الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » التاريخ » تاريخ العرب والمسلمين » الحياة العلمية في بلاد الشام في أيام المماليك د.نقولا زيادة

الحياة العلمية في بلاد الشام في أيام المماليك د.نقولا زيادة


الحياة العلميّة في بلاد الشّام في أيّام المماليك ـــ د.نقولا زيادة

1-المقدمة:

كانت بلاد الشام بين سنتي 1250 و 1516، جزءاً من دولة المماليك. فقد حكم سلاطينهم مصر وبلاد الشام والحجاز. وقد كان السلطان هو صاحب الأمر في جميع الأمور السياسية والعسكرية والإدارية. لكن الناس في هذه المنطقة قد اعتادوا من قبل أن يكون الخليفة العباسي البغدادي هو صاحب المركز الأول في دولة الإسلام. ذلك أن القضاء على الخلافة الفاطمية سنة 1171 على يد صلاح الدين أعاد الاعتراف بالخلفاء العباسيين إلى مصر وبلاد الشام. صحيح أن ذلك لم يقض على جيوب شيعية هنا وهناك. لكن المهم هو قبول الناس عامة بالخليفة العباسي. ومن هنا فقد رأى الملك الظاهر بيبرس (658-676/ 1260-1277)، أن يطمئن الناس إلى وجود خليفة على رأس الدولة، فعمد إلى إحياء الخلافة العباسية، ولكن في القاهرة، في شخص المستنصر (659- 660/1261). لكن الذي حدث هو أن الخليفة انتدب السلطان المملوكي للقيام بالحكم فعلاً، وقد سمي بيبرس قسيم أمير المؤمنين. واستمر الأمر على هذه الحال.

وقد تم على أيدي المماليك الأوائل أمران في غاية الأهمية بالنسبة لبلاد الشام. أولهما القضاء على الوجود الفرنجي (الصليبي) في تلك الديار. ولسنا ننوي الدخول في تفاصيل هذه الحملات التي توجت باحتلال عكا سنة 1291 في أيام الملك الأشرف خليل (689-693/ 1290-1294).

أما الأمر الثاني الذي تم على أيدي المماليك فهو إعادة الأمن إلى بلاد الشام بعد الفوضى التي عصفت بها (1171-1250)، ولو أن شيئاً من الخلاف بين أمراء المماليك أنفسهم ظل يؤثر في سير الأمور، لكن أثر هذا كان أقل أذى مما كان قد ساد قبل ذلك.

وحري بالذكر أن وجود السلاطين والمماليك لم يكن له أساس قانوني، ولم يتبع أسلوباً واضحاً في الخلافة، إذ أن السلطة كانت تنتهي دوماً إلى الأقوى من أمراء المماليك، أي الذي يكون له من الأنصار الأقوياء والأتباع من المماليك الذين كان يبتاعهم ويربيهم ويعنى بهم إلى حين الحاجة.

ونتيجة لاحتلال المماليك الموانئ الشامية، وخشية منهم أن يعود الصليبيون إليها، كان السلطان المنتصر يهدم الميناء الذي يحتله. لكن اتضح، بعد بعض الوقت، أن الموانئ مهمة للتجارة فعادت الحياة إلى بعضها، وقد عمل السلاطين أنفسهم على إعادة النشاط إلى هذه الموانئ.

ومن أهم ما يجب أن يذكر لعصر المماليك أن المركز التجاري الذي كانت بلاد الشام تتمتع به دائماً عاد إليه الكثير من النشاط.

ولعله من المناسب، إتماماً للفائدة، أن ننقل بعض ما رواه بعض الرحالين الأوروبيين الذين زاروا المنطقة، بما فيها دمشق، في القرنين الثالث عشر والرابع عشر. والصورة التي تمكنا من رسمها تتلخص فيما يلي:

سورية بلد غني، وقد كان موقعها على الطرق التجارية ذا فائدة خاصة لها في العصور المتوسطة. ولم تفد دمشق من هذه التجارة فحسب، بل من الصناعات أيضاً، وخاصة من الحرف. فقد كانت دمشق تنتج السكر والنقولات وتصنع المنسوجات القطنية والحريرية والزجاج والخزف والفخار والزخرفات الحديدية والكاغد والصابون والعطور وماء الزهر والشموع والأحذية. وكانت المدينة مشهورة أيضاً بصياغة الذهب والفضة. وكانت تقرن بالقاهرة، وكان بعض الأوروبيين يفضلونها على باريس وفلورنسة.

وثمة فئة من الرحالين الأوربيين مثل نيكولو البوغبونصي وليوناردو فرسكوبالدي وجورجو غوتشي وسيمون سيولي وفون سوخم الذين زاروا الأراضي المقدسة في القرنين السابع والثامن (الثالث عشر والرابع عشر)، أو مثل برتراندون دو لابروكييه ولودفيكو دي فارتما، اللذين شملت زيارتهم الشرق في الوقت نفسه: جميع هؤلاء قادتهم أسفارهم إلى دمشق. وهؤلاء هم مرشدونا في زيارة دمشق في تلك الفترة.

فلنزر أجزاء المدينة المختلفة في صحبة هؤلاء النفر. وقد ضمت روايتهم بعضها إلى البعض الآخر، فتم لنا منها صورة ذات ألوان زاهية لأسواق دمشق ومتاجرها.

إن جميع الشوارع الواقعة داخل أسوار المدينة تنيرها في الليل مصابيح معلقة فيها. وبيوتها مرتفعة ومبنية من الخشب الذي لا يظهر للعيان، إذ إن جدرانها الداخلية مطلية باللون الأزرق الفاتح، وأرضها مكسوة بالفسيفساء. ما أقل البيوت التي لم تكن فيها نوافير منحوتة من الرخام، هي متعة للناظرين.

ومع أن عشرين ألفاً قد يغادرون دمشق إلى مكة لأداء فريضة الحج، فلم يبد على المدينة كأن أحداً تركها. وقد كانت شوارع كثيرة يملأها الناس كما يملأ الناس شوارع فلورنسة يوم عيد القديس يوحنا. وكما كانت المدينة مزدحمة بالسكان فإن شوارعها كانت مكتظة بالتجار والصناع.

إن ما يصنع في دمشق، من أي نوع كان، كبيراً كان أو صغيراً، هو أكثر مما يصنع في أي مكان آخر في الدنيا، سواء في ذلك الأقمشة الحريرية والقطنية والكتانية والذهب والفضة والنحاس من جميع الأصناف، والزجاج من جميع الأنواع. فقد حذق الصناع ذلك كله، وكان منهم مهرة الصناعة في كل فن. وعندهم إلى ذلك غالب أصناف الفواكه التي تحفظ من سنة إلى سنة.

ولنعد إلى متاجر دمشق: فهذه لا يصدق وصفها الذي لم يرها بأم عينه، وذلك بسبب كثرة التجار والصناع في المدينة بأجمعها، داخلها وخارجها. لا يمكن تصور شيء غير موجود في الضواحي. فأجمل ما في الدنيا وأنبله وأشده إتقان صنعة موجودة هناك. فلو أنك سرت متفرجاً لرأيت المصنوعات الرائعة الأنيقة الدقيقة التي تغريك، بحيث لو أنك كنت تخفي نقودك في قصبة رجلك لما ترددت في كسرها وإخراج النقود لشراء بعض ما هناك. فإن خيالك لن يمكنه أن يتصور شيئاً وبأي شكل كان إلا وجدته هناك. فالأقمشة الحريرية الكثيرة من أي نوع أو لون تجدها هناك على أفضل وأجمل ما يعرفه العالم. وثمة كميات كبيرة من الأقطان، من أجمل ما في العالم، بحيث لو شاهدها أحد الناس، ولم يكن خبيراً، لحسبها حريراً لما هي عليه من النعومة واللمعان والدقة والجمال. والبروكار أيضاً متوفر في الأسواق. وما أكثر ما يصنع هناك من طسوت النحاس وأباريقه التي تبدو كأنها من الذهب، وكلها مزخرفة بنقوش من الأشكال والأوراق، كما يعمل من الفضة أشياء فنية جميلة تسرّ العين لرؤيتها.

والواقع أن محاولة وصف المتاجر الكثيرة الموجودة في دمشق قد تربك الكاتب، ولكن قد يقع الذي لم يرها في ارتباك وحيرة أ شد. وحتى لو رغب الواحد في تعداد الصناعات وأصناف الأشياء الموجودة، لاضطر إلى الإطالة إلى ما لا قبل له به. إذ إنه بالإضافة إلى ما ذكر فإن أسواق دمشق فيها الحجارة الكريمة والجواهر والأفاويه التي تأتيها من الهند. وقد قال المسيحيون العارفون بهذه الأمور بأن ما في دمشق من المتاجر يكفي حاجات العالم المسيحي سنة كاملة. ولك أن تتصور ما أجمل هذا كله عندما تقع العين عليه: أما اللسان فيعجز عن القول، كما يعجز العقل عن التصور.

زار برتراندون دو لابروكييه دمشق في أواسط القرن التاسع (الخامس عشر) وقد جاءها من بيروت. وبعد زيارته لفلسطين اتجه شمالاً في سورية. وقد ابتاع الأشياء التي احتاجها من دمشق. وها نحن أولاء ننقل هنا تجاربه وملاحظاته عن المدينة بكاملها:

"رافقت أحد أصحابي إلى السوق وابتعت رداءين طويلين حتى إنهما كانا يبلغان الكاحل، وعمة كاملة وحزاماً من الجلد ورباطين من القطن أضم بهما طرف الرداء، وكيسين صغيرين أحدهما لاستعمالي والآخر للحصان [مخلاة] يطعم فيه شعيره وتبنه، وملعقة من الجلد وبساطاً أنام عليه. وآخر ما ابتعته معطف من الجلد الأبيض، بطنته بالكتان، لاستعماله ليلاً. وابتعت كذلك جعبة بيضاء كاملة، وقد تدلى منها سيف وسكاكين. أما الجعبة والسيف فقد ابتعتهما سراً، إذ لو عرف القيمون على القضاء بذلك لتعرضنا، أنا والبائع إلى مخاطر كبيرة.

