الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » التاريخ » تاريخ العرب والمسلمين » الملاحة البحرية وحماية الثغور – محمد علي شاهين

الملاحة البحرية وحماية الثغور – محمد علي شاهين


الملاحة البحرية وحماية الثغور

بقلم: محمد علي شاهين

لفت القرآن الكريم انتباه المسلمين إلى البحر وما فيه من فوائد ومنافع، فقال تعالى في محكم آياته: (وهو الذي سخّر البحر لتأكلوا منه لحما ًطريّاً وتستخرجوا منه حليةً تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون).(1)

ودعت الحاجة بعد اتساع دولة الإسلام، وبلوغها شواطئ البحار، وبسط سيطرتها على جزر البحر الأبيض المتوسّط، وتعدّد أوجه النشاط التجاري في دولة مترامية الأطراف، إلى بناء أسطول إسلامي مؤهّل لتلبية متطلّبات نقل البضائع والحجّاج والمسافرين، وقادر على حماية ثغور الإسلام، وردّ غارات المعتدين، والمحافظة على أمن الملاحة البحريّة وحريّتها، وسلامة النقل على متن السفن التجاريّة التي تمخر البحار، والضرب على أيدي القراصنة، الذين امتهنوا حرق السفن وسرقة حمولتها، واسترقاق بحّارتها وركّابها، وربط البرّ بجزر البحر المتوسّط، الذي تحوّل إلى بحر إسلامي بخطوط ملاحيّة منتظمة.

ولبلوغ هذا الغرض شيّد المسلمون دور الصناعة، وكان الخليفة الراشد عثمان بن عفان (رضي) أوّل من أمر بتشييد دار لصناعة السفن، وأنشأ المسلمون في جزيرة صقيلية داراً لصناعة السفن في عهد الأغالبة، وكانت أهم دور الصناعة في بلاد الشام ، وصور، وطرابلس، وحيفا، بسبب كثرة الأخشاب الصالحة لبناء السفن في جبال لبنان، وجلبوا خشب الساج من الهند ، واليمن، والحبشة، والسودان، واستوردوه من البندقيّة، ونقلوا خشب الأرز والصنوبر، والحديد، والقطران من الأماكن البعيدة، وصنعوا من القطن والكتان حبال السفن، وادّخروا تلك المواد في خزائن السلاح السلطانيّة، وأنشأ الأيوبيّون ديوان الأسطول، ورتّب المسلمون الصوائف والشواتي لغزو الروم بحراً.

حماية الثغور :

وأنشئت الموانئ لرسو السفن، وحمايتها من الأعاصير البحريّة، ومنع الاعتداء عليها، وكانت تزوّد مداخلها بالأقفال، وهي سلاسل حديد تشدّ عند مداخل الموانئ لمنع دخول السفن المعادية، ودرءاً لمخاطر القراصنة، كما تزوّد بمنائر لهداية السفن إليها، وكثيراً ما كانت القلاع تبنى بجوارها، حماية لها من الأعداء المغيرين.

يقول صاحب (البيان المغرب ) أنّ المجوس (النورمان) لمّا حاولوا الإغارة على مدن ساحل الأندلس" الغربي، وجدوا البحر محروساً، ومراكب المسلمين معدّة، تجري من حائط إفرنجة، إلى حائط جليقيّة في الغرب الأقصى.

فضل المسلمين في الملاحة البحريّة:

قام المسلمون بتحسين صناعة السفن الحربية، والإسهام في تقدّمها تقدّماً كبيراً، فظهرت منها أنواع متعدّدة ذات أشكال مختلفة، انتقلت أسماؤها العربيّة إلى لغاتهم، ولا تزال باقية فيها حتى الآن، وبنوا دور الصناعة على سواحل البحار وشواطئ الأنهار، وحذقوا هذا الفن، واشتهرت دور الصناعة في عكّا، وصور، وطرابلس، وبيروت، وحيفا، واتخذ حسان بن النعمان في تونس داراً لإنشاء الآلات البحريّة، وتطوّرت صناعة السفن في جزيرة الروضة والفسطاط، وعيذاب على البحر الأحمر ، ودمياط على شاطئ النيل .

