الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » التاريخ » تاريخ العرب والمسلمين » الصحة والعناية بها في الحضارة الإسلامية

الصحة والعناية بها في الحضارة الإسلامية


الصحة والعناية بها في الحضارة الإسلامية

بقلم: محمد علي شاهين

دعا الرسول صلّى الله عليه وسلّم المسلمين إلى المداواة، فقال: (إنّ الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء). وبلغ من عنايته بالطب أن يقول: (العلم علمان: علم الأديان، وعلم الأبدان).

وحذّر من جهّال الأطباء، وحذّر من الأمراض المعدية، وإلى ضرورة عزل المريض المصاب بمرض معد كالجذام، والفرار منه، وعدم الخروج من أرض انتشر فيها الوباء كالطاعون.

وأوجب الطهارة من الخبث بالماء الطهور، ومن الحدث بالوضوء، والغسل، والتيمّم، ومنع بالحيض والنفاس الوطء، وحثّ على نظافة البدن والثوب والبيت والطريق، وجعل من خصال الفطرة: الاستحداد، والختان، وقص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، وتكريم الشعر بالدهن والتسريح، وحضّ على تخليل الأسنان واستعمال السواك.

وأحلّ الله الطيّبات، وحرّم الخبائث: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهلّ لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، وحرّم شرب الخمر، وحثّ المسلمين على الإكثار من صيام التطوّع بالإضافة إلى صيام الفرض، وإلى الاعتدال بالمأكل والمشرب، ونهاهم عن البطنة، وجعل المحافظة على الجسم حقاً على صاحبه، وأمر المسلم بالمداواة، ومكافحة الأمراض التي تعتري البدن.

الدعوة إلى تحسين النسل:

وقبل أن يعرف علم الوراثة، حذّر النبي من الإكثار من زواج الأقارب فقال (ص): (اغتربوا ولا تضووا) ودعا إلى تحسين النسل فقال: (تخيّروا لنطفكم فإنّ العرق دسّاس).

معالجة الأمراض النفسيّة:

ولم يتّكل الأطباء المسلمون في علاج مرضاهم على الطب الجسدي فقط، لأنّهم وجدوا أنّ المعالجة الروحيّة لا تقل أهميّة وخطراً عن المعالجة الجسديّة، ولم يقتصروا على المعالجة بالإيمان كما فعل النصارى.

وعالجوا الأمراض النفسيّة والعصبيّة بالإيمان، والصبر، والقناعة، والرضا بقضاء الله، وعدم إرهاق النفس بالعبادات كصوم الدهر، والعزلة كالإقامة الدائمة في الخانقاهات، واعتبر الامتناع عن الزواج مخالفاً لسنّة الرسول (ص).

وشيّد المسلمون مستشفيات متخصّصة في علاج الأمراض النفسيّة، لم يكن لها مثيل في أوروبا خلال عهود الظلام، استخدموا فيها الطب النفسي، والإيحاء، والموسيقى.

معرفة الأدواء الجسميّة والنفسيّة والروحيّة:

عرف المسلمون الأمراض الجسميّة ووصفوها في مصنّفاتهم الطبيّة ومنها: داء الفيل، وداء الصرع، وداء الخنزير، وداء الكلب، وداء الجذام، وداء الفالج، وداء الجدري، وداء الذبحة، وداء القرحة، وداء البواسير، وداء الكزاز، وداء الأرق، وداء الطاعون وغيرها من الأدواء.

ومن الطريف أن نذكر بأنّ المسلمين في مصنّفاتهم الأدبيّة يعتبرون بأنّ الحمق داء، والبخل داء، والحسد داء، والغرام داء، والبطر داء، والصبابة داء، والوجد داء، والجهل داء، والجوع داء، وعداوة الشعراء داء، وصحبة الفسّاق داء، والشيب داء، وحبّ الرئاسة داء، وكذلك داء الضلال، وداء الذنوب، وداء الزمان، متّعك الله أيّها القارئ الكريم بالصحّة والعافية.

القضاء على الخرافات الطبيّة:

وقضى الإسلام على الخرافات الطبيّة التي انتقلت إلى العرب عبر الزمان كالكهانة، وطب العرّافين، والمعالجة بالتمائم، والشعوذة، وتقديم القرابين، وجعل الطب علماً وفناً، ومهّد لقيام نهضة طبيّة شاملة في ديار الإسلام، كانت خيراً وبركة على الإنسانيّة جميعها.

واعتبر خلفاء الدولة الإسلاميّة العناية بالصحة الجسميّة والعقليّة من أهم الواجبات، ذلك لأن السقيم يعجز عن القيام بفرائض الدين، وعمارة الأرض، وحماية دار الإسلام.

الانتقال من طب البادية إلى العلوم الطبيّّة:

وفي رعاية الدولة خرج الأطبّاء المسلمون من طب البادية القائم على العادة لا على العلم، وعدم القدرة على الربط بين العلّة والمعلول، والسبب والمسبّب، والعلاج بالأعشاب والرماد والألبان، و طرائق العلاج التقليديّة القائمة على العسل، والحجامة، والفصد، والكي بالنار، إلى مجالات أرحب تقوم على العلم والتجربة، والتخصّص في الطب، وإجراء العمليّّات الجراحيّة، وانتقاء الأذكياء لتعلّم الطب، وتحريمه على الأغبياء.

