الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » شعر وشعراء » البعد المكاني في صور ذي الرمة الفنية أسامة سلمان اختيار

البعد المكاني في صور ذي الرمة الفنية أسامة سلمان اختيار


البعد المكاني في صور ذي الرّمّة الفنّيّة ـــ أسامة سلمان اختيار ([1])

بادئ ذي بدء، لابدّ من التساؤل:

-هل يستطيع التشكيل الصوري اللاهف وراء (الجامع في كل) أن يقدم جديداً على صعيد دراسة النص؟.

-ما مفهومنا للصورة الشعرية في هذا البحث الذي اقتصرنا فيه على دراسة البعد المكاني في صور ذي الرمة؟.

-على أساس من ذلك المفهوم، ما طبيعة العلاقة القائمة بين الشاعر والمكان في إطار من الصور المكانية الموظفة توظيفاً بنائياً في تكوين النص؟.

إن هذا البحث يتجاوز ذلك الشكل التقليدي للصورة الشعرية التي تقوم العلاقة بين مكوناتها على أساس من المشابهة بين عنصرين، يدعى أحدهما المشبّه، ويدعى الآخر المشبه به، حيث تنتظم العلاقة بين هذين العنصرين في قانون شهير هو: (الجامع في كل). إن هذه الرؤية للصورة الشعرية تبدو غير مستساغة في الدراسات النقدية الحديثة لسببين:

-أولهما: أن هذه الرؤية تغيّب عنصر آخر له أهميته في البناء الصوري غير العنصر (الجامع) أو ما يمكن أن نطلق عليه: عنصر المشابهة، وهذا العنصر المغيّب هو عنصر (المغايرة). إن المشابهة والمغايرة –معاً- عنصران متكافئان في تشكيل البناء الصوري التقليدي، متحدان متداخلان في تكوين العلاقة الصورية(1)، وقد ظل هذا الأمر غائباً عن الدراسات البلاغية التراثية إلى أن جاءت الدراسات الحديثة مؤكدة أن: (إدراك التشابه في التباين هو منبع الاستعارات)(2).

-وثانيهما: أن هذه الرؤية تغيّب- باعتمادها الأشكال البلاغية التقليدية- مساحة واسعة من الصور الشعرية عن حيّز الوجود، يبرز دور الدراسات الحديثة التي أطلقت للتشكيل الصوري العنان، ليضمّ بمفهومه الحي الجديد نمطاً من صور (لا مجازية) تعد –بحق- أرقى رؤى الصورة الشعرية، وأكثرها حيوية، وهذه الصور غير المجازية ماهي –في حقيقتها- إلا تجسيد للصورة الشعرية في أدق معانيها حينما حدّها (سي دي لويس) فرأى أنها: "رسم قوامه الكلمات"(3) وتحت هذا المفهوم الجديد للصورة الشعرية تندرج الأبنية الصورية كلها سواء أكنت مجازية أم غير مجازية، وبحثي في صور ذي الرّمّة قائم على أساس من هذا المفهوم. فضلاً عن رصد دلالات الصور الفنية من خلال رؤيتها رؤية بنائية، وبعبارة أخرى: توظيف الصورة توظيفاً بنائياً في خدمة سياقها الخاص في القصيدة الواحدة من جهة، ومن ثم سياقها العام في مجموع القصائد من جهة أخرى، وبهذه الرؤية الشمولية يمكننا أن نصل إلى مقولات نقدية سليمة قابلة للتعميم على العمل الأدبي كله.

-بعد الإشارة إلى المفهوم الذي اعتمدته للصورة الشعرية في هذا البحث؛ لابد من تحديد مساره، حيث ارتأيت دراسة البعد المكاني في صور ذي الرمة الفنية وفق خمسة محاور:

-مثنوية السكون والحركة ودورها في بعث المكان.

-ظاهرة فساد الأمكنة.

-المشاركة الزمانية للمكان.

-كونية الرؤية المكانية.

-تعميم التجربة الشخصية مكانياً.

أولاً: مثنوية السكون والحركة ودورها في بعث المكان:

-ثمة مكانان ملموسان في صور ذي الرمة؛ أحدهما عام والآخر خاص، المكان العام هو الصحراء، والمكان الخاص هو البادية، وثمة فارق بين المكانين، حيث تشكل الصحراء دائرة مكانية كبرى غير مأهولة، ضمن هذه الدائرة الكبرى ثمة دوائر داخلية صغرى هي البوادي المأهولة، وعلاقة البُداة بالمكان الأول (الصحراء) علاقة اجتياز ومرور، لا علاقة إقامة واستيطان، في حين أن علاقتهم بالمكان الثاني (البادية) هي على النقيض تماماً من العلاقة الأولى. من خلال دراستنا لطبيعة العلاقتين نجد أن العلاقة الأولى (علاقة الاجتياز الصحراوي) ثابتة لا تتغير لثبات المكان ذاته، في حين أن العلاقة الثانية (علاقة الإقامة في البوادي) متغيرة بتغير خصوبة المكان وتبدلها، فالبقعة المأهولة من البادية قد تذهب في التصحر، فيطلب القوم غيرها، وهنا تتقاطع الصحراء –المكان الواسع الممتد- مع الطلل الأقل امتداداً في نقطة المشاكهة المكانية (القحولة والقحط)، وبذلك تتحول العلاقة الارتباطية بين الإنسان والمكان من علاقة الإقامة إلى علاقة الاجتياز. وتتميز علاقة الاجتياز الطللي عن علاقة الاجتياز الصحراوي بازدياد حدة التوتر الشاعري نتيجة لتداعي الذكريات الماضية، مما يدفع الشاعر إلى محاولة إحياء المكان وبعثه أملاً بعودة الماضي، مستغلاً قابلية المكان الطللي للحياة، بصفته لا يمثل فناء مطلقاً، بل مرحلة الاحتضار المكاني أو شبه الموات، ويطرح الشاعر فكرة إحياء المكان استناداً إلى مثنوية (أم) ترتبط بفكرة الاجتياز ارتباطاً وثيقاً، وهذه المثنوبة -على حد زعمي- هي مثنوية (الحل والترحال) والتي ترتبط بالنقد العربي منذ مراحله التاريخية الأولى، إلا أنه لم يستطع في أسعد لفتاته رصد أبعادها؛ ليولّد منها مثنوية (السكون والحركة) والتي يقع على عاتق الصراع التضادي بين طرفيها العبء الأكبر في محاولة إحياء المكان.

-إن الحركة المكانية في رؤى ذي الرمّة تنبثق من سكونية المكان وسكونية الوقوف عليه –السكون أولاً ثم الحركة ثانياً- وهذه الحركة المكانية تتسع على شكل موجات دائرية متعاقبة متتابعة مختلفة في حركيتها لتشمل المكان الأوسع مساحة والأقل قابلية للحركة، ومن ثم الأقل قابلية للحياة، وأعني به الصحراء، ويمكننا تحديد آلية تحريك المكان في صور ذي الرمّة المكانية من خلال رصد مثنوية (السكون والحركة) في الوحدات التكوينية لواحد من نصوصه، وليكن مثلاً النص الأول من ديوانه(4).

ترتبط المثنوية في هذا النص ارتباطاً وثيقاً بالحل الطوعي في المكان، حيث تغيب لفظتا (قفا، عوجا) عن النص، وهذا الضرب من الحلّ قائم على أساس من الرغبة المشتركة المفترضة بين الطرفين –الشاعر والصحب من الركب- ومهما يكن من أمر هذا الحلّ أو الوقوف فهو تعبير عن فكرة السكون التي تشي من طرف خفي بالموت، غير أن انصراف ذي الرمة عن التمادي في عرض فكرة السكون إلى عرض نقيضها الضدي الممثل بالحركة كان محاولة ناجحة للإفلات من قبضة الموت الذي تفرزه فكرة السكون، كل ذلك يمكننا استنتاجه من رصد عميق للعلاقات اللغوية المتضادة في البيت الرابع من القصيدة:

أم دمنةٌ نسفت عنها الصّبا سُفعاً كما تُنشّرُ بعد الطّيّة الكُتُب(5)

في هذا البيت من القصيدة تم الوقوف الطللي طواعية من غير ما أمر، ودونما استيقاف، يدل على هذه الطواعية استحداث الرّكب للأخبار في البيت الثالث، والذي عضده في البيت الرابع ظهور قرينة مكانية تشي بحدوث الوقوف فيما لو رُئيت رؤية سياقية، هذه القرينة المكانية هي "الدّمنة" ونم الوقوف عليها تولدّ السكون الذي انبثقت منه الحركة، وبهذه الحركة بعث الشاعر الحياة في المكان من لجة الموات، فالدمنة تبدو للوهلة الأولى في طور الاحتضار المكاني المرتبط بعنصري الخواء والسكون المخيمين، يتمثل الخواء بإقفرار المكان، في حين يرتبط السكون بفكرة الوقوف، وتوثيقاً لفكرة الاحتضار المكاني يربط الشاعر المكان في هذا الطور بصورة الكتاب المطوي، وهذه الصورة تكافئ صورة المكان وقد توضعت الرمال فيه، وهذا بحد ذاته مظهر من مظاهر السكون المكاني الواشي بالفناء المرتقب، غير أن بروز عنصر الحركة الممثل بريح "الصّبا" جعل لصورة الموات مقابلاً ضدياً، وبذلك برزت "الصّبا" كقرينة دالة على محاولة بعث المكان وإحيائه اعتماداً على عنصر الحركة، وهذه الرغبة الجامحة في بعث المكان دفعت ذا الرمة إلى ربط الصورة المكانية في طور الانبعاث بصورة متكافئة هي صورة الكتاب المنشور.

