الرئيسية » موسوهة دهشة » الدين » القسم الإسلامي العام » قضايا إسلامية معاصرة » الأدوات الرقابية للبنوك من المنظورين الإسلامي والتقليدي (بنك السودان انموذجا ) – د. فكري كباشي الأمي

الأدوات الرقابية للبنوك من المنظورين الإسلامي والتقليدي (بنك السودان انموذجا ) – د. فكري كباشي الأمي


الأدوات الرقابية للبنوك من المنظورين الإسلامي والتقليدي

(بنك السودان انموذجاً)

د. فكري كباشي الأمين*

إن البنك المركزي يعتبر المؤسسة التي تقف على قمة النظام المصرفي وسوق النقد ويقوم على إدارتهما من خلال السياسة النقدية، وهو غالباً مؤسسة عامة لأهمية وعظمة الوظائف التي يؤديها، كما أن أهدافه تختلف عن بقية البنوك الأخرى، لهذا لا يمثل الربح هدفاً رئيسياً بالنسبة له، وبعكس الحال بالنسبة للبنوك التجارية، لذلك فان أهداف البنك المركزي تتجه إلى خدمة الاقتصاد العام.

ويختلف وضع البنوك المركزية من دولة إلى أخرى حسب تراثها التاريخي وأوضاعها الدستورية، فالبنك المركزي في ألمانيا يقتصر دوره على حماية قيمة النقد وليس له دور في الإشراف على البنوك حيث تقوم به مؤسسة أخرى، ويتمتع البنك المركزي باستقلال تام عن السلطة النقدية ويتم اختيار أعضاءه عن طريق المقاطعات.

وفي إنجلترا يرتبط بنك إنجلترا بالسلطة النقدية وبعض السياسات تضعها الحكومة، أما في الولايات المتحدة الأمريكية فان النظام الدستوري يأخذ بالنظام الرئاسي والفصل بين السلطات وجرى الاتفاق أن تكون السياسة النقدية مسؤولية مشتركة بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية.

أما في السودان ووفق (اتفاق نيفاشا) والذي جاء متسقاً مع (بروتوكول ماشاكوس) الموقع بين الحركة والحكومة في 20 يناير 2002م، والذي تضمن بعض المرتكزات الأساسية , ومن أهم هذه المرتكزات تلك التي نصت على أن يكون بنك السودان المركزي مسئولاً عن إصدار السياسة المالية وأن تكون كل المؤسسات المصرفية خاضعة للقواعد واللوائح التي يحددها البنك المركزي سواء كان ذلك بشمال السودان أو جنوبه.

وكذلك التوجهات الصريحة والتي نص عليها الاتفاق على أن تستتبع مسئولية البنك المركزي الأساسية والتفويض الممنوح له بالعمل على استقرار الأسعار والمحافظة على معدلات تبادل مستقرة ونظام مصرفي سليم وإصدار العملة النقدية و أوراق البنكنوت , على أن يكون تنفيذ السياسة المالية معتمدا على قواعد وأدوات السوق بدلا عن التوزيع الإداري للإعتمادات وهذا يعتبر أيضا تأكيد على أهمية الدور الرقابي للبنك المركزي.

وكما نص الاتفاق على أن يتم تعين محافظ البنك المركزي وشخصين يناوبانه بواسطة الرئيس على أن يتم تعيين كبار المسئولين بالبنك المركزي من خلال التشاور بين محافظ البنك ومن ينوب عنه.

وكذلك وافق الطرفان على تأسيس مجلس إدارة مستقل خلال المدة التي تسبق الفترة الانتقالية وتكون قرارات مجلس الإدارة بالإجماع إزاء القضايا التي قد تؤثر سلبا على مصلحة أي من طرفي هذا الاتفاق.

ويجب أن يكون مجلس الإدارة مسئولا أمام هيئة الرئاسة إزاء المسئولية الخاصة بالبنك المركزي ويتكون المجلس من تسعة أعضاء على رأسهم محافظ البنك المركزي (الرئيس) ونائبين أو نائبتين وهذه إشارة واضحة في إمكانية أن تكون هنالك أمرأة لهذا المنصب وهذه لفتة بارعة تحسب من ضمن أوجه الشفافية التي تجلت في الاتفاق.