مكانة عاليّة للطبيب في المجتمع الإسلامي:

وتمتّع الأطباء في المجتمعات الإسلاميّة بمكانة عالية، وكان لقب الطبيب دائماً يقترن بلقب الحكيم، وما ينطوي عليه هذا اللقب من الخير الكثير؛ قال تعالى: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً).(1)

واشتغل اطباء المسلمين بالعمليّات الجراحيّة، فابتكروا الأدوات الجراحيّة، وعقّموا الجروح، وربطوا الشرايين، وكانوا يرون الاشتغال بالتشريح مرضاة لله، كما قال أبو الوليد بن رشد: (من اشتغل بالتشريح ازداد إيماناً بالله).

أوّل مستشفى إسلامي أموي:

ويبدو أنّ أوّل مستشفى أنشئ في الدولة الإسلاميّة هو مستشفى الجذام الذي أقامه الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي في دمشق سنة 88/707، ثم تتابع من بعده الخلفاء والأمراء فشيّدوا البيمارستانات ـ والبيمارستان كلمة فارسية تعني المستشفى ـ في المدن الإسلاميّة، وأجروا لها الأرزاق والأدوية، وأثثوها بالأسرّة، واستقدموا لها الأطباء والصيادلة، وزوّدوها بخزائن كتب الطب والصيدلة.

مستشفيات متنقلة ومحطّات إسعاف:

وخصّ العباسيّون الجيش، والقرى النائية في سواد العراق، والحبوس، ومحطّات الإسعاف، بمستشفيات متنقلة محمولة على الجمال أو البغال، مزوّدة بكل ما يحتاج إليه المريض من أدوية وأشربة، وما يحتاجه الطبيب من أدوات الجراحة، ومن أشهر المستشفيات المتنقلة بيمارستان محمود السلجوقي الذي كان يحمل على أربعين جملاً، وبيمارستان الوزير شمس الملك الذي كان يحمل آلاته وخيمه وأدويته، والأطباء والغلمان والمرضى مئتان من الجمال.

ذكر صاحب أخبار الحكماء أنّ الوزير الفاضل علي بن عيسى الجرّاح، وقّع إلى الطبيب سنان بن ثابت بن قرة ـ وكان يشرف على بيمارستانات بغداد ـ قال فيه: فكرت ـ مد الله عمرك ـ في أمر من في الحبوس، وأنّهم لا يخلون مع كثرة عددهم، وجفاء أماكنهم، أن تنالهم الأمراض وهم معوّقون عن التصرف في منافعهم، ولقاء من يشاورونه من الأطباء في أمراضهم، فينبغي ـ أكرمك الله ـ أن تفرد لهم أطباء يدخلون إليهم في كل يوم، ويحملون معهم الأدوية والأشربة، وما يحتاجون إليه من المزوّرات (طعام المرضى) وتتقدم إليهم بأن يدخلوا سائر الحبوس، ويعالجوا من فيها من المرضى، ويزيحوا عللهم، فيما يصفون لهم إن شاء الله تعالى؛ ففعل سنان.

ثم وقع إليه توقيعاً آخر قال فيه: فكّرت فيمن بالسواد من أهله، وأنّه لا يخلو من أن يكون فيه مرضى لا يشرف متطبّب عليهم، لخلو السواد من الأطباء، فتقدم بإنفاذ متطبّبين، وخزانة من الأدوية والأشربة، يطوفون في السواد، ويقيمون في كل صقع منه مدّة ما تدعو الحاجة إلى مقامهم، ويعالجون فيه، ثم ينتقلون إلى غيره، ففعل سنان.(2)

خدمة المرضى في منازلهم:

ولم تقتصر خدمات المستشفيات على من يقيم فيها من المرضى، فقد جعل المسلمون خدماتها على من يطلبها وهو في منزله، فيرسل إليه ما يحتاج من الأشربة والأغذية والأدوية.

مجانيّة المستشفيات الإسلاميّة:

وتميّزت المستشفيات في ديار الإسلام بمجانّية التطبيب والعلاج والمأكل والمبيت، وكان كل مريض يعالج بصرف النظر عن لونه ودينه ومقامه، ذكراً كان أم أنثى، كما تميّزت العناية بالنظافة، وعزل ذوي الأمراض المعدية، والحجر الصحي على المصابين بها، والفصل بين حجرات سكن الذكور والإناث مراعاة لستر العورات، والتخصّص في معالجة الأمراض، واستيعابها للمتدربين من طلاب الطب، وكان لبعض المستشفيات حدائق تزرع فيها الأعشاب الطبيّة، وأقسام للمرضى الناقهين، ومختبرات للتحليلات الطبيّة، وعيادات خارجيّة، ومطاعم مجّانية للمرضى، تلحق بها، وكان يعمل في المستشفيات فريق متكامل من الممرّضين والممرّضات، وجهاز إداري كبير، ولم يخل مستشفى من مسجد لإقامة الصلاة، ومكتبة للتزوّد بالعلوم، وقاعة للمحاضرات.