من ثم يصعّد الشاعر من حدة الصراع بين السكون والحركة، وبين الموت والحياة، وذلك من خلال طرح مثنوية جديدة هي وليدة مثنوية (السكون/ الحركة) نفسها. فبعد انتهاء دور السكون في رسم صورة المكان تبرز الحركة عنصراً فعالاً فيه، وعن هذه الفعالية الحركية تتولد المثنوية الجديدة المطروحة كبديل لتصعيد حدة الصراع المكاني، حيث تنقسم الحركة قسمين: حركة مدمرة، وأخرى بناءة، تتجلى الحركة المدمرة في تأكيد الشاعر فعالية (الريح الرملية) التي تعمل على تعفية المكان الطللي، في حين تتجلى الحركة البناءة في دور (الريح الرادة) التي تهب من جهة معاكسة للريح الأولى، فتعمل على سحب ما توضّح في الطلل من رمال، وتنبذها بعيداً، وفي ذلك إصراراً آخر من الشاعر على بعث المكان وبث مظاهر الحياة فيه على الرغم من ذلك الموات المخيم ممثلاً بتقاطع الحركة المدمرة (الريح الرملية) مع الثبات المكاني (الخواء والعفاء في الفاعلية):

سيلاً من الدّعص أغشتهُ معارفها نكباءُ تسحبُ أعلاه فينسحب(6)

ثم إن تصوير ذي الرمة للريح الرملية كمظهر من مظاهر الفاعلية الحركية المدمرة للمكان تتصعد حدته أيضاً عن طريق تأكيد فاعلية الأمطار الموسمية التي تتخذ الطابع السلبي ذاته لاستمراريتها وغزارتها، فتعمل بدورها على تعفية الطلل:

لا، بل هو الشوق، من دار تخوّنها ضربُ السّحاب ومرٌّ بارحٌ ترب(7)

إذا نظرنا إلى البيت بمفرده –بعيداً عن سياقه- نجد أن حس الموت يبدو مسيطراً على الحياة في ثوب الحركة وزيها (أمطار+رياح) فالعفاء المكاني مرتقب- بل حتمي- مع ديمومة الفاعلية الحركية المدمرة واستمراريتها (تخوّنها) ولكن إصرار ذي الرمة- من جديد- على معرفة المكان عن طريق الموجودات المكانية المزمنة ينفي تلك الحتمية وذلك العفاء المرتقب، فتنبثق الحياة بحلّتها القشيبة على الرغم من عوامل التعفية جميعاً:

يبدو لعينيك منها وهي مزمنةٌ نُؤيٌ ومستوقد بال، ومُحتطبُ

إلى لوائح من أطلال أحوية كأنها خللٌ موشيةٌ قُشُبُ

بجانب الزُّرق لم تطمس معالمها دوارجُ المُور والأمطارُ والحقبُ

بهذه الأبيات يفرغ ذو الرمة من الوقوف على الطلل، وفيما لو حزمنا مجاميع العلاقات المتداخلة في هذه الوحدة التكوينية من القصيدة بصفتها وحدة طللية يمكننا ملاحظة جملة من الثنائيات المتعارضة المتضادة تمثل فكرة الصراع بين الحياة والموت، حيث يمثل الطرف الأول من هذه الثنائيات صوراً مكانية تعكس الموات المكاني (الرمال تتوضع في المكان الطللي، سيل الرمال يغشى الطلل، المطر المعفي يلازم الدمنة، أطلال الأحوية اللائحة) في حين يمثل الطرف الثاني من هذه الثنائيات صوراً مكانية تعكس الحياة كمقابل ضدي لكل صورة من الصور السابقة (ريح الصّبا تنسف الرمال بعيداً، ريح النكباء تسحب الرمال من الطلل، الدار واضحة المعالم والموجودات لم تطمسها دوارج المور، الأحوية موشاة قشبية) وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تغليب عنصر الحياة وتلاشي الموت.

في الوحدة التكوينية الثانية من القصيدة –وهي وحدة غزلية- يربط الشاعر الديار الدارسة باسم المحبوبة (ميّ) ثم يمضي في التغزل بها، ويمكنني القول: أن ثمة علاقة توازن وتشابه بين الفاعلية البنائية للحركة المكانية –الممثلة بالصور المكانية الحية التي عكست حيوية الطلل- وبين الغزل بصفته الوحدة التكوينية الثانية، حيث يلاحظ المتأمل في هذه الوحدة نمطاً جديداً من أنماط بعث المكان وإحياؤه عن طريق بعث الماضي المرتبط به، فالذكريات المتداعية –هنا- ليست إلا تعبيراً عن الرغبة الجامحة في عودة الماضي المكاني السعيد.

بعد محاولات إحياء المكان وبعثه بوساطة الحركة المكانية من جهة، وبوساطة الغزل كعنصر بنائي من جهة أخرى، تأتي المهمة الأعسر في محاولة ذي الرمة نقل الحركة البناءة –ومن ثم ما يتبعها من صور الحياة المنبثقة منها- إلى المكان الأكبر مساحة والأقل قابلية للحركة وللحياة معاً، وهو الصحراء، وهنا تبرز المعاناة الحقيقية، فالمكان الجديد –الصحراء- مختلف كثيراً عن المكان الأول- الطلل البادي- ولعله من اليسير بث مظاهر الحياة بأساليب شتى في البوادي (كاستنبات الكلأ، واستنزال المطر، وإسكان المكان بالحيوان، وتحريك الريح البناءة) لكنه من العسير –بل من المستحيل أحياناً –نقل تجربة المكان، ومن ثم إحيائه، إلى الصحراء، كما لو كانت بادية؛ فالصحراء لا يستهطل فيها مطر، ولا يستنبت فيها كلأ، وليس للريح فيها دور بنائي: بل دور هدام مدمر يتمثل في الرمال المستثارة، والكثبان الرملية المبثوثة في المكان والعواصف الهوج، وهذه سمات مميزة للصحراء تجعلها موحشة مقفرة مثيرة للهواجس والوساوس في نفس مجتازيها، ولذلك حاول ذو الرمة في اجتيازه للصحراء أن يبعث بعض مظاهر الحياة فيها بوساطة الحركة البناءة، وتتجلى هذه الحركة في محاولتين:

-الاستئناس برصد حركة الناقة الجميلة، وتحريك المكان بحركتها.

-نقل حركة الناقة إلى حيوان الصحراء (حمار الوحش- الثور الوحشي- الظّليم) معتمداً في ذلك على ظاهرة الاستطراد في معرض الصورة.

أما الاستئناس برصد حركة الناقة الجمليّة فهو شأن ذي الرمة في قصائده الصحراوية جميعها، كما هو شأن الشعراء من قبله، إذ تبدو الناقة في رحلة ذي الرمة قوية كجمل ضخم شديد البأس جلد، وهذه الناقة الحية بكل ما في الكلمة من معاني الحياة –من إحساس بالألم، ونبض بالحركة الحية النشيطة، وشوق إلى الديار –تضفي من حيويتها على الأمكنة الصحراوية التي تجتازها، فيبدو المكان أنيساً من بعد وحشة، فياضاً بمظاهر الحركة المولدة للحياة، فالراكب على ظهر ناقة ذي الرمة يرى الصحراء تتراقص أمام عينيه ذات اليمين وذات الشمال، تعلو حيناً وتهبط حيناً آخر، وهذا الرقص الحي مستمد من حركة الناقة ودبيبها على الأرض، وبذلك تبدو الصحراء الساكنة في الظاهر مكاناً حياً متحركاً، إن هذه الحركة الصحراوية انعكاس لحركة الناقة الجملية:

لا تشتكي سقطة منها وقد رقصت بها المفاوز حتى ظهرها حدب(9)

من ثم تتوالى سلسلة من الأوضاع والهيئات الحركية الحيوية للناقة، ويمكننا أن نلاحظ ذلك في جملة من التراكيب اللغوية التي تتآزر فيما بينها لتحريك المكان بوساطة شركة الموجودات: (راكبها يهوي، ركبها نصبوا، تخدي بمنخرق، العيس من عاسج أو واسج خبباً، ينحزن، تنسلب، تصغي –والمقصود: جنوحها وميل رأسها نحو الأرض وكأنها في هيئة الإصغاء –تثب، وثب المسحّج…):

كأن راكبها يهوي بمنخرق من الجنوب إذا ما ركبها نصبوا(10)

تخدي بمنخرق السربال منصلت مثل الحسام إذا أصحابه شحبوا

والعيس من عاسج، أو واسج خبباً ينحزن من جانبيها وهي تنسلبُ

تصغي إذا شدها بالكور جانحة حتى إذا ما استوى في غرزها تثب

وثب المسحّج من عانات معقُلة كأنه مستبان الشك أو جنب

هذا على صعيد الاستئناس برصد حركة الناقة وتحريك المكان بحركتها، أما على صعيد نقل حركة الناقة إلى حيوان الصحراء تأكيداً لمحاولات بث الحياة في المكان عن طريق موجوداته وعن طريق رصد حركة هذه الموجودات؛ فيتم اعتماداً على ظاهرة الاستطراد في معرض الصورة على نحو توليدي، فالصورة الصحراوية الأولى –والتي رصد فيها ذو الرمة حركة الناقة مسقطاً هذه الحركة على المكان الثابت –تتولد عنها صور متتالية ثلاث، تكاد تبدو مستقلة بذاتها، غير أنها في حقيقتها ذات ارتباط وثيق بعنصر الحركة، وعلى وجه التحديد حركة الناقة نفسها، وهذه الصور الثلاث هي: (صورة حمار الوحش –صورة الثور الوحشي- صورة الظليم). عن الصورة الأولى تتولد صورة (الأتن) كصورة ثانوية مرتبطة بها، وعن الصورة الثالثة تتولد صورة (النعامة –وهي أنثى الظليم- مع فراخها).

في مشهد حمار الوحش تضفي حركة الحمار مع أتنه على المكان لوناً خاصاً من ألوان الحياة، إنها حياة جنينية محاطة من طرف خفي بحس الموت الذي لم يرق إلى مرتبة اليقين:

وثب المسحج من عانات معقلة كأنه مستبان الشك أو جنب(11)

من ثم تتعدد الأمكنة، وتختلف الأزمنة، وتتسارع الحركة، وبعد تجربة ظمأ مريرة يجمع الحمار أتنه ويحدوها نحو عين الماء، واصطلح على هذا الطور الحركي: طور ما قبل الورود –ورود العين- ويمتاز بثلاث سمات:

-أولهما: موات المكان ممثلاً بشدة الحر الذي أهلك الرطب من الكلأ وأيبس البقل:

حتى إذا معمانُ الصيف هبّ له بأجّة نشّ عنها الماء والرُّطب(12)

وصوّح البقل نأّجٌ تجيء به هيف يمانية في مرّها نكب

-ثانيهما: إبراز تجربة الحمر الحركية الشاقة سعياً نحو العين، ممثلة بملاينة حمار الوحش للأتن ومخاشنته لهن، فضلاً عن الهيئات الحركية المختلفة، وقد أضفى ذلك على المكان الساكن مظهراً شفافاً من مظاهر الحياة، فموت النبت يقابله حياة الحمر النابضة بالحركة: (وثب المسحج- يحدو نحائص- تنصّبت حوله- راح منصلتاً- يحدو حلائله- أدنى تقاذفه- التقريب والخبب- يعلو الحزون…).

-ثالثهما: بروز حس الموت الخفي المسيطر على حمر الوحش ممثلاً بالشك على نحو ما لاحظنا سابقاً.

