الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » شعر وشعراء » وحدة البيت في النقد العربي القديم – د.خليل الموسى

وحدة البيت في النقد العربي القديم – د.خليل الموسى


وحدة البيت في النقد العربي القديم – د.خليل الموسى

لابدّ من الإشارة أولاً إلى أن طبيعة الشعر العربي مختلفة عن طبيعة الشعر الإغريقي ولذلك اختلف النقد العربي الذي تناول القصيدة الغنائية عن النقد الغربي الذي تناول القصيدتين الدرامية والملحمية، وبخاصة في "فن الشعر"، وينبغي أن نضع في الحسبان أن "وحدة القصيدة" مفهوم نقدي استخلصه أرسطو من الأعمال الفنية الراقية ل "هوميروس" و "سوفوكليس"، ولم يجده متوافراً في كثير من الأعمال الدرامية والملحمية عند غيرهما، ولكن نقادنا القدامى ما وجدوا مثل هذه الأعمال التي تقوم على حدث واحد تام متنام، وإنما وجدوا قصائد غنائية تستند إلى دفقات إبداعية ذات موجات شعورية تتراوح بين الشدة والضعف ويربط بينها ما يمكننا أن نسميه بالتناسب.‏

ويبدو للدارس من أن مفهوم "وحدة القصيدة" لم يحظ باهتمام نقادنا، وظلت "وحدة البيت" مركز اهتماماتهم؛ فقد جزّؤوا القصيدة وعدّوا البيت قائماً بنفسه مستقلاً بمعناه ومبناه.‏

ويتهم مندور(1) الأدب العربي القديم بأنه "أدب جزئيات وحدتها البيت لا الفكرة ولا الأسطورة ولا الموقعة التاريخية"، وعلى الرغم من أننا نوافقه على هذا الحكم بوجه عام فإننا إذا نظرنا مليّاً في الأسباب التي أدت إلى استمرار وحدة البيت –والنقد التجزيئي أحدها وأهمها- أدركنا سرعة هذا الحكم؛ فمندور، هنا، يفسّر ما هو موجود، وهو طبيعة الأدب القديم، ولكنه ينسى الأسباب التي أدت إلى استمرار ثبات هذه الطبيعة في العصر الذهبي للقصيدة العربية. صحيح أن النقد ظلّ، منذ العصر الجاهلي حتى نهاية العصر الأموي، فطرياً تجزيئياً تابعاً للشعر غير أنه تقدم في العصر العباسي وتشعّب، وأصبح للنقاد مواقف وآراء ونظريات، ولم يبق الناقد ذلك المتذوق الذي يحكم على الشعر وفق أهوائه ومعتقداته، وإنما وضعت المقاييس وغدا الناقد مثقفاً في عصر العلم والترجمة، وقد كان في مقدور هؤلاء النقاد أن يستفيوا من ثقافتهم ومن قفزة الشعر العباسي ويخرجوا من تبعية الشعر إلى قيادته ومن تفسيره إلى تحليله وبيان مواطن الإبداع فيه ومن ماضيه إلى مستقبله، ولكن معظمهم لم يفعل ذلك وإنما حاول قياس الشعر العباسي المحدث على الشعر الجاهلي، وعدّوا المقاييس معياراً في الحكم على جودة الشعر أو رداءته.‏

ويبدو أن ابن قتيبة (ت 226ه) هو أول من حدد منهج القصيدة العربية المدحية في مقدمة كتابه "الشعر والشعراء"، فاستخرج من الأنماط المتبعة في مدائح الجاهليين قانوناً عاماً ينبغي أن يخضع له الشعراء بدواً كانوا أم حضراً، فقد قال: "وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار، فبكى وشكى، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سبباً لذكر أهلها الظاعنين عنها… ثم وصل ذلك بالنسيب… ليميل نحوه القلوب… فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه، والاستمتاع له، عقّب بإيجاب الحقوق، فرحل في شعره، وشكا النّصب والسهر، وسُرى الليل، وحرّ الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير. فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حقّ الرجاء…. بدأ في المديح، فبعثه على المكافأة، وهزّه للسماح، وفضّله على الأشباه"(2).‏

