الرئيسية » موسوهة دهشة » الفنون » العمارة و الآثار » أضواء على أوغاريت والكنعانيين من خلال مكتشفات رأس ابن هاني د. عدنان البني

أضواء على أوغاريت والكنعانيين من خلال مكتشفات رأس ابن هاني د. عدنان البني


أضواء على أوغاريت والكنعانيين من خلال مكتشفات رأس ابن هاني ـــ د.عدنان البني

ليس التنقيب الأثري ترفاً علمياً ولا هواية للترويح عن النفس. وليس هو، كما يزعم البعض، نبش تراب ونقل حجارة. إن التنقيب الأثري الحديث، المجرد عن هوس الكنوز وتأويل الرموز، هو قبل كل شيء عملية حضارية منهجية بالغة الأهمية، همها الأساسي بناء التاريخ وترميم أحداثه وجلاء فعالية الإنسان والجماهير، عبر التاريخ، في خلق التركيبة الحضارية التي وصلتنا ناضجة دانية القطوف.‏

إن هذه التركيبة العظيمة التعقيد الكثيرة الوجوه هي موروثة ومورّثة، ومهمة الآثاري، المنقب أن يفكك عناصرها ويضعها في موضعها الصحيح من الزمان والمكان. وبقدر ما هي مهمة الآثاري المنقب إنسانية كونية بقدر ما هي قومية ووطنية. فمن جلاء الأحداث والمكونات يعرف الآثاري عملية الأخذ والعطاء بين الأمم والشعوب. ويعرف بالتالي نصيب أمته ووطنه في تكوين الحضارة، ويعرف المدّخرات الوفيرة التي تركها السلف في صرح البنية الحضارية الشاملة.‏

إننا ننبش الأرض ونثير الغبار حقاً ونُعفّر به. ولكن لهدف جليل وأمر نبيل ويسعد الآثاري بأن يكون أول من يرى وأول من يسمع أحاديث الأرض الحميمة…‏

ومنذ قرابة خمسة عشر عاماً نتحادث مع الأرض الطيبة في رأس ابن هاني الجميل، وقد ملأنا من ذلك الحديث حتى الآن صفحات وصفحات بلغة أثرية أكثر الأحيان، وفات البعض أن يصغي. وأصغى البعض الآخر فاستغلق الحديث عليه. ونحن نود هنا أن نحاول، أقول نحاول، أن نلقي أضواء جديدة على عطاء رأس ابن هاني في جلاء التاريخ الأوغاريتي خاصة والكنعاني عامة وما وراء هذا وذاك أحياناً.‏

رأس ابن هاني بقعة من أرض هذا الوطن تبدأ قصتها في الزمن الجيولوجي الميوسيني أو الايوسيني قبل الدور الرابع الطبقي. غاصت هذه البقعة تحت الماء وقطعت عن اليابسة ثم اتصلت مرة إثر مرة وتحولت مراراً من جزيرة لشبه جزيرة. إن الأحداث الجيولوجية والجيومورفولوجية قد لا تعنينا كثيراً في هذا المُقام، إلا أننا نقول إن مسرح الأحداث هذا قد تركت فيه عصور ما قبل التاريخ ما جُرف بعيداً أو غاص تحت الرسوبيات، وآخره ما جاء في مخلفات العصر الحجري الحديث مع مجلوبات الإنسان من بيئة نهرية قريبة. وقد حدث هذا في أزمنة لاحقة لا يمكن تحديدها بدقة.‏