وكان يصرف الفحم للتدفئة، والدثار للمرضى، والكسوة في فصل الشتاء في المستشفيات، كما في بيمارستان بدر غلام الخليفة المعتضد جنوبي رصافة المهدي، من واردات وقف السيدة سجاح أم المتوكل.(3)

وذكر الدكتور ناجي معروف أنّ هذه المستشفيات تقوم على أموال الأوقاف التي كانت تكوّن واردات كبيرة تكفي للقيام بحاجات المستشفى من غذاء وكساء وأدوية، وأجور الأطباء والممرّضين والخدم، والوقود والمياه والأثاث، ومرمة البناء، وكانت المستشفيات تؤسّس بأحسن أثاث، فقد قيل بأنّ المستشفى المنصوري بالقاهرة كان يماثل أثاث قصر الخليفة وقصور الأمراء، وكان الغذاء يحتوي على لحوم الضأن والأبقار والطيور، وكان المريض يزوّد بعد استحمامه بثياب نظيفة، ويبقى في المستشفى حتى الشفاء التام، وكانت علامة الشفاء مقدرة المريض على أكل رغيف كامل، ودجاجة كاملة، وعند خروجه من المستشفى كان يعطى بدلة من الثياب، ومبلغاً من النقود يكفيه العوز إلى أن يصبح قادراً على العمل.(4)

مستشفيات تعليميّة:

وفي بحثه القيّم عن العلوم والطب في مجموعة مقالات (تراث الإسلام) تحدّث الدكتور (ماكس مايرهوف) فقال: وجدت المستشفيات في زمن متقدّم، ربّما كانت على نمط المستشفى التعليمي الشهير في (جنديسابور) ومن الاسم الفارسي لهذا المستشفى (بيمارستان) اشتق الاسم الذي عرف به المستشفى في أرجاء العالم الإسلامي كافّة.

ولدينا معلومات وثيقة لأربعة وثلاثين معهداً من هذه المعاهد على الأقل كانت منتشرة في أنحاء العالم الإسلامي، من بلاد فارس حتى مراكش، ومن شمالي سوريّة حتى مصر.(5)

انتشار المستشفيات في أرجاء الدولة:

ولا يعني عناية الخلفاء بالمستشفيات التي تسابق الخلفاء والوزراء إلى إنشائها، في بغداد ودمشق والقاهرة أنّ عواصم الأقاليم كانت خالية من المستشفيات، فلم تخل حاضرة من حواضر العالم الإسلامي من مستشفى، لعلاج الأمراض، وتعليم الطب، ذلك لأنّ الأمصار كانت دائماً تقلّد ما يجري في العواصم الكبرى من إنجازات في عالم الطب.

أشهر مستشفيات دار الإسلام:

ومن أشهر مستشفيات دار الإسلام (البيمارستان الرشيدي) أنشأه الرشيد في بغداد، وسمّاه باسمه، وتولاّه (ماسويه) الطبيب، وتنافس الوزراء على تشييد المستشفيات في حواضر الإسلام، فأقام البرامكة في بغداد بيمارستاناً تولاّه ابن دهني، وأقام الوزير علي بن عيسى، في بغداد بيمارستاناً آخر، وبنى وزير المقتدر ابن الفرات (بيمارستان ابن الفرات) ؛ وبنى أحمد بن طولون مستشفاه بالقطائع قرب الفسطاط سنة 261/874 ، أما المستشفى العضدي ببغداد الذي بناه عضد الدولة بن بويه سنة 371 ه على الطرف الغربي من بغداد، فقد بهر الرحّالة ابن جبير بمنظره المشرف على شاطئ دجلة كأنّه قصر فاخر، والمستشفى النوري بدمشق الذي أنشأه نور الدين زنكي سنة 549/1154، واشتهر المستشفى المنصوري بالقاهرة الذي أسّسه سيف الدين قلاوون سنة 683/1284 وكان مقرّه قصراً سابقاً، وبنى الملك المؤيّد المارستان المؤيّدي بمصر، وأنشأ المنصور أبو يوسف، أحد ملوك الموحّدين بالمغرب مستشفى مراكش.

أول مستشفى بمصر الإسلاميّة:

وكان أحمد بن طولون أوّل من شيّد البيمارستان بمصر بعد تأسيسه مدينة القطائع، إلى جانب مسجده الجامع، وخصّص له الأطباء، وأجرى لهم الأرزاق، وكذلك خصّص ثياباً للمرضى، وأدوية وأرزاقاً تصرف لهم إلى جانب بنائه حمّامين: واحد للنساء، وآخر للرجال.

وعندما زار الرحّالة ابن جبير القاهرة، وصف أهم ما شاهده فيها، فقال يصف هذا البيمارستان: ومن مفاخر السلطان المارستان الذي بالقاهرة، وهو قصر من القصور الرائعة حسناً واتساعاً أبرزه لهذه الفضيلة أجراً واحتساباً، وعيّن قيّماً من أهل المعرفة، وضع لديه خزائن العقاقير، ومكّنه من استعمال الأشربة وإقامتها على اختلاف أنواعها ووضعت في مقاصير ذلك القصر أسرّة يتخذها المرضى مضاجع كاملة الكسي، وبين يديّ ذلك القيّم خدمة يتكفلون بتفقد أحوال المرضى بكرة وعشية، فيقابلون من الأغذية والأشربة بما يليق به، وبإزاء هذا الموضع مقتطع للنساء المرضى، ولهن أيضاً من يكفلهن.(6)

تحويل القصور الفاطميّة إلى مستشفيات:

ونقل أستاذنا الدكتور عبد المنعم ماجد، في كتابه القيّم: (تاريخ الحضارة الإسلاميّة) عن صاحب الخطط، وصفه لبيمارستان صلاح الدين بمصر، حيث يقول: كان عبارة عن قصر سابق من قصور الفاطميّين، قسّم إلى غرف ومقاصير، وضعت فيها الأسرّة، ليتخذها المرضى مضاجع، وأفرد لهم خدم يتكفّلون بتفقد أحوالهم في الصباح والمساء، كما خصّص فيها موضع خاص للنساء، ولهنّ من يقوم بالإشراف عليهنّ، وفيها قسم خاص للمجانين، مقفولة بشبابيك من الحديد، ولهم من يتفقد أحوالهم.

