الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » اللغة العربية » كشف الضو في معنى لو – عثمان النجدي – حسان فلاح أوغلي

كشف الضو في معنى لو – عثمان النجدي – حسان فلاح أوغلي


كشف الضّوّ.. في معنى لو عثمان النجدي ـــ حسّان فلاح أوغلي

لفتت هذه المخطوطة انتباهي، وأنا أُطالع صفحات كتاب "فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية، قسم النحو، لواضعته أسماء الحمصي. فحصلت على صورة لها، وقمت بقراءتها، وكان هذا الجهد المتواضع في قراءتها. وهي رسالة مسماة بكشف الضو في معنى لو. ولعل السجع يتطلب تخفيف الهمزة في كلمة الضوء بطريقة الحذف والتعويض بواو. ومؤلفها هو عثمان بن أحمد بن سعيد بن قائد النجدي وهو فقيه، ولد في العيينة ينجد وهو من أفاضل النجديين رحل إلى دمشق، وأخذ عن علمائها وانتقل إلى القاهرة وتوفي فيها سنة 1097هـ، 1686م من تصانيفه: "هداية الراغب لشرح عمدة الطالب"، "حواشي على منتهى الإرادات" "رسالة في الرضاع" وكل ذلك في فقه الحنابلة. وله "نجاة الخلف في اعتقاد السلف" و"مختصر درة الغواص". بالإضافة إلى تعليقات يسيرة. راجع معجم المؤلفين 6/249 والمخطوطة تقع في خمس لوحات (67 آ ق، 71 ن ق). واللوحة فيها قسمان وفي كل قسم تسعة عشر سطراً ما عدا الصفحة الأخيرة فإن فيها أربعة عشر سطراً.‏

وقد كتبت بخط نسخي وتقول عنه أسماء الحمصي إنه جميل، وليس كذلك، بل يعد مقبولاً وهو غير مشكول. وتقول واصفة الكتاب: إن ناسخها ربما كان نفسه ناسخ رسالة أخرى، لتطابق الخط وهو حسن بن نصار الحنبلي. وقد اتسخت بعض أوراق المخطوطة ولا تعليق عليها. ويلاحظ في المخطوطة تخفيف الهمز إما تسهيلاً وإما حذفاً كما يلاحظ حذف همزة ابن، في معظم المواضع.‏

وأما عملي في المخطوطة فكان:‏

1-قراءة المخطوطة من جديد وردّ ما سقط منها بعد العودة إلى مصادر الكلام والأقوال.‏

2-ضبط نصها بشكل سليم.‏

3-تخريج الشواهد.‏

4-التعريف بشكل موجز بالأعلام التي وردت فيها.‏

على أن هناك كلاماً نقله المؤلف ولم أستطع العودة إليه. كما أن بعض الشواهد لم أجدها في مظانها.‏

ويحسن بي قبل أن أقدمها أن أعرف بما ورد فيها. فقد اقترنت معظم دراسات النحويين المتأخرين بمصطلحات ومناقشة منطقية، حتى إنهم ليناقشون كثيراً من أمور النحو من خلال المنطق. والرسالة التي بين يديّ والتي تبحث في "لو" لم تضف في الحقيقة شيئاً جديداً، وإنما حاول مؤلفها أن يناقش ابن هشام وابن مالك وابن الحاجب، أن يناقشهم كلاً في رأيه. وقد اعتمد في الرد عليهم على حجج منطقية، لذلك يحسن الوقوف في بعض المصطلحات المنطقية التي وردت فيها: أن الجملة العربية التي طرفاها المسند والمسند إليه تخضع في المنطق إلى تقسيم آخر. فالجملة الخالية من الشرط يكون المسند إليه فيها موضوعاً والمسند محمولاً. أما الجملة الشرطية التي نعرف من عناصرها الشرط والجزاء فإن أهل المنطق يسمون الشرط مقدماً والجزاء تالياً.‏

