الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » الأدب العربي » الائتلاف رأس الوجوه البلاغية – د. ياسين الأيوبي

الائتلاف رأس الوجوه البلاغية – د. ياسين الأيوبي


الائتلاف رأسُ الوُجُوه البلاغيّة – د.ياسين الأيّوبي

1-تعريفه:

أ-في اللغة: ائتلف الشيء: ألف بعضه بعضاً. وألف الشيء ألفاً وإيلافاً وولافاً: لزمه. وألّفت بين الشيئين تأليفاً، فتألّفا وائتلفا(1).

كل ذلك يفضي إلى المعنى اللغوي العام وهو: الاتفاق والاجتماع، ولا يكون ذلك إلا بعد تفرُّق وغربة، ومنه قوله تعالى، في التأليف بين المؤمنين بعد الإسلام:

"لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بينهم أنه عزيز حكيم" (2) ومعنى الآية أن المؤمنين من المهاجرين والأنصار كانت بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، فاستشرت العداوة والبغضاء بينهم، فألّف الله بينهم، بعد أن هداهم بنور الإيمان (3).

ب-في الاصطلاح: نظراً لاختلاف النقاد القدامى في تفسيره وتحديده نوعه واسمه، صعب تعريفه بلاغياً محدداً. فسمي مراعاة النظير، والتناسب، والتوفيق، والمؤاخاة، يدخل في ذلك ائتلاف اللفظ مع المعنى، واللفظ مع اللفظ، واللفظ مع الوزن وائتلاف المعنى مع الوزن.. وغيرها مما فرّعه البديعيون وجعلوا كل واحد منها لوناً بديعياً خاصاً ساقوا له الشواهد الشعرية المناسبة.

ومن خلال كل ما ذكر يمكن الخروج بصيغة تقريبية لتعريف الائتلاف فنقول:

هو أن يجمع الناظم أو الناثر بين أمر وما يناسبه في اللفظ والمعنى والوزن والقافية جمعاً يؤدي إلى تلاؤم وتوافق لا سبيل معهما إلى التضاد.

ولكن ذلك يا يعفينا من الدخول في التفاصيل والوجوه التي يرد فيها الائتلاف، وتعرّف كل واحد منها على حدة، ناظرين إليه نظرة شبه مستقلّة عن الوجه الآخر أو القسم الآخر.

2-أقسامه أو وجوهه:

أ-ائتلاف اللفظ مع اللفظ، لعل أفضل تعريفين لهذا النوع ما قاله ابن حجة الحموي (ت 837 ه‍/1433م) هو أن يكون في الكلام معنى يصح معه هذا النوع، ويأخذ عدة معان فيختار منها لفظة وبين الكلام ائتلاف (4).

والأفضل منه، تعريف السيوطي (جلال الدين ت 911ه‍ / 1505م) أن تكون الألفاظ تلائم بعضها، بأن يُقرن الغريب بمثله والمتداول بمثله، رعاية لحسن الجوار والمناسبة (5). كقوله تعالى، على لسان اخوة يوسف: "تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً" (6) فقد ناسب أو آلف بين ثلاثة ألفاظ غريبة الاستعمال مع وجود ألفاظ مماثلة أكثر استعمالاً، وهي على التوالي: (تاء) القسم بدلاً من (الواو) و(الباء)، وهما المألوفتان في القسم، ثم الفعل الناقص (تفتأ) بدلاً من تزال، التي ترد في هذا الجانب أكثر من غيرها، فـ (حرضاً) وهي بمعنى: ضعيف القوة، أو الهالك من الحزن والغم.. وترجع غرابتها إلى جزالة حروفها واختلاف قراءتها وتفسيرها. فقد قرأها أنس بن مالك (حُرضاً) بضم فسكون. ومعنى الآية: أنهم قالوا لأبيهم أنك لا تزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تصير بذلك إلى مرض لا تنتفع بنفسك معه أو تموت من الغم (7).

على هذا الأساس تجاوزت الألفاظ وتلاءمت جنساً غريباً، وطاوع بعضها بعضاً لتؤدي غرضاً بلاغياً سماه البلاغيون: ائتلاف اللفظ مع اللفظ. ومن الائتلاف اللفظي، ذي الألفاظ المأنوسة، قوله تعالى: "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهُم ليخرُجُنّ" (8) وهو يعني –جل شأنه –أهل النفاق الذين كانوا يلحفون للرسول بطاعته والخروج معه إلى القتال (9). وما كان قسمهم إلا قولاً لا فعلاً. فقد ورد في الآية ألفاظ مأنوسة الاستعمال ناسبت بعضها، فحسُن جوارها، وتعادل وضعها. ومن جميل ما يروى، في هذا البابا، قول صاحب العمدة، ابن رشيق، مادحاً أحد الأمراء:

أصحُّ وأقوى ما سمعناه في الندى *** من الخبر المأثور منذ قديم

أحاديث ترويها السيول عن الحيا *** عن البحر عن كف الأمير تميم

"فقد ناسب فيه بين الصحة، والقوة، والسّماع، والخبر المأثور، والأحاديث، والرواية، ثم بين السيل، والحيا، والبحر، وكف تميم، مع ما في البيت الثاني من صحة الترتيب؛ في العنعنة، إذ جعل الراوية لصاغر عن كابر، كما يقع في سند الحديث، فإن السيول أصلها المطر، والمطر أصله البحر، ولهذا أصله البحر، ولهذا جعل كف الممدوح أصلاً للبحر مبالغة" (10).

هذه الألفاظ الواردة في بيتي ابن رشيق، اتسقت وانتظمت وائتلفت، فأدت غرضاً بلاغياً جعل كلام مؤتلف النسج محكم السّدى.