أقسام بيمارستان قلاوون:

كذلك جعل بيمارستان قلاوون الكبير أقساماً (إيوانات) خصّص معظمها للحمّيات، وأفردت قاعة للرمد، وأخرى للعمليّات، ومكان لتدريس الطب، وخزانة كتب، ومكان لتركيب الأدوية، ومطبخ للطعام، وحواصل للأدوية وغيرها، وقبّة للصلاة، وفسقيّة.(7)

رائعة أمير الموحّدين مستشفى مراكش:

ويصف المراكشي في المعجب مستشفى مراكش الذي أسّسه يعقوب المنصور أمير الموحّدين شرقي الجامع المكرّم فيقول: وبنى يعقوب المنصور بمدينة مراكش بيمارستان ما أظن أنّ في الدنيا مثله، وذلك أنّه تخيّر ساحة فسيحة بأعدل موضع في البلد، وأمر البنائين بإتقانه على أحسن الوجوه، فأتقنوا فيه من النقوش البديعة، والزخارف المحكمة، ما زاد على الاقتراح، وأمر أن يغرس فيه مع ذلك من جميع الأشجار المشمومات والمأكولات، وأجرى فيه مياهاً كثيرة تدور على جميع البيوت، زيادة على أربع برك في وسطه إحداها رخام أبيض، ثم أمر له من الفرش النفيسة من أنواع الصوف والكتان والحرير والأديم وغيره بما يزيد على الوصف ويأتي فوق النعت.(8)

المآثر الطبيّة للحضارة الإسلاميّة :

وتحدّث الدكتور أحمد فؤاد باشا في كتابه القيّم: (التراث العلمي للحضارة الإسلاميّة) عن المآثر الطبيّة للحضارة الإسلاميّة، فقال: كانت الحضارة العربيّة الإسلاميّة هي المنارة الوحيدة في العصور الوسطى التي تغمر بنورها كل أنحاء الدنيا، ولقد بهرت هذه الحضارة رجال الغرب، وكان علماؤها أساتذة لأهل أوروبا في مختلف فروع العلم والمعرفة، بل إنّ مؤلفاتهم الثمينة لا تزال خير شاهد على ما أنجزوه من تقدّم، وما أحرزوه من اكتشافات وابتكارات علميّة أصيلة تعرّضت للسطو تارةً وللغش والتشكيك تارةً أخرى من قبل الحاقدين والمتعصّبين وقراصنة العلم والفكر منذ فترة ما قبل عصر النهضة الأوروبيّة وحتى وقتنا هذا.

وذكر أهم المآثر التي أثّرت بصورة مباشرة فيما سمي بعصر النهضة الأوروبيّة، وأصبحت تمثّل الأساس العلمي الذي قام عليه علم الطب الحديث، وهي: اتّباع المنهج العلمي التجريبي سواءً في التأليف أو في البحث والتطبيق.

والأخذ بنظام التخصّص في الطب، وعدم السماح بممارسته إلاّ بعد اجتياز امتحان في كتب التخصّص، والاهتمام بعلم التشريح، والتشريح المقارن، وجعل دراسته أساساً لكل فروع الطب، وممارسته ضروريّة لفهم وظائف الأعضاء، وإتقانه ضماناً لسلامة التشخيص والعلاج.(9)

وأنشأ الحكم المستنصر (ديوان الأطبّاء) وقيّد فيه اسم كل طبيب يحترف مهنة الطب والصيدلة ويزاولها، فإذا ما ارتكب خطأ يتوجّب العقاب أسقط اسمه من الديوان.

وفي رعاية دولة الإسلام توصّل الأطباء إلى اكتشافات باهرة لم تكن معروفة في ميدان الطب، ووضعوا قواعد التشخيص القائم على النبض والتحليل، واهتمّوا بدراسة أسباب المرض وأعراضه، وأسّسوا العلوم الطبيّة على أصول علميّة وماديّة وروحيّة، بعيداً عن عالم الدجل الذي كان سائداً، وعن خداع المرضى، واستغلال آلامهم، وكان الأطبّاء المسلمون أرباب نظريّات دقيقة، وتجارب حاذقة، ومهارة فائقة في ممارسة مهنة الطب من ناحية، والتأليف في العلوم الطبيّة من ناحية أخرى، وقد استطاعت اللغة العربيّة بما تملكه من إمكانيّات، وقدرة على التطويع، أن تقدّم الاصطلاحات العلميّة، والتعبير العلمي الدقيق، وتيسر سبل الترجمة والنقل لكتب ظلّت حتى عهد قريب تدرّس في جامعات الغرب ومعاهده، من العربيّة إلى غيرها من اللغات.