عند العين تسكن الحمر للشرب، وخلال هذا السكون ينطلق سهم الصائد الذي يمثل الموت، ويمكننا أن نطلق على هذا الطور الحركي: طور الورود، ويمتاز بثلاث سمات- أيضاً- تشكل عند حزمها مثنوية متناقضة فيما إذا قوبلت بسمات الطور الحركي الأول –طور ما قبل الورود-:

-أولهما: حيوية المكان ممثلة بالعين نفسها، بما يحيط بها من كلأ، وما يصطخب فيها من أصوات:

عيناً مطحلبة الأرجاء طامية فيها الضفادع والحيتان تصطخب(13)

يستلّها جدول كالسيف منصلت بين الأشاء تسامى حوله العُسُب

-ثانيهما: حركة الحمر معدومة تماماً فيما لو قورنت بحركتها في مرحلة ما قبل الورود.

-ثالثهما: تصعُّد حسّ الموت عند المكان –حيث تبدو الحياة محاطة بإطار محكم من الموت المرتقب- الصائد الكامن بسهامه- وفي لحظة السكون والثبات تنطلق سهام الموت، فينقلب الشك المسيطر على الحمر في الماضي إلى يقين حاضر، ولكن حس الشاعر يُغلّب الحياة على الموت تغليباً قدرياً:

حتى إذا الوحشُ في أهضام موردها تغيّبت رابها من خيفة ريب(14)

فعرّضت طلقا أعناقها فرقاً ثم أطّباها خرير الماء ينسكب

فأقبل الحُقب والأكباد ناشزةٌ فوق الشراسيف من أحشائها تجب

حتى إذا زلجت عن كل حنجرة إلى الغليل، ولم يقصعنه، نُغب

رمى.. فأخطأ.. والأقدار غالبة فانصعن، والويل هجّيراه والحرب

ولعل موضع (عين الماء) وما يحيط بها؛ رمز للحياة المحاطة من طرف خفي بحس الموت، ولعل (الماء) الذي حثث الحمر الخُطا نحوه، وفي أعماق نفسها ريبة الخوف مما يكتنفه من غموض؛ هو (الحب) نفسه الذي أورد ذا الرمة المهالك غير مرة.

وفي مشهد الثور الوحشي يعيد ذو الرمة ربط حركة الناقة بحركة هذا الحيوان الذي غالباً ما تكون شجرة الأرض ملجأه الوحيد، وموضع شجرة الأرض مكان حي ممطور، تجلو البوارق جوانبه، وعلى الرغم من ذلك يبدو هذا المكان النابض بالحياة ملفعاً بحس الموت أيضاً –كعين الماء في مشهد الحمر الوحشية- وكأنما قدر الحياة صراعها مع الموت!:

(توجّس ركزاً- نبأة الصوت- الوسواس- يخشى- يرتقب)(15).

ويتصعد حس الشك إلى اليقين عند الفجر، حينما يخرج الثور من كناسه خائفاً، كأن به مساً من الجن، فتطارده كلاب الصائد الكامن قريباً من الكنّاس، فتتصارع حركتان وجوديتان؛ حركة الثور الوحشي التي تمثل الحياة، وحركة الكلاب التي تمثل الموت، الحركة الأولى حركة بناءة؛ لانطواء استمرارية الموجودات المكانية تحتها، والحركة الثانية حركة هدامة؛ لأنها تحمل في طياتها فناء الموجودات المكانية وبالتالي: إقفرار المكان وفناءه أيضاً، وأخيراً تكر الحياة على الموت فتكون الغلبة لها، وبذلك كان موت الكلاب ميلاداً للحياة التي ظلت تنتصر في مجموع قصائد ذي الرمة، إذ لم أقع على مشهد واحد يقتل فيه الشاعر حسن الحياة الفياض في أعماق نفسه، على الرغم من ذلك البؤس الجاثم على صدره، ولا أدل على حس الحياة لدى الشاعر من أنه كان يخيب مسعى الصائد كل مرة، مطلقاً العنان للحياة لتنطلق بعيداً عن قبضة الموت(16).

أما الحيوان الأخير الذي ينقل إليه ذو الرمة حركة ناقته؛ فهو الظليم مع إنثاه النعامة، حيث يبدو الظليم مسرعاً يعدو في مكان قفر تناهبته ريح شديدة، وفي طريقه تعرض له نعامة صغيرة الرأس دقيقة العُنق فتعدو معه، فكأنهما ينتهبان الأرض انتهاباً، وذلك العدو لأنهما عاينا سقوط المطر آخر النهار، فضلاً عن خشيتها على فراخهما من السباع(17).

في حركة الظليم مع نعامته في الأمكنة الموحشة المقفرة تأكيد ثالث على رغبة ذي الرمة في بعث المكان وإحيائه عن طريق موجوداته، وهذا الرصد للمظاهر الحية المؤنسة يتجلى في ذروة تجليه في تصوير ذي الرمة لفراخ الظليم، وعند صورة الفراخ التي كان يسعى إليها الأبوان يُنهي ذو الرمة قصيدته البائية، وكأنه أراد من هذا المشهد الأخير أن يؤكد حسه بالحياة وإيمانه بها، عن طريق الولادة، فهذه الفراخ التي لم ينبت لها ريش بعد؛ هي رمز لحياة المكان، رمز لاستمراريته المستمدة من استمرار موجوداته، كما أنها رمز لحركيته المستمدة من حركة تلك الموجودات:

جاءت من البيض زُعراً لا لباس لها إلا الدّهاس، وأمٌّ برّة وأبُ(18)

كأنما فُلّقت عنها ببلقعة جماجم يُبّسٌ أو حنظل خرب

مما تقيّض عن عوج معطّفة كأنها شامل أبشارها جربُ

أشداقُها كصدوع النّبع في قُلل مثل الدحاريج لم ينبت بها الزغبُ

كأن أعناقها كُرّاث سائفة طارت لفائفه، أو هيشرٌ سُلُبُ

من خلال ما سبق نلاحظ أن القصيدة تبدأ بالسكون المكاني لتنتهي إلى الحركة، وتنطلق من الموات المكاني وصولاً إلى الحياة؛ يتمثل السكون المكاني بالوقوف على الطلل، وانطلاقاً من هذا السكون تبدأ محاولات رصد الحركة المكانية، ويبرز الصراع الوجودي بين السكون والحركة من خلال طرح مثنوية جديدة منبثقة عن مثنوية (السكون/ الحركة) وهذه المثنوية الجديدة هي مثنوية (الحركة المدمرة/ الحركة البناءة) وتتقاطع الحركة المدمرة في الفاعلية المكانية مع الثبات المكاني، وكلاهما يعكس واقعاً نفسياً سوداوياً قاتماً ملفعاً بفكرة الموت، في حين تظل الحركة البناءة عنصراً ذا فاعلية إيجابية يواجه قوتين متوازيتين في الاتجاه متكافئتين في الفاعلية السلبية، هما: الثبات والحركة المدمرة معاً.

تعكس الحركة البناءة رغبة شعورية جامحة في بعث المكان وإحيائه، هذه الرغبة آملة تستشرف المستقبل بعيداً عن سوداوية الحاضر، والملاحظ أن مثنوية الحركة (المدمرة والبناءة على حد سواء) تنبثق أول ما تنبثق في المكان الطللي ممثلة بالريح الرملية الهوجاء التي تعمل على تعفية المكان، وممثلة بالريح الرادة التي تعمل على نشره من جديد، ثم تتسع دائرة هذه المثنوية مع توالد الصور المكانية؛ لتظهر في لوحة الصيد ممثلة بحركة الكلاب –الموت- وحركة الثور الوحشي- الحياة- ومع بروز مثنوية جديدة ثالثة هي مثنوية (الموت/ الحياة) يبدو الموت عنصراً عاملاً في الخفاء مرتبطاً بحس خفي مرتقب محيط بكثير من الأمكنة التي يرتبط بها الكائن الحي ارتباطاً وثيقاً: (الطلل بالنسبة للإنسان، عين الماء بالنسبة للحيوان) وهنا تبرز براعة الشاعر في تغليب أحدهما على الآخر بحسب الواقع النفسي وعن طريق سلسلة من الصور المكانية المتوالدة الراصدة لأبعاد المكان في أدق جزئياته وتفاصيله، وبذلك تبدو الصورة المكانية في النص موظفة في سياقها مرتبطة به ارتباط الأجزاء بالكل، بعيدة كل البعد عن غاية الزخرفة أو هدف الزركشة، إن الصورة المكانية في سياقها شذرة معرفية جمالية تضيء جوانب مسألة أثارت –منذ فجر تاريخ الفكر البشري- انتباه الإنسان، ألا وهي فكرة الموت، والتي بدت دالة على العدم، ملفعة بالسكون والغموض المريبين، ولذلك يمكنني القول:

نه ما من شك أن ارتباط الإنسان بالمكان هو-في حد ذاته- ارتباط بالحياة النابضة بالحركة، الصاخبة بالأصوات، في حين تظل فكرة الانسلاخ عن المكان ملفعة بالسكون محفوفة بالموت.

ثانياً: ظاهرة فساد الأمكنة (المناهل الآجنة):

رأينا في تحليلنا المثنوية السكون والحركة أن ذا الرمة أدرك ماهية فساد المكان الطللي، فبدا في المشاهد الطللية إنساناً محطماً، يحاول جاهداً أن يجمع شتات نفسه، بعد ما شهد من حوله آماله الماضية تتحطم على صخرة واقع صلب لا يستجيب، لكنه استطاع –على الرغم من ذلك- أن يتغلب على عوامل فساد المكان الطللي (العفاء-الخواء- الموات المخيم) وقد اعتمد في ذلك على حس بالحياة دافق في عروقه، ولذلك يمكنني القول- وبكل اطمئنان-: إن ذا الرمة لم يقتصر في صوره الطللية على إبراز الفساد المكاني، بل إنه نسج خيوط الحياة في لجة من شرانق الموات المكاني، دفعه إلى ذلك تعلق لا متناه بالمكان الطللي، بصفته يشغل حيزاً واسعاً من ذاكرته في الماضي، واهتماماته في الحاضر، وآماله المستقبلية. ولكن ذا الرمة الذي استطاع أن يتغلب على ظاهرة فساد المكان الطللي بمحاولات شتى لبعثه وإضفاء الحياة عليه؛ بدا مستسلماً- تماماً- أمام ظاهرة فساد المناهل، والتي تمثلت في شعره بسلسلة من الصور المكررة التي تجري على نمط واحد، وكأنما هذا البطل المهزوم- ذو الرمة- قد خلع قناع الأمل الواهم الذي لمسناه في المشاهد الطللية فبدت عند المناهل الصحراوية الآجنة معالم وجهه الحقيقي المغضن يأساً، ففي حين بدا في موقفه الطللي مهزوماً يحاول الانتصار، يائساً يحاول اصطناع الأمل؛ بدا في موقفه عند المنهل الآجن مستسلماً لواقعه المأساوي، قانعاً بالهزيمة، فيصر على تغييب عنصر الأمل إصراراً لم نلمسه البتة في موقفه الطللي.