ومما ورد في الرسالة أيضاً كلمة "السبب" أو "العلة"(1) وهو: ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته. ومثاله: لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً فإن "كانت الشمس طالعة" هو المقدم. و"كان النهار موجوداً" هو التالي. وطلوع الشمس علة أو سبب وجود النهار. وإنما قلنا لذاته احترازاً مما يصيب الشمس من كسوف فإنه عارض.‏

ومن يقرأ الرسالة يظن أن ثمّة خلافاً بين المؤلف وابن هشام. وحقيقة الأمر أن ابن هشام – كما سنرى – يعرف "لو" بأنها تفيد الشرطية وتقييد الشرطية بالزمن الماضي وامتناع الشرط خاصة. وأنه لا دلالة لها على امتناع الجواب. والمؤلف يراها حرف امتناع لامتناع وأنها تفيد بيان سبب انتفاء الجزاء عند أهل العربية، وتفيد الاستدلال على انتفاء الشرط بانتفاء الجزاء. ولو طبقنا هذين التعريفين على ما لدينا من شواهد وجدنا أن كلام ابن هشام صحيح في الحالة التي يكون الجزاء فيها أعم من الشرط كما في قولنا "لو كان قريباً للميت لكان وارثاً. أما كلام المؤلف فينطبق في الحالة التي يتساوى فيها الجزاء والشرط في الخصوصية والعمومية كقولنا: "لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً".‏

إذاً فالخلاف بينهما يتحرر لدى عرض الأمثلة والشواهد. فكلام كل منهما صحيح ولكن بمكانه. وهذا ما وضحه أكثر ابن تيمية في رسالته عن "لو" ومعناها والتي أوردها السيوطي في الأشباه والنظائر(2) وبعد. فإن هذا ما استطعت عمله وقراءته، وإن قصرت في ذلك فإن النية الصالحة تشفع لي. والشكر لمن أسدى إليّ نصيحة خلال هذا العمل. والله ولي التوفيق.‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏

[67. ب]: الحمد لله الذي رزق من شاء من عباده بصحيح المباني، وسهل عليهم ما امتنع على غيرهم من مقفلات المعاني. والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل من نطق بالصواب، وعلى آله وأصحابه الأنجاب، وبعد:‏

فهذا تعليق لطيف على معنى (لو) لكثرة دورانها في الكلام، واضطراب الأقوال فيها بين العلماء الأعلام. وجمعته(3) تذكرة لأولي الألباب وتبصرة للإخوان والأحباب. فأقول على سبيل الاختصار، وبالله التوفيق والانتصار.‏

اعلم – وفقني الله وإياك، وتولاني (4) في جميع الأمور وتولاك – أن "لو" في نحو قولك: "لو جئّتني لأكرمتك" قد عرفت بتعاريف متعددة؛ فقال إمام العربية سيبويه(5)، رحمه الله تعالى "(لو) حرف لما كان سيقع لوقوع غيره"(6) فقوله: حرف لما..إلخ، أي: حرف موضوع لشيء هو الجزاء، كان من حقه في الزمن الماضي أن سيقع، ويوجد لوجود غيره، أي لوجود الشرط، وإنما قال(7): "سيقع" فأتى بالسين التي تخلّص المضارع للاستقبال مع كون الجزاء مفروض الوجود في الزمن الماضي لكون وقوع الجزاء مستقبلاً بالنسبة إلى وقوع الشرط. وقد فُهم من قوله: "كان من حقه في الماضي" أن الجزاء لم يقع لعدم وقوع غيره، وأنها حرف شرط في الماضي، فيمكن أن يرجع تفسيره – رحمه الله تعالى – إلى أنها حرف امتناع لامتناع على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى.‏

وقال الإمام[1] بن(8) مالك (9)، رحمه الله: "(لو) حرف يدل على انتفاء تال، يلزم لثبوته ثبوت تاليه(10)". أي: حرف يدل على انتفاء الشرط وعلى أنه لو وجد الشرط وجد الجزاء.‏