ومن تعريفات هذا النوع البديعي، قول صفي الدين الحلّي (ت 750 ه‍ / 1349 م) أثناء شرح بديعته المسماة "الكافية البديعية في المدائح النبوية":

"هو أن يكون في الكلام معنى يصح معنى واحد من عدة معان، فيختار منها ما بين لفظه وبعض الكلام، ائتلاف ملاءمة" وساق شاهداً لذلك بيتاً شعرياً من "كافيته" (من البسيط):

خاضوا عُباب الوغى والخيل سابحة *** في بحر حرب بموج الموت مُلتطم (11)

أما المثال الشعري الذي ضربه الحلي، من الشعر القديم، فهو قول البحتري، مادحاً، وواصفاً أنضاء الأبل التي مضت في السفر ودخلت غمار السراب، (من الخفيف):

كالقسىّ المعطّفات بل الأسـ *** ـم مبريّة بل الأوتار (12)

"فإن تشبيه الإبل بالقسي من حيث هو كناية على هُزالها يصح معه تشبيهها بالعراجين والأخلّة والأطناب ونحوها.. فاختار من ذلك تشبيهها بالأسهم والأوتار، لما بينها وبين القسي من الملاءمة والائتلاف. وكذلك ما في بيت القصيدة من ملاءمة العُباب والسباحة والبحر والموج والالتطام" (13).

ب-ائتلاف اللفظ مع المعنى، وهو توافق الشكل مع المضمون، أو المعنى والمبنى توافقاً طبيعياً أو عضوياً يكون فيه المألوف مع المألوف، والغريب مع الغريب والجزل مع مع الجزل والرقيق مع الرقيق.. وهذا ما عناه الجاحظ في قوله: "ولكل ضرب من الحديث ضرب من اللفظ، ولكل نوع من المعاني نوع من الأسماء، فالسخيف للسخيف، والخفيف للخفيف، والجزل للجزل… وإن كان في لفظ الحديث سُخف وأبدلت السخافة بالجزالة، صار الحديث الذي وضع على أن يُسرّ النفوس يُكربها ويأخذ بأكظامها" (14).

وفي معرض حديثه عن مقومات الأسلوب عند المؤلف من توفيق بين الكلام ومناسبته، خاطب القاضي الجرجاني القارئ الكاتب بضرورة تقسيم الألفاظ على رُتب المعاني، فلا يكون الغزل كالفخر، ولا الوعيد كالمدح، ولا الهزل كالجد.. بل يترتب كل في مرتبته، ويوفى حقه، يستوي في ذلك النظم والنثر (15). مثال ذلك قول الحق تبارك:

"إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب" (16) فعدل الله سبحانه وتعالى عن ذكر الطين إلى ذكر التراب لأن فيه كثافه. إذ المقصود بلفظ التراب ومعناه، تصغير أمر خلق المسيح (ع) عند من أدعى أُلوهيته، فلهذا كان الآتيان بلفظ التراب أمسّ بالمعنى من الطين، الذي هو أعم من التراب، ويعني مجموع التراب والماء، ومن الأمثلة القرآنية الدالة على هذا النوع من الائتلاف، قوله تعالى أيضاً في معرض الاستسقاء: "وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً" (17)

ثم قوله تعالى: "وأوحينا إلى موسى إذا استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً" (18) فقد استخدم –جل وعلا –مع استسقاء موسى (ع) لفظة "انفجرت" ومع استسقاء قومه "انبجست" وشتان ما بين اللفظين. الأولى أقوى من الثانية بأضعاف لأنها في مقام التناسب مع موسى، وأما الثانية فهي في ائتلاف وتوافق مع مقام قوم موسى.. ومثل ذلك قول زهير بن أبي سلمى (ت 615م) (من الطويل):

فلما عرفت الدار قلت لربعها *** ألا أنعم صباحاً أيها الرّبعُ واسلم

أثافيّ سُفاً في مُعرّس مرجل *** ونُؤياً كجذم الحوض لم يتثلّم (9)

في البيت الأول معان بينة واضحة ومعروفة، ائتلفت مع ألفاظ مستعملة معروفة، أما البيت الثاني فالمعاني غريبة نوعاً ما، استدعت ألفاظاً غريبة بعض الشيء..

ومن النقاد البلاغيين القدامى الذين أولوا هذا النوع التفاتة مفيدة، ابن طباطبا العلوي (ت 322 ه‍ /933م) عارضاً للشعر وأنواعه وأساليبه قائلاً في: ملاءمة معاني الشعر لمبانيه: أن في الشعر أشياء هي قائمة في النفوس، يقوم الشاعر باستخراجها "وإظهار ما يكمن في الضمائر منها، فيبتهج السامع لما يردُ عليه مما قد عرفه طبعه، وقبله فهمه، فيُثار بذلك ما كان دفيناً ويبرز به ما كان مكنوناً… إن الكلام الواحد جسداً وروحاً. فجسده النطق وروحه معناه، فواجب على صانع الشعر أن يصنعه صنعة متقنة، لطيفة مقبولة، حسنة مجتلبة لمحبة السامع له والناظر إليه، فيُحسُّه جسماً ويحققه روحاً. أي يتقنه لفظاً، ويبدعه معنى،ويجتنب اخراجه على ضد هذه الصفة.. بل يُسوي أعضاءه وزناً، ويعدل أجزاءه تأليفاً، ويُحسّن إصابة" (20)، ولم يورد العلوي شواهد شعرية تؤيد مثال ما قال..

أما صفي الدين الحلي، فقد عرذف هذا النوع ببساطة لافتة قائلاً: "هو عبارة عن الآتيان بألفاظ جزلة أن كان المعنى فخماً، وبألفاظ رقيقة إن كان المعنى سهلاً" (21) شاهده في ذلك، قوله من بديعته (من البسيط):

كأنما حلف السّعدي مُنتثراً *** على الثرى بين مُنفضّ ومنفصم (22)

ثم جاء بشاهد آخر، هو بيتاً زهير بن أبي سلمى، أعلاه، مع تعليل شبيه بالتعليل الذي أوردناه في موضعه..