وفيما لو رصدنا صور المنهل الآجن من خلال علاقاتها السياقية، ومن خلال الوظيفة المنوطة بها في ذلك السياق؛ لأمكننا أن نسجل الملاحظات الثلاث التالية:

1-انعكس الفساد الاجتماعي على صورة المنهل الآجل الفاسد:

إن ذا الرمة الذي طالما اجتاز الصحراء وحيداً دونما أنيس؛ لابد أن تتداعى له صور –أو بقايا صور- من ماضيه، هذه الصور تعكس علاقته بالمجتمع وأفراده، وبعض الذي كان بينه وبين بعض الناس من عداوات، فإذا ما صادف في رحلته ماءً آجناً أثار اشمئزازاه؛ وجدته يسقط واقعه النفسي الخاص على ذلك المكان، وكأنما المنهل الآجن الفاسد هو المجتمع نفسه، ولكن بصورته الهشة، ففي حين يبدو الماء العذب رمزاً للحياة في الواقع، يبدو الماء الآجن –على النقيض- من ذلك- رمزاً للحياة القاتمة المشوهة، وصورة لمجتمع فاسد مقيت، فعلى سبيل المثال، حينما تتداعى صورة الحاسد المبغض ذي الكبر للشاعر في رحلته؛ تثير هذه الصورة في نفسه حس الاشمئزاز من المجتمع الفاسد فيربط الصورة ربطاً سياقياً على التوالي بصورة معادلة ممثلة بالمنهل الآجن الآسن الذي يبدو كأبوال المخاض:

ورُب امرئ ذي نخوة قد رميته بفاطمة توهي عظام الحواجب(19)

وكسب يغيظ الحاسدين احتويته إلى أصل مال من كرام المكاسب

وماء صرىً عافي الثنايا كأنه من الأجن أبوال المخاض الضوارب

2-ارتباط فساد المكان بقلق التجربة العاطفية:

إن الصحراء التي اجتازها ذو الرمة بعد وقوفه على الطلل أكدت له حس الوحشة والخواء المكانيين اللذين شعر بهما في المكان الطللي، وبما أن (ميّة) هي الرابط الأساسي بين المكانين (الطلل والصحراء) –بصفتها صاحبة الطلل، ولأنها ترتاد الشاعر في رحلته الصحراوية على هيئة طيف أو خيال –فإن حس الخواء والفساد المكانيين هو إحساس باطني بالفقر العاطفي، فذو الرمة الذي يرتاده طيف الحبيبة في رحلته فيأنس به، يستيقظ على حقيقة كونه طيفاً لا يمكنه أن ينجو نحوه مقابلاً ومُدانياً، وبذلك تأتي صورة المنهل الآجن تعبيراً صارخاً عن قلق التجربة وحس الفشل العاطفيين:

زار الخيال لميّ بعد ما خنست عنا رحى جابر والصبح قد جشرا(20)

بنفحة من خزامى فائج سل وزروة من حبيب طالما هجرا

هيهات ميّة من ركب على قُلُص قد اجرهدّ بها الادلاج وانشمرا

راحت من الخُرج تهجيراً فما وقعت حتى انفأى الفأو عن أعناقها سحرا

تسمو إلى الشرف الأقصى كما نظرت أُدم أحنّ لهنّ القانص الوترا

ومنهل آجن قفر محاضرُهُ تُذري الرياح على جمّاته البعرا

أوردته قلقات الضّفر قد جعلت تبدي الأخشّة من أعناقها صعرا

3-أبعاد اليأس الوجودي في صور المنهل الآجن:

من الملاحظ أن ذا الرمة مدفوع في صورة المنهل الآجن نحو يأس جارف أشبه ما يكون بيأس وجودي، تزداد فيه حدة التوتر، ويتعمق فيه حس المأساة، وازدياد حدة التوتر النفسي دفع الشاعر إلى الانسياق وراء فكرتي العبث والتقزز الوجوديين اللتين تظهران في صور المناهل الآجنة بجلاء ووضوح، فذو الرمة في صور المناهل الآجنة لا يشعر بأي اطمئنان إزاء الحياة، إنه يخشى المجهول، ويصطدم بفكرة الفناء والتناهي والظلمة، وقد لاحظت خلال رصدي لصورة المنهل الآجن في شعره أنها ترتبط ارتباطاً تاماً –دونما شواذ- بفكرة الظلام، فهو لا يطرق هذه الأمكنة الفاسدة الميتة إلا ليلاً، والليل زمان محاط بالمجهول، ملفع بالمخاوف، يتساوى فيه الوجود والفناء، ولعل من أبرز مظاهر العبث الوجودي في صور المناهل الآجنة محاولة طلب الماء من المورد المرة تلو المرة بعد ظمأ شديد مستأسد، ولكن الدلو لا يأتي إلا بنسيج العنكبوت، حتى إذا ما كُررت المحاولة أتى الدلو بماء آجن، كأنه ماء المشيمة أو المخاض، وكنتيجة حتمية لعبثية المحاولة يسيطر على ذي الرمة إحباط نفسي مطبق:

فأدلى غلامي دلوه يبتغي بها شفاء الصدى والليل حولي مطبق(21)

فجاءت بنسج العنكبوت كأنه على عصويها سابريٌّ مُشبرقُ

فقلت له: عُد فالتمس فضل مائها نجوب إليها الليل والقعر أخرق!!

فجاءت بمُدّ نصفه الدمن آجن كماء السلى في صغوها يترقرق

ثالثاً-المشاكلة الزمانية للمكان:

إن المكان خاضع لسطوة الزمان، مرتبط به، متغير بتغيره، ولذلك ترتبط الصورة المكانية- للأطلال خاصة وللصحراء عامة- بالزمان ارتباطاً وثيقاً. ومن خلال رصد عام لزمنكانية الصورة، نلاحظ أن أواصر الارتباط بين الزمان والمكان تزداد متانة وقوة عن طريق خلق ضرب من التجانس الفني بينهما، اصطلحت عليه بالمشاكلة الزمانية للمكان، وتبرز هذه المشاكلة:

-على صعيد الطلل: بالزمن الماضي المقدس الذي يلد مكاناً آنياً مقدساً.

-على صعيد الصحراء: بالمكان الصحراوي القاحل الممتد الذي يلد زماناً قاحلاً ممتداً.

فعلى صعيد الطلل نلاحظ أن الزمن المقدس بالنسبة لذي الرمة –والذي يرتبط بماضيه السعيد إلى جوار الحبيبة- يضفي سمة القدسية أيضاً على المكان في الزمن الحاضر الآني، وهذا ما عنيته من المكان الآني المقدس، اللامتناهي به، على نحو يكاد يكونُ أسطورياً، كما وتتمثل قدسية المكان الطللي بالتعلق الوجداني نجد في صورة المكان المقرونة بالوشم مع ما يحمله هذا الوشم من دلالة المضي أو الإغراق في القدم، فضلاً عما يحمله من قدسية، ومن دلالات أسطورية ترتبط بمحاولات الإنسان البدائية لدفع صروف الأقدار عنه:

ما هاج عينيك من الآطلال المزمنات بعدك البوالي؟(22)

كالوحي في سواعد الحوالي بين النقا والجرع المحلال

والعفر من صريمة الأدحال غيرّها تناسخ الأحوال

وغيرُ الأيام والليالي وهطلانُ الهضب والتهتال

من كل أحوى مُطلق العزالي جون النّطاق واضح الأعالي

فاستبدلت والدهر ذو استبدال من ساكنيها فرق الآجال

فرائداً تحنو إلى أطفال وكلّ وضّاح القرا ذيّال

فرد موشّى شية الأرمال كأنما هنّ له موال

فانظر إلى صدرك ذا بلبال صبابة للأزمن الخوالي

إن الاستفهام الإنكاري في افتتاحية القصيدة –والذي يبدو في ظاهرة استنكاراً للتعلق بالمكان المزمن البالي –ماهو إلا تأكيد لهذا التعلق وإصرار عليه، ينبع ذلك التعلق من قدسية المكان وإغراقه في القدم، والذي يبرز بصورة أكثر جلاء في صورة الوشم (الوحي) فضلاً عن ارتباط هذا الوشم بسواعد النساء الفاتنات المتزينات، ونم خلال هذه الصورة التي يجمع بين أطرافها الوشم تتأكد أواصر العلاقة بين أطراف هذه الثلاثية:

(ذو الرمة- المكان- المرأة)

ويبدو الصراع الزمنكاني في استبدال كائن حي بآخر آهل للمكان، وسواء أكان هذا الاستبدال تعبيراً عن الإغراق في فكرة العفاء؛ أم تعبيراً عن محاولات البعث وفكرة الحياة –على نحو ما أراه- فإن فكرة التغيير قائمة لا جدال فيها، وهذا التغيير –كما بينت- مرتبط بالزمان:

(غيّرها تناسخ الأحوال، وغيرُ الأيام والليالي، فاستبدلت والدهر ذو استبدال).

ولذلك يمكن للقارئ أن يلاحظ أن قدسية المكان لا تنبع من تغيره وعفائه، بل هي نابعة من قدسية زمنه الماضي.

هذا على صعيد الطلل، أما على صعيد الصحراء فتبدو المشكلة الزمنكانية في المكان القاحل الذي يلد زماناً مجهولاً قاحلاً، على نحو ما وجدنا في تحليل ظاهرة فساد الأمكنة، فالمناهل الآجنة الآسنة التي اصطدم بها الشاعر في رحلاته بعد تجربة ظمأ مريرة ارتبطت من غير شذوذ بصورة الليل حيث يقبع المجهول وتثور الهواجس، فذو الرمة ما كان ليطرق هذه المناهل التي بدت في طعمها كأبوال المخاض إلا ليلاً، وسواء أكان هذا الربط الزماني بالمكان ربطاً شعورياً تعمده الشاعر –على نحو ما أعتقده لكونه لم يشذ عنه البتة- أم كان ربطاً لا شعورياً؛ فالثابت يقيناً أن ثمة مشاكلة بين أبعاد المكانية للمنهل الآجن وزمانها المرتبطة به.