والذي حرره [1] بن هشام الأنصاري(11)، وادعى أنه أجود العبارات أن يقال فيها: "حرف يقتضي في الماضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه(12)"، وأشار بهذا التعريف إلى أن "لو" هذه تفيد ثلاثة أمور: أحدها الشرطية [والثاني تقييد الشرطية](13) بالزمن الماضي، والثالث الامتناع. وبهذين الأمرين الأخيرين فارقت (لو) (إن) الشرطية فإنها أعني (إن) لفقد السببية والمسببية في المستقبل لا تدل (14) بالإجماع على امتناع ولا ثبوت. لكن مقتضى كل من تعريفي ابن مالك وابن هشام أنها إنما تفيد امتناع الشرط خاصة ولا تدل على امتناع الجزاء ولا ثبوته غير أنه إن كان مساوياً للشرط في العموم كما في قولك: "لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً، لزم من انتفاء الشرط انتفاء الجزاء ضرورة، [أي] (15): أنه يلزم من انتفاء السبب المساوي انتفاء مسببه، وإن كان الجزاء أعم من الشرط فإنما يلزم منه(16) انتفاء القدر المساوي للشرط كما في قولك: "لو كان هذا قريباً(17) للميت لكان وارثاً" فتدل "لو" هنا على انتفاء الإرث المترتب على القرابة ولا تدل على انتفاء مطلق الإرث. وقد نسب ابن هشام هذا القول للمحققين وخرّج عليه نحو قول عمر، رضي الله عنه، "نعم العبدُ صُهيبٌ، لو لم يخف الله لم يعصه"(18). فإن الجزاء هنا وهو عدم المعصية تارة يكون للخوف كما هي (19) مرتبة العوام، وتارة يكون للإجلال والمهابة كما هي مرتبة الخواص.‏