وفي عهد المماليك بلغت عناية السلاطين بصناعة السفن النهريّة (النيلية) والبحريّّة التجاريّة منها والحربيّة درجة كبيرة، فطوّروا ما كان قائماً، وشيّدوا دوراً صناعيّة جديدة، وممّا اشتهر في عهدهم: دار صناعة الروضة، ودار صناعة الفسطاط، ودار صناعة بولاق، ودار صناعة الإسكندريّة، ودار صناعة دمياط ، ودار صناعة بيروت.

أنواع السفن الحربيّة :

ومن قطع الأسطول الحربيّة الكبيرة: الشواني، وتجذّف بثلاثة وأربعين ومائة مجدافاً، وهي مزوّدة بأبراج وقلاع للدفاع وللهجوم، وتحتوي على أهراء لخزن القمح، وصهاريج لخزن الماء العذب، ومنها الحراريق، وتعتبر من كبار المراكب، وإن كانت أقل من الشونة حجماً، وتستعمل على الأخص في حرق سفن العدو، فتزوّد بالنفط، ومنها: البطّس، وهي من السفن التجاريّة الحربيّة العظيمة التي تشتمل على عدّة طبقات، وعلى قلوع كثيرة تقدّر بأكثر من أربعين قلعاً، وتستخدم في حمل الأزواد والذخيرة والرجال، ومنها الأغربة: وهي من المراكب البحريّة الشديدة البأس، ومنها المسطّحات: وهي نوع من كبار سفن الحرب المسطوحة، ومنها الطرائد: وكانت تستخدم في نقل الخيل، ومنها الشلنديّات: وهي من كبار المراكب المسطّحة، وتستخدم في نقل البضائع، ومنها القراقير: وهي من السفن العظيمة المعدّة لنقل المؤن للأسطول، ومنها الحمّالات: التي تحمل الذخيرة للأسطول.(2)

وبنيت السفن على الساحل الجنوبي لبلاد العرب، من البصرة والشحر وظفار وريسوت حتى عدن، وقد أخذوا عن البحارة الهنود في كوتشي طريقة البناء بألواح التك أو النخيل، التي كانت تعشّق ولا تسمّر، ثم أخذوا عنهم طريقة تسيير الدفّة، وكان العرب يعرفون من قديم الزمان طريقة للتوجّه بواسطة وردة نجميّة عموديّة تكمل الأنواء، كما كانوا يعرفون الطريقة القائمة على النجم القطبي الشمالي، وكانوا منذ القدم قد استهدوا وهم في الصحراء على ظهور الإبل بالنجم سهيل، بوصفه نجمة قطبيّّة جنوبيّة، واستخدموا في إبحارهم إلى جزيرة سومطرة لنشر الإسلام، طريقة الاهتداء بالنجم الثابت في القطب الجنوبي، (غيوم ماجلان).(3)

وجلب العرب إلى منطقة البحر الأبيض المتوسّط ثمرات خبراتهم الملاحيّة في المحيط الهندي ، حيث هيمنوا على التجارة العظيمة القائمة في منتصف الدائرة بين كلوة في شرق أفريقيا، ومضايق ملقا وما بعدها.

وقد شهد المحيط الهندياختراع السفينة ذات الشراع مثلث الشكل (اللّتينة) رغم اسمها الأوروبي، وكان العرب هم أوّل من جلبوا إلى البحر المتوسط اللتينة الشراعيّة السريعة، وميّزة هذا النوع من السفن هي قدرته على الإبحار عكس اتجاه الريح، في حين لم يكن في وسع القرقور الضخم ذي الأشرعة المربّعة الذي عرفه البحر المتوسط غير الإبحار في اتجاه الريح.

وبفضل هذا الشراع المثلّث أصبح من الممكن السير والريح عاصفة، وبتحسين هذا الشراع أمكن القيام بالاكتشافات البحريّة الكبرى.