"إن سيوف دمشق هي أنبل وأجمل ما يصنع في سورية. ومن الممتع أن يلاحظ الواحد أسلوب الصناع في صقلها. فإن هذا يتم قبل أن تسقى ويستخدمون في سبيل ذلك مقبضاً من الخشب شكت فيه قطعة من الحديد يجرونها على نصل الصيف، وبذلك ينعم ملمسه، كما تنعم الفارة سطح الخشب. ثم يسقونه ويلمعونه. وهذا التلميع بلغ حداً كبيراً من الإتقان بحيث أن الواحد إذا أراد أن يصلح من شأن عمامته اتخذ من نصل السيف مرآة. وأما السقي فهو كامل، ولم أر قط سيوفاً تقطع بمثل هذه الدرجة من الإتقان. ويصنع في دمشق، وفي ما جاورها من الديار، مرايا من المعدن التي تضخم الأشياء كما في الزجاج العاكس النور. رأيت بعضها وقد وجهت نحو الشمس فعكست من الحرارة ما كان كافياً لحرق لوح من الخشب على بعد 15 أو 16 قدماً"(1).

2-ملاحظات عامة:

حري بالذكر أن بلاد الشام عرفت في الفترة المملوكية عدداً كبيراً من المدارس كانت مراكز مهمة للتعليم، على أن المدرسة لم تكن المكان الوحيد، ولو أنها كانت المكان الرئيسي، الذي يطلب فيه الناس العلم –على درجات مختلفة- بل كان هناك الجامع والزاوية (الخانقاه). ومع أن هذه كانت مرتبطة أصلاً بالطريقة الخاصة بها أو التي أنشأتها، فقد كان بعضها يؤدي دوراً كبيراً في سبيل الاهتمام بالعلوم الدينية.

ويجدر بنا أن نتذكر أموراً ثلاثة تتعلق بالحياة الفكرية، من الناحية الإسلامية، عرفتها البلاد واتضحت بشكل خاص في دمشق بالذات. وهي: إحياء السنة وتقوي الحنابلة والاهتمام بالتصوف.

وقد كان إحياء السنة أمراً طبيعياً بسبب انتصار الأيوبيين وسيطرتهم على البلاد منذ قيام صلاح الدين، وخاصة بعد القضاة على الخلافة الفاطمية. وكان قاضي القضاة أصلاً من المذهب الشافعي، حتى بدل الأمر الظاهر بيبرس. فعين قاضي قضاة لكل من المذاهب الأربعة في القاهرة ثم في بلاد الشام.

وكان الحنابلة ذوي نفوذ وقوة واضحين في القرون السابع والثامن والتاسع (الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر)، وقد كان للهجرتين اللتين ذكرتا من قبل أثر في ذلك: هجرة جماعة ابن قدامة الذين تركوا بيوتهم قرب نابلس واستقروا في دمشق، ومجيء أسرة ابن تيمية التي جاءت من حران في شمال سورية. وقد ظهر في بني قدامة عدد من العلماء والدارسين الذين كانت خدماتهم العلمية جمع الفقه ووضع المصنفات الموسوعية فيه. وأسرة ابن تيمية (تو 728/1328) الذي لعله كان أكبر فقيه في أيامه، فهو يمثل الفئة الثانية، بعد أئمة السنّة الأربعة الأوائل، التي يعود إليها الفضل في إعادة النشاط إلى الدروس الإسلامية الشرعية، وتصنيف بعض ما سبق للفقهاء أن قدموه من آراء هامة، وتطبيق المنطق الحديث على بعض القضايا التي لم تكن قد خطرت لأسلافهم من قبل. وقد يكون في الإشارة إلى ابن تيمية وصحبه على أنهم مصلحون بعض المبالغة. ولكن أثرهم، وخاصة أثر ابن تيمية نفسه، يمكن ملاحظته في آراء المصلحين من المسلمين حتى يوم الناس هذا.

وسنتناول التصوف بالحديث أولاً ثم نعود إلى العلماء الأعلام. ولعله من المناسب أن نولي الإمام الغزالي ملاحظة هنا، لأنه هو الذي أعاد التصوف إلى حظيرة الإسلام السني، ولو أ ن ذلك لم يمنع من قيام صوفيين كانت لهم شطحات تخالف ما توصل إليه الغزالي المتوفى سنة 505هـ/ 1111م.

وقد فصل الغزالي موقفه من التصوف في كتابه (المنقذ من الضلال)، ذلك أنه قد درس أقوال الحكماء والفلاسفة وغيرهم من أهل الفكر، ثم انتهى الأمر به أن أقبل على طريق الصوفية وخبر أمورها علماً وعملاً، وأخيراً لما أحس بعجزه، على ما يقول: "ثم لما أحسست بعجزي وسقط بالكلية اختياري؛ التجأت إلى الله التجاء المضطر الذي لا حيلة له. فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه. وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأولاد والأصحاب.

وقد ترتب على هذه النقلة أن أوجد الغزالي "للمواقف الباطنية الداخلية مكاناً في مجال الإسلام الرسمي، فكان جنباً إلى جنب مع الشريعة والكلام". إلا أن الغزالي جعل التصوف سنياً، لأن ما قبله من التصوف لم يكن التصوف المتطرف. وقد ارتأى أ.ج. أربري أنه منذ أيام الغزالي أصبح بإمكان نوع هادئ من التصوف أن يحتل مكاناً بين العلوم الإسلامية. إلا أن هذا القول يقابله استثناءات متعددة، كابن تيمية، عالم دمشق في ذلك العصر، الذي كان شديد الحملة على التصوف. ولنا إلى هذا الموضوع عودة.

كان التصوف الإسلامي، في القرن السابع (الثالث عشرة)، قد كون ثيوصوفيته، الخاصة المبنية على أساس فكرة الكلمة، والتي أصبحت فيما بعد فكرة الحقيقة المحمدية. وقد كان لصوفيين كبيرين الفضل في نشرها وهما: ابن الفارض (المتوفى في القاهرة سنة 633/ 1235) وابن عربي (المتوفى في دمشق سنة 638/1240). وكانت دمشق بين القرنين السابع (الثالث عشر) والتاسع (الخامس عشر) مركزاً هاماً لناحيتي التفكير الإسلامي: السنّة والشريعة من جهة والتصوف من جهة أخرى، وكانت كفة الناحية الأولى أرجح في غالب الأحيان.

وقد كانت ثمة عوامل كثيرة أدت إلى ذلك، منها النظام الجديد الذي ظهر في هذه الرقعة من العالم الإسلامي. لكن يجب أن نذكر الآن أن خطر الغزو المغولي، الذي تحقق لما احتل هؤلاء بغداد، حمل كثيرين من العلماء على الهجرة من العاصمة العباسية متجهين غرباً، وكانت دمشق المكان الطبيعي الذي يلقون عصا التسيار فيه. كما أن الرعاية التي كان آل زنكي والأيوبيون وبعض سلاطين المماليك يسبغونها على العلماء، جذبت كثيرين منهم فانتقلوا من شمال العراق إلى دمشق. فأسرة ابن تيمية انتقلت إلى دمشق وعالم المستقبل كان لا يزال طفلاً، لكن أباه وجده كانا من العلماء المرموقين. ويبدو أن القاهرة لم تجذب أهل الفكر دوماً في تلك العصور.

أما دمشق فكانت ذات جاذبية خاصة. عن ذلك فإن عدداً من العلماء هجر فلسطين، وهي تحت حكم الصليبيين، إلى دمشق مثل بني قدامة، الذين أنشؤوا الصالحية. ومع أن بغداد ظلت مركزاً للعلم، فإن دمشق سبقتها.

قد يبلغ عدد سكان دمشق، على ما يقال، نحو مئة ألف نسمة، والمدينة غنية تجارية وهي، بعد القاهرة، أهم مدينة في دولة السلطان. يمتد حولها إلى الشمال والجنوب والشرق سهل متسع، ويرتفع غربها جبل عال وقد قامت الضواحي عند أقدامه. يخترقها نهر تقسمته قني متعددة. والمدينة وحدها يدور بها سور بديع، لأن الضواحي أوسع من المدينة. "ولم تقع عيناي على حدائق أوسع ولا على فواكه أجود، ولا على مياه أغزر من هذا الذي شاهدته هناك. فالماء هناك غزير إلى حد أنه قلما يعثر على بيت ليس فيه نافورة. وحاكم المدينة نائب السلطنة لا يعلو عليه، في مصر وسورية، سوى السلطان. ولكن بسبب الثورات التي قام بها بعض الحكام فإن السلطان يحاول أن يضيق على الحكام حيطة وحذراً"(2).

3-التربية والتعليم:

تتميز الفترة التي نتحدث عنها، من حيث الاهتمام بالتربية والتعليم، بأمور مهمة يجب أن يضعها الواحد منا نصب عينيه عندما يتحدث عن الحياة العلمية.

