الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » شعر وشعراء » الشعر الجاهلي وقضايا المجتمع العربي القديم محمد نبيل طريفي

الشعر الجاهلي وقضايا المجتمع العربي القديم محمد نبيل طريفي


الشعر الجاهلي وقضايا المجتمع العربي القديم ـــ محمّد نبيل طريفي

1-يقول محمد بن سلام الجمحي في مقدمة كتابه طبقات فحول الشعراء في معرض حديثه عن أهمية الشعر الجاهلي، وهو يبرز رأيه في نقد الشعر –وهو من أهم الآراء- ما يلي(1):

"وكان الشعر في الجاهلية عند العرب ديوان علمهم، ومنتهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون".

والجاهلية هنا تعني قرناً من الزمان، وهناك رأي قديم يعتبرها من مئة إلى مئة وخمسين سنة قبل الإسلام. ونحن نعلم أن العرب لم يكتبوا الشعر، وإنما حفظوه، فذاكرتهم لم تستطع الاستيعاب لأكثر من هذه المدة. وكانت تحفظ وتضيف إليه شيئاً من الجديد، وتنسى شيئاً من القديم.

وكلمة الديوان في قولة ابن سلام معناها في الأصل: مجتمع الصحف أو مجموعها، أي الكتاب. وهذا يعني أن الشعر هو كتاب الجاهليين، غير مدون. وتضيف أنه يقوم مقام كتاب العلم والأدب عندهم. وعبارة حكمهم في كلام ابن سلام تعني حكمتهم. والحكمة هي العلم والمعرفة، أي الثقافة بمعناها الواسع في عرفنا في العصر الحاضر، ومنه قوله تعالى في كتابه العزيز(2): "يا يحيى، خُذ الكتاب بقوة، وآتيناه الحكم صبيّا".

ويقول أبو علي المرزوقي في مقدمة كتابه شرح ديوان الحماسة لأبي تمام مبرزاً أثر الشعر في حياة الجاهليين وقيمته عندهم: "إذا كان الله عزّ وجل، قد أقامه للعرب مقام الكتب لغيرها من الأمم، فهو مستودع آدابها، ومستحفظ أنسابها، ونظام فخارها يوم النّفار، وديوان حجاجها عند الخصام".

وحقاً كان الشعر ديوان الجاهليين، كأنه بمجموعه كتاب عظيم، محفوظ في الصدور، عبّر فيه الجاهليون عن أفكارهم وعواطفهم، وصوروا فيه آمالهم ومطامحهم، وسجلوا في ثناياه كل تقاليدهم وأخلاقهم وعاداتهم وغيرها من مظاهر الحياة عندهم. وكانت أجيال الجاهليين تحفظ هذا الشعر وترويه جيلاً بعد جيل، وكأنها تقرؤه في كتاب مكتوب. ولقد كان للأمم الغابرة من أصحاب الحضارات القديمة كتبهم المدونة في الدين والأخلاق والأدب والفلسفة وغيرها من زبد الفكر يقرؤونها ويتأدبون بها ويتثقفون. ولم يكن للجاهليين شيء من أمثال هذه الكتب. ولكن كان لديهم هذا الشعر، وكانوا يروونه ويتأدبون به ويتثقفون، وهكذا كان الجاهليون يجدون في قصائد شعرائهم المتعة الفنية ومادة الثقافة بما تضمنت من ذكر المآثر والمفاخر والمشاعر الإنسانية في مواقف الإنسان الجاهلي المختلفة في الحياة، والتغني بكل ذلك في تعبير فني جميل يستمد جماله من ثراء الفن الشعري في لغته ومعانيه وأوزانه وقوافيه المنغومة. وعلى هذا يمكننا أن نختصر ونقول: إن الشعر الجاهلي هو مادة الفن والتربية والثقافة في وقت واحد لأجيال الجاهليين. وهذا هو معنى قول عمر بن الخطاب(3): "كان الشعر على قوم، لم يكن لهم علم اصح منه". ويشير عمر في قوله هذا إلى الشعر الجاهلي وأصحابه أهل الجاهلية. ولقد صدق عمر بن الخطاب وهو العارف بالشعر، ومن بعده ابن سلام وهو العالم بالشعر، لقد صدقا في كلامهما وأدركا قيمة الشعر الجاهلي ومكانته في حياة الجاهليين، وعرفا أنه كان مجمع الثقافة عندهم ووسيلة انتشارها بينهم ومدعاة استمرارها في البقاء والحياة مع أجيالهم المتعاقبة. وفي الواقع كانت قصائد الشعر في الجاهلية تسير بين القبائل، وتنتشر سريعاً في كل أنحاء الجزيرة العربية فيتناقلها الناس وينشدونها في مجالسهم ومحافلهم العامة في الأندية (أندية القبائل)، وفي الأسواق العامة (سوق عكاظ)، وكذا في مواسم الحج، فكانت هذه القصائد لذلك مثل الصحف والمجلات وكتب الثقافة في عصرنا الحاضر تنتشر بين الناس فيطلع عليها الجميع.