والمقصود أن صهيباً(20) رضي الله عنه من الخواص وأنه امتنعت معصيته لما معه من إجلال الله تعالى وتعظيمه، فهذا الأثر في الجزائية أعم من الشرط ثم ذكر ابن هشام، رحمه الله تعالى: "متى كان الجزاء أعم من الشرط فهو قسمان أحدهما ما يراد فيه تقدير الجزاء وجد الشرط أو فقد، ولكنه مع فقده أولى كما في أثر عمر – رضي الله عنه – المتقدم، فإنه يدل على تقدير عدم العصيان على كل حال وعلى أن انتفاء المعصية عند الخوف أولى، والثاني(21) أن يكون الجزاء مقرراً على كل حال من غير تعرُّض لأولوية نحو قوله تعالى: (ولو ردُّوا لعادوا لما نهُوا عنه((22) فإن المقصود تحقق ثبوت العود، وأما امتناع الرد فهو –وإن كان حاصلاً- غير مقصود. ثم قال ابن هشام –رحمه الله-: وقد اتضح أن أفسد تفسير "للو" قول من قال: حرف امتناع لامتناع. انتهى(23). وفيه نظر، لا يخفى على المتأمل، فنبين أولاً بعون الله تعالى معنى هذا التعريف الذي ادّعى أفسديته، ثم نذكر وجه النظر ثانياً، فأقول –وبالله التوفيق- معنى هذا التعريف أن "لو" حرف يدل على امتناع الثاني –أعني الجزاء- لامتناع الأول- أعني الشرط، وذلك لأنها حرف يعلّق به حصول مضمون الجزاء المعلق عليه كانتفاء الإكرام لانتفاء المجيء في قولك: "لو جئتني لأكرمتك" فلهذا قيل حرف امتناع لامتناع، وهذا التعريف بالمعنى المذكور هو المشهور بين الجمهور، كما نص عليه السعد التفتازاني(24)، جمعنا الله به في دار التهاني. لكن ههنا أمر يتعين التنبيه عليه وهو أن (لو) فيها اصطلاحان: أحدهما لأرباب العربية، والآخر لأهل المنطق. فأما اصطلاح أهل العربية فهو أن (لو) يؤتى بها عندهم للدلالة على أن انتفاء الجزاء في الخارج سببه هو انتفاء الشرط، فليست عندهم لإفادة انتفاء الجزاء ولا انتفاء الشرط، بل هي لبيان سبب انتفاء الجزاء، وهذا قد يكون [و] (25) شرطها وجزاؤها معلوم الانتفاء عند السامع كما تقول لشخص، تعلم أنه لا يجيئك وأنك لم تكرمه [69، أ] لو جئتني أكرمتك، فإنك لا تقصد إفادته شيئاً يعلمه لما فيه من تحصيل الحاصل وإنما تقصد إفادته أن سبب انتفاء إكرامك له هو انتفاء مجيئه لك فإنه قد يتشكك في سبب عدم إكرامك له، هل هو عدم مجيئه لك أو هو قصدك حرمانه أو عدم خطوره ببالك وغير ذلك مما يجوز أن يكون سبباً في عدم الإكرام فلا يلزم من استحضار السامع لهذه الأمور وعلمه بها أن يعلم ما هو السبب منها في عدم إكرامك إياه فحينئذ تقيد له السبب بقولك: "لو جئتني أكرمتك، أي سبب انتفاء إكرامي إياك هو عدم مجيئك إيّاي، فمعنى قولهم "(لو) حرف امتناع لامتناع" أنها حرف يدل على أن سبب امتناع الثاني أي الجزاء هو امتناع الشرط. ونظير هذا المعنى في (لو) قولهم في (لولا) إنها لامتناع الثاني لوجود الأول نحو: "لولا عليٌّ لهلك عمر"(26). فليس معناه أن وجود علي دليل على أن عمر لم يهلك، بل المعنى سبب عدم هلاك عمر هو وجود علي. ولهذا كثر(27) في "لو" استثناء الشرط في كلامهم كقوله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم((28). أي: ولكن لم أشأ ذلك فحق القول مني. وكقوله تعالى: (ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلّم((29) أي فلم يركموهم كذلك. وكقول الحماسي(30) [من البسيط]:‏

لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا‏

ثم قال:‏

لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هانا‏

وقوله: (31) [من المتقارب]‏

ولو طار ذو حافر قبلها لطارت ولكنه لم يطر‏

وقول أبي العلاء المعري(32) [من الطويل]:‏

ولو دامت الدولات كانوا كغيرهم رعايا ولكن ما لهن دوام‏

إلى غير ذلك مما لو استقصيناه لأفضى إلى الإطالة والملل، فلنقتصر على ما ذكر وبالله التوفيق.‏