أولاً: كانت الدولة تشرف على التعليم العالي. وكان هدفها حماية نفسها، وكان هذا هو الغرض الذي قبل علماء الدين والمفكرون والاضطلاع به. فلم يكن لحرية الفكر مكان في نظام التعليم في تلك الفترة، بل إنه لم يكن لها مجال في الحياة الفكرية عامة. ويروي أبو شامة أن صلاح الدين لم يكن يحب الفلاسفة أو أولئك الذين كانوا يخالفون المتبع المألوف، حتى إنه أمر بقتل السهروردي (المقتول). وقد كان هذا سابقة خطرة استنها هذا الرجل الذي كان ينظر إليه خلفاؤه بعين الإكبار(3).

ثانياً: كانت التربية أساسها فهم النظام الذي بذل العلماء جهداً في إقامته ومن ثم فقد ضاقت حلقات المتعلمين واقتصرت موضوعات التعليم: ويلاحظ الباحث أن الكثير من كتب العقائد لم تكن أكثر من شروح وتفاسير لكتاب واحد أو ذيول له. ومن حيث أن المجتمع الإسلامي لم يتلق، في القرن السابع (الثالث عشر) أو بعده، تيارات فكرية من الخارج، فإن الحياة الفكرية لم تعرف الحوافز أو البواعث التي تحملها على الانطلاق. ذلك أن التوازن الداخلي القائم وجد في الفقه المعاصر له ما يلزمه لسد حاجاته. وكان لابد من ضغط خارجي لإحداث رد فعل يؤدي إلى تبديل الوضع، ومثل هذا الضغط لم يشهده العصر المملوكي(4).

ثالثاً: كان ثمة شعور عام بأن العمل في حقل الفقه هو العمل العلمي الأصيل. ولعل من أطرف ما وصلنا مما يدل على هذا الأمر أن ياقوت لما وضع مؤلفه الثمين "إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب" اعتذر عن ذلك في مقدمته بقوله:

"وإني لجد عالم ببغيض يندد ويزري عليّ، ويقبل بوجه اللائمة إلي؛ ممن قد أشرب الجهل قلبه، واستعصى على كرم السجية لبه، يزعم أن الاشتغال بأمر الدين أهم، ونفعه في الدنيا والآخرة أعم. أما علم أن النفوس مختلفة الطبائع، متلونة النزائع؛ ولو اشتغل الناس كلهم بنوع من العلم واحد لضاع باقيه، ودرس الذي يليه. وإن الله جلّ وعزّ جعل لكم علم من يحفظ جملته، وينظم جوهرته؛ والمرء ميسر لما خلق. ولست أنكر أني لو لزمت مسجدي ومصلاي، واشتغلت بما يعود بعاقبة دنياي في أخراي أولى، وبطريق السلامة في الآخرة أحرى، ولكن طلب الأفضل مفقود، واعتماد الأحرى غير موجود، وحسبك بالمرء فضلاً أن لا يأتي محظوراً، ولا يسلك طريقاً وعيراً"(5).

رابعاً: لعله كان من الطبيعي، والعصر هو الزمن الذي نعرف، أن ينصرف الناس إلى الفقه. فقد آثر القول بأن العلماء هم حماة الشريعة، هذه النظرة الإسلامية التقليدية إليهم. وفي الفترة التي نتحدث عنها كان العلماء أصحاب نفوذ كبير. فقد كانوا يحتلون الوظائف الدينية: فمنهم القاضي والمحتسب والمفتي والمدرس والإمام والخطيب والقارئ، وبذلك استطاعوا السيطرة على التعليم، وكان إليهم النظر في القضاء، وإليهم تعود الفتوى. وكان ثمة عدد كبير من الوظائف الدينية وقفاً عليهم. فكتّاب الإنشاء ونظّار المؤسسات المختلفة، كالبيمارستانات والجيش، كانوا من العلماء. والأدب الرسمي الذي تحدر إلينا من تلك الفترة مطبوع بطابعهم(6).

خامساً: كان للصدام بين أهل المنطقة والصليبيين أثر كبير في ازدهار الشعر العربي. فقد زودت انتصارات نور الدين وصلاح الدين الشعراء بموضوعات لقصائدهم، ولم يقصروا قط في التغني بأعمال الأمراء الكبار. فابن عنين وابن الساعاتي امتدحا الأيوبيين مع أن الأول ذاق ألم النفي من دمشق، وقضى مدة في اليمن –لكن في بلاط واحد من الأيوبيين.

وشعراء الفترة –أي في القرنين السابع (الثالث عشر) والثامن (الرابع عشر)- الذين يمكن عدهم بين شعراء سورية كثر: فثمة ثلاثة وعشرون منهم. لكن نتاجهم الأدبي لا يبلغ مبلغ النتاج الشعري العربي القديم من حيث نوعه. ولعل ابن نباتة أذيعهم صيتاً. ولد هذا الشاعر في ميارفاقين سنة 686/1287 وانتقل إلى دمشق سنة 716/1316، لكنه رحل أخيراً إلى القاهرة وتوفي فيها سنة 767/1366. وفي ديوانه الكثير من شعر المديح، ومن هذه القصائد ثماني عشرة تبدأ بالطريقة التقليدية من تذكر الأحبة والمرابع. وقد نظم ابن نباتة الموشح الذي يزعم البعض أن ابن عربي نقله إلى المشرق من الأندلس، كما أنه نظم الزجل، وفي ديوانه نموذج من ذلك(7).

4-ابن عربي:

نود أن نتوقف قليلاً عند ابن عربي أولاً لأنه من كبار أهل التصوف في عصره، وثانياً لأنه قضى السنوات العشرين الأخيرة من حياته في دمشق، حيث وضع جزءاً كبيراً من خير مصنفاته.

ولد ابن عربي في مرسية من أعمال الأندلس سنة 560/1165 وتلقى علوم الحديث والفقه في لشبونة وإشبيلية وسبتة وأطال التجوال في شمال أفريقية. ومع أنه كان قد تعرف إلى الصوفية من قبل، فإنه انضم إلى المتصوفة في تونس، ويبدو أن هذا الاتجاه الجديد في حياته هو الذي حمله على الاتجاه شرقاً إذ إن عصر الموحدين لم يكن يتقبل مثل الآراء التي كان ابن عربي يقول بها. فضلاً عن أنه، مثل غيره من أهل الورع من المسلمين، رغب في أداء فريضة الحج. وقد كان بلغ الثامنة والثلاثين من عمره لما بدأ رحلته إلى المشرق.

ولم تكن إقامته في مصر هينة، فقد هدد في حياته غير مرة، لكن مكة راقته وطابت له صحبة أهلها والواردين عليها من الحجاج، فأقام هناك ثماني سنوات عكف أثناءها على التأليف والتدريس. وقد تم له أثناءها إقامة مذهبه التأملي. وقد زار فيما بعد بغداد التي أعجبته لكنه لم يقم فيها طويلاً –ولعله أحس بالأخطار المحدقة بالعاصمة العباسية من الشرق. وبعد تجوال قصير في آسية الصغرى ألقى عصا الترحال في دمشق، وفيها توفي سنة 638/1240.

حظي ابن عربي في دمشق بكل ما يمكن أن يطمع فيه من لقاء طيب وعيش رغيد ورعاية أولي الأمر، وكان في ذلك خير له ولنا. وكان بين الذين أفاؤوا عليه الرعاية ابن الزكي قاضي القضاة، الذي كان يقوم على خدمة الصوفي الكبير بنفسه. وكان جو دمشق الحرّ نسبياً، إذا قورن بالقاهرة والغرب الإسلامي، مما راق ابن عربي فحمله على العمل الفكري الجدي –إذ إنه أتمّ وهو في دمشق "الفتوحات المكية" و "فصوص الحكم".

وقد خلّف لنا ابن عربي عدداً ضخماً من المؤلفات تقدر بين 400 و 700، وقد سلم ما يربو على المائتين. لاشك أن بعضها يتألف من بضع أوراق، لكن الكثير منها يتكون من مجلدات عديدة، مثل الفتوحات والفصوص، ولم يكن ابن عربي كاتباً فحسب، ولكنه كان شاعراً على نحو ما نعرف من شعره الذي رواه صاحب نفح الطيب.

جمع ابن عربي في إطار تأملاته الجامع علوم الإسلام، ولم تكن معرفته الوثيقة مقتصرة على ما وضعه الفقهاء والفلاسفة السنيون والمتصوفة القدماء والمحدثون فحسب، بل كان مطلعاً على ما عند المخالفين لهم مثل المعتزلة والقرامطة والإسماعيليين. ومذهبه، على ما فيه من اتساع وتنوع، يتكشف عما عرفته مصادره جمعاء من تأملات وتعابير. ومن ثم فإن الإشارات الغامضة تزداد تعقيداً بسبب الصعوبة التي تواجهنا باستمرار، وهي الصعوبة الناشئة عن استعمال التعابير الفنية المتناقضة لابن عربي، فيما صنف "الفتوحات المكية" وهو مجليات هذا الرجل وتفسيره للكون والعقيدة والروح وشؤون الحياة بمجملها.

وقد يصعب علينا تعيين مذهب ابن عربي وبسبب هذا الذي يبدو لنا متناقضاً، ولعل مثل هذا الموقف سببه أننا نحن نحكم على الرجل من الخارج، فنرى الخلافات والمتناقضات. أما هو فقد كانت آراؤه نتيجة تمازج وتناغم داخليين.

ويبدو أن ابن عربي أحس بمواقف الآخرين منه فوضع كتابه "الأجوبة اللائقة عن الأسئلة الفائقة"، وقد تصور فيه نفسه يجيب سائلاً إياه عن القضايا التي تعترضه.

وعلى كل فإننا نضع أمام الزملاء ما يصح أن يسمى "بعض آراء ابن عربي" راجين ألا يحسبها أحد أنها خلاصة لمذهبه:

1-الله هو الوجود الحق وهو مصدر كل الموجودات. وفي الله وحده يتّحد الوجود والكيان.