ولقد بين النص على أنه كذلك سيضم المجلس ستة أعضاء سودانيين مؤهلين يجري تعيينهم بواسطة الرئاسة مع الأخذ في الاعتبار الصيغة المتفق عليها في بروتوكول تقاسم السلطة فيما يتعلق بمؤسسات الحكومة القومية.

وعموماً يلاحظ وجود قدر كبير من التشابه في الوظائف التي تقوم بها البنوك المركزية في ظل مختلف النظم النقدية والمصرفية , ونظام البنوك المركزية كأي نظام وليد التطور فان وظائفها نمت وارتقت مع الزمن، فالبنوك المركزية العريقة نشأت بادىء الأمر كبنوك تجارية بحتة ثم أضافت إلى وظائفها الأولى عبء القيام بوظائف البنك المركزي فبنك إنجلترا على سبيل المثال نشأ كبنك تجاري عادي , ولكن الحكومة ميزته منذ البداية حيث أودعت لديه حساباتها، وفوق هذا منحته امتياز إصدار أوراق البنكنوت ومع مرور الزمن اكتسب البنك احترام وثقة البنوك الأخرى حيث أودعت لديه أرصدة نقدية لاستخدامها في تسوية حساباتها.

كذلك بنك السويد لقد بدأ كبنك تجاري ثم أضيفت إلى وظائفه وظائف جديدة، لكنه ومنذ نهاية الحرب العالمية الأولى ونظام البنوك المركزية في انتشار مستمر حتى لم يعد الآن بلد ذو أهمية يخلو من وجود بنك مركزي، فالبلاد النامية تخلفت عن ركب التقدم الاقتصادي، فلقد سارع بعضها إلى إنشاء بنوك مركزية عن طريق تحويل بنوك تجارية كبيرة كانت تقوم ببعض وظائف البنك المركزي حيث أضيفت إليها قانونياً الوظائف الأخرى الخاصة بالبنك المركزي، ولكن معظم هذه البلاد أنشأت بنوكاً مركزية إنشاءاً جديداً، ومن هذه البنوك المركزية التي نشأت حديثاً تلك التي أنشأتها دول أمريكا اللاتينية وبعض البلاد الأخرى.

وفي السودان كان البنك الأهلي يقوم بدور البنك المركزي منذ إنشائه في عام 1898م إلى حين قيام بنك السودان في عام 1956م، ومن المعروف أن النظام المصرفي في السودان قد بدأت أسلمته في فبراير 1984م، ويعتبر بنك فيصل الإسلامي أول بنك إسلامي يعمل بالسودان، ويرجع إليه الفضل في إرساء قواعد العمل المصرفي وفق الصيغة الإسلامية بالبلاد، وفي نفس العام 1984م صدر قانون بأسلمة الجهاز المصرفي كما تم إنشاء العديد من المصارف التي تعمل وفقا للصيغ الإسلامية بالسودان منذ ذلك التاريخ , ولعله من المفيد التنويه أن الفارق الجوهري بين النظامين المصرفي الإسلامي والنظام المصرفي التقليدي يتركز معظمه حول الفائدة أخذاً وعطاء، وبمعنى آخر: إحتساب فائدة عند التسليف والادخار.

ووفق (اتفاق نيفاشا) والذي يبين من موافقة الطرفان في كل من الحكومة والحركة الشعبية على إعادة هيكلة وبناء بنك السودان بغرض تفادي ثنائية النظام المصرفي في السودان، وكذلك موافقة الطرفان على تأسيس بنك مركزي بجنوب السودان كفرع لبنك السودان، كما نص الاتفاق على أن يكون (بنك جنوب السودان) برئاسة نائب محافظ البنك المركزي ويقع عليه عبء إدارة النظام المصرفي التقليدي العادي باستخدام الوسائل المالية المتعارف عليها في تطبيق نفس السياسة المالية في جنوب السودان، وأنه بناءاً على ذلك سوف يستخدم البنك المركزي نظامين مصرفيين، إحدهما إسلامي والآخر عادي تقليدي ويعمل على تطويرهما بغرض تنظيم سياسة مالية واحدة والإشراف على تطبيقها، وأن يتم ذلك من خلال نظام مصرفي إسلامي في شمال السودان تحت رئاسة نائب محافظ بنك السودان المركزي مستخدماً وسائل مصرفية إسلامية لتطبيق السياسة المالية القومية في شمال السودان بينما سيتم استخدام الوسائل التقليدية العادية والمتعارف عليها للتمكن من إنفاذ السياسة المالية القومية بجنوب السودان.