ج‍-ائتلاف اللفظ مع الوزن: عُني قدام ة بن جعفر بهذا النوع بدقة ووضع ثوابته التي ظلت بمعظمها، كما هي لدى البلاغيين الذين جاؤوا من بعده. فقال:

"هو أن تكون الأسماء والأفعال في الشعر تامة مستقيمة كما بُنيت، لم يضطر الأمر في الوزن إلى نقضها عن البنية، بالزيادة عليها والنقصان منها؛ وأن تكون أوضاع الأسماء والأفعال، والمؤلفة منها وهي الأقوال، على ترتيب ونظام، لم يضطر الوزن إلى تأخير ما يجب تقديمه، ولا إلى تقديم ما يجب تأخيره منها، ولا اضطر أيضاً إلى إضافة لفظة أخرى يلتبس المعنى بها، بل يكون الموصوف مقدماً مقولة عليها…

ومن هذا الباب أيضاً أن لا يكون الوزن قد اضطر إدخال معنى ليس الغرض في الشعر محتاجاً إليه حتى إذا حُذف لم تنقص الدلالة لحذفه أو إسقاط معنى لا يتم الغرض المقصود إلا به" (23). ويرى قدامة أن كل شعر سليم هو مثال لذلك، ولهذا لم يأت بشاهد شعري لتعريفه المطول. بل عرض لما يشوب هذا الائتلاف من عيوب، وجاء بأمثلة لكل واحد منها. وعلى غراره فعل صفي الدين الحلي الذي ساق شاهداً على ذلك، بيتاً من بديعيته وهو (من البسيط):

في ظل أبلج منصور اللواء له *** عدل يؤلّف بين الذئب والغنم (24)

البيت في مدح النبي ولم يخرج تعريف الحل عما قاله قدامة، إلا أنه جاء أبسط وأوضح. فقال (25): هو نوع لا مثال له بصورة معينة، لأنه عبارة عن ألا يُضطر الشاعر الوزن إلى أن يُقدم بعض الألفاظ، ويؤخر بعضها، فيفسد تصور المعنى، ويذهب رونق اللفظ، كما قال الفرزدق (ت 110 ه‍ / 738) في مدح خال هشام بن عبد الملك، (من الطويل):

وما مثلُه في الناس إلا مُملّكاً *** أبو أمّه حيٌّ أبوه يُقاربه

ومراده: ليس في الناس حيٌّ مثله، يقاربه، إلا مُملّكاً، أبو أمه أبوه. ويريد بالمملّك هشاماً (26).

د-ائتلاف المعنى مع المعنى عرّفه الحلي بقوله:

هو ضربان: الأول قوله، أي الحلي، في بديعيته، (من البسيط):

من مُفرد بغرار السيف مُنتثر *** ومُزوج بسنان الرمح مُنتظم

وهو أن يشتمل الكلام على معنى معه أمران أحدهما ملائم، والآخر بخلافه فتقرنه بالملائم (27).. وشفع تعريفه بشاهد آخر للمتنبي، مادحاً سيف الدولة (من البسيط):

فالعُرب منه مع الكُدريّ طائرة *** والروم طائرة منه مع الحجل (28)

كان من الممكن قرن "منتظم" مع "غرار السيف" وهو حده، و "منتثر" بـ "سنان الرمح" فهما ملائمان للمعنى –وكذلك كان من الممكن أن يقول المتنبي:

فالروم منه مع الكُدريّ طائرة *** والعُرب طائرة منه مع الحجل

لكنه آثر التعبير بالشكل الذي أورد لأن القطا يلائم بلاد العرب، والحجل، الساكن في الجبال، يلائم مع الروم لأنهم يسكنون الجبال مثله، وبذلك يكون المعنى قد ائتلف مع المعنى بصورة أفضل.

والضرب الثاني: أن يشتمل الكلام على معنى وملائمين له، فتقرن بهما ما لاقترانه مزية، كما في قول المتنبي، مادحاً سيف الدولة في معركة انتصاره على الروم، بالحدث (من الطويل):

وقفت، وما في الموت شكّ لواقف *** كأنك في جفن الردى وهو نائم

تمر بك الأبطال كلمى هزيمة *** ووجهك وضاح وثغرك باسم (29)

يقول المتنبي –رداً على سيف الدولة الذي أنكر على الشاعر تطبيق عجزي البيتين على صدريهما –"لما ذكرت الموت في أول البيت، أتبعته بذكر الردى لتجانسه. ولما كان وجه المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوساً، وعينه من أن تكون باكية، قلت: "ووجهك وضاح وثغرك باسم"، لأجمع بين الأضداد في المعنى" (30)، انتهى كلام المتنبي.

ويعقب الواحدي (ت 468 ه‍ / 1075م) شارح ديوان المتنبي –على ما قاله:

"لا تطبيق بين الصدر والعجز أحسن من بيتي المتنبي؛ لأن قوله: "كأنك في جفن الردى وهو نائم"، هو معنى قوله: "وقفت وما في الموت شك لواقف. فلا معدل لهذا العجز عن هذا الصدر، لأن النائم إذا أطبق جفنه، أحاط بما تحته، وكأن الموت قد أظله من كل مكان، كما يُحدق الجفن بما يتضمنه من جميع جهاته. وجعله نائماً، لسلامته من الهلاك لأنه لم يُبصره وغفل عنه بالنوم فسلم ولم يهلك.

وفي البيت الثاني، يقول الواحدي، "هذا هو النهاية في التشابه لأنه يقول المكان الذي تُكلم فيه الأبطال، فتكلح فتعبس؛ ثم "وجهك وضاح" لاحتقارك الأمر العظيم.