ويجزم ابن قتيبة بأن الشاعر المجيد من التزم هذه الأساليب، ولم يحد عنها، فقال(3): "وليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين في هذه الأقسام، فيقف على منزل عامر، أو يبكي عند مشيد البنيان، لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الداثر، والرسم العافي، أو يرحل على حمار أو بغل ويصفهما، لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير. أو يرد على المياه العذاب الجواري، لأن المتقدمين وردوا على الأواجن الطوامي. أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والآس والورد، لأن المتقدمين جروا على قطع منابت الشيح والحنوة والعرارة".‏

ولكن لابن قتيبة في كتابه المذكور ومضات تجديدية هنا وهناك تضيء القصيدة المحدثة وتطمح إلى التجديد، فقد أنصف المحدثين بمنهجه، فقال(4): "ولم أسلك، فيما ذكرته من شعر كل شاعر مختاراً له، سبيل من قلّد أو استحسن باستحسان غيره. ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه، وإلى المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره. بل نظرت بعين العدل على الفريقين، وأعطيت كلاًّ حظه، ووفرت عليه حقه. فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله، ويضعه في متخيره، ويُرذل الشعر الرصين، ولا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه. أو أنه رأى قائله".‏

يوضح هذا النص عدة أمور، أولها أنه يصف ماهو عليه النقد في ذلك الزمان، فقد كان النقاد وبخاصة أصحاب الاختيارات لا يختارون من أشعار معاصريهم وإن كانت أشعارهم جيدة، والعيب الوحيد فيها أن أصحابها جاؤوا متأخرين، وقد نسي هؤلاء النقاد أنهم أيضاً جاؤوا متأخرين عن السابقين، ويتعلق الأمر الثاني ببعض النقاد الذين يتحيزون لهذا الشاعر أو ذاك أو لهذه القبيلة أو تلك وهذا واضح من قوله "نظرت بعين العدل"، وذلك لأن اللون الأسود يستدعي اللون الأبيض، وبضدها تُعرف الأشياء، والأمر الثالث هو أنه خالف معاصريه من النقاد واختار شعراً محدثاً وأنصف في منهجه وكتابه المحدثين، وهذا ما يوضحه قوله(5): "فكل من آتى بحسن من قوله أو فعل ذكرناه له، وأثنينا به عليه، ولم يضعه عندنا تأخر قائله أو فاعله، ولا حداثة سنّه. كما أن الرديء إذا ورد علينا للمتقدم أو الشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدمه".‏

ويردّ الدكتور فهد عكام هذا التعارض الظاهري في منهج ابن قتيبة إلى أنه "ينقل إلينا نظرة كانت شائعة لعهده في أوساط العلماء"(6)، ولا يراد بهذا المنهج البدوي "كل شاعر كان يصنع الشعر قصائد، بل الشاعر القديم الذي كان يصنع القصيدة المدحية"(7)، وهو يرفض بذلك التقليد الأعمى وما يهمه "ليس هو المضمون مدنياً أو بدوياً، بل طريقة التعبير، أو بالحري شكل المضمون، فهذا الشكل لابد له من أن ينظم تنظيماً جديداً ليؤثر تأثيراً ناجعاً في المتلقي، وليدرك بالتالي الهدف الذي اختاره المبدع عن وعي"(8).‏

ويعد المرزوقي (ت 421ه) أفضل من حدد مفهوم عمود الشعر العربي القديم وأحاط بوجوهه جميعها، وذلك في مقدمته لشرح "ديوان الحماسة"، مستخلصاً من أشعار القدماء معياره التالي: "إنهم كانوا يحاولون شرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف –ومن اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كثرت سوائر الأمثال، وشوارد الأبيات- والمقاربة في التشبيه، والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخيُّر من لذيذ الوزن، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما –فهذه سبعة أبواب هي عمود الشعر، ولكل باب منها معيار"(9).‏