وسيتم من خلال هذه الدراسة الاستعراض السريع للأدوات الرقابية والتي استخدمها بنك السودان خلال الفترة الماضية وفق المنظورين الإسلامي والتقليدي، نظراً أنه بعد التوقيع على اتفاق (نيفاشا) وكما أوضحت أن البنك المركزي مطالب بتنفيذ سياسة مالية ونقدية بشمال السودان وفق المفهوم المصرفي الإسلامي , وفي ذات الوقت مطالب بتطبيق سياسة مالية ونقدية تقليدية في جنوب السودان , وإن التحدي الكبير الذي يجابه بنك السودان هو كيفية ضبط إيقاع السياستين الماليتين بشمال وجنوب السودان والتحكم في السيطرة على تناغمها وفق الأدوات الرقابية المتاحة على ضوء تجاربه التي سيتم التعرض إليها.

ولقد تمت محاولة تسليط الضوء على المفهوم العام للمصارف الإسلامية في المساهمة السابقة والتي نشرت علي موقع (شبكة المشكاة الإسلامية)، وخاصة أن المصرفية الإسلامية أخذت تنتشر مؤخراً في عدد من الدول رغم أنها تعتبر حديثة النشأة، حيث أن فلسفتها تقوم على التخلي عن سعر الفائدة واتباع قواعد الشريعة الإسلامية كأساس للتعامل بينها وبين عملائها.

وكما سبق أن تمت الإشارة إلى بعض الاختلافات الجوهرية بين المصارف الإسلامية والبنوك التجارية التي تتعامل بالفائدة، فرأس المال المدفوع في المصرف الإسلامي يجب أن يسلم بكامله للمصرف ولا يجوز أن ينقص منه شيئا كدين لدى أصحاب رأس المال بعكس الحال في البنوك التجارية، ولذلك يعتبر الإختلاف الأساسي بين البنوك التجارية والمصارف الإسلامية يدور حول الفائدة التي يتحملها العميل لوحده في البنوك التجارية سواء نجح المشروع أو فشل بعكس الحال في المصارف الإسلامية التي لا تتنصل عن تحمل عبء مسئوليتها في المخاطرة، وهذا يقودنا كذلك إلى تبيين الاختلاف الجوهري بين النظامين فيما يتعلق بخلق الائتمان، فإن المصرف الإسلامي باعتباره لا يتعامل بالفائدة فإن خلقه للائتمان سيكون في نطاق لا يضر بالاقتصاد القومي، ولقد أطلق مصطلح الائتمان على النقود الورقية لان قيمتها التبادلية أعلى من قيمتها السوقية وحاليا راجت النقود في التعامل بين الناس دون قيد، فبحكم مشاركة البنوك الإسلامية الفعلية في الإنتاج فإن النقود تتداول بين المصرف وعميله مع ظهور الإنتاج وتختفي مع استهلاك هذا الإنتاج لتعود مرة أخرى للمصرف , وكقاعدة عامة فإن حجم الإنتاج الحقيقي يظل معادلاً تماماً لحجم الائتمان فلا تتأثر مستويات الأسعار , ولا يحدث تضخم بسبب الزيادة في الكتلة النقدية، يضاف إلى ذلك أن نظام المشاركة يربط المصارف الإسلامية بمشروعات الإنتاج والتوزيع في الاقتصاد القومي ربطاً وثيقاً , ولهذا يحمي الإسلام المال الموظف في الشركات الإسلامية من أن يؤكل بالتضخم وعدم صرف حق الشريك في القلة والفائدة يعتبر بذلك من قبيل أكل المال بالباطل.

أما البنوك التجارية التي تتعامل بالفائدة فإنها تخلق الائتمان عن طريق الإقراض بفائدة ثم تعمل على مراقبة سير عمليات ذلك الائتمان وفق السياسات المالية والنقدية الموضوعة , وذلك عن طريق أدوات البنك المركزي للرقابة وهذا يعتبر الموضوع الأساسي لهذه الدراسة.