وقد اقتبس صنّاع السفن الأوروبيّون الشراع اللتيني وطوّروه، وهو ما مكّنهم فيما بعد من بناء سفن أكثر حجماً قادرة على عبور المحيط الأطلسي، وعلى النهوض بغير ذلك من رحلات الاستكشاف العظيمة.(4)

وازدهرت مصانع السفن الجهاديّة، ودور الصناعة المتخصّصة في بناء سفن النقل والقوارب، في موانئ دولة الموحّدين في شمال أفريقية، والأندلس، وخاصّة بعد أن ملك الموحّدون العدوتين.

وتفوّق أسطول الموحّدين على أسطول صقلية النورمنديّة، حتى أنّ السلطان صلاح الدين XE "صلاح الدين" الأيّوبي، تقدّم لأمير الموحّدين يعقوب المنصور ، ليمدّه بالأساطيل في حروبه مع الصليبيّين.

أسلحة الأسطول :

استخدم المسلمون في حروبهم البحرية الأسلحة البريّة عند الرسو في أرض العدو، هذا فضلاً عن الكلاليب التي تلقى على مراكب العدو عند الاقتراب منه، ويشدون بها سفنهم إليهم ويرمون عليها الألواح ليعبروا عليها كالجسر، والباسليقات وهي سلاسل في رؤوسها رمانة حديد، والنار الرومانية وهي مزيج من الكبريت وبعض الدهون، على شكل سائل يطلقونه مشتعلاً من أسطوانات نحاسية.(5)

الغطّاسون:

وكان يرافق كل مركب أربعة غطّاسين ليس لهم شغل إلاّ إذا زاد الماء في المركب فيتدهنون بالشيرج، ويسدّون مناخيرهم بالشمع، وينزلون البحر، ومع كل واحد منهم مخطافان، وبينهما حبل رقيق، فيطرح المخطاف الأوّل في خشب المركب فوق الماء، ويغطس بالثاني ويتنقل به تحت الماء، ويتجسس بأذنه فحيثما سمع خرير الماء، سدّه بالشمع لأنّها تكون ثقباً مسدودة بالجريد.(6)

تخيّر الربابنة:

ويتخير أمراء البحر ربابنة السفن من الرجال الأشدّاء، القادرين على إدارة القتال فوق السفن، وتوزيع المهام، والمناورة بالحركة، ومن ذوي المعرفة بمسالك البحر ومراسيه، وعلامات الريح، وحركات المدّ والجزر، ومعرفة المسافات البحريّة، وأعماق البحر، والقدرة على تحديد الإتّجاهات الجغرافيّة، ومعرفة استخدام البوصلة والأدوات البحريّة.

تمويه السفن:

وعرف المسلمون تمويه سفنهم الحربيّة فكانوا يغطّون سفنهم بقلاع زرقاء (لون زرقة البحر) حتي يقتربوا من عدوّهم في الهجوم فيفاجئوه، ويضلّلوه في الدفاع فلا يهتدي إليهم.

أوّل من غزا في البحر:

يعتبر العلاء بن الحضرمي عامل الخليفة عمر بن الخطاب على البحرين، أوّل من غزا في البحر في الإسلام، عندما جهز أسطولاً إسلامياً نزل به سواحل فارس سنة 17 هجريّة.

معركة ذات السواري:

تعتبر هذه المعركة إحدى أشهر الحملات البحريّة الإسلاميّة المظفّرة للأسطول الإسلامي، وكانت قد وقعت في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان (رضي) سنة 34 /655 واشترك فيها أسطول الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان ، وأسطول مصر بقيادة عبد الله بن أبي السرح ، وأسطول الروم بقيادة ملكهم (قسطنطين بن هرقل ) وكان أسطوله يضم ستمائة قطعة بحريّة أو ألف سفينة، اقتتل الفريقان أشد القتال، فوق السفن المربوطة مع بعضها، وكانت الغلبة فيها والغنيمة للمسلمين على الروم، وكان من نتائجها: اكتشاف أهميّة الأسطول العربي، وزيادة العناية بصناعة السفن، وإشعار بيزنطة بأنّّ عاصمتها مهدّدة بالأسطول الإسلامي.