2-أما مضمون هذا الشعر، فلقد كان الشعر الجاهلي بمجموعه يدور على صور ومظاهر مختلفة من أحوال الجاهليين الفكرية والاجتماعية، كما أشرنا آنفاً. وكانت للشعراء الجاهليين أشكال مختلفة، أو طرق للتعبير عن هذه الصور والمظاهر في الشعر، ونريد بذلك أغراض الشعر أو موضوعاته العامة، لأن هذا الشعر قد تفرق في أغراض يختلف بعضها عن بعض في معانيها وغاياتها، ثم تجتمع هذه المعاني والغايات في نهاية الأمر لتلتقي في غرض واحد أكبر لم يكن مقصوداً لذاته، وهو التعبير عن أفكار الجاهليين وعواطفهم كما قلنا، وبيان مواقفهم الخاصة من أحداث الحياة المختلفة، وكل هذا يعني تصوير مظاهر وجوانب من حياة الجاهليين في خطوطها العامة. وهذا هو الغرض الأكبر من الشعر الجاهلي، وهو كامن وراء الأغراض الظاهرة الأخرى. وتبدو لنا هذه الأغراض الظاهرة في الوهلة الأولى وكأنها هي الغاية في قصائد الشعر الجاهلي، لكننا حين نتروى ونمعن النظر فيها ونقيس الأمور والمسائل ونزمنها بالنتائج التي تنتهي إليها نجد أن الحق غير ذلك، وأن هذه الأغراض المختلفة الظاهرة ما هي في حقيقة الأمر سوى سبل ووسائل إلى غاية أخرى أكبر وأوسع وهي: تصوير مظاهر وجوانب من حياة الجاهليين كما قلنا.

فالشعر الجاهلي حين يعبر عن الفضائل الإنسانية التي يستحبها الإنسان الجاهلي ويعبر عن الفرح والرضا بهذه الفضائل يكون مديحاً. وحين يشير هذا الشعر إلى المثالب والمعايب التي يستقبحها ويكرهها الإنسان الجاهلي وينفر منها يكون الغرض هجاء. ويكون الشعر مراثي حين يعبر عن الحزن والأسف على موت الأحبة أو فقدان الكفاءات الإنسانية في شخص الأكفاء من الرجال، ويكون هذا الشعر فخراً حين يتباهى بمحاسن النفس وفضائلها. ويكون وصفاً في إبداء الإعجاب بالأشياء وإظهار الفرح بها والرغبة فيها أو الرهبة والخوف منها. وقصارى القول: إن الشعر في آخر الأمر تعبير عن مشاعر الإنسان الجاهلي ومواقفه في الوجود مهما اختلفت الأسماء التي تطلق على أغراضه وفنونه أو طرائقه في التعبير.