ومما جلبه الإنسان إلى هذا الرأس من جهات الشاطئ فخاريات من النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد، قادت بعثتنا إلى تتبع آثارها حول خليج القبان، بعدة أسبار في جهات الشاطئ الأزرق نفّذ أهمها الأستاذ ميشيل مقدسي في 1987، حيث ظهرت معالم سكن على خط الشاطئ الأقدم، معاصرة لأوغاريت الثالثة وإبلا. وتدل هذه المعالم على إعمار هذا الساحل في ذلك العصر، الأمر المؤيّد للعلاقات المبكرة، ليس مع الرافدين فحسب، بل مع بحر ا يجه ومصر، فسكان الساحل الكنعانيون كانوا رواداً في ركوب البحر ومرافئهم كانت ناشطة منذ ذلك الحين في التصدير والاستيراد. وذلك يعزز التفكير بيريموتا مرفأ في موقع اللاذقية وورود اسمها في أيام سرجون الأكادي(1). وفي هذه الفترة التي تقع في النصف الثاني من الألف الثالث ق.م (أي القسم الأخير من عصر البرونز القديم) نشأت العلاقات بين الساحل السوري وبحر إيجه. ويرى البعض أن المبادرة أتت من كريت الناشئة(2)، لحاجتها لبعض المستوردات من بلاد الهلال الخصيب. وقد كانت المبادلات مع بحر إيجه ومع كريت بالذات تتم عن طريق الساحل الشمالي. ثم إن تجارة مصر الخارجية أيضاً كانت متركزة على سورية لغنى أرضها وأهمية دورها كمنطقة تلاق(3). وفي اعتقادنا أن التجارة المصرية الايجية بدورها كانت تتم عن طريق الموانئ الكنعانية الشمالية لصعوبة اجتياز البحر مباشرة، ولضرورة الاقتراب أكثر ما يمكن من بحر إيجه مع عدم المخاطرة بالابتعاد عن الشاطئ كثيراً وفي هذا المعنى يقول البعض: "إن الممر الشرقي الغربي من سورية إلى قبرص وكريت وصقلية هو على الراجح قديم جداً(4)". إن هذا الزمن المعاصر لإبلا وأكاد فترة هامة في تطور سورية وامتداد علاقاتها مع الرافدين والأناضول وبحر إيجه وازدهار التعدين فيها وصناعة النحاس والبرونز والمعادن الثمينة وصناعة الأسلحة والأدوات وعناصر الزينة(5).‏

ولكن المرء يتساءل لم تأخر النشاط الاستيطاني في رأس بن هاني نفسه حتى أواخر عصر سلالة أوغاريت، أي حتى القرن الثالث عشر ق.م بالتحديد. والجواب مرتبط بمعرفة مورفولوجية الشاطئ في تلك الأرجاء. فمن المرجح أن خليج القبان كان يتصل بخليج الخضر في قوس واسعة، وأن الرأس كان خلال عصر البرونز الوسيط، جزيرة منقطعة عن اليابسة أو حتى أنها غائصة كلياً تحت الماء.‏

وفيما نعلم، لم يشهد رأس ابن هاني شيئاً من أحداث الشطر الأكبر من الألف الثاني ق.م، فكانت مراكز أخرى في مملكة أوغاريت شواهد على علاقات مملكة أوغاريت بمصر تارة، وبالحثيين تارة أخرى، وبسورية الأمورية وبالحوريين الميتانيين بين هذا وذاك، إلى أن يبدأ الاستقرار النسبي الذي عرفته سورية وشرقي المتوسط بسبب التوازن الذي حصل بين القوتين المصرية والحثية إثر انتهاء عصر الإصلاح الديني في مصر، فخلال فترة الإصلاح الديني (القرن الرابع عشر ق.م) وقع قسم هام من سورية في يد الحثيين. ثم حصلت بعد ذلك معركة قادش غير الحاسمة بين الحثيين والمصريين. وتوطد السلم بتقاسم النفوذ فعرف الساحل الكنعاني فترة ازدهار وقامت المبادلات التجارية مع مصر ومع الدولة البحرية الميسينية، حيث نجد الأثر المصري والميسيني في الفن الأوغاريتي وفي عمارة المدافن والتحصين، كما أن السوريين والمنتجات السورية قد غزت مصر مع المعتقدات السورية والمصطلحات الفنية، خاصة في الحرف الخشبية، وكان من الحرفيين السوريين "صناع العربات والأثاث، والنجارون"(6).‏