ثم يشرح هذه المعايير السبعة واحداً فواحداً ليدعو الشعراء، بعد ذلك، إلى التزامها وعدم الخروج عليها قائلاً(10): "فهذه الخصال عمود الشعر عند العرب، فمن لزمها بحقها وبنى شعره عليها، فهو عندهم المفلق المعظّم، والمحسن المقدّم، ومن لم يجمعها كلها فبقدر سهمته منها يكون نصيبه من التقدم والإحسان، وهذا إجماع مأخوذ به ومتبع نهجه حتى الآن".‏

ويتبين للدارس مما مضى أن "عمود الشعر" مستخلص من القصائد القديمة، وهو مقياس للتفريق بين القديم والجديد، ويتضمن سبعة معايير منها ما يرجع إلى اللفظ، ومنها ما يتعلق بالمعنى الجزئي أو ما يخص تصوير المعاني الجزئية؛ فعلى اللفظ ألاّ يكون غريباً أو سوقيّاً وأن يكون سليماً من تنافر الحروف، وأن يشاكل اللفظ معناه، فإذا وقع موقعه لا يزيد على معناه و لا ينقص. أما ما يتعلق منه بالمعنى الجزئي فأهمه شرف المعنى وصحته، كاختيار الصفات المثلى وعدم الوقوع في خطأ تاريخي أو ما شابه ذلك، ثم الإصابة في الوصف، وذلك بأن تكون صفات المديح عامة لا خاصة. أما ما يتعلق بتصوير المعاني الجزئية فأهمها المقاربة بين المشبّه والمشبّه به وقرب متناول الاستعارة والتحام أجزاء النظم والتئامها.‏

وإن من ينظر في هذه المعايير يلمس الاهتمام بالسامع أو القارئ أكثر من الاهتمام بالنص الشعري، وكأن المرزوقي يريد أن يلتزم الشعراء الوضوح في الأفكار والصور وعدم الخروج على ذلك، ويبدو أن عناية عمود الشعر بالجزئيات دون أن يرسم شمولية أسرار الجمال الفني قد ضيّق أمام الشاعر فرصة التجريد، وأن القيود التي رسمت قد عاقت الشعراء عن محاولات كان يمكنها أن تؤدي إلى تطور الشعر العربي، بل هي عاقت النقاد أيضاً، فلم يتخطوا في نقدهم الحدود المرسومة ولم يستسيغوا محاولات التجديد، من ذلك مثلاً أن الأصمعي (عبد الملك بن قُريب –ت216ه) كان يقول عن بشار بن برد هو خاتمة الشعراء ولولا أن أيامه تأخرت لفضّله على كثير منهم(11).‏

وقد ظل كثير من العلماء اللغويين والرواة يرفضون قياس شعر المحدثين أو روايته؛ فقد رفض خلف الأحمر (ت نحو 180ه) أن يقيس شعر ابن مناذر (ت 198ه) إلى شعر الجاهليين، ولما طلب منه الشاعر أن يفعل ذلك غضب، ثم أخذ صحفة مملوءة مرقاً فرمى بها عليه فملأه(12). وقد كان هذا الشاعر يدرك عقم المنهج المتبع في نقد شعر المحدثين، فقد طلب من أحدهم أن يقرئ أبا عبيدة (معمر بن المثنى –ت 209ه) السلام ويقول له: يقول لك ابن مناذر: اتق الله واحكم بين شعري وشعر عدي بن زيد، ولا تقل ذلك جاهلي، وهذا إسلامي، وذاك قديم وهذا محدث فتحكم بين العصرين، ولكن أحكم بين الشعرين ودع العصبية(13).‏