عناية المسلمين بترجمة كتب الطب:

لم يمنع انتصار المسلمين وظفرهم، أن يتتلمذوا على الشعوب التي غلبوها، ويترجموا علومهم الطبيّة فيما ترجموا من مؤلّفات، فكانت معجزة العرب إنقاذ التراث العلمي من الضياع، ففي عهد الدولة الأمويّة ترجم ماسرجويه كتاب أهريد الإسكندري، وفي رعاية بني العباس ترجم حنين بن إسحق العبادي سبعة كتب من كتب أبقراط العشرة إلى العربيّة، وستة عشر كتاباً من كتب جالينوس، منها كتاب: (الأدوية المفردة) و(مداواة الأمراض) و(محنة الطبيب) و(التدبير الملطف) و(علل الصوت) و(المولود لسبعة أشهر).

عناية المسلمين بالتأليف في الطب:

لم يتوقف أطباء دار الإسلام عند الترجمة والنقل، بل عمدوا إلى التأليف المبتكر القائم على سلامة المنهج، والرأي المستقل، والتحرّر من أوهام القدماء، والاستقصاء، وحسن السبك، والاستعانة بالصور التوضيحيّة الملوّنة، ومن أجل هذه المزايا الحميدة فقد اعتمدت هذه المؤلّفات عند الأطباء الممارسين، وطلبة الطب في الجامعات حتى عهد قريب، مراجع مهمّة لهذا العلم.

ويعود إليهم الفضل في حفظ مواريث العلوم الطبيّّة بالترجمة الدقيقة، والإضافة إليها، وتصحيح فاسدها، وإحراز اكتشافات جديدة وإنجازات طبيّة، ما كان باستطاعتهم الوصول إليها لولا تقدّم البحث العلمي في دار الإسلام.

ولم تبخل دار الإسلام عن صيانة مخطوطات هذا الفن وحمايتها، من الادّّعاء، والإهمال، فحفظوا حقوق المؤلّفين من ادّعاء المدّعين، واستخدموا الأحبار الجيّدة الثابتة الألوان، والورق المصقول المتين، وجلّدوها بالأدم المدبوغ المذهّب، وحفظوها في خزائن المكتبات العامّة من العبث والرطوبة، وحموها من الإرضة، وجعلوا للمكتبات والخزائن العلميّّة القيمين، وسلّموا هذه الكنوز إلى الأجيال سليمة، لأنّهم أدركوا قيمتها العلميّة التي لا تقدّر بثمن، وحفظوها في الصدور قبل السطور، لأن الإنسان كان محور الحضارة الإسلاميّة.

وبلغ عدد المؤلّفين المسلمين في العلوم الطبيّة مبلغاً عظيماً، حتى أن ابن أبي أصيبعة صنّف مجلّداً كبيراً في أسماء هؤلاء الروّاد المشاهير.

ويذكر (مونتجومري وات) أنّه قد وصلت إلينا من تلك القرون الخمسة بين عامي (800 ـ 1300) م كتابات عربيّة في الطب ألّفها أكثر من سبعين مؤلفاً، معظمهم من المسلمين، وإن كان بينهم عدد من المسيحيين واليهود.(10)

فقد ألّف حنين بن إسحق كتاب (العشر مقالات في العين) ويوحنا بن ماسويه كتاب (الجذام) وجبريل بن بختيشوع كتاب (الروضة الطبيّة) وعلي بن سهل بن ربّن الطبري كتاب (فردوس الحكمة) الذي يعتبر أقدم موسوعة عربيّة في الطب.

وحلّق في سماء المعرفة: جالينوس العرب، وأعظم الأطباء في كل العصور أبو بكر محمد بن زكريا الرازي، الذي كان الطب أكثر موافقة لنبوغه، حيث بلغت مؤلّّفاته نحو ستة وخمسين كتاباً ورسالة أشهرها: كتاب (الحاوي) في عشرة أجزاء، الذي يعتبر بحق موسوعة من المعارف الطبيّة الشاملة، ضمّنه آراء من سبقوه من الأطباء والمؤلّفين عن الأمراض وطرق علاجها، بالإضافة إلى آرائه وملاحظاته، و(المنصوري) عشرة مقالات في تشريح أعضاء الجسم، والأمزجة، والأغذية والأدوية، والصحة، ودواء البشرة، ونظام السفر، والجراحة، والسموم، والأمراض على العموم، والحمّى، كتبه للأمير منصور بن إسحاق حاكم خراسان، و(رسالة الجدري والحصبة) تناول فيها هذين المرضين الوبائيّين، وشرح أعراضهما بكل وضوح، ووصف علاج المرضى، و(إلى من لا يحضره الطبيب) في طب الفقراء والمساكين، وهو شرح للإسعافات الأوليّة التي ينبغي اتباعها حتى يحضر الطبيب و(الطب الملوكي) تحدّث فيه عن علاج الأمراض بالأغذية، ودسّ الأدوية بالأغذية و(قصص وحكايات المرضى) و(برء ساعة) و(الطب الروحاني).

واشتهر عند الأوروبيّّين كتاب (الكناش الملكي) أو(كامل الصناعة الطبيّة) المشهور بالكتاب الملكي، لمؤلّّفه علي بن عبّاس المجوسي طبيب عضد الدولة، وهو عبارة عن موسوعة طبيّة مصغّرة على غرار كتاب الحاوي، تشتمل على عشرة كتب في الطب النظري، وعشرة كتب في الطب العملي، وهو النموذج الذي ألّف في الغرب على منواله.