3-ولهذه النتيجة وجه آخر من المعنى يبين لنا أن شعراء الجاهلية قد اهتموا بحياة الإنسان الجاهلي، وعرضوا في أشعارهم لقضايا هذا الإنسان ومشاكله في الحياة، في السعادة والحزن، وفي أيام الرخاء والنعيم، وكذلك في الأزمات وأيام الشدة. في كل ذلك كان الشعراء ألسنة ينطقون بمشاعر الجماعة، فالشاعر يتأثر بما حوله فتجيش نفسه بمشاعر الناس جميعاً فتصوغ هذه المشاعر قصائد ينشدها جماعته، فتجد هذه الجماعة مشاعرها مصوغة في شعر الشاعر لأنه هو اللسان الناطق. ويجدر بنا بعد هذا العرض أن نمثل لاهتمام شعراء الجاهلية ببعض الأمثلة. ونورد بعض شواهد الشعراء على تعرضهم لقضايا الإنسان الجاهلي التي كانت تشغله فتسعده أو تؤلمه في الحياة.

ومن هذه القضايا التي عرض لها شعراء الجاهلية وعالجوها في قصائدهم: "أزمة الجوع في المجتمع الجاهلي". فمن المعروف لدينا أن البيئة الجاهلية الطبيعية –وهي بيئة البادية- شحيحة بالخير، ولهذا كثيراً ما تنزل بها نازلة الجدب والقحط لانحباس المطر وجفاف الماء والمرعى، وفي هذه الحال تقفر البادية ويموت فيها كل شيء ويجوع الناس ويشتد عليهم الزمان، هنا في مثل هذه الأزمة العصيبة نلاحظ حالة عجيبة في المجتمع الجاهلي تثير الاستغراب والإعجاب معاً. نرى الإنسان الجاهلي لا يسارع إلى الاستئثار بما لديه من مادة الخير، ولا يحاول الاستغلال والاستفادة من الفرصة السانحة، بل نرى الناس يسارعون إلى التباري في الجود بما لديهم وإخراج الخير الذي يملكونه ويتباهون في إطعام الفقراء والمحتاجين وإيوائهم، ويفخرون بذلك فخراً عريضاً ولا سيما الأغنياء أصحاب اليسار منهم. ونجد شواهد كثيرة في الشعر الجاهلي تصف هذه المواقف في أغراض مختلفة من أغراض الشعر الجاهلي، في الفخر أو في المديح وحتى في المراثي. من هذه الشواهد قول طرفة بن العبد البكري في مجال الفخر بأهله وقبيلته في قصيدته الرائية(4):

نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الآدب فينا ينتقر

بجفان تعتري نادينا من سديف حين هاج الصّنّبر

كالجوابي لا تني مترعة لقرى الأضياف أو للمحتضر

ثم لا يحزن فينا لحمها إنما يحزن لحم المدّخر

ففي هذه الأبيات يفخر الشاعر طرفة بجود قومه، فيذكر أنهم يدعون الناس إلى المآدب دعوة الجفلى أيام الجوع في الشتاء، والشتاء زمن الشدة والضيق في البادية دائماً، يشتد فيه البرد ويعزّ القوت فتجتمع على الناس شدة الجوع وشدة البرد، وتكون أزمة تحطم الفقراء منهم خاصة، ولاسيما الأرامل والأيتام.

وشاهد آخر من الشعر الجاهلي نستقيه من معلقة لبيد بن ربيعة العامري، يقول فيها مفتخراً بجوده ورعايته للجيران المحتاجين، ولاسيما النساء ذوات الأطفال(5):

وجزور أيسار دعوتُ لحتفها بمفالق متشابه أعلامها

أدعو بهن لعاقر أو مُطفل بُذلت لجيران الجميع لحامها

فالضيف والجار الغريب كأنما هبطا تبالة مخصباً أهضامها

يفخر الشاعر لبيد هنا بالمقامرة ولعب الميسر على الطريقة الجاهلية، وسر الفخر في ذلك هو أن اللحم الذي يفوز به الياسر يبذل للفقراء والمحتاجين من الناس ولأبناء السبيل، مثل الضيف والجار الغريب، فيطهى هذا اللحم في مكانه ليأكل منه الجميع، وعارٌ عظيم على الياسر أن يأخذ هذا اللحم لنفسه ويحمله إلى منزله. وهذا ضرب من جود أهل الجاهلية يفخرون به كما رأينا لاسيما في أوقات الشدة والضيق أيام الشتاء، أو في سنوات الجدب.