وفجأة، وفي بحر القرن الثالث عشر قبل الميلاد (أواخر عصر البرونز الحديث) تنهض في رأس ابن هاني على مرمى البصر من أوغاريت، مدينة أوغاريتية الريازة والتحصين والتقاليد الدفينة، كنعانية اللسان، تمتد على الجانب الأكبر من القسم الصخري الحالي من الرأس تحمل في الأرجح اسم أوغاريت يم (أوغاريت البحر)(7) أو اسم أفّو (وتعني الأنف)، ولربما اسم بيروتي (وتعني الآبار)(7) ينشئها أحد ملوك أوغاريت أمشتمرو الثاني وتقيم فيها، أو في أحد قصورها، أمُّه الملكة الأمورية الأصل أحت ملكي. إنه والحق لمشروع ضخم استهدف إقامة مدينة ملكية فسيحة الأرجاء منيعة الجانب، بعد أن ضاقت أوغاريت بما رحُبت وتكأكأت بيوتها وتراكبت.‏

وإذا كان قد حصل في الرأس، طبيعياً، ما يسهّل السكن فيه، فإن ثمة أسباباً كثيرة أخرى، غير ضيق المساحة، اقتضت الابتعاد عن العاصمة. وهي قد تكون من طبيعة سياسية (نزاع بين مختلف الولاءات) واجتماعية (تتعلق بالتشكيلة الطبقية والطابع الكوزموبوليتي للعاصمة) واقتصادية (أعقبت فترة الحد الأقصى من الجهد الاقتصادي والسياسي فترة أزمة لها أسباب داخلية ودولية) وذلك كله، فضلاً عن النزاع الحاد داخل البلاط ونزاع الأخوة(8). ومهما كان من أمر السبب أو الأسباب لانتقال البلاط أو جزء منه إلى رأس أو جزيرة على البحر، فإن الوجود على تماس مباشر به، في مملكة تعتمد أساساً على التجارة البحرية، لأمر منطقي ومعقول.‏

إن القصرين اللذين عرفناهما حتى الآن في ابن هاني مشيدان بأسلوب السطوح المتدرجة نحو البحر والقائمة على الجدران المرتكزة على الجروف الصخرية. وهما موجهان بالزوايا إلى الجهات الأربع وفق الأسلوب البابلي. وفيما عدا ذلك لهما كل تفاصيل العمارة الأوغاريتية في الجدران والباحات والفسقيات والأبواب والأعمدة والتدعيم بالخشب والتحصين بالميول وبإنشاء شبكات المياه أخذاً وصرفاً.‏

القصر الأول: (الجنوبي):‏

ذو العمارة الأضخم مفرغ من أثاثه أو مهجور أو غير مكتمل وله سور شرقي ويقابل سور أوغاريت الغربي ويماثله تماماً وهو يمتد حتى يشمل الحد الشرقي للبلدة الأوغاريتية، كلها.‏

القصر الثاني:‏

بدلالة المحفوظات التي عثرنا عليها فيه، وبدلالات أثرية أخرى كان يخص، كما ذكرنا من قبل، الملكة أحت ملكي أم الملك أشتمرو الثاني وما كانت تقيم فيه فحسب بل وتشرف فيه أيضاً على صناعات شتى عرفنا منها معالجة النحاس وصهره وصبه وحك وتهيئة الحجارة الكريمة ونقش العاج والعظم. ولربما استخراج الأرجوان.‏

كان لهذه الملكة الصناع التاجرة مجمع صناعي يستخدم تقنيات ما كنا نعرفها في أوغاريت مما قبل منها استخدام الكورندون المسحوق (إيمري) في حك الحجارة الكريمة وثقبها، ففي الحجرة رقم (45) وحدها وجدنا كمية من هذه الحجارة الصلبة الثقيلة تقترب من ثلاثمائة كيلو غرام. وهناك صدى لاستخدام هذا الحجر في قصيدة من بلاد الرافدين تعود للألف الثالث ق.م وكان يسمى شامو(9). ومن هذه التقنيات استخدام الرصاص في تخليص النحاس من الشوائب. وكانت هذه الطريقة تعتمد على مزج النحاس بالرصاص على نار هادئة ليذوب الرصاص أولاً ويتسرب حاملاً معه كل الشوائب. وكان الظن من قبل أن هذه الطريقة لم تعرف قبل العصر الروماني(10).‏