وأما اصطلاح أهل المنطق فهو أن (لو) يؤتى بها عندهم للاستدلال على انتفاء الشرط بانتفاء الجزاء، وبيان ذلك أن الشرط ملزوم والجزاء لازم. والشرط سبب والجزاء مسبب وانتفاء السبب يدل على انتفاء جميع أسبابه، إذ لو وجد منها واحد لوجد المسبب لأن السبب يلزم من وجوده الوجود ولا يلزم من عدمه العدم مطلقاً بل لذاته. مثال ذلك الإرث، فإن له أسباباً(33) ثلاثة، فيلزم من انتفاء الإرث عن شخص بلا مانع قام به انتفاء أسبابه كلها ولا يلزم من انتفاء القرابة عنه مثلاً انتفاء الإرث عنه مطلقاً، وإنما اللازم انتفاء إرثه المترتب على القرابة، ويجوز أن يكون وارثاً لكونه زوجاً أو معتقاً. والحاصل أن الشيء إذا لم يكن له إلا سبب واحد لزم من انتفاء كله انتفاء الآخر. ومن وجوده وجودُه، وإلا فإن كان له أكثر من سبب لزم [انتفاء الشيء] من انتفاء المسبب، وكذلك انتفاء الجزاء اللازم يدل على انتفاء الشرط الملزوم دائماً. لأن اللازم إما مساو أو أعمُ ويلزم من انتفاء أحد المتساويين انتفاء الآخر ومن انتفاء الأعم انتفاء الأخص. مثال المساوي قولنا: "لو كان هذا إنساناً لكان ضاحكاً". ومثال الأعم: لو كان هذا إنساناً لكان حيواناً". ولا يلزم من انتفاء الملزوم انتفاء اللازم وعلمت أن الملزوم قد يكون أخص ولا يلزم من عدم الأخص كالإنسان عدم الأعم كالحيوان، فاللازم المساوي كالمسبب لسبب واحد واللازم الأعم كالمسبب لأسباب كثيرة. فلما كان غرض أهل المنطق حصول العلم بالنتائج حصروا إنتاج المتصلة في ضربين: أحدهما استثناء عين المقدم لإنتاج عين الثاني لأنه متى وجد الملزوم وجد اللازم سواء [أ] كان الملزوم مساوياً أو أخص [70،ب] والثاني(34) استثناء نقيض التالي لإنتاج نقيض المقدّم لأنه متى عدم اللازم المساوي أو الأعم عُدم ملزومه المساوي أو الأخص فيقولون له مثلاً: لو كان هذا إنساناً لكان ضاحكاً. لكنه إنسان، فهو ضاحك، ولكنه ليس بحيوان فليس بإنسان وهذا في الأعم، وبقي في المتصلة ضربان عقيمان: أحدهما استثناء نقيض المقدّم فإنه لا يُنتج نقيض التالي لأن التالي قد يكون أعم كما في المثال الأخير. ولا يلزم من انتفاء الأخص انتفاء الأعم كما تقدم. والثاني استثناء عين التالي لما علمت من أن التالي قد يكون أعم ولا يلزم من وجود الأخص، فاتفق الفريقان – أعني أهل العربية والمنطق – على أن (لو) حرف امتناع لامتناع، واختلف مراد كل من الفريقين، فأهل العربية يقولون: حرف امتناع الثاني لامتناع الأول، وأهل المنطق يعكسون ذلك، فيقولون: "لو" حرف امتناع الأول لامتناع الثاني، وإنما اختلف المرادان لاختلاف الغرضين لما علمت من أن غرض أهل العربية بيان سبب انتفاء الثاني مع قطع النظر عن علة العلم بانتفاء الثاني والأول لأن الانتفاءين قد يكونان معلومين للسامع كما تقدم. وغرض أهل المنطق الاستدلال وحصول العلم بالنتيجة، فيستدلون على انتفاء الأول بانتفاء الثاني فيجعلون انتفاء الثاني علة للعلم بانتفاء الأول مع قطع النظر عن سبب انتفاء أحدهما في الخارج. وقد يظهر من بيان الاصطلاحين صحة تعريفهما بأنها حرف امتناع لامتناع بالاعتبارين السابقين، وأن ادعاء(35) أفسدية هذا التعريف ممنوع. بل قد تقدم أنه يمكن رجوع تفسير سيبويه إليه(36) لكن بخفاء هذين الاصطلاحين على كثير اعترضوا على تعريف من عرّف "لو" بأنها حرف امتناع لامتناع ثم اختلف المعترضون في الصواب. ما هو؟ فذهب ابن الحاجب(37) – رحمه الله تعالى – إلى أن الصواب أن يقال: (لو) حرف امتناع الأول لامتناع الثاني لأنه المطرد دون العكس(38)، واستدل –رحمه الله- على ذلك بقوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا((39) فإن الآية الكريمة مسوقة للاستدلال بانتفاء الفساد على انتفاء التعدد دون العكس، واستحسن ذلك منه جمهور المتأخرين حتى كادوا يجمعون عليه وذهب ابن هشام –رحمه الله تعالى- إلى أن التعريف فاسد من أصله، وأنها لا تدل على الامتناعين بل الصواب أن يقال فيها: حرف يدل على امتناع الشرط خاصة، وأما الجزاء فلا يدل على ثبوته ولا على نفيه(40).‏