وقد يأتي التعبير الشعري عن قضية الجوع في المجتمع الجاهلي بصورة أخرى، في غرض آخر من أغراض الشعر كالمدح مثلاً، ذلك أن الشعراء يلاحظون فضل الأجواد الذين يسارعون إلى نجدة الناس في الأزمات، ويدفعون عنهم غائلة الجوع فيعجبهم هذا الفعل الجميل، ويثير وجدانهم فينهضون إلى مدح هؤلاء الأجواد للتعبير عن هذا الإعجاب. ويتصف المدح في مثل هذه الحال بالصدق وحرارة الإعجاب حين يجود الممدوح بأمواله على الفقراء المحرومين، فيشفي جراحهم التي حفرتها آلام الجوع والحرمان أيام الشدة والضيق، أو يمد يد العون والمساعدة للأرامل والأيتام الذين يفقدون آباءهم ورجالهم في الغارات والحروب الدائمة، مثلما نرى في مدائح الشاعر زهير للسيد الجواد هرم بن سنان المري، في مثل قوله من قصيدة له(6):

له في الذاهبين أُروم صدق وكان لكل ذي حسب أُروم

وعود قومه هرم عليه ومن عاداته الخلق الكريم

كما قد كان عوّدهم أبوه إذا أزمت بهم سنة أزوم

عظيمة مغرم أن يحملوها تُهمّ الناس أو أمر عظيم

كذلك خيمهم ولكل قوم إذا مسّتهم الضراء خيم

في هذه الأبيات يبدو الشاعر زهير معجباً بالرجل الجواد هرم بن سنان، مندفعاً في مدحه ومدح قومه لنجدتهم الناس المحتاجين في السنة الأزوم، وهي سنة الجدب والجوع. وأخبار الجاهلية والروايات التي نجدها في كتب الشعر واللغة القديمة تثبت صدق زهير في إعجابه وتقديره لهذه الشخصية الإنسانية، إذ تذكر هذه الأخبار والروايات جود هرم وأهله وكرمهم حتى ضُرب به المثل في الجود، فقيل: أجواد العرب ثلاثة: حاتم طيء، وهرم بن سنان، وكعب بن مامة الإيادي. ومدلول هذا المثل بيّن، وهو أن تقدير هذا الرجل الجواد قد تغلغل في ضمير الجاهليين، فضربوا به المثل تعبيراً عن تقديرهم لموقفه النبيل وكفاءته الإنسانية في نفع مجتمعه، ورد كارثة الجوع عن أهله. وكل هذه الصور الشعرية التي رأيناها في الفخر في أبيات طرفة وفي أبيات لبيد، وفي المدح في أبيات زهير تبدو صوراً قوية معبرة مؤثرة، وهي تحقق بقوة التعبير والتأثير الفني الهدف الذي قصده هؤلاء الشعراء، وتصل بنا إلى الغاية الجمالية التي أرادوا الوصول إليها، وهي التأثير في نفس الإنسان الجاهلي، كل إنسان والأخذ بيده نتيجة هذا التأثير في طريق الخير إلى الأفضل والأجمل. فهذا الفخر في أبيات طرفة ولبيد ليس الغاية منه التعاظم والتعاطي، وهذا المدح في أبيات زهير ليس الغاية منه تعظيم إنسان موسر، أو تقديس سيد كريم. فهذه غاية قريبة لا تعني شيئاً ولا تعني كثيراً في مجال الفن الأصيل، بل تغيب وتنسى تماماً عند انقضاء الحاجة الداعية لها والظروف الملابسة. أما الغاية البعيدة على المدى البعيد، فهي اهتمام شعراء الجاهلية بمشكلة من مشكلات الإنسان الجاهلي والتعبير عنها وإثارة عواطف الناس وتنبيه أذهانهم إلى المشكلة في نتيجة هذه الآثار. والمقصود من ذلك هو تلمس السبيل للوصول إلى حل لها حسب طريقتهم الخاصة في بيئتهم الخاصة وفي المرحلة التاريخية الخاصة التي كانوا يعيشون فيها. فالبيئة الجاهلية ليست بيئة قوانين وأنظمة مسنونة نتيجة تطور حضاري فكري، وإنما هي بيئة أعراف وتقاليد أثبتتها الأيام والتجارب في هذه البيئة البدوية، فما هذا الفخر، وما هذا المدح