2-الكون له وجود نسبي إما واقعي أو تصوري. وهو في الوقت ذاته وجود دائم وعدم موقت. فالوجود الدائم هو في علم الله، أما العدم الموقت فهو خارجي بالنسبة لله.

3-إن الله منزه ومشبه، ذلك بأن التنزيه والتشبيه مظهران أساسيان للحق على ما يدركه الإنسان، فالحق الذي يقوم على التنزيه هو الخلق الذي يقوم على التشبيه، مع أن الخالق يتميز عن المخلوق.

4-إن الوجود، بعيداً عن الله يقع بإرادة الله، وهو خاضع للنواميس المتعلقة بالأشياء الكائنة، ويتم ذلك بواسطة الأسماء الحسنى أو الآراء الكلية.

5-كانت الأشياء في العالم الظاهري، قبل أن تصبح موجودات، قائمة في العقل الإلهي كأعيان ثابتة، ومن ثم فقد كانت شيئاً واحداً مع الكيان والوعي الإلهيين.

6-ليس ثمة شيء اسمه اتحاد بالله، بمعنى أن يكون المرء واحداً مع الله، ولكن هناك تحقيق للكيان الواقعي وهو أن الصوفي واحد مع الله.

7-إن الأصل الخلاّق المحيي العاقل في الكون أو العقل الأول هو الحقيقة المحمدية المسماة أيضاً حقيقة الحقائق. هذا الأصل يظهر على أو في صورة الإنسان الكامل.

8-كل نبي هو حقيقة الله، والحقيقة هي محمد سيد الأنبياء. وهذه الحقائق جميعها تتقمصها الحقيقة المحمدية.

9-الإنسان الكامل هو مصغر الحقيقة. إنه العالم الأصغر الذي يعكس الصفات الكاملة للعالم الأكبر جميعها. وكما أن الحقيقة المحمدية كانت المبدأ الخلاق في الكون، فإن الإنسان الكامل هو علة الكون لأنه رغبة الله في أن يعلن. ذلك بأن الإنسان الكامل وحده هو الذي يعرف الله ويحب الله ويحبه الله. فقد صنع العالم من أجل الإنسان فقط(8).

ويمكن تقصي المدى الذي تأثر فيه المتصوفة بابن عربي في أكثر من اتجاه واحد. فحتى أولئك الذين لم يقبلوا، أو تظاهروا بأنهم لم يقبلوا، نظرته بألوهية الكون كثيراً ما عبوا من معينه وخاصة آراءه في الحب، وحتى القاهرة، التي أفضّت مضاجعه أثناء إقامته فيها، وجدت فيما بعد الكثير عنده، ونجد أنه في نهاية القرن السابع (الثالث عشر) أصبح جماعة من المتصوفة في القاهرة من أشد المؤيدين لآرائه. وحتى العلماء حفزهم ابن عربي على العمل، لأنهم انصرفوا إلى نقده، وما كان ذلك بالأمر اليسير، في تقييم آرائه بسبب تنوع ما مرّ به من التجارب الروحية والتأملات وعمقها.

5-ابن تيمية:

العلوم الشرعية هي التي كانت طلبة أهل العلم في العصر الذي نتحدث عنه. ونحن نعتزم أن نمثل على هؤلاء بالحديث عن ابن تيمية، لكننا نود أن نشير إلى عالم كبير سبقه هو الموفّق، الذي رافق أسرة بني قدامة في هجرتها من فلسطين (الواقعة تحت الاحتلال الأجنبي) وكان صبياً. وكان أبوه أول معلميه، ثم أخذ العلم عن بعض علماء دمشق، ورحل بعد ذلك إلى بغداد والموصل ومكة حيث لقي العلماء وأخذ عنهم، وكان قد بلغ الثلاثين من عمره لمّا استقر في دمشق نهائياً، وانصرف إلى التعليم والتأليف حتى وفاته سنة 620/1223. وكان عدد كبير من الطلبة يحضر دروسه، بينهم جماعة بلغوا من العلم درجات عالية. كان الموفّق حنبلياً واشتهر بالفقه، وخلّف لنا "المغني" وهو كتاب في الفقه في عشرة مجلدات. وميزة الكتاب هو أن مؤلفه كان يقارن فيه بين نظرة الحنابلة وآراء غيرهم من أهل السنة، ومن ثم فالقارئ يجد فيه الفقه المقارن. وقد قيل عن الموفّق إنه كاد أن يبلغ مرتبة الاجتهاد.

وابن تيمية مثل حسن لتبيين أثر العالم المتين الخلق في شؤون الدولة والمجتمع، على ما يتضح من بضعة حوادث منتزعة من حياته. لما رأى الخطر المغولي المحدق بالبلد سنة 697/1298، تحدث إلى الناس عن شؤون الجهاد، فكان حديثه أوقع في النفوس من أوامر السلطان. ولما احتل المغول دمشق بقيادة قازان، كان ابن تيمية الذي حض أرجواش، نائب القلعة، على وجوب الامتناع عن تسليمها، وقد ذهب ابن تيمية إلى النبك، بصحبة نفر من أعيان دمشق، للقاء قازان والحصول على أمان لأهل المدينة. وبعد رحيل جيش قازان من دمشق طاف ابن تيمية وأتباعه على حوانيت الخمور يكسّرون آنية الخمر ويهرقون محتوياتها على الأرض، ويعزرون أصحاب الحانات. وقد رافق ابن تيمية حملتين عسكريتين إلى كسروان بلبنان في أوائل القرن الثامن (الرابع عشر)، وقبل معركة شقحب (سنة 701/1302) ذهب إلى الجيش وتحدث إلى الجند عن الوحدة والنصر واستوثق من أن الأمراء وغيرهم أقسموا على الإخلاص، وأوضح لهم شرعية قتال المغول، ولو أن هؤلاء كانوا مسلمين مثل أهل سورية.

قدمنا هذه الأمثلة لنوضح الدور الذي كان العلماء يقومون به في الحياة العامة. فإذا أضفنا إلى ذلك نشاطاتهم الفكرية، لا يتولانا العجب إذا نحن وجدنا أن حظهم في إرشاد القوم وتوجيه قضاياه المختلفة كان كبيراً.

وقد كانت دمشق في أيام المماليك تعج بالعلماء، فقد هاجروا إليها من الجزيرة وبغداد وفلسطين، وتقبلتهم دمشق مشجعة وأفاءت عليهم من خيراتها وأمنها، ومنحتهم الفرصة لينموا اهتمامهم العلمي.

وتميز ابن تيمية (661-728/ 1263-1328) بأنه ارتفع إلى مستوى القضايا المطروحة يومها وعالجها بمعرفة وصراحة وواجهها مواجهة ألمعيّة. وحياة ابن تيمية بالذات نموذج يحتذى في مجابهته للصعاب متى اقتنع بالحق في مسألة ما.

كان أ حمد ابن تيمية قد بلغ السابعة من عمره لما رحلت أسرته من حرّان في الجزيرة إلى دمشق، خشية تكرر الهجمات المغولية. وقد أصبحت دمشق في القرن السادس (الثاني عشر) مركزاً للفقه الحنبلي، الأمر الذي تقوى بعد سقوط بغداد سنة 656/1258، ولما كانت أسرة أحمد حنبلية، فقد أتيح له من أول الأمر، أن يأخذ العلم عن خير المدرسين الحنابلة في تلك الفترة، فالمدارس الحنبلية كانت قد دربت فقهاء ومتكلمين ومفسرين ومحدثين يشار إليهم بالبنان، وكان علماء الحنابلة يولون الخطب في المساجد والمدارس والزوايا عناية كبيرة، وكان ابن تيمية ينمو مع هذه الأمور كلها كأنه جزء منها، ولما كان في الثامنة والعشرين من عمره خلف أباه، وكان قد توفي في السنة السابقة، في التدريس، وكان هذا اعترافاً بمقدرته، وذاعت شهرة دروسه لا بين السنّة فحسب، ولكن بين الشيعة الذين حضروها.

وكان العصر الذي عاش فيه يسيطر عليه المذهب الأشعري ومسحة من التصوف مع استعداد تام لقبول النظرة التقليدية في الشؤون العامة، وكان ابن تيمية خصماً لهذه جميعها، وقد أثار عليها منذ أول الأمر، حرباً عواناً، وهذا هو الذي جعله يعتبر "مصلحاً".

وقد قام بدور فعال في حياة مدينته وجماعته، وأثارت "قسوته" في مهاجمة خصومه كثيراً من ردود الفعل العنيفة، فاتهمه هؤلاء بالعناد وطلبوا أن تنزل به العقوبة، ومن ثم فقد صرف الرجل سنوات من حياته في سجون القاهرة ودمشق، حتى إن السنوات الأخيرة من حياته قضاها في قلعة دمشق وتوفي فيها.

لم يكن ابن تيمية عالماً يكتفي بالتعليم والتصنيف، بل كان أيضاً، مثل عدد كبير من الحنابلة عبر التاريخ، متفاعلاً مع بيئته، فقد أخذ على عاتقه أن يتأكد من أن الناس، كبيرهم قبل صغيرهم، كانوا يحافظون على الآداب الإسلامية في تصرفهم. هذا كان من واجبات المحتسب، لكن ابن تيمية كان (بتوظيفه نفسه بنفسه) محتسباً فعالاً نشيطاً.

وخلف ابن تيمية عدداً كبيراً جداً من المصنفات التي تعالج قضايا مختلفة، وليس من الممكن أن نتحدث عن كتبه جميعها في هذه العجالة، لكننا نرى لزاماً علينا أن نضع بين أيدي القارئ بضعة من آرائه ومواقفه الأكثر أهمية.