كان النحاس بعد التصفية يصب سبائك على شكل جلد ثور لتكون وسيلة للدفع في المبادلات التجارية الدولية، ولقد عثرنا في الجناح (رقم 17) على أحد القوالب الحجرية المخصصة لصنع سبائك النحاس (طول الحجر 154.6 عرض 79.5، فراغ القالب 67.2 × 35.9 × 5.9 سم ويمكن أن يصنع سبيكة تزن بين 20-30 كغ) وهذا القالب هو الوحيد المعروف في العالم حتى الآن. كما عثرنا في الغرف المجاورة (رقم 18 ورقم 26) على أجزاء من كير النفخ والبوتقة ومن نفايات تصفية النحاس. وفي أيام أوغاريت، بداهة، لم يكن هذا القالب هو الوحيد في رأس ابن هاني وأوغاريت نفسها ومملكتها وفيه على أية حال دلالة قاطعة على دور أوغاريت في تجارة المعادن وأننا لنعرف مثل هذه السبائك بين هدايا الكنعانيين لفراعنة(11) مصر الذين كانوا يعتمدون على قبرص وعلى منطقتنا في الحصول عليه حين كان النحاس آنئذ بعد مزجه مع القصدير وغيره المادة الأساسية لاستصناع السلاح وكل اللوازم المعدنية للعمل والعيش فضلاً عن قيمته كنوع من النقد. ونظراً لأهمية النحاس فإن معالجته وصبه كانت مهنة نبيلة على جانب كبير من الأهمية حتى أنها في قبرص كانت تتم في المعابد وبحماية رب خاص(12).‏

إن قبرص جزيرة النحاس ومناجمه، ومنها اشتق اسمه Kyprus. ولكن في القرن الثالث عشر ق.م كانت صناعة صب قوالب النحاس فيها تعاني من أزمة تعطل تام، ونجد ملك مصر رعمسيس الثاني (1290-1224) يطلب كمية غير محدودة من النحاس من ملك قبرص، الذي يجيبه: "لا تستأ من قلة النحاس فمنذ قضى الطاعون في بلادي على الناس لم يعد هناك من يصب النحاس(13)".‏

كانت مملكة أوغاريت وقتئذ، وبخاصة مدينتها البحرية الجديدة، في طليعة مزودي النحاس في شرقي البحر الأبيض المتوسط وإننا نرى الملك الأوغاريتي أمشتمرو الثاني يذكر عودة أحد مراكبه من بلاد لا يمكن أن تكون إلا كابتوري أو كفتور (كريت)(14). وإن المرء ليستنتج أن مثل هذه المراكب كانت تحمل، النحاس. وكانت العلاقات متينة مع قبرص في هذا الوقت بالذات. وذلك يعكس مصالح أساسية تتعلق بتأمين الفلزات الخام للنحاس منها بالإضافة للأمانوس(15) ثم إن قبرص كانت من ناحية ثانية تقوم بدور مركز تبادل ففيها تفرغ أحياناً المحمولات القادمة من مرافئ كنعان في مراكب قبرصية أو إيجية وبالعكس. على أن المركبين الغارقين المكتشفين في السواحل التركية (رأس جيليدونيا ورأس كاش) اللذين كانا يحملان سبائك النحاس كانت سبائكهما كنعانية (فينيقية) إذ أن شكلها يختلف عن المعروف في قبرص واليونان وكريت.‏