إنجازات الأسطول الإسلامي :

قام الأسطول الإسلامي بحماية ثغور الإسلام من الأساطيل المغيرة المعادية، وسيطر على الشواطئ، وجعل البحر المتوسط، والبحر الأحمر بحيرتين عربيّتين، بعد أن كان البحر الأبيض المتوسّط بحيرة رومانيّّة، وفرض الأمن في البحر، وضرب على أيدي القراصنة، الذين كانوا يغيرون على السفن فيحرّقونها، أو ينهبون حمولتها من البضائع، ويسبون بحارتها وركّابها، ويبيعونهم في أسواق الرقيق الأوروبيّّة، وأعاد المسلمون تجارة المتوسط إلى سابق عهدها كطريق رئيسي للتجارة العالميّة، وحرّروا أوروبا من سيطرة الدولة البيزنطيّة.

ولم يقتصر نفوذ المسلمين على شواطئ البحر الأبيض المتوسط ، بل امتدّ إلى الجزر الهامّة فيه، حيث افتتح الأسطول الإسلامي جزر: قبرص ، وكريت، وصقلية، ورودس، ومالطة، وكورسيكا، وسردينيا، وميورقة ومنورقة، وجزائر البحر الأحمر .

وأخذت أساطيلهم الحربيّة تغير كل صيف على ثغور الروم، في حوض البحر الأبيض المتوسط لتؤكّد على إسلاميّة هذا البحر، وعلى جاهزيّة واستعداد الأسطول الإسلامي لردع القوى المتربّصة بدار الإسلام.

واستطاع الأسطول الإسلامي إخماد كل محاولات التمرّد في الجزر الإسلاميّة، فقد ذكر صاحب (المقتبس في أخبار بلد الأندلس ) أنّّ عبد الرحمن الأوسط سيّر أسطولاً من ثلاثمائة مركب إلى أهل جزيرتي ميورقة ومنورقة، لنقضهم العهد، وإضرارهم بمن يمرّ إليهم من مراكب المسلمين.

واستطاع موسى بن نصير ، سيف الوليد بن عبد الملك في المغرب ، الوصول إلى شبه جزيرة إيبيريا بأسطول بحري جسور، قاده طارق بن زياد ، وتمهيد الطريق لبناء حضارة زاهية شيّدها المسلمون على ثرى الأندلس .

وهنا لا بد أن نشير إلى دور (يوليان ) حاكم سبته القوطي في إعانة العرب بست سفن ساهمت في عبور المضيق، نحو شبه جزيرة إيبيريا.

وسواء أكانت السفن عربيّة أمويّة، أم قوطيّة، فإن رواية إحراق طارق بن زياد للسفن، لا ترقى إلى درجة اليقين، وكذلك قصّة الخلاف المزعوم بين القائدين المجاهدين موسى وطارق، والخطبة المنحولة على طارق: (أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو من أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام، وقد استقبلكم عدوّكم بجيشه وأسلحته، وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات لكم إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوّكم، وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمراً ذهبت ريحكم، وتعوّضت القلوب برعبها منكم الجرأة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية، فقد ألقت إليكم به مدينتكم الحصينة، وإنّ انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت.. إلخ).

ولم يقتصر الاهتمام البحري على البحر المتوسّط، وإنما تعدّاه إلى المحيط الهندي، فكان للمسلمين أسطولاً تجارياً إلى جانب الأسطول الحربي، وكان مجال اهتمامه في البحار الشرقيّة والجنوبيّة، وهي الخليج العربي، والمحيط الهندي، والبحر العربي، والبحر الأحمر، وأصبحت موانئ اليمن وعمان محطّات تجاريّة تنقل معظم تجارة الشرق الأقصى إلى أوروبا والعالم الإسلامي، ولعب التجّار المسلمون المتّجهون إلى الشرق دوراً كبيراً في نشر الإسلام في الهند وجزر سيلان وسومطرة وجاوا وأجزاء من الصين ، بالإضافة إلى مناطق شرق إفريقية خاصّة موزانبيق وزنجبار.(7)