وألّف شيخ الأطباء وأميرهم الملقب بأرسطو الإسلام وأبقراطه أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، كتاب (القانون في الطب) وهو خمسة كتب في كتاب واحد، باللغة العربية لغة العلم والمعرفة آنذاك، وهو الكتاب الذي أصبح وكأنّّه إنجيل الطب في العصور الوسطى كما وصفه (السير وليم أوسلر) وهو الكتاب الذي وصف بأنّه مفخرة التفكير العربي المنظّّم، ونهاية ما وصل إليه من عبقريّة، وذروة التصنيف المنهجي العربي ورائعته، وكتب ابن سينا أيضاً موسوعته (كتاب الشفاء) في ثمانية عشر جزءاً.

وألّف نابغة عصره في الطب أبو الحسن علي بن أبي الحزم المشهور بابن النفيس، كتاب (موجز القانون) و(شرح تشريح القانون) و(الشامل في الطب).

وألف ابن الجزّار (زاد المسافر) وابن بطلان (تقويم الصحة) وابن جزلة (تقويم الأبدان) وعلي بن عيسى الكحال أعظم مطبّبي العيون في العصور الوسطى (تذكرة الكحّالين) في ثلاثة كتب، الذي ترجم في الغرب باسم (رسالة الكحل ليسوع بن علي).

مدارس لتعليم الطب:

وكان رؤساء الأطبّاء وكبار الجرّاحين يلقون دروسهم على الطلبة والمتخرّجين، ويمتحنونهم ثم يجيزونهم، واتخذت جميع التدابير لتسهيل التطبيقات العمليّة، وكان يتدرب معظم الأطباء بالتتلمذ على أستاذ ممارس، وقد يضطرهم ذلك إلى الرحلة في طلب العلم على طبيب مشهور.

ولم يسمح لأي شخص بمزاولة مهنة الطب إلا بعد اجتيازه الاختبار وحصوله على إجازة موقّعة من كبار الأطبّاء والأساتذة المختصّين، وتقديمه رسالة في التخصّص الذي أتقنه، وقيامه بتأدية قسم أبقراط أمام المحتسب.

وكانت تلحق بالجامعات الإسلاميّة مدارس متخصّصة في العلوم الطبيّة، فقد ألحقت بجامعة المستنصريّة أوّل جامعة إسلاميّة تأسّست في بغداد سنة 625 هجريّة مدرسة للطب.

وكانت الدولة الإسلاميّة تحيط طلاب الطب بعناية خاصّة، وتغدق عليهم المال والرعاية الاجتماعيّّة، وتختار لهم أفضل الأطباء لتأهيلهم لهذه المهنة الإنسانيّة.

وكثر عدد الأطباء المزاولين في رعاية الدولة وتشجيعها، بعد أن كان حكراً على عدد قليل من اليهود والنصارى، كثرة لا نظير لها من قبل، حتى أنّه دعي للامتحان في بغداد في عهد الخليفة المقتدر بالله العباسي، نحو تسعمائة طبيب، فإذا أضفنا إليهم بقيّة الأطباء، أدركنا مدى الخدمات الطبيّة التي كان المجتمع الإسلامي يتمتع بها.

نساء طبيبات :

ولم تكن مزاولة الطب حكراً على الرجال دون النساء في الدولة الإسلاميّة، حيث بلغت المرأة مكانة عالية في ميادين العلم والأدب، واشتهرت نساء طبيبات منهنّّ: زينب طبيبة بني أود في عهد بني أمية، عرفت بمداواة العين بالجراحة.

وذكر صاحب طبقات الأطباء أن حرم الخلفاء الموحّدين اختصّوا بطبيبات لأنفسهن، ومن هؤلاء أخت الحفيد أبي بكر بن زهر وبنتها، كانتا عالمتين بصناعة الطب والمداواة، ولهما خبرة جيّدة بما يتعلّق بمداواة النساء، وكانتا تدخلان إلى نساء المنصور.(11)

أما رفيدة بنت سعيد الأسلميّة، فكانت خيمتها في المسجد النبوي مستشفى ميدانياً لمعالجة الجرحى في غزوة الخندق، وكانت أوّل ممرّضة سبقت (فلورنس نيتنجيل) بقرون.

واشتهرت نساء طبيبات نجيبات، في الجاهليّة والإسلام بالجراحة والمداواة، منهنّ الشفاء بنت عبد الله، وكعيبة بنت سعد الأسلميّة، وأمّ عطيّة الأنصاريّّة، وأمّ الحسين بنت أحمد الطنجالي، الطبيبة الأديبة بغرناطة.

ظهور أسر طبيّة مشهورة:

واشتهرت في المجتمع الإسلامي أسر طبيّة قديرة، ففي الأندلس اشتهرت أسرة بني زهر الإياديّة الإشبيليّة، التي أنجبت أطباء مشاهير أمثال: أبي مروان عبد الملك بن محمد، وابنه أبي العلاء زهر بن أبي مروان عبد الملك، وحفيده أبي مروان عبد الملك بن أبي العلاء زهر.