وإذا كان المكان الصحراوي يلد زماناً صحراوياً قاحلاً؛ فإن الحديث قياس بالنسبة للامتداد، أي أن المكان الصحراوي الممتد يلد زماناً صحراوياً ممتداً، وهذا الزمان الممتد نتيجة حتمية لاجتياز المكان في أيام طويلة ممتدة، وهذه الظاهرة انعكست على صور ذي الرمة المكانية، فمن الملاحظ أنه يرصد أبعاد موجودات المكان وهيئاتها رصداً زمنياً امتدادياً، فهو لا يمر على صورة الحمار الوحشي –مثلاً- مروراً سريعاً، ولا يجمّد هذه الصورة في لحظات زمنية ثابتة، بل يرصدها رصداً شمولياً، فتتعدد الأزمنة وتمتد بتعدد الأمكنة وامتدادها، على نحو ما نجده في الجدول التالي الذي رصدت فيه زمنكانية مشهد حمار الوحش في لوحة ذي الرمة البائية(23):

زمان المشهد

مكان المشهد

ملابسات المكان

الإحالات

الصباح

أرض الخلصاء

حمار الوحش يرتع مع أتنه في المكان

الأبيات 35-37

الظهيرة

أرض الخلصاء

اتضح له جفاف المكان نتيجة حر الصيف

الأبيات 38-41

المغيب

مغادرة الخلصاء

اشتداد ألم العطش

البيتان 42-43

الليل

العدو خارج الخلصاء

السعي نحو المورد (عين أُثال)

الأبيات 44-48

الغلس

عين أثُال

المكان محاط بحس الموت (الصائد)

الأبيات 49-59

الغلس

مغادرة العين

تصعيد حركة العدو بعد النجاة

البيتان 60-61

ويمكننا أن نلمس هذه المشاكلة الزمنكانية في غير موضع من نصوص ذي الرمة، فعلى سبيل المثال تكاد ترتبط مشاهد الصيد في شعره ارتباطاً وثيقاً بالليل، فهو يصر على جلب الفريسة من مكان بعيد متفنناً في رصد المشقة المبذولة في السعي نحو الحياة (عين الماء) وتبدو الحياة الملفعة بالموت شديدة الالتصاق بطبيعة الليل، وما يحيط به من وساوس ومخاوف، ولذلك يرى أن زماناً كالليل هو أنسب ما يكون لرصد لحظة الصيد، لأن ذلك الزمان المظلم يستطيع أن يلقي بظلاله على مكان مجهول مخوف محاط بحس موت مرتقب، فمثلاً: يرتبط مشهد الصيد في واحدة من لوحات ذي الرمة بلحظة زمنية كان من الممكن للشاعر أن يعبّر عنها بلفظ (المغيب) أو ما جرى مجراه في المعنى، إلا أنه يشاكل بين واقع المكان المحاط بالموت وسعي الحمر الوحشية نحوه مسرعة تحث الخطا؛ وبين واقع الزمان المختار (المغيب) فيأتي بالزمن مرتبطاً بصورة الشمس المحتضرة:

فلما رأين الليل، والشمس حية حياة الذي يقضي حشاشة نازع(34)

نحاها لثأج نحوة، ثم إنه توخّى بها العينين؛ عيني مُتالع

لكننا فيما لو رصدنا مشهد الصيد الخاص بهذه الصورة رصداً سياقياً للاحظنا أن لحظة الصيد الفاشل لا تتم في المغيب، بل في ظلمة الليل، وعلى وجه التحديد قبيل انصداع الفجر، وبذلك يرتبط الغلس –وهو ظلمة آخر الليل- بالموت الممثل بتربص الصائد كما يرتبط- أيضاً- بالولادة والحياة الممثّلين بندم الصائد وفشله، ونجاة الحمر وهربها، واقتراب الفجر من البزوغ معلناً ميلاد النهار، وبشكل عام نلاحظ أن حس الموت مرتبط بزمان مغيب الشمس، في حين يرتبط الموت نفسه بظلمة الليل.



[1] باحث من سوريا.

رابعاً: كونية الرؤية المكانية:

إذا غيّبت المنهج الأسطوري جانباً لاعتبارات شتى أهمها انصرافه عن فنية الصورة الشعرية بصفته منهجاً فنياً؛ أمكنني ملاحظة نظرة ذي الرمة الكونية للمكان، وهي نظرة بعيدة عن الأبعاد الجغرافية الطبيعية للصحراء بصفتها المكان الأبرز في شعره، وبذلك تبدو الأرض أنثى السماء، أو لنقل: الوجه الآخر للكون، حيث يُجري الشاعر ضرباً من المبادلات بين الموجودات الأرضية والسماوية تأكيداً لكونية رؤيته للمكان، وتتم هذه المبادلات باتجاهين متعاكسين (من السماء إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء) ومن جهة نظر خاصة لا أرى هذه المبادلات تعبيراً عن رؤى أسطورية للمكان بقدر ما هي تعميق للصلات بين جملة من الموجودات المتباعدة لتنصهر في بوتقة كونية واحدة، وهذا تفسير منطقي لبروز ظاهرة الصور المتباعدة في شعره.

ومن الملاحظ أن هذه الرؤية الكونية للمكان في صور ذي الرمة تكاد تنحصر في ثلاثة أبعاد:

-أولها: نقل الصورة السماوية إلى العالم الأرضي.

-ثانيها: نقل الصورة الأرضية إلى العالم السماوي.

-ثالثها: التوحيد بين الموجودات الصحراوية الحية.

1-نقل الصورة السماوية إلى العالم الأرضي:

تبرز الكونية في هذا البعد من خلال رؤى ذي الرمة الموحّدة بين عالمين: عالم السماء بموجوداته وعالم الأرض بموجوداته أيضاً، وبذلك تحتضن السماء- فضلاً عن موجوداتها- موجودات أرضية، فقد تبدو (الجوزاء) لذي الرمة وهو يقلب بصره في السماء في إحدى رحلاته الصحراوية وكأنها (صوار) أو قطيع من البقر يتقدم نحوه من ناحية جبل (أميل) الرملي:

وأرمي بعينيّ النجوم كأنني على الرحل طاو من عتاق الأجادل(25)

وقد مالت الجوزاء حتى كأنها صوارٌ تدلّى من أميل مقابل

إن هذه الصورة الملتصقة بمنطقة (أميل) الرملية الخالية من مظاهر الحياة، والتي تمتد طولاً مسيرة ثلاثة أيام؛ لابد أن تكون وليدة ظروف الوحشة والاغتراب المكانيين، ولذلك يستعين ذو الرمة بجوزاء العالم السماوي لتمد ذلك المكان الخلاء بقطيع من البقر النجمية تتجه نحو الشاعر لتستبدل وحشته أنساً، إن هذه الرؤية الحالمة هي بشكل أو بآخر تعبير عن رغبة جامحة في إحياء المكان وبعثه في إطار من كونية الرؤى. وفي صورة أخرى تبدو النجوم اللامعة في السماء كالمها واليعافر في العالم الأرضي، مما يضفي على العالم السماوي بُعداً جمالياً يتمثل في رؤى الشاعر للمهاة والظباء على هيئة النجوم السماوية:

وردتُ وأرداف النجوم كأنّها وراء السّماكين المها واليعافرُ(26)

على نضوة تهدي بركب تطوّحوا على قُلُص أبصارهن غوائرُ

كما يمكننا أن نلاحظ هذا البعد الكوني في صورة نجوم الثريا مع نجم الدبران وما يتبعه من صغار النجوم الممثلة بالنموذج الصوري التالي:

وردتُ اعتسافاً والثريا كأنها على قمة الرأس ابن ماء مُحلّق(27)

يدفُّ على آثارها دبرانُها فلا هو مسبوقُ، ولا هو يلحق

بعشرين من صُغرى النجوم كأنها -وإياه في الخضراء لو كان ينطق-

قلاصٌ حداها راكب مُتعمّمٌ هجائن قد كادت عليه تفرّق

ففي هذا النموذج ينقل ذو الرمة الصور من عالمها السماوي إلى العالم الأرضي على مرحلتين:

تبدأ المرحلة الأولى بنقل صورة الثريا من عالم السماء إلى الفراغ المطلق بين السماء والأرض –الجو- فتبدو نجوم الثريا وكأنها طائر (ابن ماء) يحلق في الفضاء، من ثم تبدأ المرحلة الثانية ويبدو فيها نجم (الدبران) خلف الثريا بمنزلة لا يكاد يتعداها، ومن خلفه عشرون من صغرى النجوم، وكأنما "الدبران" لرجل يحدو عشرين من النوق في تلك السماء الأرضية!!

وفي هذا النماذج الصورية وما جرى مجراها يتوحد الامتدادان السماوي والأرضي، وينصهران في امتداد سماوي أرضي تبدو فيه الموجودات السماوية موجودات أرضية، على النحو الذي ستبدو عليه الموجودات الأرضية موجودات سماوية في البعد الثاني من رؤى ذي الرمة الكونية للمكان.

2-نقل الصورة الأرضية إلى العالم السماوي:

من خلال رصد صور ذي الرمة الطللية نلمس منه محاولة لإضفاء جو من السحر السماوي على المكان الطللي المعفى، وتتمثل هذه المحاولة بتصوير العين والآرام في المكان وكأنها نجوم سماوية متقدة، وقد ينقل ذو الرمة أرض الطلل بما فيها من ظباء وآرام إلى السماء الصحراوية بما فيها من كواكب ونجوم:

بها عُفر الظّباء لها نزيب وآجال ملاطمُهُن شيم(28)

كأن بلادهن سماء ليل تكشّف عن كواكبها النجوم

ولا تقتصر رؤى ذي الرمة المكانية على التوحيد بين أرض الطلل وسمائه، بل تمتد هذه التجربة الكونية لتشمل نقل الصراع من أرض الصحراء إلى سمائها، نلاحظ ذلك –على سبيل المثال- في مشهد صيد الثور الوحشي الذي طاردته كلاب الصيد، فكر يمشق فيها طعناً، ثم ولى:

فكرّ يمشق طعناً في جواشنها كأنه الأجر في الإقبال يحتسبُ(29)

فتارة يخضُ الأعناق من عُرُض وخضاً، وتنتظم الأسحار والحجُبُ

يُنحي لها حدّ مدريّ يجوف به حالاً، ويصرد حالاً لهذمٌ سلبُ

حتى إذا كُنّ محجوزاً بنافذة وزاهقاً، وكلا روقيه مُختضبُ

ولّى يهذّ انهزاماً وسطها زعلا جذلان قد أفرخت عن روعه الكُربُ

كأنه كوكب في إثر عفرية مسوّم في سواد الليل مُنقضبُ

إن صورة الثور الوحشي في البيت الأخير لا تجسد صورة الانهزام فحسب، وإنما تجسد –أيضاً- الصراع في المعركة التي دارت بين الثور وكلاب الصيد تجسيداً كونياً يتمثل في نقل صورة الصراع الأرضي إلى العالم السماوي، فهذا الثور في عالم الأرض كوكب في عالم السماء، وتلك الكلاب المدوّمة التي طغت في العدوان وجه آخر للجنّ التي ذهبت تسترق السمع في السماء فأتبعها شهاب مسوم ثاقب.