وعلى وجه العموم تستهدف السياسة النقدية إقامة والحفاظ على أوضاع نقدية وتمويلية ملائمة في ظل اقتصاد سليم، وإن هذه السلامة تتمثل في التميز بمعدل توظيف عال ومعدل نمو معقول في الناتج المحلي الإجمالي، ويمكن المحافظة عليه من خلال استقرار سعر الصرف للعملة المحلية والمستوى العام للأسعار، وذلك بقيام البنك المركزي بالتحكم في عرض النقود و أوضاع التمويل لتحقيق كل أو بعض هذه الأهداف.

ولتنفيذ السياسة النقدية تحتاج البنوك المركزية إلى أدوات لتنظيم عرض النقود والتحكم في التمويل، والأدوات التي تستخدمها هذه السياسة للتأثير في الظروف النقدية والتمويلية وهي ما تعرف بأدوات السياسة النقدية , هنالك مجموعتان من أدوات السياسة النقدية، وهما مجموعة الأدوات العامة ومجموعة الأدوات الاختيارية.

وتتمثل مجموعة الأدوات العامة في الرقابة على الاحتياطيات القانونية، وسعر الخصم،وعمليات السوق المفتوحة وذلك بالنسبة للبنوك التقليدية , وهوامش المرابحات ونسب المشاركات كأدوات بديلة لسعر الفائدة في إطار النظام المصرفي الإسلامي , وتستخدم هذه الأدوات للتحكم في الحجم الكلي للتمويل المتاح للجهاز المصرفي , كما يستخدمها البنك المركزي للتأثير على القاعدة النقدية , أما التغير في الاحتياطي النقدي فيؤثر على الهيكل والمستوى المتوقع للودائع المصرفية والنقود والتمويل المصرفي، ولكنه لا يؤثر على القاعدة النقدية وتظل جملة الاحتياطيات كما هي.

فيما تستهدف أدوات السياسة النقدية الاختيارية الرقابة على نطاق سوق رأس المال وعلى أنواع التمويل وبالتالي التأثير على تخصيص التمويل , بالضرورة التنويه إلى أنه بعد إلغاء سعر الفائدة في عام 1984م , والذي يعتبر من أكثر الأدوات أهمية في إدارة السياسة النقدية في ظل النظام الرأسمالي التقليدي، فان السياسة النقدية في السودان وفي ظل النظام الإسلامي استخدمت هوامش المرابحات ونسب المشاركات كأدوات بديلة، وذلك لتحقيق أهداف سياسة البنك المركزي للتحكم في الكتلة النقدية والتمويل، ويمكن تحقيق تلك الأهداف عن طريق الوسائل العامة للسياسة النقدية المعروفة لدى البنوك التقليدية بالإضافة إلى الوسائل الأخرى المطبقة في النظام الإسلامي والتي تقوم على مبدأ المغامرة والمشاركة في الربح والخسارة.

وفيما يلي سيتم التعرض إلى أهم الأدوات التي استخدمها بنك السودان في ظل النظامين التقليدي والإسلامي ومدي فعالية كل من هذه الأدوات في تحقيق أهداف سياسته خلال الفترة الماضية:-

(أ)عمليات السوق المفتوحة: المقصود بعمليات السوق المفتوحة تدخل البنك المركزي في السوق المالية ببيع وشراء الأوراق المالية بصفة عامة والسندات الحكومية بصورة خاصة، وذلك بهدف التأثير على عرض النقود، وتعد عمليات السوق المفتوحة من أهم أدوات السياسة النقدية في الإقتصاد الرأسمالي. إن شراء الأوراق المالية الحكومية في السوق المفتوحة يولد نوعين من الآثار على أسواق النقد ورأس المال:-

أولها: زيادة الاحتياطيات المصرفية ونمو القاعدة النقدية وزيادة عرض النقود.

وثانيهما: تخفيض أسعار الفائدة على الأقل في الأجل القصير.

أما مبيعات السوق المفتوحة في الأوراق المالية فإنها تؤدي إلى العكس تماماً من خلال عملها على خفض الإحتياطيات المصرفية مما يترتب عليه إجبار البنوك على خفض قروضها , وإلى بيع جزء من الأوراق المالية التي بحوزتها , وقد استخدم بنك السودان في ظل النظام التقليدي السندات الحكومية حيث كانت البنوك ملزمة بشراء تلك السندات.