وهذا كما قال مسلم (بن الوليد) من البسيط:

يفترُّ عند افترار الحرب مُبتسماً *** إذا تغير وجه الفارس البطل" (31)

ومن الأمثلة القرآنية الدالة على هذا النوع ما ورد في كتب البلاغة القديمة في قوله تعالى:

إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى* وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى" (32).

يلاحظ في الآية عدم مراعاة معنى الري، للشبع، ولا الاستظلال، للبس.. بل روعي مناسبة اللبس للشبع، في حاجة الإنسان إليه وعدم استغنائه عنه، ومناسبة الاستظلال للري، في كونهما تابعين للبس والشبع ومكملين لمنافعهما (33).

وفي إعرابه البياني لهذه الآية، شرح محي الدين الدرويش وجوه البلاغة الكامنة فيها، فقال: هذه الآية من القسم الذي يوهم ظاهره أن نظم الكلام جاء على غير طريق البلاغة، لكون لفظه غير مؤتلف بمعناه… وإذا تأمله حق التأمل، وجده جارياً على ما توجبه البلاغة من الملاءمة. والجواب أنه لو قيل: أن لك ألا تجوع فيها ولا تظمأ، لوجب أن يقول: وأنك لا تعرى فيها ولا تضحى. والتضحي: البروز للشمس بغير سترة. فيصير معنى الكلام: وأنك لا تعرى فيها ولا تعرى. وهذا فساد ظاهر. لذلك وجب العدول عنه إلى لفظ القرآن.. فإن قيل: لم ذكر التضحي، وهو عُري في المعنى، وقد أغنى ذكر العري؟ قلت: في ذكر التضحي فائدة كبيرة وهي وصف الجنة بأنها لا شمس فيها. فإن التضحي عري مخصوص، مشروط بالبروز إلى الشمس وقت الضحى، الذي سمي تضحياً، والانتقال من الأعم إلى الأخص بلاغة لاختصاص الأخص. ولا ننسى أن في الآية تجانساً داخلياً بليغاً هو أن الجوع تجرد الباطن من الغذاء، والعري تجرد الظاهر من الغشاء وكذلك الظمأ: حر الباطن، والضحى الظهور للشمس، فجانس بين التجردين الأولين في الآية، والتجردين الثانيين (34)..

ه‍-ائتلاف المعنى مع الوزن، نعت قدامة هذا النوع بقوله:

"هو أن تكون المعاني مستوفاة، لم تُضطر بإقامة الوزن، إلى نقصها عن الواجب، ولا إلى الزيادة فيها عليه؛ وأن تكون المعاني أيضاً مواجهة للغرض، لم تمتنع عن ذلك، وتعدل عنه من أجل إقامة الوزن والطلب لصحته" (35).

لم يورد قدامة شاهداً على هذا التعريف –بل عمد –في فصل لاحق، إلى ذكر عيوب ائتلاف المعنى والوزن، كأن يأتي المعنى مقلوباً، مراعاة للوزن، كقول الحطيئة (ت 30 ه‍ /650م) (من الطويل):

فلما خشيت الهون والعير مُمسك *** على رغمه ما أثبت الحبل حافره (36)

أراد الحبل حافره، فانقلب المعنى. أو أن يأتي مبتوراً باطالته، فلا يُكتفى معه ببيت واحد، بل يحتاج إلى بيت ثان، كقول عروة الصعاليك (ت 596 أو 616م)

(من الوافر):

فلو كاليوم كان عليّ أمري *** ومن لك بالتدبر في الأمور

لم يتم المعنى، كما نرى، لغياب جواب "لو"، فإن البيت الآتي ليتم المعنى:

إذاً لملكت عصمة أمّ وهب *** على ما كان من حسك الصدور (37)

ومعنى البيتين: لو كنته يومئذ كما أنا اليوم قوة واقتداراً، لأمسكتها، وكنت مالك أمرها على ما بني وبين قومها من الكراهية والعداء.

وعرّف صفي الدين الحلي، هذا النوع، فقال: هو أن يؤتى بلفظ يأتلف مع المعنى من غير حاجة إلى إخراج المعنى عن وجه الصحة بتقديم، أو تأخير، أو تحريف أو حذف، أو قلب. مثاله، بيت له في بديعيته، (من البسيط):

من مثله وذراع الشاة حدّثه *** عن سُمّه بلسان صادق الرّنم (38)

ومن أمثلة القلب، استشهد الحي ببيت للشاعر الأموي عبد الله بن الدُّمينة (ت 130ه‍ / 748م)، (من الطويل):

ليهنئك إمساكي على الكفّ *** ورقراق دمعي خشية من زيالك

أراد: إمساكي على الحشا بالكف (39).

ومعنى البيت، وهو من أجود أشعار النسيب، أن الشاعر قد وقف على آثار الحبيبة، الدارسة، خشي على قلبه التصدع، فأمسك بكفه على حشاه، تثبيتاً لها وتقوية، وبكى وترقرق دمعه في عينيه، ثم توجه إلى المحبوبة قائلاً: هنيئاً لك ذلك، أي ما أنا فيه من التلوع والتصدع. ويرى صفي الدين، أن كل بيت صحيح المعنى، مستقيم الوزن، هو مثال لهذا النوع من الائتلاف (40).

و-ائتلاف الوزن مع المعنى، هذا النوع لا يختلف عن النوع السابق (ائتلاف المعنى مع الوزن) في شيء. لكن واحداً من البلغاء القدامى. قد نظر إليه نظرة فيها شيء من التغاير والمخالفة. ألا وهو حازم القرطاجني المتوفى 684 ه‍ / 1285م، الذي أفرد لهذا النوع –دون أن يسميه –فقرات عديدة شارحاً دور الوزن الشعري في تلاؤم المعنى ومناسبته فقال:

"لما كانت أغراض الشعر شتى، وكان منها ما يُقصد به الجد والرصانة، وما يقصد به الهزل والرشاقة، ومنها ما يقصد به البهاء والتفخيم، وما يقصد به الصّغار والتحقير..