ابتكارات واكتشافات طبيّة في دار الإسلام:

يعود الفضل إلى الأطباء المسلمين في إجراء العمليّات الجراحيّة الدقيقة، واستخدام أمعاء القطط والأوتار الجلديّة في تخييط الجروح، وأدخال مبدأ التطعيم ضد الأمراض المعدية كالجدري، وتشخيص مرض النقرس، والتهاب الكبد، والالتهاب الرئوي، ومعالجة الأمراض العصبيّة والنفسيّة، وتطوير طرق التوليد، واهتمام بأمراض الأطفال وعلاجها، وهم الذين خصّوا الأطفال حديثي الولادة بعناية خاصّة، وقاموا بتفتيت الحصاة داخل المثانة، أو استئصالها في النساء عن طريق المهبل، واستأصلوا الأورام الحميدة والخبيثة، وتجريب الأدوية على الحيوانات قبل الإنسان، وعرفوا تشريح الجثث في الجامعات لمعرفة سبب المرض، واستخدموا العلاج النفسي في علاج بعض الأمراض العضويّة، وهم أوّل من عالج بالكي الجروح الفاسدة، كما عالجوا بالفصد والحجامة، والتحصين ضد الأمراض، وحلّوا لغز العدوى وانتقالها، وأمروا بعزل المرضى بالأمراض السارية، وأكّدوا على خطورة انتقال العدوى بالملابس والأواني الملوّثة، ونصحوا بعدم التردّد على الحمّامات العامّة في زمن الوباء، وأبطلوا أسلوب تخدير المريض بالمسكرات.

وعندما اشتد الطاعون بمراكش وأحوازها، أوجب الموحّدون على الناس حمل بطاقة شخصيّة فيها اسم صاحبها ونسبه وعنوانه، فإن مات حمل إلى أهله دون عناء، وهذه البطاقة المبتكرة تشابه البطاقة المعدنيّة التي يحتفظ بها المحاربون في الجيوش الحديثة، فإن أصابت الجندي جراح عرف اسمه ورقمه وفصيلة دمه، ليجري إسعافه، أو لإتمام المراسم الدينيّة له وفق أحكام شريعته.

يقول الدكتور عز الدين فراج: والأطباء المسلمون أوّل من استخدم المرقّد (البنج) في الطب، يقال أنّهم استخدموا له الزوان أو الشيلم، وهم أوّل من استخدم الخلال (السواك) المعروف لتنظيف الأسنان.

وقد وجد أطباء الإفرنج أنّ المسلمين أوّل من استخدام الكاويات في الجراحة، على نحو استخدامها اليوم، وأنّهم أوّل من وجّه الفكر إلى شكل الأظافر في المسلولين، وأوّل من وصف علاج اليرقان، وعلاج صب الماء البارد لقطع النزف، وعلاج خلع الكتف بالطريقة المعروفة في الجراحة برد المقاومة الفجائي، ووصفوا إبرة الماء الأزرق، وهو قدح العين، وأشاروا إلى عمليّة تفتيت الحصاة في الكلية، وأوصوا بتغيير الهواء للمريض بالحمى، وأعادوا العظام المكسورة إلى سابق وضعها.

وشاع عند الأطباء المسلمين فحص بول المريض، حيث كان يأتي بقارورة فيها بوله، يعطيها للمريض، فيعرف الطبيب لونه ويذوقه، ليتحقق من طعمه حامضي أو قابض، وهل فيه سكّر، وكان يجسّ النبض لاعتقادهم وقتئذ أنّ النبض يدل على حالة القلب، والبول يدلّ على حالة الكلية والكبد وحال الأخلاط، ومهما يكن من اعتقادهم فهذه الطريقة التي شاعت فيهم لا تزال مما يهتم به أطباء اليوم تحت اسم التحليل الطبي والفحص العام.(12)

واستفاد العرب من بحوثهم الدائبة في تراث الإغريق والمصريّين والفرس والهنود في علاج الجروح، وقد سموا به إلى ما حفظ للإسلام طوال العصور الوسطى كلّها تفوّقاً لا يبارى في هذا المجال، وتعمّق أطباؤهم الذين كانوا علماء بحق وراء أصول الأمراض وتطوّرها، واستحدثوا لأوّل مرّة في التاريخ الملاحظة الإكلينيكيّة بمعناها العلمي.(13)

وابتكر الرازي طريقة دسّ الأدوية بالأطعمة حتى يقبل المريض على تناولها، ولا ينفر من مذاقها، ووصف أعراض الجدري والحصبة، وتحدّث عن انتقالهما بالعدوى، وكشف مرض الحساسيّة، وكتب في ذلك رسالة، بعد أن وجد إبراهيم البلخي يصاب بها عندما يشم الورد، واستخدم الرازي الموسيقى لعلاج بعض الأمراض، والماء البارد لعلاج الحمّى، وكان يجري تجاربه على القرود، ويختبر تأثير الأدوية عليها، واخترع الفتائل، وطريقة تشريح عصب الرئة، وهو أول من ميّز العصب الحنجري من الأصل الذي هو مضاعف في الجهة اليمنى، وكان يلحّ إلى أهمية الفحص الدقيق للقلب والنبض والتنفس والبراز عند مراقبة تطوّر المرض، ولاحظ أنّ ارتفاع درجات الحرارة يساعد على انتشار الطفح الجلدي، ومما يروى أنّه حينما فقد بصره في شيبته لم يرض أن يقوم له بعمليّة القدح غير جراحيّ يذكر له عدد أغشية العين.