في الشواهد التي عرضناها من الشعر إلا دعوة للإنسان الجاهلي للعطاء والجود بما يملك في الأزمات. وهذا الجود ما هو إلا نوع من أنواع التعاون، أو طريقة خاصة اهتدى إليها الجاهليون بالتجربة الطويلة للخلاص من كارثة الجوع في بيئة البادية الشحيحة بالخير، إنه اقتراح لحل هذه الأزمة بحسب تفكيرهم وطريقتهم، أو لتخفيف أثرها السيئ في مجتمعهم. وقد نزيد ونذهب أبعد من ذلك ونقول: إن فخر طرفة ولبيد ومدح زهير وأشعار غيرهم من شعراء الجاهلية في هذا الموضوع ما هي إلا مشاركة شعرية، وبتعبير آخر أعم، نقول: إنها مشاركة فنية في إيجاد حل لأزمة الجوع في البيئة الجاهلية، إنها في آخر الأمر صيحة أزلية لكل إنسان في كل زمان لفعل الخير بطريقة أو بأخرى وتحقيق السعادة لبني الإنسان والتخفيف من الألم في الحياة، وهذا هو السعي للأفضل والأجمل، وتلك هي الغاية البعيدة التي تسعى العلوم والفنون الجميلة سعياً حثيثاً لبلوغها، وهي سعادة الإنسان في الأرض. وقديماً قال الشاعر الجاهلي عبد قيس بن خُفاف، وهو يوصي ابنه جبيلاً بلزوم خصال الخير في قصيدة له(7):

وإذا تشاجر في فؤادك مرة أمران فاعمد للأعفّ الأجمل

4-وعلى هذه الطريقة في البحث والنظر في أعماق الشعر الجاهلي يمكن لنا أن ننظر في قضية أخرى من قضايا المجتمع الجاهلي، هي قضية الحرب والسلم، واستقراء قصائد الشعر الجاهلي تثبت لنا مدى اهتمام شعراء الجاهلية بهذه القضية حسب عادتهم في الاهتمام بقضاياهم. فلقد اضطر الجاهليون إلى الحرب كثيراً للدفاع عن حرية الإنسان وحقه في الحياة، وحفاظاً على موارد العيش من الأموال (الإبل) والمياه والمراعي، وخاضوا في سبيل ذلك حروباً طويلة جرّت عليهم الآلام والنكبات، وكان للشعراء فيها أثر بارز وظاهر، وهو قصائد عديدة طويلة في تصوير الحرب والغارات، والتغني بالشجاعة والانتصار وتمجيد قوة الأبطال والفرسان. والحرب كريهة ذميمة فيها هلاك الإنسان ودمار حياته، فلذلك كرهها الجاهليون ونفروا منها، ولم يسرعوا فيها إلا مضطرين مكرهين. ونهض بعض شعراءهم يعبرون عن هذا الشعور في قصائدهم بذم الحرب والتنفير من أهوالها ودعوة الناس إلى السكينة والسلام ومدح دعاة السلام والإشادة بفعلهم وتعظيم شأنهم. وكما استعان الجاهليون بوسيلة الجود لمعالجة أزمة الجوع، اهتدوا كذلك إلى وسيلة جميلة استعانوا بها للإصلاح بين الناس وإقرار السلم فابتدعوا (الدية، والحمالة)، فالدية: هي تعويض أهل القتيل أو الجريح بعدد من الإبل تسوقها لهم أسرة القاتل أو قبيلته، وهي بادرة للتفاهم، وخطوة أولى في سبيل الصلح. والحمالة: هي أن يتحمل سيد من السادات ديات القتلى وفداء الأسرى في حرب من الحروب يعينه في ذلك رهطه أو قومه ومن يستعينون به من أجواد الناس. ومن أشهر قصائد الدعوة إلى السلم وذم الحرب معلقة زهير بن أبي سلمى، وقد حيا فيها الشاعر بطلين من أبطال السلام هما: هرم بن سنان، وابن عمه الحارث بن عوف المريان، وخلد ذكرهما في مدح فخم نبيل ينبئ عن إعجابه العظيم بفعلهما العظيم في وقف الحرب المشؤومة والمعروفة بحرب داحس والغبراء بين قبائل عبس وذبيان وتحملهما ديات القتلى من الفريقين، ومن أبيات المعلقة في المدح قوله في خطاب الرجلين(8):