وجب أن تُحاكى تلك المقاصد بما يناسبها من الأوزان ويخيلها للنفوس. فإذا قصد الشاعر الفخر، حاكى غرضه بالأوزان الفخمة الباهية الرصينة، وإذا قصد في موضع قصداً هزلياً أو استخفافياً.. حاكى لذلك بما يناسبه من الأوزان الطائشة القليلة البهاء" (41).

وبعد أن يذكر ائتلاف مقادير الأوزان والأسباب والأجزاء.. يعرض لحقيقة التأليف، فيقول: فالتأليف من المتناسبات له حلاوة في المسموع. وما ائتلف من غير المتناسبات والمتماثلات فغير مستحلى ولا مستطاب. ويجب أن يقال في ما ائتلف على ذلك النحو شعر وما ائتلف من أجزاء تكثر فيها السواكن فإن فيه كزازة وتوعراً. وما ائتلف من أجزاء تكثر فيها المتحركات، فإن فيه لدونة وسباطة (42) ويصل في تحليله العروضي إلى تشريح الأوزان العروضية وتصنيفها وترتيب مقاماتها بالنسبة إلى أغراض الشعراء، فجعل الطويل والبسيط أعلى الأوزان درجة، يتلوهما الوافر والكامل، يتلوهما الخفيف. "أما المديد والرمل ففيهما لين وضعف، وقلما وقع كلام فيهما قوي إلا للعرب؛ وكلامهم مع ذلك في غيرهما أقوى. فأما المنسرح ففي الكلام عليه بعض اضطراب وتقلقل.. فأما السريع والرجز ففيهما كزازة. فأما المتقارب فالكلام فيه حسن الاطراد.. فأما المجتث والمقتضب فالحلاوة فيهما قليلة على طيش فيهما. فأما المضارع، ففيه كل قبيحة. ولا ينبغي أن يعد من أوزان العرب، وإنما وضع قياساً، وهو قياس فاسد لأنه من الوضع المتنافر على ما تقدم" (43).

ويعلق أحمد مطلوب على تصنيف حازم لأوزان الشعر وترتيبها، بالقول: "لعل حازماً أراد أن يثبت غير ما قاله هذان الفيلسوفان فإن (الفارابي وابن سينا) حينما نسبا هذه المزية إلى اليونان وحدهم، فتحدث عن صلة الوزن بأغراض الشعر العربي أو "ائتلاف الوزن مع المعنى"، لكنه لم يفصّل القول في ذلك، وظل بعيداً عن كشف أسرار هذا الائتلاف.." (44)

________________________________________

(1) باحث.. استاذ في كلية الآداب –الجامعة اللبنانية.

ز-ائتلاف الفواصل:

الفواصل في اللغة، هي أواخر الآيات في القرآن الكريم، تماثلها القوافي، في الشعر واحدتها فاصلة (45).

أما في الاصطلاح، فالفواصل، "حروف متشاكلة في المقاطع، يقع بها إفهام المعاني." (46) وهي تختلف عن السجع، لأن السجع يتبع المعنى، والفواصل تابعة للمعاني (47).

وتختلف عن القوافي، في أن هذه الأخيرة لا تحسن الكلام فيهما إلا بمجانسة القوافي وإقامة الوزن، بينما تقع الفواصل على حروف متجانسة أو متقاربة، فهي في طبقة أعلى في البلاغة (48). ولعل هذا الرأي مستخرج من أن السجع القرآني بين الفواصل والأسجاع، هو أن الأولى تتماثل فيها حروف المقاطع، فيكون سجع، أو تكون متقاربة، لا متماثلة، فلا يكون سجع.

أما الثانية، فالحروف في المقاطع الأخيرة، هي دائماً متماثلة. وفي القرآن الكريم النوعان معاً: الحروف المتماثلة والمتقاربة في (المقاطع الأخيرة. من ذلك قولى تعالى:

والشّمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنّهار إذا جلاّها، واللّيل إذا يغشاها‌ (49). فالفواصل هنا متماثلة الحروف، مسجّعة، على جانب كبير من التوازن الإيقاعي والموسيقي. وقوله تعالى هل أتاك حديثُ الغاشية، وجُوهٌ يومئذ خاشعة، عاملةٌ ناصبةٌ، تصلى ناراً حاميةً) (50).

فهي ذات مقاطع متقاربة الحروف، ما بين (الياء) –في الأولى) –و(العين) –في الثانية –و(الباء) –في الثالثة) –و(الياء) –في الرابعة –ولولا رويّ التاء المربوطة في نهاية الآيات، لاختل السياق الإيقاعي فيها.

وهناك من جعل هذا النوع، مشتملاً على كل ما له علاقة بالسجع، نثراً أم شعراً أم قرآناً، فقال: هو أن يمهد الناثر لسجعة فقرته، والشاعر لقافية بيته، تمهيداً تأتي به القافية متمكنة في مكانها، مستقرة في قرارها، غير نافرة ولا قلقة، متعلقاً معناها بمعنى البيت كله تعلقاً تاماً، بحيث لو طرحت من البيت، لاختل معناه، واضطرب مفهومه… (51)

ح-ائتلاف القوافي:

هو نفسه الذي رأيناه في ائتلاف الفواصل، مع ابن أبي الاصبع المصري، فتكون القافية في البيت لازمة للمعنى وإتمامه. لزومها لموسيقى البيت ووزنه؛ وإلا عُدت عيباً بلاغياً أقل من يقال فيها أنها حشو وزيادة لا نفع فيها. كقول ابي تمام يمدح مالك بن طوق (من الكامل):

كالظبية الأدماء صافت فارتعت *** زهر العرار الغض والجثجاثا (52)

قال قدامة: أن القافية قد تكلف في طلبها، وأن جميع هذا البيت مبني على طلبها وإلا فليس في وصف الظبية بأنها ترتعي الجثجاث كبير فائدة (35).