وابتكر أبو القاسم الزهراوي أدوات وآلات للجراحة لا زال يستخدم بعضها حتى الآن، ذكرها في موسوعته الطبية (التصريف لمن عجز عن التأليف) التي جاءت في ثلاثين جزءاً، مزوّدة بأكثر من مائتي شكل للأدوات والآلات الجراحيّة التي كان يستخدمها، ومعظمها من ابتكاره، وهو أوّل من استخدم رسم أجزاء البدن في مؤلّفاته الجراحيّة، ونبّه إلى الاحتياطات الواجب اتخاذها لمنع أخطار العمليّات الجراحيّة، وهو أوّل من ربط الشرايين لإيقاف النزيف، وابتدع الخياطات الجراحيّة، وثبّت الأسنان المتحركة بخيوط الذهب، واستخدم ملعقة لتخفيض اللسان عند الكشف على اللوزتين، وابتدع المرآة المهبليّة، واخترع آلة لتوسيع باب الرحم للعمليات الجراحية، وهو أوّل من قام بعملية استئصال حصى المثانة في النساء عن طريق المهبل، وأشار باستخدام مساعدات وممرضات من النساء عند إجراء العمليات الجراحيّة للنساء، وأغنى الطب بأبحاثه المتعلّقة بأمراض الدم، واستخدم الخطّاف لاستئصال الزوائد الأنفيّة.

واكتشف ابن النفيس الدورة الدمويّة الرئويّة الصغرى، قبل (وليم هارفي) بأكثر من ثلاثة قرون، واكتشف المبادئ الأساسيّة للدورة الشريانيّة، موضّحاً أنّ الدم يطهّر في الرئتين، حيث يخضع لعملية تكرير من طريق احتكاكه بالهواء الذي يتلقاه الجسم من الجو الخارجي، وكشف العصب البصري المتصل بالمخ.

واكتشف عبد اللطيف البغدادي أنّ عظم الفك الأسفل عظمة واحدة بدون مفصل.

واكتشف ابن زهر، صاحب كتاب (التيسير) الأورام الحيزوميّة، وخرّاج التامور، وكان أوّل طبيب عربي أشار بعملية شق الحجب، وشرح طريقة التغذية القسريّة، أو الاصطناعيّة بطريق الحلقوم، واكتشف حشرة الجرب، وشخّص أمراض الالتهابات الجلديّة.

ووصف صلاح الدين الكحال في كتابه (العين) أمراض العين وأسبابها، وأمراض الجفون، وأمراض الملتحمة والقرنيّة، وتحدّث بإسهاب عن أدوية العيون.

ويعتبر ابن سينا أوّل من استخدم الإبر لحقن المريض بالأدوية تحت الجلد، وأوّل من ربط بين الاضطرابات المعديّة والحالة النفسيّة للمريض، وأوّل من وصف الديدان المعويّة والأعراض التي تسبّبها، والتهاب السحايا، واكتشف داء الجمرة الخبيثة، وهو أوّل من لاحظ العدوى التي تنشأ عن السل الرئوي، وأشار إلى خطر الإشعاعات الشمسيّة على المرضى بالسل، وهو أوّل من جعل الأدوية حبوباً ولبّسها بالسكر.

ترميم أجزاء الجسم بالذهب:

عن أبي الأشهب عن عبد الرحمن بن طرفة عن أبيه طرفة بن عرفجة أنه أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه، فذكر ذلك للنبي (ص) فأمره أن يتخذ أنفاً من ذهب.(14)

سمعة عالميّة:

وبلغ من سمعة الطب في دار الخلافة بالأندلس، أن تلجأ العجوز (طوطة) الوصية على عرش (نفارة) إلى عدوّها الخليفة عبد الرحمن، ليرسل لها أحد الأطباء لعلاج كرش حفيدها (شانجة) الذي نشأ من علّة جثمانية كان لا بد لها من أن تزول لو توفّر لها الطبيب الحاذق، والنطاسيّ الباهر، غير أنّ هذا الحكيم المرتجى كان في قرطبة، التي كانت وقتئذ مجتمع العبقريّات، فأوفدت سفارة من لدنها إلى قرطبة ؛ ولما أفضى السفراء إلى الخليفة بما جاءوا إليه، أجابهم بأنّه سعيد إذ يرسل إلى شانجة مطبّباً ماهراً، وعاد المبعوثون النفاريّون، ومعهم الطبيب اليهودي حسداي بن شبروط، الذي كان يتقن صنعة الطب، إلى جانب حنكته ودهائه وإجادته لغة الإسبان.(15)

————————————————————————————-

المراجع :

1 ـ قرآن كريم، سورة البقرة الآية 269

2 ـ صور ومشاهد من الحضارة الإسلامية ص 294 عبد القادر الخلادي.

3 ـ أصالة الحضارة العربية ص 347 د. ناجي معروف.

4 ـ أصالة الحضارة العربية ص 349 د. ناجي معروف.

5 ـ تراث الإسلام ص 481 د. ماكس مايرهوف.

6 ـ آثار مصر الإسلامية ص 123 د. محمد محمد الكحلاوي.

7 ـ تاريخ الحضارة الإسلامية ص 109 د. عبد المنعم ماجد.

8 ـ حضارة الموحدين ص 92 محمد المنوني.

9 ـ التراث العلمي للحضارة الإسلامية ص 176 د. أحمد فؤاد باشا.

10 ـ فضل الإسلام على الحضارة الغربية ص 55 مونتجومري وات.

11 ـ حضارة الموحدين ص 91 محمد المنوني.

12 ـ فضل علماء المسلمين على الحضارة الأوروبية ص 116 د. عز الدين فراج.

13 ـ المسلمون في التاريخ ص 48 ستانوود كب.

14 ـ معجم الصحابة ج 2 ص 53 عبد الباقي بن قانع.

15 ـ المسلمون في الأندلس ص 52 رينهرت دوزي.

alghoraba.com/hadara/19_alsa7a.htm

45 Views

عن

إلى الأعلى