إن المركب الغارق في جيليدونيا على الشاطئ الجنوبي لتركيا فيه 39 سبيكة نحاس على شكل جلد ثور و30 على شكل عدسي و19 بشكل مستطيل فضلاً عن سبائك القصدير ومحتويات محترف كامل ومختلف الأدوات والوزنات. وهذا المركب هو مركب كنعاني غرق حوالي 1200 ق.م، وانتشل محتوياته ج.باس وب.ثروكمورتون(16) في الستينات، وقد بين الفحص الجديد لنحاس السبائك في هذا المركب الغارق أن النحاس المستخدم مستورد من مناجم شتى فالسبائك عرفت في كل المتوسط الشرقي، من اليونان بل حتى من صقلية وسردينيا حتى فلسطين. ومن المحتمل أن هذا المركب الكنعاني كان يحمل سبائك من مصادر مختلفة. والبعض يرى أن ثمة متعهدين كانوا يشترون النحاس ويبيعونه في موانئ البحر المتوسط الشرقي(17).‏

والمركب الغارق في أولوبورون (قرب رأس كاش على شواطئ تركيا الجنوبية) هو من القرن الرابع عشر ق.م ويحمل أكثر من مائة سبيكة نحاس وسبائك من القصدير وعشرين قرصاً زجاجياً وستاً وثلاثين جرة كنعانية فضلاً عن أشياء أوغاريتية كثيرة منها حاملة سراج ويرجح أن المركب كان ذاهباً من أوغاريت بالذات أو من مرفأ مماثل(18).‏

وطالما نحن بصدد المراكب نذكر أن مملكة أوغاريت كانت من أقوى الدول البحرية وأسطولها البحري كان يضم حوالي 150 مركباً (ينقل بعضها 500طن؟)(19) هذا وقد عثرنا في حجرة المحفوظات (رقم 29) في القصر الشمالي برأس ابن هاني على الرقيم 22/1983 الذي يدور موضوعه حول صرف مبلغ من المال لتحرير مركب أوغاريتي محتجز في كركميش (جرابلس على الفرات). كان لأوغاريت إذن علاوة عن المراكب البحرية مراكب على الفرات. والفرات طريق الرافدين وسورية الداخلية وفي هذه الطريق يُنقل اللازورد والأختام (الكاشية) والعاج المنقوش والحلي وتتجمع في مستودعات أوغاريت وتسير مع سبائك النحاس باتجاه بلاد اليونان فتعود محملة بالخزفيات الميسينية والقبرصية الفارغة والملأى لتباع في أوغاريت والمرافئ الكنعانية الأخرى ولتلج داخل البلاد عن طريق الفرات أو الطرق البرية(20).‏

هذا هو حديث أحد الرقم في محفوظات القصر الشمالي بابن هاني ولكن لدينا حتى الآن مائة رقيم ورقيم مسماري أوغاريتي من مدرسة الكتاب الأوغاريتيين نفسها وعدد آخر من الرقم المحررة بالأكادية- البابلية أحدثت ثورة في علم الأوغاريتيات. وبعضها في رأي حجة الأوغاريتيات الأستاذ كاكو جدير بأن يبقى دوماً تحت وسادة الاختصاصيين. وهذه الرقم على فئات:‏

الفئة الأولى:‏

مراسلات بين سكان القصر وسلالة أوغاريت ومن ذلك رسالة امشتمرو الثاني إلى أمه أحت ملكي زوجة نقمبا الثاني(21). وهنا نذكر تواتر اسم الملكة فثمة ذكر لكاتب الملكة وقرابين الملكة وأرباب الملكة. وفي هذا السياق نشير للعثور على طبعة ختم الملك أمشتمرو الثاني نعرفه من قبل أوغاريت نفسها(22).‏