(ب) سعر الخصم: قد نص قانون بنك السودان في ظل النظام التقليدي على قيام البنك بتحديد سعر الخصم وإعادة الخصم وسعر الفائدة على القروض والسلفيات , وله الحق في أن يحدد أسعار متباينة بحسب أنواع العمليات وتواريخ الاستحقاق، ولم يستخدم بنك السودان هذه الوسيلة إلا عندما اتفق مع صندوق النقدي الدولي في يونيو 1978م على برنامج التكيف الاقتصادي , وأن السبب في ذلك يعزى لاعتقاد السلطات خلال تلك الفترة السابقة، بعدم فعالية هذه الوسيلة في السودان باعتبار أنها لا تصلح في ظل اقتصاد متعثر النمو، فضلاً عن الاعتقاد بأنه إذا تم رفع سعر الخصم فإن البنوك التجارية بدورها سوف ترفع أسعارها بنفس النسبة مما يلقي العبء في النهاية على المقرضين، ذلك أن فكرة سعر إعادة الخصم في البنوك التقليدية تبنى على أساس سعر الفائدة الذي يتقاضاه البنك المركزي من البنوك التجارية مقابل خصم ما لديها من أوراق تجارية و (أذونات حكومية)، أو لقاء ما يقدم لها من قروض بمثل هذه الأوراق أو بغيرها، ويتم التأثير في حجم النقد المرصود للتمويل عن طريق تحكم البنك المركزي لسعر إعادة الخصم وبالتالي لسعر الفائدة الذي يتحمله الجمهور عندما يلجا إلى البنوك للحصول على حاجته من موارد نقدية.

(ج) الإقناع الأدبي: لقد اهتم بنك السودان مؤخراً بأهمية استخدم آلية الإقناع الأدبي من خلال ما يمكن تسميته بسياسة المصارحة من خلال المؤتمرات واللقاءات والاجتماعات الدورية أو من خلال المقالات التي تنشر في الصحف والمجلات، وذلك لمحاولة التأثير على البنوك من خلال الإقناع الأدبي.

(د) الاحتياطي القانوني: ألزمت السياسة التمويلية لبنك السودان البنوك بالاحتفاظ بأرصدة نقدية لدى بنك السودان بنسبة محددة من جملة ودائعها كما يعكسها بيان الأصول والخصوم للبنك بنهاية كل شهر، وتعتبر الزيادة أو النقصان في نسبة الاحتياطي النقدي مؤشر لسياسة بنك السودان في التوسع والانكماش في التمويل المصرفي.

(ه) شهادات مشاركة الحكومة: في إطار سعي بنك السودان بوصفه البنك المركزي بالتنسيق مع وزارة المالية لإيجاد أدوات مناسبة لتمويل العجز في ميزانية الحكومة , دون اللجوء إلى الاقتراض من البنك المركزي، تم التوصل إلى آلية شهادات مشاركة الحكومة حيث تؤهل هذه الشهادات حاملها إلى مشاركة الحكومة لحصصها في مجموعة من الشركات والمؤسسات ذات العائد المادي، وتشبه هذه الآلية عمليات السوق المفتوحة أو ما يعرف بسندات الخزانة المطبقة في النظام التقليدي، إلا أنها تتميز عنها في أن سندات الخزانة ملكية لدين بفائدة , ولذلك فإنها وفق مفهوم الفقه الإسلامي تعتبر ربا , في حين أن ملكية هذه الشهادات تمثل حصة في أصول حقيقية وان أرباحها تمثل أرباحا حقيقية، كما أن ملكية هذه الشهادات لا تختلف في شي عن ملكية الفرد المساهم في الشركات والمؤسسات موضوع المشاركة، ويتم طرح هذه الشهادات لجمهور المتعاملين وفقا للخطوات التالية:-

1/ تقوم الحكومة بحصر ملكيتها في شركات محدده مملوكة لها كلياً أو جزئياً وتنشىء لذلك صندوقاً مستقلاً تحت إدارة شركة السودان للخدمات المالية، وهي شركة تابعة لوزارة المالية.

2/ تقوم شركة السودان للخدمات المالية بتقييم حصص الحكومة في الشركات المحددة محل المشاركة وتكون قيمة الصندوق معادلة للقيمة الكلية لحصص الحكومة.

3/ تعمل الشركة على إعادة تقييم الحصص موضوع المشاركة على فترات مالية محددة وعلى أسس علمية سليمة وبدرجة عالية من المسئولية , حتى يتمكن الراغبون في الحصول على الشهادات وحاملوها من اتخاذ قراراتهم المناسبة بالبيع أو الشراء.