وكانت سفن العرب تبحر في القرن التاسع بانتظام إلى ميناء كانتون في الصين ، وتتاجر مع ملقا " وجاوه وسومطره وسيلان (سرنديب) والهند؛ واتخذ التجار العرب مركزاً في الهند على مقربة من بمباي في مدينة كله، وجعلوا منها قاعدة لتجارتهم، وقد عرف التجّار العرب والملاّحون ساحل أفريقية الشرقي ووصلوا إلى جزيرة مدغشقر ، وكانت متاجر بغداد الكبرى تستورد الحرير من الصين، والتوابل والبهارات والعطور من الهند، والأخشاب الاستوائية وجوز الهند والرصاص من السند، وكانت سفن العرب تبحر من بغداد والبصرة، ويصل بعضها إلى البحر الأحمر وميناء القلزم (ميناء السويس الحالي) وغيره من الموانئ.(8)

ولم يتوقّف نشاط المسلمين البحري في عهد العباسيين، والطولونيين، والإخشيديين، والفاطميين، والأيوبيين، والمماليك، والعثمانيين، ولم تتوقف دور الصناعة عن بناء السفن، وشحنها بالسلاح والرجال، لكن هذا النشاط كان يمر بمراحل ضعف قصيرة، ثم يعود ليستأنف دوره المجيد في حماية دار الإسلام، وردع محاولات التسلل إلى ديار المسلمين.

خليج أمير المؤمنين:

ومن عبقريّة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب وصل البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، بالإمكانيّات المحليّة البسيطة التي كانت معروفة في عصره، وإنجاز مشروعه بزمن قياسي حتى أصبح صالحاً لمرور السفن، ولم يستدن لإنجاز خليجه، ولم يرهنه للمرابين، ولم يظلم العمال ويسخرهم لمشروعه، ولم يبن القصور والمسارح بطراً كما فعل غيره عندما افتتح قناة السويس، وباعوا أسهمها بأبخس الأثمان، وجلبوا الاستعمار والعار على أمتهم دهراً.

قال القضاعي أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمرو بن العاص عام الرمادة بحفر الخليج الذي في حاشية الفسطاط فساقه من النيل إلى بحر القلزم فلم يأت عليه الحول حتى سارت فيه السفن وحمل فيه ما أراد من الطعام إلى مكّة والمدينة فنفع الله بذلك أهل الحرمين فسمّي خليج أمير المؤمنين، وذكر الكندي أنّه حفر في سنة 32 هجريّة وفرغ منه في ستة أشهر وجرت فيه السفن ووصلت إلى الحجاز في الشهر السابع، قال ولم يزل تحمل فيه الولاة إلى أن حمل فيه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، ثم أضاعته الولاة بعد ذلك وسفت عليه الرمال فانقطع وصار منتهاه إلى ذنب التمساح من ناحية بطحاء القلزم، وقال ابن قديد أمر أبو جعفر المنصور بسد الخليج حين خرج عليه محمد بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالمدينة ليقطع عنه الميرة فسد إلى الآن، قلت أنا وأثر هذا الخليج إلى الآن باق عند الخشبي منزل في طريق مصر من الشام وهو الخليج الذي أراده أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن الساعاتي بقوله:

قـف بالخليــج فإنـه

أشهى بـقاع الأرض ربعاً

رقصت له الأغصان إذ

أثـنى الحمام عليه سـجعاً

متعطّف كـالأيم ذعراً

حـين خـيف فضاق ذرعاً

وإذا تـمر بـه الصبا

فاطرب بسيف صار درعاً

متسـاويـات سـننـه

خـفضا بـراكبها ورفـعاً

مـثل العقارب أقـبلت

فـوق الأراقم وهي تسعى

وقال أيضا:

نزلنا بمصر وهي أحسن كاعب

فقيـدة مـثل زانـها كـرم البـعل

فلم أر أمضى من حسام خليجها

يمـوج على إفـرندها صـدأ الطلّ

إذا سال لا بل سـلّ في متهالك

من الأرض جدب طلّ فيه دم المحل

غداة جلا تبر الشـعاع متونـه

ولا شك أنّ المـاء والنار في النصل

ولا شكّ أعطاف الغصون كأنّها

شمائـل معشـوق تثنـى مـن الدلّ

ينظم تعويـذاً لها سبج الدجـى

وينـثر إعجاباً بـها لؤلؤ الطلّ (9)

مشروع قناة السويس :

وقبل أن يفكّر المهندس الفرنسي (فردناند دوليسبس ) بألف عام، فكّر هارون الرشيد بوصل البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر.