الفئة الثانية:‏

مراسلات مع حكام بلاد خارج مملكة أوغاريت (ملك مصر وملك الحثيين مثلاً)(23).‏

الفئة الثالثة:‏

نصوص دينية فيها معلومات جديدة عن عوالم الأرباب الكنعانية القديمة، أسماء أرباب جدد(24). وطقوس جديدة وشيء من الأساطير التي كانت من مصادر الفكر الديني في المنطقة وفي العالم. ونعرف في هذا المجال أن الرفاييم هم الملوك القدامى المؤلهون(25).‏

الفئة الرابعة:‏

نصوص معجمية سومرية بابلية فيها قوائم مواقع جغرافية وأسماء كواكب. وثمة نصوص أوغاريتية فيها أسماء أسر وقرى وحصص السخرة الملكية وقوائم صناع بينهم ملقحو النخيل وحراس الرجال الرسميين.‏

الفئة الخامسة:‏

وهي أكثر ما في حجرتي المحفوظات رقم 35) و(رقم 29) وهي محفوظات الديوان التجاري في القصر ويستشف منه أسلوب العقود. وكان هذا الديوان فيما يظهر بإدارة موظف كبير يسمى ماتينو ولعله الشخص المعروف في أوغاريت باسم كبير خدم الملكة. وكان البيع يشهد عليه الماتينو وهو شاهد البائع أي المؤسسة التجارية والصوري وهو شاهد المشترين يمثل بعلي مشلمي أي سيد الدفع (التسليم) وثمة عربون يدفع (عربون في الأوغاريتية).‏

وعند هذا الحد من المعلومات والاستنتاجات التي وقعنا عليها مبدئياً نقف لنقول وكيف كانت خاتمة هذه المدينة الأوغاريتية الجديدة؟ إن الخاتمة هنا واضحة بشكل لا يدع مجالاً للأخذ والعطاء فلا زلازل ولا أحداث طبيعية. والقصر الجنوبي أفرغ من محتوياته أو توقف إكماله أو تعديله. وليس فيما تبقى منه ما يدل على انهيار أو بوار ولا نظن شخصياً أنه أحرق. ولعل هجره تم بنصيحة ملك قبرص (ألاشيا) الذي حذّر ملك أوغاريت من غزو شعوب البحر(26). وإذا كان القصر الجنوبي قد أنقذ فإن القصر الشمالي وقع فريستهم فهاجموه ونهبوه وأحرقوه، وحفروا أرضيات غرفه بحثاً عن الطمائر. وآثار الحريق واضحة في كسوة الجدران والأرضيات وفي الخشب المتفحم والرصاص الذائب(27). فمن هم شعوب البحر؟‏

إن اسم "شعوب البحر" أطلقه المصريون على جماعات تحركت من جهات بحرية (هي دولة ميكيني وما جاورها) وكانت تضم محاربين أشداء منظمين نسبياً أسقطوا مملكة الحثيين ومملكة كركميش ومملكة أوغاريت ومدائن الساحل السوري ووصلوا مصر في عهد رعمسيس الثالث فتباهى هذا الفرعون بردهم إلى فلسطين، وملأ بأخبارهم، نقشاً وكتابة، معبده المعروف في مدينة حابو قرب طيبة وترك عنهم كذلك كتابة في معبد الكرنك. وقد ذكر من جماعاتهم البيليست "أي الفلسطينيين" والتييكر والشبكيليش والدنيين والويويش. وتتوضح أشكالهم من نقوش معبد مدينة حابو مع أسرهم وجماعات منهم قادمة براً في عربات تجرها الثيران. وثمة تفاصيل عن كل جماعة، من حيث أزياؤها وسلاحها وعرباتها وقطعانها الخ.. لقد شكلت جماعات شعوب البحر في فلسطين اتحاداً له عواصم خمس وصدوا العبرانيين عن الساحل، وكانوا مهرة في التعدين وفي ركوب البحر والقرصنة. ويصنعون نماذج متأخرة من الفخار الميسيني.‏