وتبدو مقاومة الجديد في كثير من أحاكمهم النقدية، وبخاصة حين كانوا يوازون بين مفهوم "عمود الشعر" وما كان يجيء به المحدثون من جديد، وكان ابن الأعرابي (محمد بن زياد –ت 231ه) شديداً في حكمه على أبي تمام لمخالفته سنن القدماء والإتيان بمعان جديدة، حتى قال في شعره "إن كان هذا شعراً فكلام العرب باطل"(14)، وعلى الرغم من اعتراف بعضهم بجودة الشعر المحدث فإنه شديد العصبية للأوائل، فقد قال إسحق بن إبراهيم الموصلي(ت 235ه) لأبي تمام: أنت شاعر مجيد محسن كثير الاتكاء على نفسك، يريد أنه يعمل المعاني(15)، وكان هؤلاء النقاد يقيسون كل شعر محدث بمقياس عمود الشعر، فإذا وافقه استحسنوه، وإذا خالفه استهجنوه، حتى قال أحدهم حين سمع شعر أبي تمام: "فيه ما استحسنه، وفيه ما لا أعرفه ولم أسمع بمثله؛ فإما أن يكون هذا الرجل أشعر الناس جميعاً، وإما أن يكون الناس جميعاً أشعر منه"(16).‏

ولكن أبا بكر الصولي (ت 335 أو 336ه) يعزو مقاومة المحدث إلى جهل النقاد به(17)، ومن هنا نفسر قول أحدهم لأبي تمام: لم لا تقول ما يفهم(18)؟‏

ومع ذلك فإننا لا نعدم أن نجد نقاداً دافعوا عن الشعر المحدث وانتصروا له بمنطق مقبول وحجج دامغة، وبخاصة في منهج القصيدة كما فعل ابن رشيق القيرواني (ت 463 وقيل 456ه) إذ قال(19): "وكانوا قديماً أصحاب خيام: ينتقلون من موضع إلى آخر؛ فلذلك أول ما تبدأ أشعارهم بذكر الديار، فتلك ديارهم وليست كأبنية الحاضرة؛ فلا معنى لذكر الحضري الديار إلا مجازاً؛ لأن الحاضرة لا تنسفها الرياح، ولا يمحوها المطر… وكانت دوابهم الإبل لكثرتها، وعدم غيرها، ولصبرها على التعب وقلة الماء والعلف، فلهذا أيضاً خصُّوها بالذكر دون غيرها، ولم يكن أحدهم يرضى بالكذب فيصف ما ليس عنده كما يفعل المحدثون… وليس في زماننا هذا ولا من شرط بلدنا خاصة شيء من هذا كله… فالواجب اجتنابه إلا ما كان حقيقة، لاسيما إذا كان المادح من سكان بلد الممدوح، يراه في أكثر أوقاته، فما أقبح ذكر الناقة والفلاة حينئذ!".‏

وبناء على معظم ما سبق ذكره وعلى مقياسي "عمود الشعر" و "منهج القصيدة" كانت وحدة البيت من أبرز ظواهر نقدنا القديم، وقد ظلت مقياساً للجودة والإتقان وتجلت في مظاهر مختلفة، ولكنها تصب في هذه الوحدة؛ فقد عدّ قدامة بن جعفر (ت337ه) الإيغال حسنة، "وهو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاماً من غير أن يكون للقافية فيما ذكره صنع"(20)، وعدّ المبتور عيباً من عيوب ائتلاف المعنى والوزن معاً، "وهو أن يطول المعنى عن أن يحتمل العروض تمامه في بيت واحد، فيقطعه بالقافية ويتمّه في البيت الثاني"(21)، واتخذ أبو هلال العسكري (ت395ه) موقفاً مشدداً من قضية وحدة البيت وعدّ التضمين قبحاً(22)، وكذلك فعل المرزباني (ت 385ه)(23) وابن خلدون (ت 808ه)(24).‏

ويتابع ابن رشيق النقاد العرب في هذه الظاهرة ولكن حكمه أبعد وأنضج، فهو يحترم آراء الآخرين ويقدمها بروح علمية عالية، ثم يعبر عن رأيه بوضوح وصراحة قائلاً(25): "ومن الناس من يستحسن الشعر مبنياً بعضه على بعض، وأنا استحسن أن يكون كل بيت قائماً بنفسه لا يحتاج إلى ما قبله ولا إلى ما بعده، وما سوى ذلك فهو عندي تقصير، إلا في مواضع معروفة، مثل الحكايات وما شاكلها، فإن بناء اللفظ أجود هنالك من جهة السرد"، ويلاحظ على المقطع الأخير أن ابن رشيق يفصل في هذه القضية بين الشعر الغنائي والشعر القصصي (الدرامي-الملحمي)، فوحدة البيت، عنده، مستحسنة في النوع الأول، ووحدة القصيدة مستحسنة في النوع الثاني، وهذا رأي متقدم على زمانه.‏