ذكر المسعودي والمقريزي وغيرهما من المؤرّخين أنّ الرشيد العباسي كان يرى فتح البحر عند السويس ، حتى يقرب المجال بين المغرب وأطراف العراق، ويربط سواحل البحر الرومي والشام بعاصمة الخلافة، وكان يروم حمل خيراتها على المراكب إلى المشرق.

ولكن وزيره جعفر البرمكي ثناه عن هذا الأمر، وخوّفه أن تصل سرايا الروم وسائر الفرنجة إلى جدّة، فيخرّبون المواطن المشرّفة، قائلاً: يا أمير المؤمنين إنّ خرق السويس خرق في الإسلام، ولو أنّك وجدته مخروقاً بأيدي الملوك الذين سبقوا الخلفاء لوجب عليك اليوم سدّه، لأن مصالح التجارة لا تقضي على الإسلام بتضييع الفتوح التي دانت له ببذل الدماء.

وخوّف بعض العلماء الرشيد علو البحر الرومي على بحر القلزم (الأحمر) وأنّه إذا ريم خرق ما بينهما طمى البحر على أرض مصر" ، وأغرق عيذاب " والنوبة وسواحل اليمن والحجاز، وقد فاتهم أنّ سطح البحور متساو في الشمال والجنوب.(10)

محاولة ربط بحر الروم بالخليج:

ومن مآثر السلطان العثماني مصطفى الثالث ابن أحمد الثالث وكان ميّالاً للاصلاح محباً لتقدّم بلاده أنّه فكّر في طريقة غريبة لتسهيل المواصلات داخل المملكة منعاً لحصول الغلاء والمجاعات في إحدى الولايات وذلك أن يصل بين نهر الدجلة وبوغاز الآستانة بخليج عظيم تستعمل الأنهار الطبيعية مجرى له على قدر الإمكان فيسهل نقل أغلال من أطراف المملكة إلى الآستانة فيمتنع عنها الغلاء كليّة وهو مشروع جليل يقدّره العارفون حق قدره ولو أمهلته المنون لأتمّه وسبق (المسيو دي لسبس ) إلى إيصال بحر الروم بخليج فارس فالمحيط الهندي لكنه توفي رحمه الله في 24 رمضان سنة 1176 ه 8 ابريل سنة 1762 م ولم يجد مشروعه منفّذاً حتى الآن. (11)

* * * * *

المراجع :

1 ـ قرآن كريم، سورة النحل، الآية 14.

2ـ تاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى ص 74 عبد المنعم ماجد

3 ـ دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي ص 226 د. عبد الرحمن بدوي.

4 ـ فضل الإسلام على الحضارة الغربية ص 32 مونتجومري وات .

5 ـ الحضارة الإسلامية ص 77 د. عطية القوصي .

6 ـ العسكرية الإسلامية في العصر المملوكي ص 106 د. أحمد محمد عدوان.

7 ـ بناء الدولة العربية الإسلامية ص 211 د. محمد حسين محاسنة.

8 ـ إمبراطورية العرب ص 610 جون باجوت جلوب.

9 ـ معجم البلدان ج 2 ص 386 ياقوت بن عبد الله الحموي.

10 ـ حضارة الإسلام في دار السلام ص 117 جميل نخلة المدور .

11 ـ تاريخ الدولة العثمانيّة ج 1 ص 329 محمد فريد بك المحامي.

alghoraba.com/hadara/17_mela7a.htm

9 Views

عن الهاشمي-2

إلى الأعلى