ومثله، قول صفي الدين الحلّي، يمدح السلطان الأرتقي المنصور، (من الكامل):

ظلت تقاتل للمقاتل أسهماً *** أغنت عن الأفواق والأرعاظ (54)

(الأفواق والأرعاظ) لفظان متقاربان في المعنى لدرجة التداخل. فالأول، جمع:

فوق، وهو مشق رأس السهم، والثاني، جمع: رعظ، مدخل النصل في السهم.

وهكذا تكون "الأرعاظ" قد زيدت على البيت لأجل الثانية، وهو ما لا يحسن به ائتلاف القافية مع البيت. وأما المثال الذي يصح معه هذا النوع، فهو قول المتنبي مادحاً سيف الدولة، (من البسيط):

يا أعدل الناس إلا في معاملتي *** فيك الخصام وأنت الخصم والحكم (55)

فقد تآلفت ألفاظ هذا البيت مع قافيته تآلفاً عضوياً ممتازاً جعل لفظ القافية:

"الحكم" لأن في كلا شطري البيت ما تؤدي إلى هذه القافية، (كالعدل والتعامل) في الصدر، و(الخصومة) في العجز. ومثله قول المتنبي في القصيدة نفسها:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي *** وأسمعت كلماتي من به صمم..

فالقافية رأس السلّم المعنوي والموسيقي لهذا البيت، لا يمكن حذفها أو تغيرها..

ويمكن نعت كل بيت شعري من هذا القبيل بالمؤتلف القافية، لأن المدار هو قوة القافية، وحاجة البيت إليها، لا حاجة الشاعر، وعدم اللجوء إليها لأجل إكثار الأبيات والتسجيع فيها. ومن شواهد هذا العيب، قول علي بن محمد البصري (ت؟) (من الطويل):

وسابغة الأذيال زغف مفاضة *** تكنّفها منّي نجاد مخطط

الزغف والزغف: الدرع المحكمة، وقيل: الواسعة الطويلة (56). النجاد: حمائل السيف.

قال قدامة: إن الشاعر جاء بالقافية (مخطط) لكي تكون نظيرة لأخواتها في السجع، وليس لها فائدة، "فليس لأن يكون هذا البجاد مخططاً صنع في صفة الدروع وتجديد نعتها، ولكنه أتى به من أجل السجع" (57).

وفي ختام الكلام على هذا النوع، لا بد من التذكير بالتشابه والتكامل اللذين يتمتع بهما النوعان المشروحان أعلاه وهما ائتلاف الفواصل وائتلاف القوافي، بحيث لا يختلف تعريف الواحد عن الآخر إلا في أن الأول أنسب لنعت موسيقي الكلام القرآني، والثاني ألصق بالشعر وموسيقاه.

ط-الائتلاف والاختلاف:

هذا النوع غير مشروح إلى عند قلة من البلاغيين. يسمونه تارة كذلك، وتارة المؤتلف والمختلف، وثالثة: المؤتلفة والمختلفة، أي: المعاني المؤتلفة والمعاني المختلفة وأفضل تعريف له ما جاء لدى زكي الدين بن أبي الاصبع: "هو عبارة عن أن يريد المتكلم التسوية بين ممدوحين، فيأتي بمعان مؤتلفة في مدحهما ثم يروم بعد ذلك ترجيح أحدهما على الآخر، بزيادة فضل لا ينقص مدح الآخر، فيأتي لأجل ذلك الترجيح بمعان تخالف معاني التسوية" (58). وضرب مثالاً على ذلك قول الخنساء في مدح (رثاء) أخيها صخر، موازنة بينه وبين والدهما، مع مراعاة حق الوالد بزيادة فضل لا ينقص به مدح الولد، (من الكامل):

جارى أباه فأقبلا وهما *** يتعاوران ملاءة الحضر

وهما وقد برزا كأنهما *** صقران قد حطا إلى وكر

برقت صحيفة وجه والده *** ومضى على غلواته يجري

أولى فأولى أن يساويه *** لولا جلال السن والكبر (59)

وهذا النوع على ضربين. الأول ما كان الشاهد يحتوي على المؤتلف والمختلف معاً، كأبيات الخنساء أعلاه، وكقول العباس بن الأحنف يهجو قوماً (من الطويل):

وصالكم هجرٌ وحُبُّكم قلى *** وعطفكم صد وسلمكم حرب (60)

هناك أربع جمل في كل واحدة منها مطابقة بين شيئين، والكل مؤتلف فيما بين المطابقة والمكاتبة.

أما الضرب الثاني، فهو ما كان الائتلاف فيه منفصلاً عن الاختلاف، شبه مستقل عنه؛ مثل هذا مثبوت في تضاعيف الآيات القرآنية، من ذلك قول الحق تبارك:

هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً* إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً" (61).

في الآيتين الكريمتين معان متتابعة، منها عدمية الإنسان ثم وجوده وخلقُهُ من نطفة ثم صيروه إلى مخلوق حي عاقل يسمع ويبصر.

وكلا المعنيين الأول والثاني منفصل عن الآخر، على الأقل في اختلاف الجمل التي صيغ بها المعنيان، ما بين إنشائية استفهامية، وخبرية مؤكدة.. ولكن خيطاً رفيعاً يجمعها ويؤلف بينهما وهو واقع الإنسان الذي لم يكن شيئاً. ثم كان أحسن صورة. ومنه قوله تعالى: ومن نُعمره نُنكّسه في الخلق أفلا يعقلون* وما علمناه الشعر وما ينبغي له أن هو ذكر وقرآن مبين (62).