تداركتما عبساً وذبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم

وقد قلتما: إن ندرك السلم واسعاً بمال ومعروف من القول نسلم

أصبحتما منها على خير موطن بعيدين فيها من عقوق ومأثم

عظيمين في عُليا معدّ هُديتُما ومن يستبح كنزاً من المجد يُعظم

فأصبح يجري فيهم من تلادكم مغانم شتى من إفال المزنم

تعفى الكلوم بالمئين فأصبحت ينجمها من ليس فيها بمجرم

ينجمها قوم لقوم غرامة ولم يُهريقوا بينهم ملء محجم

يقول الشاعر: إن هذين الرجلين العظيمين أدركا السلم بالحال والمعروف فمحيت الجراحات (آلام الحرب) بالمئين من الإبل، أي سقطت دماء القتلى بالديات، وقد تحملها هذان الرجلان كرماً وحباً بالسلام من غير أن يأتيا بجرم، أو يشاركا في إراقة الدم في الحرب، وهذه هي مكرمة الحمالة التي أشرنا إليها، والتي ابتدعها الجاهليون لتفادي الحرب. وهذه عملية إقرار السلام. وقد اهتدى الجاهليون إلى هذه الأعراف والتقاليد بالتجربة والممارسة الطويلة في الحياة، وفيها نفع وخير كثير للمجتمع، لأنها كانت بالقياس إلى الجاهليين كالقوانين التي تسنها الدولة لتنظيم المجتمع وحمايته في البلاد التي يسود فيها السلطان والنظام. وقد اعتبر الجاهليون هذا التعاون بين الناس في الأزمات وإسهام الموسرين منهم في غوث الفقراء والمشاركة في نشر الأمن والسلام وغيرها من الأعراف الجميلة، اعتبر الجاهليون كل هذا حقاً لازماً لابد من الوفاء به كالقانون الذي يلزم الجميع قبوله وتنفيذه، واستعملوا في الدلالة عليه والتعبير عنه كلمة الحق. فمن قبل الحق وسعى في الخير نال جزاء سعيه مدحاً وثناء وفخراً، وهذا نوع من مكافأة المحسن على إحسانه، وهو تقدير اجتماعي. ومن أبى وزاغ عن الحق لزمه الذم والهجاء، وهذا نوع من معاقبة المسيء على إساءته، وهو إكراه وقسر اجتماعي. وقد عبر الشعراء حسب عادتهم عن هذا الموقف والمعاني في قصائدهم في الأعراض المختلفة، واستعملوا في التعبير كلمة الحق، وهو استعمال له دلالة خاصة. من شواهد ذلك قول ربيعة بن مقروم الضبي في مفضلية له في الفخر بقومه(9):