فقد بحث في رسالته الواسطية، وفي غيرها، العقيدة الإسلامية التي كان يرى أنها تأذت من الأشعرية والتصوف والتقليد، فقد قبل بعض المسلمين القول بأن الله ذو صفات جثمانية، بانين ذلك على تفاسير مجازية لبعض آيات جاءت في القرآن، وقد عاد ابن تيمية، ودعا الناس إلى أن يعودوا مثله، إلى القرآن الكريم والسنّة النبوية لفهم العقيدة فهماً عميقاً دقيقاً صحيحاً أصيلاً، تاركين غير ذلك من الوسائل والآراء التي تسربت إلى الإسلام من الخارج كالتمثيل والتجسد والتشبيه، ولم يكن ليقبل بما جاء به المتصوفة من تطرف في الرأي إذ قالوا بالحلول والاتحاد، فمثل هذا القول كان، في نظره، شركاً لا يقبله الإسلام، ومن ثم كان هجومه العنيف على ابن عربي. ومع أن ابن تيمية لم يهاجم التصوف جملة، إلا أن المتصوفة نقموا عليه موقفه منهم ورفعوا أمره إلى السلطان في القاهرة، ونجحوا في أن يزج به في السجن.

وكان ابن تيمية حرباً على المقلدين. ذلك أن المألوف في ذلك الوقت هو أن الفقهاء كانوا يتقيدون، في بحثهم أمور الشريعة، بما جاء به أئمة السنّة الأربعة، أي أنهم لم يكونوا يبدون رأياً خاصاً قط. ذلك أن باب الاجتهاد قد أقفل قبل نحو خمسة قرون. ومع أن الحنابلة لم يقبلوا بهذا تماماً، إلا أنهم راعوا هذا التقليد في بعض نواحيه. وكان ابن تيمية يرى أن الاجتهاد أمر أساسي للجماعة الإسلامية واستمراره لازم. وقد أوضح موقفه هذا في عدد كبير من الفتاوى، التي أظهر فيها أصالة في الرأي والأسلوب مقتصراً في جدله على الاستشهاد بالقرآن والسنّة، والرجوع إلى الإجماع على ما عرف في أيام الصحابة.

كان الفقهاء يعتمدون الإجماع والقياس والرأي أحياناً في تفسيرهم للأمور الشرعية. وقد تحدى ابن تيمية هذه كلها وقال بأن إجماع العلماء يمكن إعادة النظر فيه، ومن ثم فإن آراء أئمة المذاهب السنيّة الأربعة يجب أن ينظر فيها من جديد متى سنحت فرصة لذلك، على أن يعتمد على الكتاب والسنّة.

ولم يكن ابن تيمية وحيداً في هذا الموقف، بل إن عبد السلام وابن قيّم الجوزية لم يريا قبول آراء الأئمة الأربعة قبولاً مطلقاً. وقد حدد ابن عبد السلام موقفه إذ لم يسمح للجمهور بالاجتهاد، بل قصره على أهل العلم. وكان ابن قيّم الجوزية يقول بأن الفقه يجب أن يكون عملية نامية متطورة كي تسترشد به الدولة للوصول إلى الوسائل التي تعينها على القيام بمصلحة الأمة(9).

6-التاريخ والموسوعات:

وكان التأريخ موضع اهتمام وعناية في هذه الفترة، وقد صنفت فيه كتب قيمة. وقد كان الإخباريون الأوائل في الإسلام مغلقين على أنفسهم بعض الشيء، وكان الإسلام وتاريخه هو كل ما يهمهم، وقلّما عنوا بمن سبقهم من الأقوام أو حتى بمعاصريهم من الأمم الأخرى باستثناء الطبري وابن قتيبة وابن الأثير. أما مؤرخو العصر المملوكي فقد كانوا منفتحين. كانت كتاباتهم عن الإسلام والبلاد الإسلامية إلا أنهم كانوا قد ارتبطوا بجماعات أخرى في الشرق والغرب وكونوا معها علاقات وثيقة وتعاملوا معها بشكل واسع؛ وقد جاء مؤرخوا المماليك بعد أن كان عدد كبير من الجغرافيين والرحالين قد درسوا أجزاء العالم وكتبوا عنها. فلم يكن بإمكان هؤلاء المؤرخين أن يتجاهلوا الأقوام الأخرى حتى ولو أرادوا ذلك. فضلاً عن أن بعضهم بذل جهوداً لتدوين تاريخ الحروب الصليبية –أكبر نزاع مسلح بين المسيحية والإسلام، ولسنا نعنى الآن بموقف المؤرخين، ولكن المهم أنهم تناولوا الموضوع بالكتابة. كانت آفاقهم أوسع، والذي نراه هو أن مؤرخي القرن الثامن (الرابع عشر) هم الذين أرشدونا إلى كتابة التاريخ: لقد كان طليعتهم ابن خلدون، وقد قامت دمشق ومؤرخوها بدور كبير في هذا الاتجاه.

وقد ازدهرت في الفترة التي نتحدث عنها أيضاً المؤلفات الموسوعية التي شملت فنون العلم والمعرفة على أنواعها: ففي الفقه وضع الموفّق "المغني". وفي التاريخ ظهر أمثال ابن الفرات والذهبي، وفي الموسوعة بالذات صنف ابن فضل الله العمري كتاب "مسالك الأبصار"، وهذا الكتاب، وسنعود إليه فيما بعد، جاء في عشرين جزءاً فيه الجغرافية والتاريخ السياسية والأدب على نحو ما عرفها العصر. فضلاً عن أنه كان، في زمنه، دليلاً رسمياً للذين يعملون في وظائف الدولة.

ولعله من الأفضل لتوضيح نواحي الحياة الفكرية في ذلك الوقت أن نضع أمام القارئ تراجم مقتضبة جداً لبعض المؤرخين والموسوعيين الذين كانت حياتهم نموذجاً للعصر، إذ إن ذلك من شأنه أن يدخلنا إلى الجو الذي عاش فيه هؤلاء الناس.

من هؤلاء الذهبي المؤرخ (تو 749/1349) الذي صنف "تاريخ الإسلام" في سبعين قسماً خص كل قسم منه بعقد من السنين. وقد كان واسع المعرفة ضليعاً في علمه بالمصادر حيث أن كتابه يمكن اعتباره من نوع الموسوعات التاريخية. وقد خلفه في كتابة التاريخ ابن كثير صاحب "البداية والنهاية" الذي وضعه في أربعة عشر جزءاً. وقد لجأ الاثنان –الذهبي وابن كثير- إلى تلخيص من سبقهما في كتابة تاريخ القرون الأولى، لكنهما كانا يحسان، وهما يدونان أخبار زمانهما، أنهما يؤرخان لفترة فيها الكثير من الحركة والنشاط، ومن ثم فقد انصرفا إلى عملهما باهتمام، فخلفا لنا ثروة تاريخية لا مثيل لها، وخاصة ابن كثير الذي يرسم لنا صورة حية للأحداث والماجريات حيث نستطيع مرافقته يوماً فيوماً.

ويعتبر ابن فضل الله العمري (تو 749/1348) مؤلف "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار" موسوعي دمشق في عصر المماليك، فقد كان أبوه وجده من قبل موظفين في الدولة المملوكية، وكانا متصلين بتنظيم البريد خاصة، وقد ولد العمري في دمشق حيث سمع العربية والفقه وتولى منصب القضاء فيها. وأخيراً تأسى خطوات والده وجده فتوظف في ديوان الإنشاء، وهذا ما حفزه على وضع مؤلفه الضخم "المسالك"، والكتاب فيه بحث عن جغرافية الأرض، إلا أنه عندما يتكلم عن الجغرافية السياسية فإنه يقصر بحثه على بلاد الإسلام (وهو يأمل أن يتحدث عن بلاد الكفار في مناسبة تالية). على أن الاكتفاء بهذا القول عن الكتاب فيه إجحاف، ذلك بأن المؤلف يزودنا بالأخبار التاريخية المعاصرة وبالمعلومات المتعلقة بالإدارة والعلاقة بين السلطان ونوابه وأمرائه. ويسهب في تبيين الأمور المتعلقة بالضرائب وموارد الدولة والمكافآت وحق الانتفاع بالأرض وما إلى ذلك. ووصفه للمدن، وخاصة القريبة، واف ودقيق. وأسلوبه يتفق مع روح العصر، إلا أنه لا يضحي بالدقة في سبيل زخرف القول. وفي الكتاب عدد كبير من المراسيم والأوامر السلطانية التي صدرت في أوقات مختلفة، وإن لم يكن هو الكتاب الوحيد الذي يوردها. ولا سبيل إلى فهم الإدارة المملوكية إلا بكتاب المسالك هذا.

وابن طولون الصالحي ولد في أواخر عصر المماليك وتوفي سنة 953/1546، لذلك لم يتمتع برعايتهم مدة طويلة، إذ جاء موته بعد زوال إمبراطوريتهم بنحو ثلاثة عقود من السنين. ومع ذلك فهو من أهل العصر لأنه ولد قبل الاحتلال العثماني (922/1516) باثنتين وأربعين سنة. لم تكن مؤلفات ابن طولون شيئاً مبتكراً، إلا أنه عالم من علماء تلك الفترة. فقد قرأ القرآن وسمع الحديث والفقه ودرس التصوف (وهو أمر غير مألوف إلا إذا كان المقصود الرد على المتصوفة) واللغة والتاريخ والرياضيات والفلك والهندسة والطب. والكتب التي وضعها، ويبلغ عددها سبعمائة، شملت هذه الموضوعات جميعاً. كان ابن طولون نموذجاً لعالم العصر: كان ذكياً فتعلم كل شيء قرأه، وقرأ كل شيء وقعت عينه عليه، وكان قادراً على هضم المعرفة، ومرن على الكتابة بيسر. لكن الذي لاحظه دارسو ابن طولون هو أن الرجل لم يُبد بالقضايا المعاصرة له رأياً خاصاً، فهل إن الرجل لم يع المشكلات التي كانت البلاد تعانيها؟ على أن ابن طولون لم يكن الوحيد بين علماء عصر المماليك الذي لم تشغله القضايا العامة ما دام يستطيع أن يحقق حلمه أي التعلم والتدريس في الموضوعات المألوفة وعلى الطريقة التقليدية(10).