ويمكننا أن نعد موضوع السرقات الشعرية من ظواهر وحدة البيت في نقدنا؛ فقد اعتمدت على الموازنة بين بيتين مهملة الشكل أحياناً، فحكم الآمدي (ت370ه) للفرزدق على أبي تمام دون أن يتعرض إلى الشكل(26)، وتحامل الحاتمي (ت388ه) على المتنبي حين أورد تسعة أبيات له، ثم أعاد كل بيت إلى غير شاعر دون أن يميّز تفرد المتنبي وأسلوبه المشرق وتسلسل القصيدة ووحدة الشعور، وجاء بعد ذلك حكمه الشديد، فخاطب الشاعر قائلاً(27): "فلا معنى لك في هذه القافية إلا مقتفى، ولا إحسان أشرت إليه إلا مسترق محتذى".‏

ومن ظواهر وحدة البيت في نقدنا الاهتمام بمطالع القصائد(28) والاختيارات(29) والحكم على شاعر من خلال بيت حسن بوساطة الجملة المعروفة "إنه أشعر العرب"(30)، واشتغال علماء اللغة بالنقد، فكانوا يقتطعون الشواهد ويعلّقون عليها دون مراعاة لوحدة القصيدة، قال(31): "آدم متز Adam Mez" (ت1917م) في ذلك: "هؤلاء العلماء المتقدمون يضعون معارفهم بعضها إلى جانب بعض، مفككة لا رباط بينها، وكان اهتمامهم ينصب على الجزئيات: على حادثة واحدة، أو صورة من صور التعبير واحدة، أو كلمة واحدة، أو جملة واحدة، كما نجد ذلك في كتب المبرد (المتوفى عام 285ه)، بل في كتب القالي (المتوفّى عام 356ه)، وهي كتب مؤلفة من علوم اللغة ومن القصص والتاريخ".‏

وعلينا، بناء على ما سبق، ألاّ ننسى دور بعض نقادنا، وبخاصة اللغويين والرواة منهم، في تجزئة القصيدة وإقامة وحدة البيت بديلاً عن وحدة القصيدة، ولكننا، في هذا المقام، لا نسلمُ بالأحكام التعميمية التي وردت في دراسات بعض المستشرقين، وتابعهم في ذلك بعض نقادنا المعاصرين، ومفادها أن القصيدة العربية مفككة الأجزاء وليست عملاً فنياً تاماً، وهذا لا يعني أننا ننكر تفكك كثير من القصائد القديمة، ولكن ذلك ليس محصوراً في القصيدة العربية وحدها، وإنما نجده في كثير من القصائد الغنائية عند الأمم جميعها، وقد وجده أرسطو في كثير من الملاحم والمآسي الإغريقية، وقد ورد ذلك في حديثه هنا وهناك في "فن الشعر".‏