وقومي فإن أنت كذبتني بقولي فاسأل بقومي عليما

أليسوا الذين إذا أزمة ألحت على الناس تنسي الحلوما

يهينون في الحق أموالهم إذا اللزبات التحين المسيما

أي ينفقون أموالهم في الحقوق التي تعتريهم وتنزل بهم من إطعام الجائعين وقرى الأضياف وإعطاء المحتاجين ودية القتلى وغير ذلك. وقد خص الشاعر أداء الحق هذا في الأزمات لأن أداءه حينئذ يكون أجدى للفقراء والمحتاجين. ولتأكيد هذه الفكرة والدلالة على أهميتها في أذهان الجاهليين نسوق شاهداً آخر في المعنى نفسه، وهو أبيات لمعاوية بن مالك، من فرسان بني عامر وساداتهم، هو المعروف بمعوّد الحكماء، قال في مفضلية له(10):

بل لا نقول إذا تبوأ جيرة إن المحلة شعبها مكدود

إذ بعضهم يحمي مراصد بيته عن جاره وسبيلنا مورود

قالت: سميّة: قد غويت بأن رأت حقاً تناوب مالنا ووفود

غيٌّ لعمرك لا أزال أعوده ما دام مال عندنا موجود

يريد الشاعر أن محلتهم مفتوحة غير ممنوعة على الجيرة المحتاجين، وأن أموالهم تذهب في أداء الحقوق وعطاء الوافدين من طلاب الخير، وهذا ضلال في نظر امرأته سُميّة التي تلومه على البذل والعطاء مخافة الفقر، ولكنه ضلال في سبيل الحق في نظره، يؤدي إلى الخير فهو لذلك باق على هذا الضلال، يعطي ويمنح أصحاب الحاجة ما دام عنده مال.

فهذا المال مشترك عندهم، وفيه حق للجميع يأخذ منه كل محتاج فهو مرصود في سبيل الخير والصلاح. وقد عبر عن هذا المفهوم دريد بن الصمة، وهو من سادات الجاهلية وفرسانهم عن هذا الاشتراك في المال في قوله من مقطوعة اختارها أبو تمام في حماسته الصغرى (الوحشيات) في باب السماحة والأضياف(11):

وإن تسأل الأقوام عني فإنني لمشترك مالي فدونك فاسألي

وما إن كسبت المال إلا لبذله لطارق ليل أو لعان مكبل

يفخر دريد الشاعر الفارس بجوده واعتبار ماله مشتركاً بين المحتاجين، فهو لم يجمع هذا للمال إلا لبذله في وجوه الخير، ومن هذه الوجوه استقباله طارق الليل، وهو المسافر الغريب في الصحراء يطرق الناس في الليل طلباً للمطعم والمأوى، ومن وجوه الخير كذلك افتداؤه الأسير المشدود بالقيود إطلاق سراحه لينعم بالحرية والحياة.

5-ويمكن لنا على هذه الطريقة من البحث والنظر أن نستعرض وجهاً آخر من وجوه اهتمام شعراء الجاهلية بقضايا الإنسان في مجتمعهم. ولننظر الآن في مجال الأخلاق. وقراءة للشعر الجاهلي تظهر لنا اهتمام هؤلاء الشعراء بالأخلاق وتهذيب النفس في كل غرض من أغراض الشعر المعروفة حتى المراثي. ونختار شاهداً من المراثي، وهو أبيات لرقيبة الجرمي في أخيه رفاعة، وهي من اختيار أبي تمام في باب المراثي في حماسته، قال رقيبة(12):