إن جماعة شعوب البحر هاجمت أوغاريت ودمرتها جزئياً أو كلياً. كما هاجمت عاصمتها الجديدة في ابن هاني. ولكن المهاجمين رحلوا عن أوغاريت فيما يظهر واستقروا في رأس ابن هاني في بيوت تختلف من حيث القياس والمخطط عن المألوف في مملكة أوغاريت، ولا مثيل لها على الساحل السوري، بينها طرق تتعامد بزوايا قائمة ويصنعون أو يصنع لهم فخار بخاصة من النوع المعروف باسم ما تحت الميسيني (III C 1) مما يعثر على أمثاله في اليونان وقبرص (أنكومي وكيتيون) وطرسوس (في الأناضول) وأشدود وعسقلان في فلسطين. هذا الفخار من مطلع القرن الثاني عشر ق.م (قد يكون الفخار غير مستورد ولكن الفخارين مستوردون) كما أن لدى السكان الجدد في ابن هاني نوعاً من الفخار ذي اللونين يشبه الفخار الفلسطيني المعاصر له وخاصة المزين بأنصاف الدوائر المشتركة في المركز.‏

أصبح من المؤكد أن بعض أفواج "شعوب البحر" القادمة بحراً وبراً والتي تركت في أوغاريت سحب الدخان استقرت بعد النهب والحرق في بعض أطلال المدينة الأوغاريتية في رأس ابن هاني ثم ابتنت فوقها بيوتها الخاصة. وهناك صنع "خزافوهم" أو كلفوا صناع الفخار الكنعانيين المحليين صنع فخار على ذوقهم من النوع المعروف بالميسيني (LH III C 1).. إن منطقة سورية الشمالية الساحلية وقبرص وفلسطين تأثرت بشكل متماثل تقريباً وتولدت فيهما فئتان جديدتان من الفخار إن لم تكونا متماثلتين فإنهما متشابهتان جداً ومتأثر كل منهما بالوسط الكنعاني أذاب شعوب البحر تماماً واستمر في سيره الحضاري وازدهر من جديد في أرواد وصيدا وصور وفي قرطاج وعالم المتوسط حتى اسبانيا وعلم كل البحر المتوسط الأسس الرئيسة لحضارة اليوم، وظل يحمل اسم كنعان حتى العصر الروماني.‏

وأخيراً إن رأس ابن هاني، كما يبدو لنا هو في المكان الأول من حيث الأهمية لتعميق المعرفة بأوغاريت ودولتها ولتصور أثري وتاريخي صحيح للساحل الكنعاني ولمنطقة البحر المتوسط.‏

ومن النادر أن نصادف في آسيا الغربية موقعاً يمكن أن يتابع الآثاري فيه شريحة متماسكة وكاملة وموثقة تبدأ من النصف الثاني للألف الثاني ق.م على الأقل وتستمر حتى القرن السادس الميلادي ويضم بعض السويات المجهولة تماماً في أكثر المواقع المعروفة حتى الآن في بلادنا.‏

الحواشي:‏

(1)-راجع: G.SAADE, Histoire de Lattaquieh, Ramitha, Damas (1964).‏

(2)-H.KLENGEL, Near Eastern Trade and the Emergence of interaction with Crete in the Third Millennium, in “Studi Micenied Egeo- Anatolici”, Fasc. XXIV, Roma (1984), p.17.‏

(3)-المرجع السابق، ص 11-12.‏

(4)-N.K. Sandars, Les Peuples de la Mer, Paris (1981), p. 21.‏

وهو مترجم عن الانكليزية وقد صدر في لندن 1978.‏

(5)-J.C.Courtois, Ugarit dans Supplément du Dictionnaire de la Bible, pp.1147-1148.‏

(6)-P.Montet, Les Reliques de l’Art Syrien, dans l’Epypte du Nouvel Empire, Paris (1931), pp. 163-164.‏

(7)-D.Arnaud, La Lettre Hani 1814 et l’Indentification du site de Ras Ibn Hani (Syrie), Syria, LXI (1984), p. 15-23.‏

(8)-صفية سعادة، أوغاريت، بيروت، 1982، ص 88-90 والمراجع التي استضفتها في الحواشي.‏