وربما كان لنقدنا التجزيئي سبب مباشر في أن يتابع بعض المستشرقين أحكامهم حول تفكك القصيدة العربية واستقلال البيت فيها، وكأني بهؤلاء يطلقون أحكامهم على الشعر من خلال دراسة النقد، فقد جاء في "دائرة المعارف الإسلامية": "أن النقاد نادراً ما نظروا إلى القصيدة على أساس أنها وحدة، بل كانت عندهم سلسلة محاسن غير متماسكة"(32)، وعلى الرغم من الاعتراف بأن النقد العربي القديم كان يعالج الجزئيات ويقدس القديم والاعتراف بشاعرية المتنبي(33) فإن ذلك لم يمنع من أن يُحكم على الشعر العربي بمثل الحكم التالي: "كان ينبغي على كل شطر أن يشكل وحدة تامة بذاتها، هكذا الشعر العربي في جوهره مفكك؛ فهو سلسلة تعبيرات منعزلة بعضها عن بعض بحيث تتراكم، لكن بلا ترابط… وثمة صلة ضعيفة بين أبيات القصيدة أو أجزائها المختلفة. وشخصية الشاعر هي الرباط الوحيد في تشكلها"(34)، وفي هذا الحكم إعادة لرأي أرسطو في تفرقته بين العمل الفني والتاريخ، وهذا يعني أن الشعر العربي يتساوى مع التاريخ الذي يروي الأحداث كلها، وهذا حكم يتناقض مع الحقيقة، لأنه ينبغي على الناقد أن ينظر في النص الشعري من خلال مقاييس عصره لا من خلال مقاييس عصورنا المتقدمة، وإذا عدنا إلى ذلك العصر وجدنا أن النقد متأخر عن الشعر وأن الشعر العربي القديم فيه قصائد مفككة كما فيه قصائد متماسكة لا تقل في جودتها عن مثيلاتها من الشعر الغنائي في العالم، ولا يجوز أن نطبق آراء أرسطو أو غيره على شعرنا لاختلاف طبائع الأمم وأحوالها وفنونها، هذا بالإضافة إلى اعتراف الكاتب الضمني بشاعرية المتنبي وأمثاله، وهذا دليل آخر على أن الحكم جائر بحق الشعر العربي وتعميمه يتناقض والحقيقة العلمية.‏

وقد رأى بعض المستشرقين هذا التفكك في الفكر العربي(35)، والزخرفة في الفنون، ومنها العمارة، وفي فن البلاغة(36)، وفن الموسيقا(37)، ولكن هذا لا يمنع من أن يكون لبعضهم رأي صائب حين يرى أن "العناية القصوى موجهة إلى البيت أو العبارة أو الفقرة على حساب البناء الكلي. وكثيراً ما صرح النقاد العرب أن قيمة القصيدة لديهم تعتمد على الاكتمال في كل بيت على حدة"(38)، كما لا يمنع من أن ينصف بعضهم الشعر المحدث(39)، وأن يعترف بعضهم الآخر بتأثير الشعر العربي في الشعر الغربي والحضارة الحديثة(40).‏

ولا ينكر الباحث في نصوص الشعر العربي أن بعض القصائد العربية، وبخاصة بعض قصائد المديح، مفككة الأجزاء وليست أعمالاً فنية تامة، ولكن لا يمكنه أن يصم الأدب العربي عامه بأنه أدب جزئيات قبل أن يبحث عن أسباب ذلك وأن يبين دور النقد القديم في تجزئة القصيدة والنظر إليها من منظار وحدة البيت، حتى أنه لم تُجد محاولات بعض الشعراء في الخروج على منهج القصيدة وعمود الشعر.‏

ولا يشارك الباحث آراء بعض المعاصرين في أن التجزيئية التي سار عليها بعض نقدنا القديم هي نتيجة وليست سبباً، وأن شعرنا القديم يتطلب، بطبيعته، هذه المقاييس النقدية، ولا يشاطره الرأي حين يرى أن الناقد لا يكتشف المقاييس وإنما هي تنشأ في الأدب ذاته(41)، فهذا يعني أن وظيفة الناقد محصورة في تفسير النص وتبعيته لا في اكتشاف مواطن الجمال وتوجيهه إلى مستقبل أفضل، فإذا ما برأنا النقاد القدامى من تبعة تجزئة القصيدة فهذا يعني أننا نلقيها على كاهلي الإبداع: الشاعر والنص.‏