أقول وفي الأكفان أبيضُ ماجدٌ كغصن الأراك وجهه حين وسّما

أحقاً عباد الله أن لست رائياً رفاعة بعد اليوم إلا توهما

فأقسم ما جشّمتُهُ من ملمة تؤُد كرام القوم إلا تجشما

ولا قلت: مهلاً وهو غضبان قد غلا من الغيظ وسط القوم إلا تبسّما

يعبر الشاعر في هذه الأبيات عن شجوه لفراق أخيه طوال الدهر بعد أن خطفه الموت في ريعان الشباب كغصن الأراك الرطيب، ويصوغ الشاعر تعبيره في تساؤل حائر لهيف ينم عن الحسرة واللهفة وهو يتفجع خاصة على فضائل أخيه وشمائله الحسنة التي طواها الموت. هذا هو المعنى في الأبيات، لكننا نلمح وراء هذا المعنى الحزين شيئاً إنسانياً آخر أكبر وأعمق، وهو الاهتمام بالأخلاق ومعالجة نزوات النفس، فالشاعر يبكي في أخيه ضياع الفضائل والكفاءات الإنسانية، يبكي فيه نهضته لإغاثة الملهوف في الملمات التي تنزل به في الحياة، ويبكي فيه تبسمه وكظمه للغيظ في ساعة الغضب، وكل ذلك من مكارم الأخلاق، وكأن الشاعر في رثائه يحبب إلى الناس هذه الأخلاق ويغريهم بها في تفجعه على ضياعها، كما جاء في الكتاب العزيز(13): "الذين ينفقون في السراء والضراء، والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين".

والشاعر الجاهلي يبلغ بذلك غاية فنية هي تهذيب النفس وإصلاحها، وتلك هي الغاية المقصودة في التربية والثقافة. نرى الشاعر الجاهلي يدعو إليها أهل مجتمعه في أحسن صورة شعرية. ومعظم المراثي الجاهلية تدور على هذه الغاية، بمعنى أنها تأسف وتفجع على ضياع الفضائل والكفاءات الإنسانية بموت أكفاء الرجال.

6-وقصارى القول بعد هذا العرض الوجيز لاهتمام شعراء الجاهلية بقضايا الإنسان في عصرهم، وما خلفوه من تراث في هذا السبيل: إن هذا التراث القديم من الشعر يبدو لنا الآن قديماً وجديداً. فهو قديم لأنه تراث تفصل بيننا وبين أصحابه أحقاب وقرون، وهو مع ذلك جديد لأن معانيه وأغراضه وأهدافه الفنية والفكرية ما زالت معروفة ومطروحة على الفكر الإنساني في أيامنا الحاضرة، ولعل هذا هو السر الذي جعلنا نقبل على دراسة هذا التراث القديم، فنحن نستشف منه معاناة الإنسان في الحياة وصراعه مع ظروفه المختلفة، وسعيه من أجل تحقيق حريته وسعادته في حياة أفضل. ونستطيع أن نقول أخيراً: إن هذا التراث القديم يحمل في ثناياه خيراً كثيراً وفيضاً غزيراً من المعاني الإنسانية، فهو لذلك سيحتفظ دائماً بقيمته، ويحتل مكانته بحق في التراث الإنساني لخدمة قضية الإنسان.

محمد نبيل طريفي

دبلوم الدراسات العليا في الأدب الجاهلي والمخضرم والإسلامي

الحواشي:

(1)طبقات فحول الشعراء، تحقيق شاكر: 24.

(2)سورة مريم، الآية: 2.

(3)طبقات فحول الشعراء: 24.

(4)ديوان طرفة، دار بيروت: 55-56.

(5)ديوان لبيد، دار صادر: 178.

(6)ديوان زهير بن أبي سلمى، صنعة ثعلب، تحقيق د.قباوة: 154-156.

(7)المفضليات، تحقيق شاكر وهارون: 385.

(8)ديوان زهير، صنعة ثعلب، تحقيق د.قباوة: 24-26.

(9)المفضليات، تحقيق شاكر وهارون: 183.

(10)المفضليات، تحقيق شاكر وهارون: 256.

(11)الوحشيات، تحقيق الميمني وشاكر: 273، ديوانه جمع البقاعي: 96.

(12)الحماسة بشرح التبريزي: 3/21-22.

(13)سورة آل عمران: 134.

awu-dam.org/trath/35-36/turath35-36-004.htm

كلمات البحث الموفِدة:

  • الشاعر الجاهلي والتعبير عن الجماعة (1)
  • المجتمع الجاهلي (1)
243 Views

عن

تعليقات

  1. mak2 قال:

    الف شكر

إلى الأعلى