واستدل مما تقدم من نحو قول عمر –رضي الله عنه-: "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" فإنه لو دلت على امتناع "لم يعصه" لثبت عصيانه لأن نفي النفي إثبات وليس كذلك ومنشأ الاعتراض من الشيخين العلامتين توهُّم أن معنى قول أهل العربية: "لو" حرف امتناع الثاني لامتناع الأول أنها لبيان علة العلم، كما هو اصطلاح أهل المنطق، وقد علمت أنه ليس كذلك، بل [71، آ] معناه عند أهل العربية لبيان السبب مع قطع النظر في علة العلم كما تقدم. والجواب عن الآية التي اعترض بها ابن الحاجب، رحمه الله تعالى، على أهل العربية أنها واردة على قاعدة أهل المنطق على خلاف الاستعمال الشائع في "لو" كما بيّن ذلك السعد التفتازاني –رحمه الله- في شرحيه المطول والمختصر على أن الغزي(41) ذهب إلى أن لا وجه لحمل الآية على مقتضى أوضاعهم من حيث أنه استعمال مجازي. فحينئذ لا محذور في حمل الآية على هذا المعنى إذ لا بُعد في وقوع الاستعمالات المجازية بالنسبة إلى أهل اللغة في القرآن. قال: وقد يُقال: تخصيص المعنى الثاني بأرباب العقول لكون اصطلاحهم مقصوراً عليه لا لنفي كونه معنى (لو) عند من عداهم، وحينئذ فلا ينافي ورود الآية على وضع اللغة حقيقة. انتهى كلامه، رحمه الله.‏

وأما الجواب عمّا اعترض به ابن هشام –رحمه الله- من نحو أثر عمر، رضي الله عنه، فقد أشار إليه في المطول حيث قال: وقد تستعمل "إن" و"لو" ونحوهما للدلالة على أن الجزاء لازم الوجود في جميع الأزمنة في قصد المتكلم وذلك إذا كان مما يستبعد استلزامه لذلك الجزاء، ويكون نقيض ذلك الشرط أنسب وأليق باستلزامه ذلك الجزاء، فيلزم استمرار وجود الجزاء على تقدير وجود الشرط وعدمه [71، ب] فيكون دائماً. انتهى المقصود منه. فليست (لو) فيما اعترض به ابن هشام –رحمه الله- امتناعية بل للدلالة على لزوم وجود الجزاء دائماً سواء(47) [أ] كان الجزاء والشرط منتفيين أو مثبتين أو الأول منفياً والثاني مثبتاً أو بالعكس. فمثال المنتفيين قوله( في بنت(43) أبي سلمة: [أنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة](44) فإن المقصود منه الدلالة على أن عدم حلّها له( ثابت مستمر سواء انتفى كونها ربيبته في حجره أم لا. وكقول عمر –رضي الله عنه -: "لو لم يخف الله لم يعصه" فإن المقصود منه أن عدم العصيان أمر لازم الوجود سواء انتفى الخوف أم لا. ومثال المثبتين قولك: "لو أهنتني لأثنيت عليك" أي ثنائي عليك مستمر سواء أهنتني أم لا. ومثال كون الشرط مثبتاً والجزاء منفياً قوله سبحانه وتعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله((45) "فإن المقصود منه –والله تعالى أعلم- أن عدم نفاد كلمات الله تعالى أمر مستمر لازم الوجود سواء [أ] كان وجود جميع الشجر أقلاماً تكتب كلمات الله تعالى بمداد الأبحر الثمانية أم لا وكقول الصديق –رضي الله عنه- لمّا طوّل في صلاة الصبح وقيل له: كادت الشمس تطلع، فقال: "لو طلعت ما وجدتنا غافلين"(46). أي انتفاء الغفلة عنا بحمد الله أمر لازم الوجود سواء [أ] طلعت الشمس أم لا [72، أ]، فقد ظهر أن ما اعترض به العلاّمتان ابن الحاجب وابن هشام رحمهما الله تعالى خارج عن الاستعمال الشائع في "لو". وأنه مندرج في الاستعمال الآخر، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. تمت هذه الرسالة المباركة المسماة بكشف الضو في معنى "لو" تأليف شيخ الإسلام والمسلمين، صدر المدرسين وفخر العلماء الراسخين، الفقيه الذي تزينت بدروسه المساجد والمدارس واحتاج إلى تصحيح منطوقه ومفهومه كل مذاكر ومدارس، أحيا دروس المدارس وزان دروسها وجمّل صدور المجالس وأطلع شموسها، ورفع منار الإفادة وضاعف عظامها، أمجد الفضلاء المدرسين وتاج النبلاء المتصدرين، فخر ذوي الإفتاء والتدريس، حامل لواء الشريعة وناشره بفهمه الثاقب النفيس. إذا ألقى الدروس أحيا رباع العلم بعد الدروس. مولانا وأستاذنا الشيخ عثمان الحنبلي النجدي، رحمه الله تعالى ونفعنا ببركاته. آمين. بحمده وعونه وحسن توفيقه والحمد لله وحده، وصلى الله على من لا نبي بعده. وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. وسلّم تسليماً كثيراً.‏