كذلك لا يتحمل الحفظ تبعة وحدة البيت(42)؛ فهو دليل الثقافة والاطلاع عند الشاعر، والشاعر الذي يحفظ ويتأمل ويتمثل ما يحفظه ثم يبدع شبيه بحبة الحنطة التي استفادت من العناصر الطبيعية المحيطة بها من تراب وماء وهواء وضوء فاستطاعت أن تنتج سنبلة، والذي لاشك فيه أن التأثر أو التلاقح، من خلال الاهتمام بالتراث العربي والتراث الإنساني شرط من شروط الإبداع، فالشاعر يقرأ ويحفظ ويهضم ويصهر في لاشعوره ثم ينتج إبداعاً جديداً، ولذلك لا يتحمل الحفظ تبعة وحدة البيت، أما إذا كان الشاعر بلا موهبة فإنه لا يخلق سوى كائنات مشوهة، فهذا المتنبي يطلع على حكم أرسطو ويتمثلها ويهضمها فإذا طالعنا في شعره الحكمي فإننا نجد شخصية المتنبي وروحه وسماته لا حكم أرسطو وتجاربه وعصره.‏

ولابد، قبل أن نختم هذه الدراسة، من أن نذكر أن الجاحظ قد لاحظ سمة التجزيئية على نقدنا، فقال(43): "لم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه إعراب، ولم أر غاية رواة الأشعار إلا ككل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج"، وهو يعترف بأنه جلس إلى الكثيرين من رواة البغداديين فما وجد "أحداً منهم قصد إلى شعر في النسيب فأنشده"(44).‏

وهكذا قد كان للعناية بالجزئيات والدقائق وردها إلى أصولها القديمة دور في صرف النقاد عن النظر في القضايا الأدبية نظرة شاملة، وإذا غفرنا للنقاد الجاهليين والإسلاميين نظراتهم التجزيئية فإننا لا نستطيع أن نفعل ذلك مع النقاد في العصر العباسي، فقد اطلعوا على الثقافات الأخرى وعاصروا كبار الشعراء من أمثال بشار وأبي نواس وأبي تمام والمتنبي والمعري وغيرهم، ولا نستطيع إلا أن نعترف بأن الحركة الشعرية كانت، في ذلك العصر، متقدمة على الحركة النقدية التي كانت، في أغلب الأحيان، تتجه نحو الماضي مفصولة عن حضارتها وحاضرها باستثناء بعض التجارب النقدية وبخاصة في "عيار الشعر" و "منهاج الأدباء:.‏

هوامش الدراسة:‏

(1)النقد المنهجي عند العرب –الفجالة (دار نهضة مصر للطبع والنشر) –د.ت. ص50.‏

(2)الشعر والشعراء –تحقيق أحمد محمد شاكر- القاهرة (دار إحياء الكتب العربية)- 1364ه- ص20-21.‏

(3)المصدر السابق –ص22.‏

(4) المصدر السابق –ص6.‏

(5) المصدر السابق –ص7.‏

(6)مقال "تأويل جديد لمنهج الأغراض في القصيدة القديمة" –الموقف الأدبي- ع 126-1981م، ص22.‏

(7)المرجع السابق –ص22.‏

(8)المرجع السابق- ص24.‏

(9)شرح ديوان الحماسة- نشر أحمد أمين وعبد السلام هارون- القاهرة (لجنة التأليف والترجمة والنشر)- ط1- 1951م- 1/9.‏

(10) المصدر السابق –ص11.‏

(11)الأغاني –3/143، دار الكتب.‏

(12) المصدر السابق – 18/174.‏

(13) المصدر السابق – 18/174-175.‏

(14)الموازنة- تحقيق السيد أحمد صقر- دار المعارف بمصر- 1961م- 1/19.‏

(15)الصولي- أخبار أبي تمام- تحقيق خليل محمود عساكر ومحمد عبده عزام ونظير الإسلام الهندي- بيروت (المكتب التجاري)- 1966م- ص244.‏

(16) المصدر السابق –ص245.‏

(17) المصدر السابق –ص15.‏

(18)انظر ذلك الخبر في: الموازنة –1/21 ومعاهد التنصيص للعباسي بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد- مصر (مطبعة السعادة) 1947-1948- 1/41.‏

(19)العمدة –حققه محمد محيي الدين عبد الحميد- بيروت (دار الجيل) –ط5- 1981م- 1/226-230.‏