7-المؤلفون والكتب:

تمكنا في مناسبات مختلفة من جمع أسماء المؤلفين الذين عرفتهم بلاد الشام، وخاصة دمشق، في عصر المماليك، فتبين لنا نتاج حري بالدرس المفصل. أما الأسماء فقد حصلنا عليها (ولن نذكرها ههنا مفصلة) من كتب الذيل في تاريخ الروضتين لأبي شامة وتاريخ أبي الفداء والبداية والنهاية لابن كثير والدرر الكامنة لابن حجر وفوات الوفيات للصفدي. وقد أسعفنا كتاب بروكلمان في تاريخ الأدب العربي كثيراً في الحصول على الأسماء وتيسير الرجوع إلى المظان الأصلية. وهذه هي الخلاصة التي توصلنا إليها:

الفقهاء

26

الأطباء والعلماء والفلكيون

14

المفسرون والمحدثون

23

الموسوعيون

4

المتصوفة

5

مؤلفون متفرقون

3

أهل النحو والأدب والشعراء

32

المؤرخون والجغرافيون

28

135

فأهل الأصناف الثلاثة الأولى، أي الذين ألّفوا في الموضوعات الدينية، وعددهم 54 عالماً، يكوّنون 40% من مجموع العلماء.

وقد وضع هؤلاء المؤلفون، بقدر ما تيسر التفصيل والتصنيف من المصادر التي ذكرناها قبلاً، 918 كتاباً (هي التي وصلتنا) وهي، موزعة على الموضوعات، تبدو على النحو التالي:

الفقه

271

التاريخ والجغرافيا

123

التفسير والعقيدة والحديث

164

الطب والعلوم والفلك

52

التصوف

158

الموسوعات

4

اللغة والأدب والشعر

135

مؤلفات متفرقة

11(11)

والكتب الموضوعة في الشؤون الدينية هي 593 وتؤلف 65% من مجموع ما ألف. ولعله من الخير أن نضيف الملاحظ التالية:

1-من المناسب أن نتذكر أن عدداً كبيراً من المحدثين والمفسرين والقراء والأئمة اكتفوا بالتدريس ولم يؤلفوا كتباً.

2-نجد أن الكثير من الدواوين الشعرية يدخل في عداد الكتب الدينية، إذا كان الموضوع ذكر الله ومدح الرسول (r) ومثالنا على ذلك: ديوان ابن نباتة (تو 768هـ/1366م) الموسوم منتخب الهدية من المدائح النبوية، والودائعي (تو 276/1326) في ديوان البدر الطالع؛ وفي بديعية العميان للشاعر الضرير (تو 780/1387).

3-ثمة عدد من الكتب الدينية يتكون من عدد من المجلدات، مثل فتاوى ابن تيمية وتفسير ابن كثير.

4-وقد عرفت الفترة النزر من التأليف العلمي، باستثناء كتب قليلة في الطب والفلك. وثمة كتابان في المنطق واثنا عشر كتاباً في الجغرافية وكتاب واحد عن الاستراتيجية والتعبئة. وقد اتبع الطب بسبب رعاية نور الدين وصلاح الدين وخلفائهما. فضلاً عن أن الطب كان ذا فائدة عملية ولم يكن له نصيب من التدخل في أمور السياسة. وعلى غرار ذلك كانت كتب الفلك وما إليه في الغالب تعنى بالناحية العلمية من هذه القضايا، مثل التوقيت وعمل الاسطرلاب.

ونحسب أن هذا يتفق مع روح العصر من جهة، ومع التطور الذي سبق ذلك في مسافات الحياة الفكرية الإسلامية.

فقد عرفت هذه الناحية، في رأينا، ثلاثة مساقات لا مساقين على نحو ما جرى عليه العرف. فهناك المساق الفقهي والمساق الفلسفي ومساق العلوم النفعية، وهي تشمل الطب والهندسة والفلك من حيث أهميته التوقيتية. والأول كان سند الدولة وكانت الدولة سنده باستمرار. والثاني نما واتسع في فترة زمنية محدودة في القرنين الأولين أو الثلاثة الأول من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية. ولما وقع الخلاف بين المساق الأول (الفقهي) والمساق الثاني (الفلسفي) كان هذا الخاسر، فانحسرت الفلسفة، على الأقل منذ أيام الغزالي ( تو 505/1111)، وظل للفقه سلطانه. أما العلوم النفعية فلم يقع بينها وأهلها وبين الفقه وأهله أي صدام حقيقي أو خلاف جذري، فاستمرت تنتج طباً وصيدلة وهندسة في جميع العصور التي تلت، ومنها الفترة التي نعنى نحن بها الآن.

8-القضايا العامة:

والقضايا الشرعية والإدارية والعسكرية والمدنية التي شغلت العلماء كانت كثيرة، وكانت مجالاتها وأبعادها تختلف بين المنطقة والأخرى وبين العالم والعالم التالي، ثم بين عقود وعقود من السنين.

وقد رأينا أن نتناول عدداً من هذه القضايا رغبة منا في الإشارة إلى ما شغل الناس وملأ عليهم نفوسهم وضمائرهم في العصر المملوكي:

1-كانت قضية الاجتهاد مما شغل علماء كثيرين، ومن كبارهم بطبيعة الحال، فنحن نجد أن ابن عبد السلام في كتابه "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" وابن تيمية في فتاواه وابن قيم الجوزية في "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية" تناولوا هذه القضية بالذات، ويبدو أنهم لم يكونوا مرتاحين لأحكام الأئمة الأربعة. وقد استغرب ابن عبد السلام كيف أن عالماً يرى ضعف حجة أمامه ثم يسمح لنفسه باتباعه (قواعد الأحكام ص 153). وابن تيمية أخرج أموراً كثيرة تعتبر اجتهاداً شخصياً، منها قضية الطلاق، وابن قيم الجوزية كان يقول بأن السياسة (أي الحكم) قد تتبع سبلاً تنتهي إلى الخير العام، وهي حرية بالاتباع ما دامت لا تتعارض مع الأصلين الإسلاميين –كتاب الله وأحاديث الرسول (r).

2-كان من الطبيعي، والعصر المملوكي كان زمن جهاد ضد الغزو الخارجي، أن يكون لهذا الموضوع شأن كبير بين الفقهاء، خاصة وأن خطر هجوم أوروبي جديد لم يكن بعيداً عن التصور، بل يجب أن نذكر حملتين الواحدة على الإسكندرية والثانية على نيكوبوليس. وكانت بعض عناصر السكان تتهم بمساعدة الأوروبيين. وكانت الدولة تعتبر هؤلاء خونة، ويجب أن يطالهم العقاب إما أفراداً أو جماعات. وقد هاجم المغول سورية وجوارها مرات عدة، وكان القتال يتراوح بين النصر والخذلان بدرجات مختلفة. وقد وجد هناك من يعطف على المغول من أبناء البلاد. فهل يعتبر هؤلاء خونة؟ وعلى أي أساس؟

كانت هذه القضايا المتعلقة بحروب تلك الفترة موضوع بحث ونقاش. كان الأوروبيون مسيحيين لذلك كان في واقع الأمر يتوجب على الدولة أن تقوم بالجهاد ضدهم على يد السلطان. لكن المغول قد أسلموا. فهل كان القتال ضدهم عملاً مشروعاً؟ لقد رأينا أن ابن تيمية قاد الحملة ضدهم بنفسه، ولو لم يكن الرجل مقتنعاً بصواب رأيه لما قام بهذا العمل. وقد كان رأيه في الموضوع واضحاً كل الوضوح. كان المغول مسلمين، ولكن تصرفهم الوحشي مع المسلمين في مدن العراق وشمال سورية وقراهما وضعهم في مصاف المجرمين العاديين. ومن ثم فقد حق عليهم القتال. وكان أكثر من نصرهم من الشيعة، ولم يكن ابن تيمية معجباً بهم. ولذلك فقد رافق حملة أرسلت للهجوم على معاقلهم في جبال سورية ولبنان(12).

3- تقديس الأراضي المقدسة (فلسطين): كان اهتمام الناس بالأراضي المقدسة من الموضوعات التي احتلت مكاناً مرموقاً في المناقشات الدينية في عصر المماليك. ونكتفي هنا بالإشارة إلى الكتب الثلاثة التالية التي وضعت في هذه الفترة لتظهر مدى استئثار هذه القضية بتفكير العلماء، وهي: "ترغيب أهل الإسلام بسكنى الشام" لعز الدين بن عبد السلام الملقب بسلطان العلماء، و "مثير الغرام في زيارة القدس والشام" لشهاب الدين المقدسي، و"مثير الغرام في زيارة الخليل عام" للتدمري الخليلي.

والفكرة التي يتناولها الكتاب الأول، وهو مثل لكتب كثيرة في الموضوع، هو أن الشام (أي ديار الشام) –ودمشق خاصة- بلد مقدّس بالنسبة للمسلمين وذلك بسبب الأحاديث النبوية المتعددة المتعلقة بها. وقد دفن عدد من الصحابة في سورية، ومن ثم فإن البلاد تشغل مكانة هامة في الإسلام، وإذن فإنه يتعين على المسلمين الدفاع عنها. والمثير الأول يضع النبرة على القدس، بينما يهتم الثاني بالخليل.