الحواشي:‏

(1)-تختلف العلة عن السبب في كتب النحو، فالسبب مجوز وهو أقل من العلة. وانظر مقدمة الأمالي الشجرية.‏

(2)-الأشباه والنظائر في النحو للسيوطي ج3 ص 689.‏

(3)-كذا في الأصل، والكلام يستغني عن الواو.‏

(4)-في الأصل "توليني"، وهو تحريف لا يستقيم مع السجع والسياق.‏

(5)-سيبويه: عمرو بن عثمان بن قنبر، إمام العربية، صاحب الكتاب. ت 180هـ. وانظر ترجمته في البلغة ص 173.‏

(6)-انظر كتاب سيبويه 4/224.‏

(7)-يعني سيبويه.‏

(8)-في الأصل سقطت همزة ابن، وكذا في معظم المواضع.‏

(9)-محمد بن عبد الله بن مالك الطائي ت:672هـ. وانظر ترجمته في البلغة ص 229.‏

(10)-انظر التسهيل 240.‏

(11)-جمال الدين بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله المصري ت761هـ.‏

(12)-مغني اللبيب 343.‏

(13)-سقطت من الأصل، فزدتها من مغني اللبيب 337.‏

(14)-في الأصل ولا "تدل إن" والكلام يستغني عنها.‏

(15)-في الأصل لا توجد (أي) والكلام بحاجة إليها.‏

(16)-في الأصل "من" وهو تحريف.‏

(17)-في الأصل "قريب".‏

(18)-اشتهر هذا القول في كتب الأصوليين من حديث عمر وبعضهم يرفعه إلى النبي (. انظر كشف الخفاء للعجلوني رقم 2831 ص 323.‏

(19)-في الأصل "هو". وهو خطأ.‏

(20)-صهيب بن سنان. صحابي عربي، شهد بدراً وأحداً ت38هـ.‏

(21)-الأول مر قبل قليل وهو: أحدهما ما يراد فيه تقدير الجزاء..‏

(22)-الأنعام/ 28.‏

(23)-مغني اللبيب 341-342، والكلام متصرف فيه من قبل المؤلف.‏

(24)-السعد التفتازاني: سعد الدين بن عمر. له تهذيب المنطق، وشرح الكشاف وغيرهما ت791هـ.‏