في الآية الأولى ثلاثة معان: الهرم والقبح الشنيع والتعقّل متسقة فيما بينهما لتؤدي غرض الرحمن وهو الاعتبار منه حقيقة ما يؤول إليه الإنسان في نهاية عمره.. وفي الآية التالية، معان أخرى مستقلة ومعزولة عن المعاني السابقة –هي الشعر والوحي والقرآن.. متساوقة مؤتلفة فيما بينها لتؤدي غرضه الآية وهو عظمة النبي() في ما تلاه من كلام لا علاقة له بالشعر، لأنه أعظم من الشعر وغيره من فنون القول.. ومع ذلك فقد استقلت المعاني بعضها عن بعض، فائتلفت في كل جانب وكل آية، ولكن على اختلاف بين هذه وتلك!.

وأفرد أبو هلال العسكري (ت 395 ه‍ / 1101م) فقرة خاصة سماها:

"في جمع المؤتلف والمختلف" جاء في تعريفها: هو أن يُجمع في كلام قصير، أشياء كثيرة مختلفة أو متفقة.. كقول الله تعالى: "فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقُمّل والضفادع والدم آيات مُفصّلات" (63).

الجديد في تعريف العسكري، هوعدم الفصل بين المؤتلف والمختلف في الشاهد الذي استخدمه، أن في القرآن أم في الشعر أم ف النثر. فكان يأتي بشواهد يجتمع فيها فقط المؤتلف، وأحياناً قليلة يجمع ما بين المؤتلف والمختلف. ومن هذا الوجه الأخير، قول الشاعر (من الخفيف)

نبطيّء إباؤه لم يلده *** ذو صلاح ولم يلد ذا صلاح

معشر أشبهوا القرود ولـ *** ـكن خالفوها في خفة الأرواح (64)

فقد تضمن البيتان وصفاً تشنيعياً للموصوف، لكنه انتهى بما يشبه المدح..

ومن هذا القبيل، قول سويد بن خذّاق (جاهلي) (من الطويل):

أبي القلب أن يأتي السّدير وأهله ***

به البقُّ والحُمىّ وأُسدُ خفيّة *** وعمرو بن هند يعتدي ويجوز (56)

فقد جمع الشاعر كثيراً من المقابح والمساوئ بعد أن مهد لها برفض الحياة والسكن في المكان الذي ذكره. ومن جميل الشواهد الشعرية التي يجتمع فيها المؤتلف والمختلف في أن قول أبي تمام مادحاً سليمان بن وهب، (من الخفيف):

ربّ خفض تحت السُّرى وغناء *** من عناء ونُضرة من شُحوب (66)

فقد جمع في البيت الواحد خفض العيش، وهو الدعة والبحبوحة، والمشقة والغنى أو الغناء، مع الغباء والنضرة والشحوب. وهذا من أجمل شواهد الجمع العضوي بين الائتلاف والاختلاف.

ويلتفت أبو هلال إلى الأشياء المؤتلفة المجتمعة في شاهد واحد، فيعرض لقول ابن المعتز (ت 296 ه‍ /908) (من الكامل):

والله ما أدري بكنه صفاته *** ملك القلوب فأوبقت في أسره

أبوجهه أم شعره أن ثغره *** أم نحره أم ردفه أم خصره؟ (67)

ويذكر لنفسه قوله، مادحاً (من الطويل):

فتى لم نزنه بالقوافي وانما *** حططنا إليه كي يزين الفوافيا

من الغُرّ لاحوا شمساً ومضوا ظُبى *** وصالوا أُسوداً واستهلوا سواريا (68)

ففي الشاهدين، لابن المعتز وأبي هلال، جمع لمؤتلف فقط؛ ومثله لأبي هلال أيضاً، (من الكامل).

يسبيك منه مُفلّح ومُضرّج *** ومقوّم ومعُوّج ومُهفهف (69)

فقد كنى عن الفم والأسنان بالمفلّج، أي المتباعد الأسنان. وعن الخد الموّرد بالمضرّج أي المصطبغ حمرة. وعن القامة المعتدلة بالرمح المقوّم. وربما كنى عن الذوائب والعذار بالمعوج، وعن الشعر أو البدن الرهيف بالمهفهف، وهو الرقيق الخصر، أو الرقيق الشفاف من الثياب.

***

الحواشي:

1-لسان العرب 1/ 11 و9. (ألف).

2-سورة الأنفال / 63.

3-تفسير ابن كثير 3/ 342.

4-خزانة الأدب القاهرة 1304 ه‍ /1887.

5-الإتقان في علوم القرآن 1368 ه‍ ‍/1948، 2 /ص 88.

6-سورة يوسف /85.

7-تفسير الفخر الرازي، المشتهر بالتفسير الكبير. ج‍ 18 /ص 201.

8-سورة النور /53.

9-تفسير ابن كثير 5/ 117.

10-البديع في ضوء أساليب القرآن، د. عبد الفتاح لاشين. دار المعارف بمصر ط أولى 1979 ص 36 وهذا التفسير مأخوذ في الأصل، من كتاب" الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز "ليحيى بن حمزة العلوي"، المنشور في القاهرة 1914 الجزء الثالث /147. ولم يُشر إليه د. لاشين في الحاشية.

11-شرح الكافية البديهية، تحقيق د. نسيب نشاوي. مجمع اللغة العربية بدمشق 1982 /226.

12-انظر ديوان البحتري تحقيق الصيرفي مجلد 2/ 1987.

13-شرح الكافية /226 –22. والعرجون: العذق إذا يبس وأعوج والأخلة جمع الخلال، مفردها خلة، وهي جفن السيف والأطناب حبال طويلة.

14-الحيوان 3/ 39. والأكظام جمع: كظم: مخرج النفس.

15-الوساطة بين المتنبي وخصومه، تحقيق وشرح محمد إبراهيم وعلي محمد البجاوي –عيسى البابي الحلبي، القاهرة 1966، ص 24.

16-سورة آل عمران /59.

17-سورة البقرة /60.

18-سورة الأعراف /160.

19-شرح ديوان بن أبي سلمى، صنعة ثعلب. الدار القومية، مصورة عن دار الكتب القاهر 1944 /ص 7 و8.