ويبدو أن تقديس الأراضي المقدسة كان قد أصبح في القرن السابع (الثالث عشر) قوياً إلى حد أن ابن تيمية وجد أنه من المصلحة أن يفند مثل هذه الفكرة، التي كان يعتبرها أمراً فاضحاً. لذلك فإنه صنف كتاباً سماه: "قاعدة في زيارة بيت المقدس". وحججه وتفنيده تتلخص فيما يلي: 1-أن المسجد الأقصى يعتبر ثالث مسجد في الإسلام من حيث أهميته، أما مسجد الخليل فلا يعتبر مساوياً له. 2-والمسجد الأقصى هو مكان لعبادة الله، مثل أي مسجد آخر، لكن زيارته لا تغني المرء عن الحج إلى مكة. 3-ليس ثمة حرم مرتبط بأي من مسجدي القدس أو الخليل، مع أن لمسجد مكة حرماً خاصاً به مثل المدينة. 4-زيارة المسجد الأقصى أمر عادي ويمكن أن تتم في أي وقت ولكن لا يمكن قط اعتبارها حجاً. 5-لا يمكن اعتبار زيارة لعسقلان وعكا وطرطوس زيارة دينية لأن هذه الأماكن هدمت مساجدها. وقد جرب ابن تيمية، بالإضافة إلى أمور أخرى، أن يبين أن كثيراً من الأحاديث التي يقبلها الناس على أنها صحيحة ليست هي كذلك، وإنما هي من وضع القصّاص(13).

4-علاقة الإنسان بالله: كانت علاقة الإنسان بالله من المسائل التي كثر القول فيها في ذلك العصر. وكان ثمة اتجاهان: الأول هو التفسير الصوفي، وهو الذي يجذب إليه العدد الكبير من الأتباع، والذي لفت نظر العلماء لما أخذ المتصوفة تنظيم أنفسهم طرقاً جديدة. وكان الاتجاه الآخر هو الاتجاه السني، الذي كان يحتضنه الأشاعرة والمدارس الحنبلية الحديثة العهد، والتي كانت تتطور بسرعة بين القرن السادس (الثاني عشر) والقرن الثامن (الرابع عشر).

كان التفسير الصوفي يقول بالحلول والاتحاد، وهما فكرتان نشأتا مع الوقت وتطورتا بتأثير عدد من المفكرين. وقد أضيف إليهما، في القرن السابع (الثالث عشر)، وحدة الوجود. وقد تشدد المتصوفة في اعتبار المعرفة طريقاً لإدراك الله. وكان الكثيرون منهم، إن لم يكن كلهم، مستعدين لقبول أساليب غريبة للعبادة، أو التخلي عن بعض ما هو مفروض من العبادات: فقبلت الطرق الصوفية الذكر والسماع طريقاً للمعرفة. وقد كان الصوفي الأول في هذه الفترة ابن عربي، لذلك لما أخذ ابن تيمية نفسه بمقارعة التصوف اتخذ ابن عربي هدفاً لحملاته.

أما الاتجاه السني فقد حافظ على مستوى رفيع في الأخلاق والتفكير، ورفض قبول أي تجديد أو ترتيب قد ينتقص من صفاء العقيدة الأولى. وقد كان علماء السنة، سواء في تفنيدهم للصوفية أو في إعادة النظر في بعض الأمور المتعلقة بالإسلام، نشيطين جداً. ولعل ابن تيمية، على ما ذكرنا، كان أكبر قادة الفكر السني (الحنبلي) في ذلك العصر.

كان ابن تيمية ومعاصروه يرون أن الإسلام هو الدين الحق، ومن ثم فإنه كان يتعين على المسلم أن يؤمن بالله وبرسوله. والمسلم يرجع في القرآن والسنّة لتفهم العقيدة لأن جميع الأمور المتعلقة بالإيمان والعمل موضحة فيهما بما لا يترك زيادة لمستزيد. والإيمان الذي يضمن لمسلم النجاة هو الاعتقاد بالله وبرسوله. وإصرار ابن تيمية على أن الإيمان وحدة لا تتجزأ أمر يلفت النظر، إذ أن هذه النظرة قبلت العبادة على ما جاءت عليه في مصدري الإسلام الأساسيين فقط. يضاف إلى ذلك أن الإنسان يجب أن يسلم أمره إلى الله، وأن تسليمه يجب أن يكون تاماً، شأنه في ذلك شأن إيمانه.

كان الله يوحي إلى الإنسان بواسطة الرسل، ومحمد هو خاتم الرسل. وإذن فعلى الإنسان، عندما يطلب العون من الله، أن يسأل النبي شفاعته، لكن ابن تيمية عارض التردد على المزارات وزيارة قبور الأولياء على أساس أن مثل هذه الأماكن وأولئك الرجال لهم قوى خارقة، أو أنهم يمنحون بركات خاصة أو أنهم يستطيعون أن يتوسطوا بين الإنسان وخالقه، وحمل على مثل هذه الزيارة حملات شعواء، وبذل الكثير من الجهد ليظهر للناس أن الله لم يهب مثل هذه القبور مكانة مميزة أو قوة خاصة(14).

5-الفرد والأمة: كانت الأمة الإسلامية هي الأمة في نظر ابن تيمية، وكان التعاون بين أفراد الأمة هو أساس العمل المشترك فكان يترتب على المسلم أن يعين الآخرين على فعل الخير وتجنب الشر وإحقاق الحق. وكان ابن تيمية يعتبر الأمة شيئاً عضوياً وأن لها أهدافاً وغايات معروفة. وغرض الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعنى هذا أن الأمة كانت تحقق إرادة الله.

وكان على الأمة، رغبة منها في تحقيق غاياتها، أن يكون لها تنظيم دولة هو الإمامة التي يتوجب عليها، وعلى من فيها من موظفين وهيئات، أن تذعن لمبادئ الإسلام. ويترتب عليها أن يكون هدفها أيضاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويجب أن تكون دولة عادلة لأن الله لن يؤازر دولة ظالمة، ولو أن هذه قد تكون دولة مكونة من مؤمنين. والدولة التي كان ابن تيمية يفكر فيها هي دولة دينية، لكنه كان يريدها، على ما يرى هنري لاوست، دولة واجبها أن تتعاون مع الأمة وتخدمها، لا أن تكتفي بأن تقبل خضوعها فحسب. على أن الخضوع كان لازماً لتحقيق الهدف الذي وجدت الأمة من أجله. وعلى الدولة واجب أدبي في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للأمة، إذ يتوجب عليها أن تحق الحق، وتنشر الأمن وتتأكد من أن الناس قاموا بفروضهم الدينية. وعليها، بالاعتماد على المحتسب، أن تستوثق من صحة المعاملات وأن تحمي الناس من الغش والتدليس(15).

أما من الناحية الاقتصادية فقد كان على الدولة أن تحمي الأمة ضد الاحتكارات وتدليس التجار. ومراقبة الأسعار كانت جائزة عندما يكون المقصود منها مساعدة الناس في الحصول على حقهم –في أيام القحط والعوز. وقد قبل ابن تيمية أن تتدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية للمجتمع لضمانة حاجاته فقط. وإذن فقد كان جائزاً أن يكلف البعض القيام بأعمال تجارية أو زراعية أو في حالة الحرب على أن يكون ذلك لقاء تعويض، وعلى أن لا يتأذى أحد بسببها.

ولم يكن ابن تيمية يحبذ الاقتصاد الفردي، لأن الفرد لم يكن السيد المطلق في تصرفاته. فهو من الجهة الواحدة خاضع لتعليم الإسلام ومن الجهة الثانية جزء من الأمة، مرتبط بها.

9-الخاتمة:

لقد ترك علماء عصر المماليك أثراً لا في معاصريهم فحسب بل تعداهم إلى الأجيال التي تلت. وفي هذا المجال يبدو اسم ابن تيمية في طليعة المصلحين في ذلك العصر، وذلك بسبب نشاطه ودقة تفكيره وصفاء أسلوبه (بالنسبة إلى الفقهاء وأهل الشرع) وصراحته. وقد كان أتباع ابن تيمية كثيرين، ومن أبرزهم ابن قيم الجوزية (توفي سنة 751/1350). وممن تأثر بآراء ابن تيمية من غير الحنابلة نذكر الذهبي وابن كثير وابن حجر، وهم ثلاثة من كبار المؤرخين العلماء. وقد كان تأثير ابن تيمية في مصر كبيراً حتى في حياته.

ومن الجدير بالذكر أنه لما سمع بعض علماء بغداد، العاصمة التي دمرها هولاكو قبل ذلك بسبعين سنة، بأن ابن تيمية معرّض للسجن في قلعة دمشق كتبوا إلى السلطان الناصر يرجونه في قضية شيخ الإسلام. وقد جاء في رسالتهم أنه لما بلغ المشارقة وأهل الولايات العراقية الشرقية بأن شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية مسجون، حزّ ذلك في نفوسهم. ولما أدرك علماء تلك النواحي مدى المأساة كتبوا إلى السلطان مؤيدين الشيخ في فتاواه، مشيدين بعلمه وفضله، مدافعين عن دينه وحرصه على نصح الأمراء المسلمين بما يتوجب عليهم نحو الإسلام.