وإذا رصدنا صورة صراع الثور الوحشي في سياقها لاحظنا أن ذا الرمة مهّد بصورة (تدويم الكلاب) لتصعيد الصراع من العالم الأرضي إلى العالم السماوي:

حتى إذا دوّمت في الأرض راجعة كبرٌ ولو شاء نجى نفسه الهرب(30)

ومن المعروف أن التدويم إنما يكون في الجو(31)، وعلى أساس من هذه الدلالة يشكل (تدويم الكلاب) نمطاً من أنماط الصور المتباعدة القائمة على الدقة والخفاء، والتي لا تعقد فيها المشابهة بين عناصر متقاربة ذهنياً، بل تقارباً حالماً، قائماً على أساس الرؤى الحالمة التي انتقلت الصورة بوساطتها من نطاقها الضيق المحدود (الأرض) إلى أفق كوني (السماء والأرض معاً) رغبة في توسيع دائرة الصراع كونياً، فضلاً عن ربط الصورة بدلالات أخرى كتلك الحركة الالتفافية الخاطفة في مكان غفل ممتد، وهاتان السمتان مكتسبتان من لفظة (التدويم)، مستمدتان من طبيعة السماء الممتدة الغفل في لحظات الصراع الفجري، حيث لا شيء في السماء سوى خيوط الشمس الأولى المتسللة في هدوء مريب معلنة لحظة الولادة، لحظة انتصار الحياة –حياة الثور الوحشي- على الموت.

ومن يرصد أمثال هذه النماذج الصورية في ديوان ذي الرمة يجدها كثيرة وليس ثمة حاجة إلى ذكرها جميعاً مع استحالة ذلك.

3-التوحيد بين الموجودات الصحراوية الحية:

في هذا البعد تبدو الكائنات الحية الصحراوية واحدة على اختلافها في الواقع، وهذا التوحيد ناجم عن ارتباط عميق بالموجودات الحية المكانية، وقد اخترنا نموذجين ممثلين لهذا البعد يمكننا تعميمهما على سائر النماذج الصورية المشابهة:

النموذج الأول: صورة الناقة الجملية.

النموذج الثاني: صورة الحُمُر الإبلية.

في النموذج الأول تبدو الناقة التي حنّكها السير في الصحراء –فأخرجها عن نعومة الأنوثة –وكأنها جمل ضخم وهم، لا تصيبه كلالة من سير، ولا ينال منه نصب:

كأنها جملٌ وهم وما بقيت إلا النّحيزة والألواح والعصب(32)

لا تُشتكى سقطة منها وقد رقصت بها المفاوز حتى ظهرُها حدب

إن تأكيد التوحيد بين الصورتين (صورة الناقة وصورة الجمل) تأكيد على قوة الناقة وصلابتها، كما أنه تأكيد على كونية رؤى ذي الرمة للموجودات الحية في الصحراء. ومما يؤكد هذا التوحيد الكوني نموذج صوري آخر للناقة الجملية تبدو فيه كأنها ظبيٌ، ولعلها –كذلك- جمل وهم!!. إن هذه التعددية الصورية لدليل كاف على كونية رؤى ذي الرمة للموجودات المكانية، فهذه الناقة التي رسم لنا صورتها يكاد لا يحيط العقل بها مجتمعة، إلا أن يكون ذلك في رؤى خيالية جامحة حالمة:

على مُستو ناز إذا رقصت به دياميمُه طار النّعيل المرّقع(33)

سمام نجت منه المهارى وغودرت أراحيبُها، والماطليُّ الهملّع

قلائص ما يُصبحن إلا روافعاً بنا سيرةً أعناقهن تزعزع

يخدن إذا بارين حرفاً كأنها أحمُّ الشّوى عاري الظنابيب أقرع

جماليّة شدفاء يمطو جديلُها نهُوض إذا ما اجتابت الخرق أتلع

وفي النموذج الثاني من نماذج التوحيد بين الموجودات الصحراوية الحية يصور ذو الرمة الحمر الوحشية الساعية نحو (عين أثال) وقد سلبها ألم العيش فبدت في رؤى الشاعر إبلاً مسلوبة من غنيمة اغتنمها قوم مغيرون:

كأنها إبلٌ ينجو بها نفر من آخرين أغاروا غارة جلب(34)

في هذه الصورة توحيد بين الحمر الوحشية والإبل المسلوبة، فالإبل المسلوبة إنما سلبها قوم مغيرون، في حين أن الحمر الوحشية سلبها الظمأ المرير الذي تعانيه فأوردت نفسها مورد التهلكة، أو كادت، ولذلك تبدو الظروف المحيطة بالصورتين واحدة فالأولى (الإبل) قادها المغيرون بعيداً عما تألف من الأمكنة لتعاني تجربة مريرة تتمثل في النفر والطرد، والثانية (الحُمُر) قادها العيش بعيداً عن الموضع الذي ألفت لتعاني تجربة الخوف وحس الموت البارزين في مشهد الصيد، وفي هذه الرؤية الكونية للموجودات تبدو المعاناة واحدة بين الكائنات الحية وإن اختلفت الوسائل والدوافع (الطرد للإبل، القنص للحمر).

ولكن ثمة سؤال مطروح.

ما الغاية المرجوة من هذا التوحيد الكوني بين الموجودات؟

بتعبير آخر:

ما دلالات هذه الظاهرة؟

تطول الإجابة، ولكن يمكنني القول بإيجاز: إن رؤى ذي الرمة الكونية للمكان –والممثلة بإجراء المبادلات الحية بين الموجودات السماوية والأرضية رؤية كونية- لدليل واضح على محاولته تعميم الإحساس بالمكان من جهة، وبموجودات ذلك المكان من جهة أخرى، وهذا التعميم واضح في رؤى كونية شمولية واسعة الآفاق، تحطم الحدود الطبيعية الجغرافية للمكان، كما تحطم الاستقلالية المزعومة لموجوداته.

خامساً- تعميم التجربة الشخصية مكانياً:

يبرز تعميم التجربة الشخصية مكانياً كأحد أهم وظائف الصورة المكانية في شعر ذي الرمة، ويمكننا رصد هذه الظاهرة في شعره على صعيدين اثنين:

أولهما: تعميم التجربة الشخصية على المكان (ظاهرة تعدد الأمكنة واتساعها).

ثانيهما: تعميم التجربة الشخصية على الموجودات المكانية، ويتجلى في ثلاث ظواهر:

آ-تعميم الارتباط المكاني على الموجودات المكانية الحية.

ب-تعميم القلق الذاتي على الموجودات المكانية الحية.

جـ-تعميم الصراع الإنساني على الموجودات المكانية عامة.

1-تعميم التجربة الشخصية على المكان (ظاهرة تعدد الأمكنة واتساعها):

إن كثرة أسماء الأمكنة في صور ذي الرمة لدلالة واضحة على ما تحمله من بذور أولية لتعميم التجربة بالشخصية على المكان. إن ذا الرمة حينما يصر على تعددية المكان في صوره المكانية إنما يعبّر بذلك عن تجربة شخصية ذاتية مشاكلة لواقع المكان، وغالباً ما تكون تجربة الحرمان الشخصي، مقابل واقع الخلاء المكاني مقترناً بالعفاء والقدم، والغريب في الأمر حقاً أن ذا الرمة يربط اسم محبوبته (مي) –والتي أميل إلى الاعتقاد بأنها (الخرقاء) نفسها (35)- بأسماء أمكنة يضيق المقام عن ذكرها، فهل يُعقل أن تكون هذه الفتاة المعشوقة قد قطنت مع قومها هذا الكمّ الوافر من الأمكنة التي ادعى ذو الرمة أنها أطلال مية الخرقاء؟!.

بالطبع هذا أمر محال، ولكن الرجل كان مدفوعاً تعميم تجربة الحرمان على أمكنة بعضها سكنتها مية حقاً ثم ارتحلت عنها، وبعضها مرت بها وما سكنت فيها، وبعضها الثالث تهيأ للشاعر أنها ديار مية عن عمد منه في هذا التهيؤ لمشاكلة هذا الضرب من الأماكن لمنازل مية في الخلاء والعفاء اللذين عاينهما الشاعر في أطلال كانت دياراً لمية، ومروره بما شابهها من الديار ذكّره منازل الحبيبة فعمم تجربة الحرمان الشخصية على المكان المشاكل.

ويلاحظ القارئ في ديوان ذي الرمة أن الأمكنة في نصوصه غالباً ما يأتي تحديدها على الإيهام، لا على الإثبات، أي أنه لا يحدد –على الغالب- درامية تحديداً جغرافياً دقيقاً مطابقاً للواقع، بل يأتي بها على نمطين:

-النمط الأول: يُحدد فيه المكان إيهاماً على السعة والامتداد.

-النمط الثاني: يُحدد فيه المكان إيهاماً على التعدد والكثرة.

من نماذج النمط الأول –نمط السعة والامتداد- ما نجده من تعميم للتجربة العاطفية من نطاقها الطللي الضيق إلى النطاق الصحراوي الممتد- صحراء الدهناء- فيكون تحديد الطلل في الصورة الطللية على الإيهام رغبة من الشاعر في تعميم التجربة مكانياً:

بجانب الزُّرق لم تطمس معالمها دوارج المور والأمطار والحقب(36)

ديار ميّة إذ ميّ تساعفنا ولا يرى مثلها عُجم ولا عرب

إن (الزّرق) هو المكان الوحيد المذكور في مقدمة لوحة ذي الرمة البائية والتي وقف فيها مليّاً على طلل المحبوبة مية، فإذا ما تتبعنا موضع (الزّرق) وجدناه اسماً لأكثبة رمال معينة متوضعة في صحراء الدهناء(37)، وهذا لون من التحديد المكاني على الإيهام تصعيداً لتجربة الحرمان، لتشمل المكان الأكثر امتداداً –الصحراء الدهناوية- ولاسيما أن طيف الحبيبة كان يتردد عليه في رحلاته الصحراوية، فكأنما الدهناء هي الدار الطيفية للمحبوبة على نحو ما نجد –مثلاً- في أبيات تلي البيتين السابقين:

زار الخيال لميّ هاجعاً لعبت به التنائف والمهريّة النُّجب(38)

معرّساً في بياض الصُّبح وقعتُه وسائر الليل إلا ذاك منجذب

أخا تنائف أغفى عند ساهمه بأخلق الدّفّ من تصديرها جُلب

وأما النمط الثاني الذي اتبعه ذو الرمة في تعميم التجربة الشخصية؛ فهو تحديد المكان إيهاماً على التعدد والكثرة، وهو النمط الغالب في شعره، ونماذجه كثيرة جداً، لنتأمل منها –على سبيل المثال- النموذج الصوري التالي:

يا دار ميّة بالخلصاء غيّرها سافي العجاج على ميثائها الكدرا(39)

قد هجت يوم اللوى شوقاً طرفت به عيني، فلا تُعجمي من دوني الخبرا

يقول بالزّرق صحبي إذ وقفت بهم في دار ميّة استسقى لها المطرا:

لو كان قلبُك من حجر لصدّعه هيجُ الديار لك الأحزان والذّكرا

فيما لو نظر القارئ المتعجل إلى البيت الأول مفرداً بعيداً عن سياقه؛ توهم أن ذا الرمة يحدد موضع الطلل (دار مية) تحديداً جغرافياً دقيقاً، لكن النظر إلى البيت في سياقه يبدد فكرة تحديد المكان، لتحل محلها فكرة الإيهام بالتحديد المكاني رغبة في تعميم التجربة الشخصية اعتماداً على تعددية المكان، فذكر اليوم الذي مر به هودج الحبيبة بـ (اللوى) كان دلالة على خلاء (الخلصاء) من أهلها، في حين أن موضع (الزّرق) كان له دلالة التعميم، وتتأتى هذه الدلالة من ملاحظة العلاقات اللغوية القائمة بين موضع (الزّرق) ولحظة الوقوف على الطلل (إذ وقفت)، ومكان الوقوف (دار ميّة).