(25)-سقطت في الأصل.‏

(26)-قال السيوطي في الرياض النضرة أخرجه العقيلي.‏

(27)-في الأصل "أكثر".‏

(28)-السجدة/ 13.‏

(29)-الأنفال/ 43.‏

(30)-هو قريط بن أنيف من بني بلعنبر، والبيتان في شرح الحماسة للتبريزي ج1/5، وهما في الخزانة 3/332، 569.‏

(31)-لم أجد البيت فيما رجعت إليه.‏

(32)-سقط الزند/ 109.‏

(33)-في الأصل "أسباب".‏

(34)-أي الضرب الثاني.‏

(35)-في الأصل: "ادعى".‏

(36)-في الأصل "لها إليه" والكلام بغنى عن "لها".‏

(37)-عثمان بن عمر 570-646هـ.‏

(38)-شرح الكافية 2/389.‏

(39)-الأنبياء/ 22.‏

(40)-مغني اللبيب ص 339 والمؤلف يتصرف بالعبارة.‏

(41)-الغزي: عثمان بن علي بن محمد الغزي، مالكي، ت 1009هـ، 1600م.‏

*-المطول أحد شروح تلخيص القزويني في علوم البلاغة. والمختصر شرح آخر للتلخيص وضعه التفتازاني أيضاً.‏

(42)-صواب الكلام: "سواء أكان.." وسواء كان أسلوب مستحدث أجازه مجمع اللغة.‏

(43)-في الأصل بيت وهو تحريف.‏

(44)-حديث صحيح أخرجه البخاري في النكاح والمغازي ومسلم في الرضاع.‏

(45)-لقمان/ 27.‏

(46)-لم أجده فيما رجعت إليه.‏

***‏

المراجع:‏

-القرآن الكريم.‏

-الأشباه والنظائر في النحو. للسيوطي ج 3 ت: محمد إبراهيم العبد الله. طبع مجمع اللغة بدمشق 1986.‏

-الأعلام. خير الدين الزركلي. ط 4 دار العلم للملايين 1979.‏

-الأمالي الشجرية. ابن الشجري. دار المعرفة. بيروت – لبنان.‏

-البلغة في تاريخ أئمة اللغة للفيروز آبادي. ت محمد المصري. وزارة الثقافة دمشق 1972.‏

-تاريخ آداب اللغة العربية جرجي زيدان. مكتبة الحياة بيروت 1983.‏

-تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد. ابن مالك. القاهرة 1968.‏

-خزانة الأدب للبغدادي. بولاق. مصورة بلا تاريخ.‏

-سقط الزند للمعري. ت طه حسين دار صادر بيروت 1957.‏

-شرح ديوان الحماسة لأبي تمام. للخطيب التبريزي. عالم الكتب – بيروت.‏

-شرح كافية ابن الحاجب للاستراباذي. دار الكتب العلمية. بيروت ط 3 – 1982.‏

-صحيح البخاري. دار إحياء التراث العربي. بيروت. لبنان.‏

-صحيح مسلم. دار الفكر. بيروت. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.‏

-فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية. وضعته أسماء الحمصي. مجمع اللغة بدمشق 1393هـ.‏

-كتاب سيبويه. ت عبد السلام هارون. عالم الكتب بيروت.‏

-كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس. للعجلوني. مكتبة القدسي –القاهرة 1352هـ.‏

-معجم المؤلفين. عمر رضا كحالة. نسخة مصورة مكتبة.‏

-المعجم المفهرس لألفاظ القرآن. محمد فؤاد عبد الباقي. استانبول 1984.‏

-مغني اللبيب. ابن هشام الأنصاري. ت د: محمد مازن المبارك. دار الفكر

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 34 – السنة التاسعة – كانون الثاني "يناير" 1989 – جمادى الأولى 1409

كلمات البحث الموفِدة:

  • معني لو (1)
32 Views

عن

إلى الأعلى