(9)-P.Bordreuil, J. & E. Lagarce, A. Bounni, N. Saliby, SRAI, avril- juin (1984), pp. 413-414.‏

(10)-المرجع السابق.‏

(11)-في القبور المصرية مشاهد لسوريين وايجيين يحملون سبائك شكلها مثل جلد الثور ومن ذلك مشهد من قبر الوزير (ر ح مي رع) من عهد تحوتمس الثالث (القرن الخامس عشر ق.م).‏

(12)-فقد وجد في تلك المعابد كثير من البواتق ومن الخبث والرماد المتخلف من صهر فلزات الرصاص راجع المرجع المذكور من قبل N.K. Sandars, p. 40.‏

وعن رب السبائك يراجع:‏

H.G. Buchholz & V. Karageorghis Altagais und Altkypros, Leipzig (1972), able. 1741.‏

(13)-N. K. Sandars, p. 45.‏

(14)-N. K. Sandars, p. 38.‏

(15)-إن التحاليل التي أجراها لنا غال من جامعة أكسفورد وسفيكر من جامعة ارلنغن في ألمانيا الاتحادية تدفع للاعتقاد بأن قبرص كانت المورد الأول للمواد الخام على أن قبرص ليست سوى امتداد لجبال الأمانوس.‏

(16)-M. A. Edey and the Editors of Time and Life Books, The Sea Traders. (بدون تاريخ)‏

(17)-R. Maddin, J. D. Muhly & . Stech-Wheeler, Researche at the Center for Ancient Mettalurgy, “Paleorient” 6, (1980) 1981, p. 111.‏

(19)-N. K. Sandars, p. 38 على أننا نرى التحفظ في قبول هذا الرقم.‏

(20)-يقول كلنغل "إن العلاقات بين الشرق الأدنى وبحر ايجه ذروتها في عصر البرونز الحديث، عندما تسلمت ميكيني الدور القيادي الذي كان لكريت، وعندما أصبح المتوسط الشرقي مركز الاحتكاك السياسي والنمو الاقتصادي والتبادل الثقافي". H. Klengel, The Eastern Trade, p. 17..‏

(21)-سنوية الكوليج دوفرانس (1979) ص 484 الرقيم رقم 12/1987 وآخر شيء في هذا الصدد هو قيد الطبع في مجلة سيريا.‏

(22)-P. Bordreuil, Le Sceau nominatif de A Mmiyidtamrou roi d’Ougarit Syria LXI (1984) 1-2, pp. 11-14.‏

(23)-الرقيم 3/1978 وفيه ذكر لأوغاريت البحر.‏

(24)-الرب شدقدش (الرقيم 21/1977) والرب ال أب (الرقيم 26/1977).‏

(25)-الرقيم 8 آ 1977.‏

(26)-جان نوغايزول، أوغاريتيكا، 1968 (مراسلات ملك قبرص وص 195. ومن أجل مزيد من المعلومات عن غزو شعوب البحر يراجع تقريرنا عن التنقيب في ابن هاني، سيريا، العدد 56 (1979) ص 217-291.‏

(27)-ونجد ملك أوغاريت يقول أن المراكب العدوة وصلت وأشعلت النار في مدني وأُلحقت أضرار كثيرة بالبلاد. أما كنت تعلم يا أبي أن كل قواتي معسكرة في بلاد الحثيين وأن كل مراكبي في كيليكيا.. لقد تركت البلاد تلاقي مصيرها: تأمل يا أبي سبعة مراكب عدوة رست وسببت أضراراً فاحشة وهناك الآن مزيد من المراكب العدوة.. أعلمني ماذا أصنع أو على الأقل لا تدهش إذا حصل المزيد (لم تتم الرسالة، وبالتالي حصل الهجوم العام وقضى الذي قضى).

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 33 – السنة التاسعة – تشرين الأول "اكتوبر" 1988 – صفر 1409

24 Views

عن

إلى الأعلى