ولما فتح العثمانيون سورية، ضعف شأن الحنابلة ومدارسهم، لأن الأتراك كانوا حنفيين. وقد ظل ابن تيمية مدة طويلة منسياً في بلده. ولعل المتصوفة، الذين مال العثمانيون إليهم (فقد بنى سليم، فاتح سورية، زاوية حول ضريح ابن عربي في دمشق) أسهموا في ذلك. إلا أن بلاداً أخرى أخذت نفسها بالتعرف إلى ابن تيمية ودرس آرائه وأتباعه. ففي أواسط القرن الثامن عشر قام محمد بن عبد الوهاب بدعوته في نجد، وكانت أصلاً تسير على خطوات ابن تيمية. وبعد ذلك بقرن تقريباً قام السيد محمد بن علي السنوسي بحركته الإصلاحية في ليبيا –وأثر تعاليم ابن تيمية واضح في الدعوة السنوسية. وفي مطلع القرن الحالي أعلن السيد رشيد رضا، صاحب المنار، وأحد كبار السلفيين، أنه من أتباع ابن تيمية.

وهكذا فقد وضع ابن تيمية الإطار الأول للإصلاح الإسلامي والإحياء الديني، الأمر الذي قبله دعاة الإصلاح وجماعة الإحياء منذ ذلك اليوم.

*الحواشي:

(1)نشطت الدراسات المتعلقة بالفترة المملوكية بحيث أنه يصعب احتواء المادة هنا. ولعل أنسب ما يمكن أن يفعل هو أن ينظر الباحث المهتم فعلاً بتفاصيل عن هذه الفترة في الموسوعة الإسلامية (EI2) الطبعة الجديدة ويتابع حكام المماليك فرداً فرداً. على أنه من المناسب أيضاً أن يتعرف إلى ما كتبه الرحالون المسلمون والإفرنج على السواء. وقد جمعت أنا في كتابي:

Damascus under the Mamluks, Oklahoma, 1963.

خلاصة وافية لما دون الرحالون الأجانب عن دمشق خاصة، فليرجع إليه. ومن هؤلاء الذين تحدثنا عنهم هناك:

(a)Benjamin of Tudela, “Travels… ed. Wright (London 1848).

(b)Frescobaldi, Leonardo and others “Visit of the Holy flaces of Egypt, Sinai, Palestine and Syria in A.D. 1384 Jerusalem 1948).

Niccolo of Poggobonsi, A Voyage Beyond the Seas, Jerusalem 1945.

Ziadeh, Nicola Urban Life in Syria under the Early Mamluks (Beirut, 1953).

(2)-Afifi, A.E. The Mystical Philosophy of Mahyid Din Ibnul “Arabi, (Cambridge 1939).

Arberry, Arthur, J.Sufism, (London, 1950).

ابن تيمية، تقي الدين: بغية المرتد (القاهرة 1323هـ).

ابن تيمية، تقي الدين: مجموعة الرسائل الكبرى (القاهرة 1323).

ابن عربي، محيي الدين: ترجمان الأشواق (بيروت، صادر 1963).

أبو الفدا، إسماعيل بن علي: المختصر في أخبار البشر (استانبول 1268هـ).

(3)انظر: ليونز وجاكسون صلاح الدين، ترجمة: علي ماضي، مراجعة: نقولا زيادة وفهمي سعد (بيروت 1988).

(4-7)Makdisi, George The Rise of Colleges, (Edinburgh, 1981).

Nashabe, Hisham Muslim Educational Institutions, (Beirut, 1989).

زيادة نقولا: الحسبة والمحتسب في الإسلام (بيروت 1963).

(8)Afifi, ibid.

(9)Laoust, Henri: Essai sur les doctrines sociales et politiques of Taki-Din Ahmad B.Taymiyya (Cairo, 1939).

ابن تيمية، تقي الدين: فتاوى (القاهرة 1325- 1329هـ).

ابن تيمية، تقي الدين: كتاب السياسة الشرعية (القاهرة 1316هـ).

(10)زيادة، نقولا: الجغرافية والرحلات عند العرب (ط2، بيروت 1980).

زيادة، نقولا: رواد الشرق العربي في العصور الوسطى (ط2، بيروت 1986).

(11)Ziadeh, Nicola, Urban pp. 151- 189.

زيادة، نقولا: دمشق ص 185- 190.

(12) Ziadeh, Urban pp. 179ff.

(13)ابن تيمية: القاعدة في زيارة بيت المقدس. (JAOSL 1936).

(14) Ziadeh, Urban pp. 179ff.

(15) Ziadeh, Urban 180ff, Laoust, doctrines, 316ff.

*المصادر والمراجع:

-ابن بطوطة، محمد بن عبد الله: تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار- باريس، المطبعة الأهلية، 1874-1879 (4 أجزاء).

-ابن تغري بردي، يوسف: النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة –القاهرة، 1963 (12 جزءا).

-ابن تيمية، تقي الدين: بغية المرتد –القاهرة، 1323هـ.

-ابن تيمية، تقي الدين: رسائل ومسائل- القاهرة، 1346هـ.

-ابن تيمية، تقي الدين: فتاوى –القاهرة، 1325- 1329هـ (5 أجزاء).

–ابن تيمية، تقي الدين: كتاب السياسة الشرعية –القاهرة، 1316هـ.

–ابن تيمية، تقي الدين: مجموعة الرسائل الكبرى –القاهرة، 1323هـ.

-ابن جبير: رحلة ابن جبير: حسين –بيروت، صادر، 1961.

-ابن طولون، محمد بن علي: تاريخ الصالحية –دمشق، 1949 (جزءان).

-ابن عربي، محيي الدين: ترجمان الأشواق –بيروت، صادر 1963.

-ابن الفرات، محمد: تاريخ ابن الفرات –بيروت، 1936- 1938، جزء 8 و 9.

-ابن فضل الله العمري: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار –القاهرة، 1923، جزء 1.

-ابن قدامة: موفق الدين: المغني –القاهرة، 1346- 1348هـ (12 جزءاً).

-ابن كثير، اسماعيل بن عمر: البداية والنهاية –القاهرة، 1358هـ (جزء 14).

-أبو شامة، عبد الرحمن: تراجم رجال القرنين السادس والسابع (ذيل كتاب الروضتين) –القاهرة، 1947.

-أبو الفداء، إسماعيل بن علي: تقويم البلدان، (تحقيق رينو دي سلان) –باريس، 1840).

-أبو الفدا، إسماعيل بن علي: المختصر في أخبار البشر- استانبول، 1268هـ.

-البدري، عبد الله: نزهة الأعلام في محاسن الشام –القاهرة، 1341هـ.

-زاترستن، ك.ف. (محقق): تاريخ سلاطين المماليك –ليدن، 1919.

-الشيزري، عبد الرحمن: نهاية الرتبة في طلب الحسبة –القاهرة، 1946.

-الظاهر، خليل: زبدة كشف الممالك، (تحقيق رافيسو) –باريس، 1891.

-القلقشندي، شهاب الدين: صبح الأعشى –القاهرة، 1913-1914 (جزء 14).

-الحسني، عبد القادر: تاريخ سورية الاقتصادي –دمشق 1342هـ.

-القفطي: تاريخ الحكماء –ليبزغ، 1320هـ.

-ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء –بيروت، 1965.

-ابن عبد السلام: ترغيب أهل الإسلام في سكنى الشام –القدس 1940.

-م.ك. ليونز –ود. أ.ب. جاكسون: صلاح الدين (مترجم) –بيروت، 1988.

-زيادة، نقولا: رواد الشرق العربي في العصور الوسطى، ط2 –بيروت، 1986.

-زيادة نقولا: الجغرافية والرحلات عند العرب، ط2- بيروت، 1980.

Afifi, A.E, “The Mystical Philosophy of Muhyid Din Ibn ul ,Arabi”, Cambridge, 1939.

Arberry, Arthur J., “Sufism”, London, 1950.

Benjamin of Tudela, “The Travels of Rabbi Benjamin, In Early Travels in Palestine”, (ed. By Th. Wright), London, 1848.

Brocquiere, Bertrandon de la, “The Travels of Bertrandon de la Brocquiere”, ed. By Th. Wright), London, 1848.

Ecochard, M. and Claude Le Coeur, “Les Baines des Damas”, Beirut, 1940.

Frescabaldi, Leonardo and others, “Visit to the Holy places of Egypt, Sinai, Palestine and Syria in A.D. 1384”, Jerusalem, 1948.

Gaudfroy- Demombyne, M,. “La Syrie a L,epoque de Mamlouks d,apres les Auteurs Arabes”, Paris, 1923.

Gibb, Sir Hamilton, “Arabic Literature”, Oxford, 1963 (2nd ed).

Laoust, Henri, “Essai sur les Doctrines Sociales et Politiques de Taki-Din Ahmad B.Taymiyya”. Cairo, 1939.

Niccolo of Poggobonsi, “A Voyage Beyond the Seas”, Jerusalem, 1945.

Sauvaget, Jean, “Esquisse d,une Histoire de la ville de Damas”, “Revue Etudes Islamiques”. 1934.

Smith, Margaret, “Readings from the Mystics of Islam”, London, 1950.

Terresse, Rene, “L,Irrigation dans la Ghouta de damas”, “Revue Etudes Islamiques”, 1929.

Ziadeh, Nicola A., “Urban Life in Syria under the Early Mamluks”, Beirut, 1953.

Nashabe, Hisham, Muslim Educational Institutions (Beirut, 1989).

Barlet, Robert, The Making of Europe Allen Laue The Penguin Press, 1993.

Makdisi, George, The rise of Colleges, (Edinburgh, 1981).

Housley, Norman, The Later Crusades (OUP 1992).

awu-dam.org/trath/55-56/turath55-56-004.htm

170 Views

عن

إلى الأعلى