4/ تصدر الشركات عدداً معلوما من الشهادات يتحدد بقسمة القيمة الكلية للصندوق على القيمة الإسمية للشهادة وتكون قيمة كل شهادة عند إصدارها جزءا من قيمة الصندوق الكلية.

5/ تعلن الحكومة الشركة عن إنشاء الصندوق والشهادات المصدرة بموجبه وتشرح أهدافه ومميزاته وتدعو لمشاركتها في ملكية حصصها في الصندوق، والأرباح الناتجة عن هذه الحصص وذلك عن طرق بيع الحكومة لجزء من حصتها في الصندوق عن طرق شهادات المشاركة.

6/ يصير حامل الشهادة مشاركاً للحكومة في الصندوق لمدة المشاركة الموضحة في الشهادة وبنسبة قيمة شهاداته للقيمة الكلية للصندوق، كما يشارك في إجمالي أرباح الصندوق المحولة من المؤسسات ويكون نصيبه من تلك الربحية مقترنا نسبة مشاركته.

ولو أخذنا شهادات مشاركة الحكومة (شهامة) مثالاً كبديل إسلامي لصكوك التمويل في النظام التقليدي، نجد أنها نشأت بذات السمات التي أنشئت بها شهادة مشاركة البنك المركزي بينما الاختلاف الرئيسي والذي يمكن تبينه بصورة جلية في أن شهادات مشاركة البنك المركزي تستخدم لادارة السيولة في الاقتصاد , بينما شهادات مشاركة الحكومة تستخدم في تمويل الحكومة بدلا عن الاعتماد بالتمويل بالعجز في الجهاز المصرفي.

(و) السقوف الائتمانية: سياسة السقوف الائتمانية تستهدف وضع قيود على نشاط البنوك بحيث تمنع من مزاولة أعمال معينة وهذه السياسة ذات فعالية عالية في التأثير على توزيع التمويل حسب الأنشطة الاقتصادية المختلفة لدعم اتجاه السياسات العامة لتحقيق نتائج اقتصادية مرغوب فيها، ولقد استخدم بنك السودان (سياسة السقوف الائتمانية التمويلية) من خلال تحديده لكل بنك سقف تمويلي معين لا يجوز أن يتخطاه البنك، إلا أن هذه الأداة توقف العمل بها منذ 1994م، وذلك لتعارضها مع الاتجاه العام للسياسات الرامي إلى تحرير الاقتصاد وإزالة القيود.

والخلاصة من خلال ذلك الاستعراض السريع للأدوات الرقابية والتي استخدمها بنك السودان خلال الفترة الماضية وفق المنظورين الإسلامي والتقليدي للوصول إلى المحصلة النهائية والتي مفادها أنه بعد التوقيع على اتفاق (نيفاشا) أن البنك المركزي مطالب بتنفيذ سياسة مالية ونقدية بشمال السودان وفق المفهوم المصرفي الإسلامي , وفي ذات الوقت مطالب بتطبيق سياسة مالية ونقدية تقليدية في جنوب السودان، وأن التحدي الكبير الذي يجابه بنك السودان هو كيفية ضبط إيقاع السياستين الماليتين بشمال وجنوب السودان , والتحكم في السيطرة على تناغمها وفق الأدوات الرقابية المتاحة على ضوء تجاربه التي جري استعراضها فيما سبق.

ولا بد من الإشارة إلى أهم المرتكزات تلك وضحها اتفاق (نيفاشا) هي التي نصت على أن يكون بنك السودان المركزي مسئولاً عن إصدار السياسة المالية وأن تكون كل المؤسسات المصرفية خاضعة للقواعد واللوائح التي يحددها البنك المركزي سواء كان بشمال السودان أو جنوبه , وكذلك التوجهات الصريحة والتي نص عليها الاتفاق على أن تستتبع مسؤولية البنك المركزي الأساسية والتفويض الممنوح له العمل على استقرار الأسعار والمحافظة على معدلات تبادل مستقرة ونظام مصرفي سليم وإصدار العملة النقدية و أوراق البنكنوت , على أن يكون تنفيذ السياسة المالية معتمداً على قواعد وأدوات السوق بدلاً عن التوزيع الإداري للإعتمادات وهذا يعتبر أيضا تأكيد على أهمية الدور الرقابي للبنك المركزي.

