 338.

(22) مغنى اللبيب، ص 531.

(23) سر الفصاحة، ص 91.

(24) الأغاني، ج 14، ص 55. وللبيت رواية أخرى: "أقول لقوم…".

(25) ديوان المتنبي، ج 1، ص 352.

(26) سر الفصاحة، ص 95.

(27) لسان العرب (عذق).

(28) سر الفصاحة، ص 102.

(29) سر الفصاحة، ص 125.

(30) ديوان المتنبي، ج 3، ص 34.

(31) سر الفصاحة، ص 108.

(32) سر الفصاحة، ص 109.

(33) الأغاني، ج 14، ص 55.

(34) دلائل الأعجاز، ص 39.

(35) الطراز، ج 1، ص 126.

(36) دلائل الأعجاز، ص 42.

(37) دلائل الأعجاز، ص 271، 273.

(38) دلائل الأعجاز، ص 272، 273.

(39) الطراز، ج 1، ص 123.

(40) الحيوان ج 3، ص 131.

(41) دلائل الأعجاز، ص 293.

(42) دلائل الأعجاز، ص 292.

(43) الآية 4 من سورة مريم.

(44) دلائل الأعجاز، ص 75، 276.

(45) البيان العربي، ص 149.

(46) دلائل الأعجاز، ص 45.

(47) نقلاً عن الدكتور أحمد مطلوب، ص 302.

(48) انظر رأيه في العدد 66 من مجلة الفيصل.

(49) الآية 17، من سورة الرعد.

***

المصادر والمراجع:

1 ـ أساس البلاغة للزمخشري. تحقيق: عبد الرحيم محمود ـ دار المعرفة ـ بيروت (1979).

2 ـ الإشارات والتنبيهات، محمد بن علي الجرجاني، تحقيق: د. عبد القادر حسين ـ دار نهضة مصر ـ القاهرة. بلا.

3 ـ الأغاني (ج 10، ص 14) نسخة مصور عن دار الكتب ـ نشر مؤسسة جمال للطباعة ـ بيروت.

4 ـ البلاغة تطور وتاريخ، د. شوقي ضيف ـ القاهرة (965).

5 ـ البيان العربي، د. بدوي طبانة ـ دار العودة ـ بيروت (1975).

6 ـ تاج العروس، الزبيدي، طبع مطابع حكومة الكويت.

7 ـ تاريخ النقد العربي ـ طه أحمد إبراهيم ـ دار الحكمة ـ دمشق ـ 1974.

8 ـ التلخيص ـ للقزويني بشرح عبد الرحمن البرقوقي.

9 ـ دلائل الأعجاز ـ عبد القاهر الجرجاني ـ تحقيق الدكتورين رضوان وفايز الداية ـ دار قتيبة دمشق ـ (1982).

10 ـ ديوان أبي تمام بشرح الخطيب التبريزي ـ تحقيق: محمد عبد عزام ـ دار المعارف ـ القاهرة ـ بلا.

11 ـ ديوان أمية بن أبي الصلت ـ الدكتور عبد الحفيظ السطلي ـ مكتبة أطلس ـ دمشق ط 3.

12 ـ ديوان علقمة الفحل بشرح الأعلم الشنتمري ـ تحقيق الخطيب والصقال ـ دار الكتاب العربي حلب ط 1 (1969).

13 ـ ديوان المتنبي بشرح البرقوقي ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت 975.

14 ـ سر الفصاحة ـ ابن سنان الخفاجي ـ تصحيح عبد المتعال الصعيدي ط 1 (943).

15 ـ الطراز ـ يحيى بن حمزة العلوي ـ ج 1، مطبعة المقتطف ـ القاهرة (1914).

16 ـ عقود الجمان في علم المعاني والبيان جلال الدين السيوطي ـ المطبعة الشرقية ـ القاهرة (1305 هـ).

17 ـ القرآن الكريم.

18 ـ القزويني وشروح التلخيص ـ د. أحمد مطلوب ـ مكتبة النهضة ـ بغداد (967).

19 ـ لسان العرب ـ ابن منظور المصري ـ دار المعارف ـ القاهرة ـ بلا.

20 ـ المعلقات العشر ـ التبريزي ـ تحقيق د. فخر الدين قباوة ـ المكتبة العربية ـ حلب (1970).

21 ـ مغني اللبيب ـ ابن هشام الأنصاري ـ تحقيق د. مازن المبارك ـ دار الفكر ـ بيروت.

22 ـ الموجز في شرح دلائل الأعجاز ـ د. جعفر دك الباب ـ مطبعة الجليل ـ دمشق (1980).

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 31 – السنة الثامنة – نيسان "أبريل" 1988 – شعبان 1408

48 Views

عن وائل-2

إلى الأعلى