وفي ديوانه: "ونؤيا كحوض الجد". الأثافي: حجارة القدر. السفعة سواد مختلط بحمرة. المرجل: القدر.

المعرس: موضع تعريس القوم. جذم الحوض: حرفه لم يتثلم (أي النؤي) ذهب أعلاه ولم يتكسر جانبه والنؤي حاجز يرفع حول البيت من تراب لئلا يدخل البيت الماء.

20-عيار الشعر، تحقيق د. محمد زغلول سلام. منشأة المعارف بالإسكندرية. لانا. ص (142 –143).

21-شرح الكافية /ص 183.

22-نفسه/. الحلق، مفرده حلقة، وهي الدرع. والسعدي، نسبة إلى سعد: موضع تصنع فيه الدروع.

23-نقد الشعر /ص 165.

24-شرح الكافية /233.

25-نفسه /233.

26-م. ن. ص 233 –234. وفي شرح البيت أيضاً أن الفرزدق يمدح إبراهيم بن إسماعيل بن هشام المخزومي، خال هشام بن عبد الملك. أبو أمه: يعني جد هشام لأمه هو أبو إبراهيم، خاله.

27-م. ن. ص 172.

28-شرح البرقوقي 3/ 207. الكدري: صفة لطائر القطا الذي يعيش في السهول. والحجل طائر شبيه بالحمام أحمر المنقار والرجلين.

29-ديوان المتنبي بشرح الواحدي. ط برلين 1861. ص 552.

30-م. ل. ص 552. وفيه تفصيل للحوار الذي جرى بين أبي الطيب وسيف الدولة الذي استشهد ببيتين لامرئ القيس يشبهان بيتي المتنبي، وتفنيد هذا الأخير لجمالية بيتي امرئ القيس. الأمر الذي يوحي بقدرة نقدية فائقة لدى المتنبي.

31-نفسه /ص 553.

32-سورة طه /118 و119.

34-كتاب: أعراب القرآن وبيانه، دار اليمامة، ودار ابن كثير: دمشق –بيروت ودار الإرشاد للشؤون الجامعية.

حمص –سورية. الطبعة الأولى 1408 ه‍ /1988. مجلد 6/ 258 –261.

35-نقد الشعر، ص 166.

36-نفسه /209.

37-نفسه /ص 209. وفي ديوانه (صادر): ألا وأبيك، لوكاليوم أمري… العصمة: امتلاك الأمر. وحسك الصدور: غلها وحقدها. /ص 32.

38-شرح الكافية البديعية، ص 254.

39-نفسه /ص 255 –256. والزيال: الفراق. وهو من زال الشيء: لغة في: أزاله..

41-منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تقديم وتحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة.

دار الغرب الإسلامي، بيروت ط. ثانية 1981 ص 266.

42-نفسه /267.

43-المصدر نفسه /ص 268. وهناك كلام آخر للقرطاجني، يزيد في توضيح الصورة وتفصيل معالمها.

44-معجم المصطلحات البلاغية وتطورها. الجزء الأول، المجمع العلمي العراقي 1983 ص 30 (ص 269 –270).

45-انظر اللسان 11/ 524 (فصل).

46-إعجاز القرآن، للباقلاني. تحقيق أحمد صقر. دار المعارف بمصر. ط. خامسة 1981/ 270.

47-نفسه /270 –271.

48-نفسه..

49-الآيات الأربع، من سورة الشمس، ومثلها جميع آيات هذه السورة البالغة خمس عشرة.

50-الآيات الأربع الأولى من سورة الغاشية.

51-بديع القرآن، لابن أبي الإصبع المصري. ص 89 (عم معجم المصطلحات البلاغية) 1 ص 12- 13.

52-ديوان أبي تمام /ص 59. صافت، أمضت فصل الشتاء. والعرار والجثجاث نباتات عطريا الرائحة، والأول أكثر ضوعاً ونفاذاً في الشم..

53-نقد الشعر /ص 210.

54-ديوانه /737.

56-لسان العرب 9/ 135 (زغف). وفي نقد الشعر: "البجاد. بالباء، ومعناه: الثوب. وقد رواه أحمد مطلوب (بالنون) ولا نرى في ذلك كبير اختلاف لأنهما يمكن إضفاتهما إلى البيت. ولكننا نرجح رواية قدامة، لأن لفظ "مخطط" يناسب "البجاد" بالباء، لأنه مذكر، ولا يناسب "النجاد" لأنها مؤنثة، ولفظ القافية مذكر..

57-نقد الشعر /ص 210 –211.

58-انظر: جوهر الكنز /ص 142 فقد نقل صاحبه تعريف زكي الدين كما هو تقريباً.

59-ديوان الخنساء والمسمى: أنيس الجلساء، دار التراث –بيروت 1968 ص 43 –44 وفي الديوان: "الفخر" بدلاً من "الحضر". والملاءة، ثوب واسع.

60-عن معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، ج‍ 1/ 24.

61-سورة الإنسان /الآتيان الأولى والثانية.

62-سورة يس /68و 69.

63-الصناعتين /ص 452. والآية القرآنية هي من سورة الأعراف /132.

64-نفسه..

65-أسد خفية، نسبة إلى مأسدة أو غيضة يتخذها الأسد عرينه. والبيتان في الشعر والشعراء 1/ 394، لسويد بن خذاق (بالخاء المعجمة) بينما وردت في الصناعتين (بالحاء) المهملة..

66-ديوان أبي تمام /ص 37، والصناعتين /454.

67-الصناعتين /454.

68-نفسه /455. والظبا، واحدته ظبة وهي حد السيف أو سنانه. والسواري ج سارية وهي السحابة الممطرة أو عمود الشراع..

69-نفسه /455.

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 50 – السنة 13 – كانون الثاني "يناير" 1993 – رجب 1413

49 Views

عن وائل-2

إلى الأعلى