من ملاحظة هذه العلاقات نستنتج أن (الزّرق) هو موضع الوقوف، وبالتالي هو موضع الدار –الطلل- أيضاً، ولكن مقابلة البيتين الأول والثالث معاً يجعل الدار ممتدة من (الخلصاء) إلى (الزّرق) لاستحالة وقوع الدار في مكانين مختلفين بآن معاً، والشيء نفسه يمكن أن يقال في ظاهرة التخيير المكاني، وهي ظاهرة تتضح فيها تماماً رغبة الشاعر في تعمية المكان، وترتبط ظاهرة التخيير المكاني بحرف العطف (أو) كما في النموذج التالي:

خليليّ عوجاً اليوم حتى تسلما على دار ميّ من صدور الركائب(40)

بصُلب المعى أو بُرقة الثور لم يدع لها جدّة جول الصبا والجنائب

وتبدو فكرة التعميم المكاني في هذا النموذج الصوري مقرونة بفكرة العفاء بصفتها سمة مميزة لكلا المكانين (صلب المعى، برقة الثور).

2-تعميم التجربة الشخصية على الموجودات المكانية:

ويتمثل هذا التعميم في ظواهر ثلاث: (ظاهرة الارتباط المكاني، وظاهرة القلق الذاتي، وظاهرة الصراع الإنساني):

أ-تعميم الارتباط المكاني على الموجودات المكانية الحية.

ومن ضروب تعميم التجربة الشخصية إسقاط ظاهرة الارتباط الشخصي بالمكان على أشد الحيوانات لصوقاً بالشاعر، وأولها أهمية من بين الموجودات الصحراوية الحية بالنسبة للإنسان، وهي الناقة، رفيقة دربه الموحش في صحراء قاسية شاسعة ممتدة الأطراف. فمن الملاحظ أن ذا الرمة يسقط ارتباطه بالمكان الطللي على ناقته، بل إنه يُبالغ في تقصي أبعاد الإسقاط الصوري، فيقوم مقام الصاحب المواسي الذي يدعو صاحبه –وهو الناقة هنا- إلى الاصطبار والتأسي، فكلاهما في الحنين سواء:

أرى ناقتي عند المُحصّب شاقها رواح اليماني والهديل المُرجّع(41)

فقلت لها: قرّي، فإن ركابنا وركبانها من حيث تهوين نُزّع

وهُنّ لدى الأكوار يُعكسن بالبُرى على غرض منا ومنهنّ وقّع

فلما مضت بعد المُثنّين ليلة وزاد على عشر من الشهر أربع

سرت من منى جُنح الظلام فأصبحت ببيسان أيديها مع الفجر تلمع

وتتأكد أواصر الارتباط بين الحنينين –الإنساني والحيواني- برباط (الأهل)، فالشاعر يحن إلى الأهل والأحبة، وللناقة –في رؤى الشاعر- من الأهل من تحن إليهم، والرابط بين الحنينين وحدة المكان –زرق الدّهناء-:

تحن إلى الدّهناء بخفّان ناقتي وأنّى الهوى من صوتها المُترنّم(42)

إلى إبل بالزُّرق أوطان أهلها يحُلُّون منها كل علياء معلم

ب-تعميم القلق الذاتي على الموجودات المكانية الحية.

تبرز ظاهرة إسقاط القلق الذاتي والهواجس النفسية على حيوان الصحراء كبعد ثان من أبعاد تعميم التجربة الذاتية على الموجودات المكانية، ويمكننا أن نلمس هذه الظاهرة- على سبيل المثال- في مشهدي حمار الوحش والثور الوحشي من قصيدة ذي الرمة البائية، حيث يسقط ذو الرمة مخاوفه وهواجسه النفسية على هذين الحيوانين من حيوان الصحراء، ففي مشهد الثور الوحشي يبدو هذا الثور وقد سيطرت عليه المخاوف الليلية التي تكاد تكون تعبيراً عن مخاوف ذي الرمة وهواجسه نفسها:

وقد توجّس ركزاً مُقفر ندسٌ بنبأة الصوت ما في سمعه كذب(43)

فبات يُشئزه شأدٌ ويسهرُه تذاؤبُ الريح والوسواس والهضب

وتعد أصوات الريح باعثاً أولياً للمخاوف والهواجس في مكان مقفر موحش، ولذلك يستغل ذو الرمة القفر المكاني وصوت الريح الهوجاء ليسقط مخاوفه الذاتية على موجودات المكان الحية، كما في صورة الحمار الوحشي التالية:

ما آنست عينه عيناً يُفزّعه مذ جاده المكفهرات اللهاميم(44)

حتى انجلى البرد عنه وهو محتقر عرض اللّوى زلق المتنين مدموم

ترميه بالمور مهياف يمانية هوجاء فيها لباقي الرطب تجريم

ما ظل مُذ أوجفت في كل ظاهرة بالأشعث الورد ألا وهو مهموم

جـ-تعميم الصراع الإنساني على الموجودات المكانية عامة:

إن فكرة الصراع الإنساني حقيقة واقعة لابد أن تتداعى للشاعر حينما يلمح الصراع بين الحيوان (صراع الثور مع الكلاب)، وصراع الحيوان مع الإنسان (صراع الحمار الوحشي مع الصائد)، فضلاً عن صراع المكان مع عوامل التعسفية الطبيعية (أثر الرياح الرملية والأمطار الغزيرة في الطلل) ولهذه النماذج من الصراعات أمثلة صورية كثيرة في شعر ذي الرمة، بعضها أشرنا إليه سابقاً، والملفت للنظر في الصور المكانية التي تقوم على تعميم فكرة الصراع الإنساني على الموجودات أن قوة الحياة هي المسيطر، في حين أن قوة الموت تضمحل وتتلاشى، إن ذا الرمة يدرك أن فكرة الصراع هي جوهر الحياة الذي تقوم به، ولكن تعلقه بالحياة يدفعه إلى تغليبها على قوة الموت في سلسلة من الصراعات المختلفة، ولذلك كانت كلاب الصيد –كرمز للموت- تُقتل(45)، كما كان الصائد –كرمز للموت أيضاً- يفشل ويعقب فشله في إفناء المكان وتعفيته عفاء تاماً يبدو معهما المكان مجهولاً لا يمكن للشاعر تمييزه عن غيره من الأمكنة، وأزعم أن ذا الرمة قد جسد في صراع الحيوان مع الحيوان تارة، وصراع الحيوان مع الصائد تارة أخرى؛ تجربته الشخصية الممثلة بصراعه مع بني امرئ القيس مما نلمسه في نصوصه الشعرية(47). أما أن يقال: إن مشهد الثور الوحشي –على سبيل المثال- جاء لمجرد القص في معرض الصورة الفنية تعزيزاً لفكرة سرعة الناقة التي يصفها ذو الرمة في افتتاحيات قصائده بعد انصرافه عن الطلل؛ فذلك زعم سطحي يجرد الأدب من حيويته وفنيته، كما يجرد الصورة من دلالاتها الأخرى، فصورة الثور الوحشي في مشهد الصيد –وكذلك الأمر بالنسبة لمشاهد الصيد جميعها- ماهي في أعمق المشابهة بين سرعة الناقة في الرحلة وسرعة الثور الوحشي أثناء الكر والفر في معركته مع كلاب الصيد، ولكن الاقتصار على هذه الدلالة يعني تغييباً لغيرها من الدلالات.

أخيراً: من خلال هذه الدراسة الموجزة للصورة المكانية في شعر ذي الرمة يمكننا أن نستنتج المقولات التالية:

أولاً: تعبّر مثنوية السكون والحركة المكانيين عن الصراع بين الموت والحياة، ويتضح من خلال هذا الصراع إحساس الشاعر بالموت الخفي، لكن تشبّثه بالحياة ويقينه بقوتها دفعاه إلى الوقوف في وجه فكرة الفناء.

ثانياً: ما من شك في أن اختيار ذي الرمة الوقوف في وجه فكرة الفناء اختيار صعب واجه بعض الإحباطات بين الحين والآخر كنتيجة طبيعية للاصطدام بعقبات الناموس الكوني وقساوة صخور الواقع المعيش، وهذا ما برز –حقاً- في ظاهرة المناهل الآجنة في صور ذي الرمة المكانية، وقد عبّرت هذه الظاهرة عن رؤى الشاعر الاجتماعية، فضلاً عن قلق التجربة العاطفية التي عانى منها.

ثالثاً: على صعيد المشاكلة الزمانية للمكان يُحسن ذو الرمة توظيف الزمان في خدمة المكان، فيسقط أبعاداً رمزية على المكان ليربطه بواقع المكان، بحسب الظروف المحيطة به، وعلى أساس من ذلك يلد المكان القاحل الممتد زماناً على شاكلته قاحلاً ممتداً، كما تتعدد الأزمنة وتختلف بتعدد الأمكنة واختلافها، وذلك كله يضفي على البعد المكاني في الصورة الشعرية دلالات كثيرة، فضلاً عن الأبعاد الفنية الجمالية.

رابعاً: في كونية الرؤية المكانية ينظر ذو الرمة إلى المكان نظرة كونية مجرياً ضرباً من المبادلات بين الموجودات الأرضية والسماوية، معمقاً بذلك الصلات بين وجهي الكون المتقابلين –السماء والأرض- وموحداً بينهما عن طريق التوحيد بين موجوداتهما.