(20)نقد الشعر- تحقيق كمال مصطفى- مصر (مكتبة الخانجي)- ط1- 1949م- ص167.‏

(21) المصدر السابق –ص217.‏

(22)الصناعتين –مصر (مطبعة محمد علي صبيح)- ط2- د.ت- ص35.‏

(23)الموشح- تحقيق علي محمد البجاوي- مصر (لجنة البيان العربي)- 1965م- ص49 و 129.‏

(24)المقدمة- تحقيق د.علي عبد الواحد وافي- القاهرة (لجنة البيان العربي)- ط1- 1962م- 2/1289.‏

(25)العمدة- 1/261-262.‏

(26)الموازنة –1/60-61 وانظر ص65-67 و 86 و 95و 99و 106… الخ.‏

(27)الرسالة الموضحة –تحقيق د.محمد يوسف نجم- بيروت (دار صادر ودار بيروت) –1965م- ص17.‏

(28)انظر مثلاً: القرطاجني، حازم –منهاج الأدباء- ص309.‏

(29)من كتب الاختيارات حماسة أبي تمام وحماسة البحتري والحماسة الشجرية والحماسة البصرية…‏

(30)انظر مثلاً: الأغاني –2/195- 196 و 2/162 و 9/110 و 112… الخ.‏

(31)الحضارة الإسلامية في القرن الرابع العشري –ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة –القاهرة (لجنة التأليف والترجمة والنشر)- 1940م –1/387-388.‏

23-Encylopédie de I’islam- tom IV- P:389.‏

وانظر في ذلك رأي المستشرق الفرنسي "لوي سيديو Louis Sédillot" –تاريخ العرب العام- ترجمة عادل زعيتر- مصر (دار إحياء الكتب العربية) –1948م –ص468 ورأي "آرنست رينان Ernest Renan" نقلاً عن كتاب "المدخل لدراسة الفلسفة الإسلامية" لمؤلفه "ليون غوتييه" ترجمة محمد يوسف موسى –مصر (مطبعة الرسالة) -1945م –ص77 ورأي المؤلف ذاته في الكتاب المذكور –ص79-80.‏

33-Voir: incyclopédie de I’islam- tom IV- p:339.‏

34-Ibid. p.388.‏

(35)انظر رأي الفيلسوف (رينان) في "المدخل لدراسة الفلسفة الإسلامية" –ص77.‏

(36)انظر المرجع السابق –ص79-82.‏

(37)انظر المرجع السابق –ص82.‏

(38)غرنباوم، دراسات في الأدب العربي- ترجمة د.إحسان عباس وزملائه- بيروت (مكتبة الحياة)- 1959م- ص14.‏

(39)انظر: متز، آدم –الحضارة الإسلامية- 1/427.‏

(40)انظر: غرنباوم، دراسات في الأدب العربي –ص 214 وغرنباوم- حضارة الإسلام- ترجمة جاويد والعبادي- دار مصر للطباعة- 1956م- ص432- 433 ولوبون، غوستاف- حضارة العرب- ترجمة عادل زعيتر- القاهرة- ط3- 1956م- ص566.‏

(41)انظر: الألوسي، د.حسام –طبيعة القصيدة العربية الكلاسيكية- الآداب- س15- ع9- أيلول- 1967- ص67-69.‏

(42)انظر: القط، د.عبد القادر- "حركات التجديد في الشعر العباسي" من كتاب "إلى طه حسين" –جمع عبد الرحمن بدوي- دار المعارف بمصر- 1962م –ص455-456 وعباس، د.إحسان –تاريخ النقد الأدبي عند العرب- بيروت (مطابع دار القلم)- ط1- 1971م- ص46.‏

(43)البيان والتبيين- تحقيق عبد السلام هارون- مصر (مكتبة الخانجي) –ط2- 1960-4/24.‏

(44)المصدر السابق- ص24.‏

http://awu-dam.org/trath/35-36/turath35-36-006.htm

109 Views

عن

إلى الأعلى