وحتى يتمكن البنك المركزي من أداء دوره الرقابي بكل كفاءة واقتدار يجب أن يكون له وجود فعال في كافة ولايات السودان المختلفة، بحيث يجب أن يكون هنالك اتجاه إلى زيادة عدد الفروع للبنك المركزي المنتشرة داخل السودان بدلاً من عشرة أفرع لكافة ولايات السودان على الأقل يكون بكل ولاية فرع للبنك المركزي , وكذلك لكي يمكن تحقيق تلك الأهداف فانه يجب أن يكون للبنك المركزي استقلالية كاملة في متابعة تنفيذ وتطبيق السياسات المالية والنقدية.

كما يجب أن تكون قراراته نافذة وان يكون صارماً في تطبيق كافة العقوبات المنصوص عليها في لوائحه في حالة تجاوز الضوابط الموضوعة بإحكام لتنفيذ السياسات المالية والنقدية من دون تدخل مباشر أو غير مباشر من السلطات التنفيذية الأخرى، وألا يكون هنالك استثناء إلا في حالات الضرورة القصوى والتي تقتضيها المصلحة العامة والتي يجب أن تقرر بشأنها الجهات التشريعية أو البرلمانية أو ما يشابهها خلال الفترة الانتقالية.

كما يجب الالتفات للضوابط التي حددها قانون بنك السودان الساري حالياً والتي تتعلق بإحكام تقييد استدانة الحكومة من النظام المصرفي حيث ذكرت المادة الخمسون من ذات الفصل الثاني عشر بأنه لا يجوز للبنك أن يقدم قروضاً أو تمويلاً للحكومة بطريق مباشر أو غير مباشر على أنه يجوز للبنك أن يظل محتفظا بما تسلمه من لجنة العملة السودانية من أذون الخزانة غير القابلة للتحويل , ولذلك فإنه من الضروري الإبقاء على تلك المواد التي تصب في مجرى الدور الرقابي للبنك المركزي وتعزيزها بالتشديد على تفعليها من خلال النص عليها صراحة في الدستور الدائم للسودان مستقبلاً.

كما انه في حالة الحاجة الماسة للمديونية التي تمنح وفق النظم التقليدية يجب أن تدار تلك القروض بواسطة فرع بنك السودان للجنوب على أن يكون ذلك بتفويض من محافظ بنك السودان مع عدم تحميل بنك السودان والحكومة المركزية أي أعباء وتبعات نظير تلك المديونية للآثار السالبة التي تخلفها تلك الديون على حجم السيولة في الاقتصاد ومن ثم على الأداء الكلي للاقتصاد , وإذا ما بلغت تلك المديونية معدلات كبيرة تفوق الطاقة الاستيعابية للإقتصاد فيتعين على بنك السودان بالتعاون مع الجهات الأخرى في مؤسسات القطاع الاقتصادي أخذ التدابير الفعالة والعملية للحد من أثرها على السيولة في الحياة الاقتصاد خاصة تلك التدفقات ذات المدى القصير حيث يمكن تلافي تلك الآثار السالبة لتلك التدفقات من خلال إلزام الحكومة والمؤسسات لكي تتدفق استثماراتها عبر بنك السودان وإلزام البنوك العاملة الأخرى من ضرورة حصر معاملاتها عبر أجهزة البنك المركزي والذي ينبغي عليه تهيئة أجهزته الرقابية للقيام بالتفتيش الدوري على البنوك العاملة بالسودان سواء كانت تلك التي تعمل وفق النظام المصرفي التقليدي بجنوب السودان أو التي تعمل وفق النظام المصرفي الإسلامي بشماله بهدف ضبط ورقابة استخدامات النقد الأجنبي بالبنوك وتطوير المؤسسات المالية المنتمية إلية للقيام بهذا الدور الحيوي بفعالية أكثر.

meshkat.net

كلمات البحث الموفِدة:

  • البنوك الاسلامية (3)
  • البنوك السودانية اﻹئتمانية (1)
  • السياسة المالية فى السودان (1)
  • فهرس كتاب الرقابة على البنوك (1)
  • وظائف الرقابية للبنك المركزي (1)
60 Views

عن

إلى الأعلى