خامساً: تبرز وظيفة الصورة المكانية بشكل أكثر جلاء ووضوحاً في محاولات ذي الرمة تعميم تجربته الشخصية تعميماً مكانياً من خلال ظاهرة الأمكنة المتعددة الممتدة، فضلاً عن محاولاته تعميم تجربته الشخصية على الموجودات المكانية؛ لإبراز ارتباطه الوثيق بالمكان، وتصعيد حدّة قلقه النفسي، وتأكيد واقع الصراع الإنساني تأكيداً كونياً من خلال تعميم الصراع على العوامل الطبيعية في المشاهد الطللية، وعلى الحيوان في مشاهد الصيد.

-مجمل هذه الأمور يؤكد لنا أهمية الوظيفة الصورية في نصوص ذي الرمة، فضلاً عن تأكيد أهمية البعد المكاني فيها نتيجة ارتباط الشاعر بالمكان وبالموجودات المكانية ارتباطاً وجدانياً حياً وثيقاً.

الهوامش والإحالات:

(*)هذا المقال موجز دراسة قدمت في دبلوم دراسات الأدب العربي في جامعة دمشق، عام 1992م، وقد تفضل بالإشراف على البحث الأستاذ الدكتور نعيم اليافي.

(1)انظر: مقدمة لدراسة الصورة الفنية: د.نعيم اليافي، وزارة الثقافة: دمشق 1982، ص55- 65.

(2)الصورة والبناء الشعري: د.محمد حسن عبد الله، دار المعارف: مصر "د.ت"، ص156.

(3)الصورة الشعرية: سي دي لويس، ترجمة د.أحمد ناصيف الجنابي، ومالك ميري، وسلمان حسن إبراهيم، وزارة الثقافة العراقية، آ د.ت، ص21.

(4)انظر: ديوان ذي الرمة، بتحقيق الدكتور عبد القدوس أبو صالح، مؤسسة الإيمان: بيروت، ط1، 1982، ج1-ق1-ص9.

(5)المصدر نفسه: ج1-ق1-ب4 ص15. السّفع: السيل من الرمل، الصبا: ريح إذا هبت سحبت معها ما بالطلل من رمل، فهي تهب ساعة وترتد أخرى.

(6)المصدر نفسه: ج1- ق1-ب5. الدّعص: الرمل، النكباء: ريح تجيء بين ريحين.

(7) المصدر نفسه: ج1- ق1-ب6. تخوّنها: تعهدها، البارح الترب: الريح الشديدة الهبوب التي تحمل معها التراب.

(8) المصدر نفسه: ج1- ق1-ب7-9، ص21-22.

(9) المصدر نفسه: ج1- ق1-ب30، ص44.

(10) المصدر نفسه: ج1- ق1-ب31-35، ص45-50. المسحّج: حمار الوحش.

(11)انظر مشهد (حمار الوحش) كاملاً في المصدر نفسه، ج1-ق1-ب35-61، ص50-73.

(12) المصدر نفسه: ج1- ق1-ب28-29، ص53-54. نش الرطب: ذهب ماؤه، والرطب: الكلأ.

(13) المصدر نفسه: ج1- ق1-ب50-51، ص63.

(14) المصدر نفسه: ج1- ق1-ب55-59 ، ص68-71.

(15) المصدر نفسه: ج1- ق1-ب78-82، ص89-95.

(16) المصدر نفسه: ج1- ق1-ب95-99، ص106-110.

(17) المصدر نفسه: ج1- ق1-ب114-126، ص125-135.

(18) المصدر نفسه: ج1- ق1-ب122-126، ص133-135. جدير بالذكر أن لهذه القصيدة البائية- قراءتين أخريين، مختلفتين من حيث الحركة والعمق عن القراءة المطروحة في هذا البحث؛ أولاهما قراءة شارحة لا تقدم جديداً على صعيد اكتشاف النص (انظر: جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام لأبي زيد القرشي، بتحقيق: محمد علي البجاوي، دار نهضة مصر ط1، ج2- 931- 982) والثانية قراءة مقيدة برؤى تسجيلية، فضلاً عن كونها قراءة مجتزأة للنص تتناول الأبيات المئة الأخيرة منه (انظر: التطور والتجديد في الشعر الأموي، الدكتور شوقي ضيف، دار المعارف: مصر، 1959، ص274، 276).

(19)ديوان ذي الرمة: ج1- ق5- ب20-22، ص197-198. النخوة –هنا- بمعنى الكبر، والفاطمة: خصلة تفطم الخصم ويروى على (قاصمة) أيضاً، الصّرى: الماء طال حبسه فتغير.

(20) المصدر نفسه: ج2- ق27-ب27-33، ص1157-1160. الفائج متسع ما بين مرتفعين، أجر هد: مضى وجد، انفأى: انشق، الفأو: مكان يقال له: فأو الريان.

(21) المصدر نفسه: ج1- ق13-ب54-57، ص495-497، ماء السلى: ماء المشيمة. وانظر أيضاً –على سبيل المثال –ج1-ق15-ب30-33، ج2-ق26-ب54-56، ج3-ق67-ب25-26 ويعد الأستاذ يوسف اليوسف أول من أشار باختصار شديد إلى البعد الوجودي والبعد الرمزي اللاشعوري في صورة المناهل الآجنة من شعر ذي الرمة، في صفحات مكثفة من كتابه: (الغزل العذري) ولكنها تعني جهداً عظيماً على صعيد اختزال المعلومات وفق نظام لغوي أشبه ما يكون بالشيفرات النقدية. (انظر كتابه: الغزل العذري، دار الحقائق، 1982م، ص105-107).

(22)ديوان ذي الرمة: ج1-ب8-ب1-17، ص267-271. القصيدة رجز كل شطر منها بيت. الوحي: الوشم، الحوالي: النساء عليهن الحلي، الجرع: الرابية من الرمل، العفر: أكثبة بيض، صريمة الأدحال: موضع، الأحوى: السحاب، مطلق العزالي: مرسل الغيث، جون النطاق: أسود.

(23)انظر المشهد في قصيدة ذي الرمة في ديوانه: ج1-ق1-ب35- 61، ص50-73.

(24) المصدر نفسه: ج2- ق25-ب37-38، ص801-802. متالع: جبل بناحية البحرية في سفحه عينا ماء.

(25) المصدر نفسه: ج2- ق45-ب24-25، ص1344. الأجادل: الصقور، صوار قطيع من البقر.

(26) المصدر نفسه: ج2- ق32-ب38-39، ص1030. السماكان: كوكبان نيران في السماء، أولهما: السماك الأعزل، وثانيهما: السماك الرامح.

(27) المصدر نفسه: ج1- ق13-ب48-51، ص490-493. يدف: الدفيف سير كالطيران، الخضراء: السماء.

(28) المصدر نفسه: ج2- ق19-ب3-4، ص669-670.

(29) المصدر نفسه: ج1- ق1-ب95-100، ص106-111. الأسحار: الرئات، الحجب: مفردها حجاب والمعنى به الحجاب الحاجز، المدري: القرن، اللهذم: الحديد، السلب: الطويل، المحجوز: الذي حجزته الطعنة عن القتال، النافذة: صفة الطعنة، الروق: القرن، الهذ: المر السريع، العفرية: شياطين الجن، وانظر نموذجاً مماثلاً في: ج1-ق12-ب58-59، ص430-431.

(30) المصدر نفسه: ج1- ق1-ب90، ص102.

(31)ذهب ابن قتيبة –ت276هـ- إلى تخطئة ذي الرمة في إسناد (التدويم) للكلاب مستنداً في ذلك إلى مقولة لغوية للأصمعي؛ لأن التدويم صفة للطير في السماء، قال:

"وأخذ عليه قوله يصف الكلاب: حتى إذا دوّمت في الأرض… (البيت)، قالوا: والتدويم إنما هو في الجو، يقال: دوّم الطائر في السماء إذا حلق واستدار في طيرانه، ودوى في الأرض أي: ذهب".

وابن قتيبة في حكمه هذا ناقد جزئيات لا ناقد كليات، انتزع الصورة من سياقها، ثم حكم عليها حكماً لغوياً بعيداً عن طبيعة الشعر بصفته فاعلية لغوية معرفية جمالية، وهذه الجمالية تتأتى من قيام العلاقات اللغوية في النص الشعري على أساس من الانزياح الدلالي على نحو ما يتضح في تحليلنا للصورة. (انظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة، طبعة دار أحياء العلوم: بيروت، ط2، 1986م، ص362، وانظر: الصورة في سياقها في ديوان ذي الرمة: ج1-ق1-ب82-100، ص95-111).

(32)ديوان ذي الرمة: ج2-ق1-ب29-30، ص43-44.

(33) المصدر نفسه: ج1- ق23-ب39-43/ ص739-741. المهارى: طير السمن، أحم الشوى: كناية عن الظّليم.

(34) المصدر نفسه: ج1- ق1-ب47، ص60.

(35)ذهب بعضهم إلى أن ذا الرمة قد تعشق فتاة غير (مّية)، اسمها (الخرقاء)، وذلك بعد أن صدت (مية) عنه. والغالب أن هذا وهم منهم، فثمة أخبار أخرى تؤكد أن مية هي الخرقاء، والخرقاء: لقب لها لعزتها في قومها، كما يستشف ذلك من شعره أيضاً. انظر ديوان ذي الرمة: ج1-ص369- حاشية المحقق-.

(36) المصدر نفسه: حاشية المحقق ج1- ق1-ب9-10، ص22-23

(37) المصدر نفسه: حاشية المحقق ج1- ص43

(38) المصدر نفسه: ج1- ق1-ب25-27، ص40-41.

(39) المصدر نفسه: ج2- ق37-ب1-4، ص1144-1145.

(40) المصدر نفسه: ج1- ق5-ب1-2، ص187.

(41) المصدر نفسه: ج2- ق23-ب17-21، ص726-729. المحصب: موضع رمي الجمار، بيسان: جبل وجرة.

(42) المصدر نفسه: ج2- ق38-ب31-32، ص1179-1180.

(43) المصدر نفسه: ج1- ق1-ب78-79، ص89-90. النبأة: الصوت الخفي، يشئزه: يقلقه.

(44) المصدر نفسه: ج1- ق12-ب65-68، ص436-439. اللهاميم: الغزيرة، الأشعث الورد: نبات البهمى.

(45)انظر في المصدر نفسه –على سبيل المثال- ج1-ق1-ب95-100، ص106-111.

(46)انظر في المصدر نفسه مشهد حسرة الصائد وندمه في: ج1-ق12-ب82-84، ص443-455.

(47)يمكننا ضرب أمثلة كثيرة تؤكد ذلك، منها ما نجده في:

ج3-ق75-ب91، ص1758 (عداؤه مع بني امرئ القيس).

ج3-ق74- ب1، ص1757 (محاولة قتله بأمير اليمامة).

ج3-ق1-ملحق الديوان- ب1-3، ص1839 (مخاوفه من الناس).

awu-dam.org/trath/52/turath52-004.htm

48 Views

عن الهاشمي-2

إلى الأعلى