الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » التربية والتعليم » النظريات الحديثة في علم الاجتماع التربوي (التفاعلية الرمزية والنظرية المعرفية(

النظريات الحديثة في علم الاجتماع التربوي (التفاعلية الرمزية والنظرية المعرفية(


النظريات الحديثة في علم الاجتماعالتربوي (التفاعلية الرمزية، والنظرية المعرفية(
أولاً: التفاعلية الرمزية Symbolic Interactionalism :

تعتبرُ التفاعلية الرمزية واحدةٌ من المحاور الأساسية التي تعتمدُ عليها النظرية الاجتماعية، في تحليل الأنساق الاجتماعية.
وهي تبدأ بمستوى الوحدات الصغرى (MICRO)، منطلقةً منها لفهم الوحدات الكبرى، بمعنى أنها تبدأُ بالأفراد وسلوكهم كمدخل لفهم النسق الاجتماعي(1). فأفعالُ الأفراد تصبح ثابتةً لتشكل بنية من الأدوار؛ ويمكن النظر إلى هذه الأدوار من حيث توقعات البشر بعضهم تجاه بعض من حيث المعاني والرموز(2). وهنا يصبح التركيز إما على بُنى الأدوار والأنساق الاجتماعية، أو على سلوك الدور والفعل الاجتماعي
.
يواجهُها
.

3) إرفنج جوفمان Erving Goffman (1922-1982):

وقد وجّه اهتمامهُ لتطوير مدخل التفاعلية الرمزية لتحليل الأنساق الاجتماعية، مؤكداً على أن التفاعل – وخاصةً النمط المعياريّ والأخلاقيّ- ما هو إلا الانطباع الذهنيُّ الإرادي الذي يتم في نطاق المواجهة، كما أن المعلومات تسهم في تعريف الموقف، وتوضيح توقعات الدور(8).

4) كما أن هناك عدداً كبيراً من العلماء الذين لم تُناقش أعمالُهم بشكل واسع، مع أنهم من أعلام ومؤسسي النظرية التفاعلية الرمزية. ومنهم:
روبرت بارك Robert Park، (1864-1944). ووليم إسحاق توماس W. I. Thomas، (1863-1947). وهما من مؤسسي النظرية
.
مانفرد كون Manferd Kuhn، (1911-1963). وهو عالم اجتماع أمريكي، ومن رواد مدرسة (آيوا) للتفاعلية الرمزية
.
وكذلك كل من ميلتزر Meltzer، وهيرمان Herman، وجلاسر Glaser، وستراوس Sturauss، وغيرهم
.

مصطلحاتُ النظريّة:

1. التفاعل Interaction: وهو سلسةٌ متبادلةٌ ومستمرةٌ من الاتصالات بين فرد وفرد، أو فرد مع جماعة، أو جماعة مع جماعة.
2.
المرونة Flexibility: ويقصد بها استطاعةُ الإنسان أن يتصرف في مجموعة ظروف بطريقة واحدة في وقت واحد، وبطريقة مختلفة في وقت آخر، وبطريقة متباينة في فرصة ثالثة
.
3.
الرموز Symbols: وهي مجموعةٌ من الإشارات المصطنعة، يستخدمها الناسُ فيما بينهم لتسهيل عملية التواصل، وهي سمة خاصة في الإنسان. وتشملُ عند جورج ميد اللغة، وعند بلومر المعاني، وعند جوفمان الانطباعات والصور الذهنية(9
).
4.
الوعيُ الذاتي Self- Consciousness: وهو مقدرةُ الإنسان على تمثّل الدور، فالتوقعات التي تكُون لدى الآخرين عن سلوكنا في ظروف معينة، هي بمثابة نصوص يجب أن نعيها حتى نُمثلها، على حدّ تعبير جوفمان(10
).

ثانياً: النظرية المعرفية في علم الاجتماع التربوي:

يُعرّف جورج غورفيتش علم اجتماع المعرفة على أنه: دراسةُ الترابطات التي يمكن قيامُها بين الأنواع المختلفة للمعرفة من جهة، والأطُر الاجتماعية من جهة ثانية(11). فعلم اجتماع المعرفة يركز على الترابطات الوظيفية القائمة بين أنواع وأشكال المعرفة، بحدّ ذاتها، ثم بينها وبين الأطُر الاجتماعية، مما يكشف عن أن عصب المعرفة يكمنُ في وظائفها(12).

أما علمُ اجتماع المعرفة التربوي فيُعرفه يونج M. Young على أنه: المبادئُ التي تقف خلف كيفية توزيع المعرفة التربوية وتنظيمها، وكيفية انتقائها وإعطائها قيمتها، ومعرفة ثقافة الحسّ العام، وكيف يمكن ربطُها بالمعرفة المقدّمة في المدارس، واعتبارها المدخل الحقيقيّ للتعليم(13).
وبناء على ذلك يهتمُّ علمُ اجتماع التربية المعرفي بالبحث في الثقافات الفرعيّة داخل المجتمع، وعملية التنشئة الاجتماعية، وأثرُ ذلك على قيم الطفل واتجاهاته، ومستوى تحصيله الأكاديمي واللُغوي. ويهتم أيضاً بالبحث في طبيعة العلاقة المتبادلة بين التعليم والتغيّر الاجتماعي، وتحليل المدرسة كمؤسسة تربوية، معتمداً في ذلك على استخدام الأسلوب السوسيولوجي الدقيق
Micro – Sociological Approach(14).

مصطلحاتُ النظرية المعرفية:

1. نُظُم المعرفة: ويُعنى بها أن المعرفة اجتماعية؛ لأن إنتاج المعرفة ليس عملاً فردياً، وإنما هو عمل جماعي.
2.
توزيعُ المعرفة: تأخذ المعرفةُ أشكالاً هرميةً تبعاً لتدرجها في القيمة؛ لأن تميُّز بعض المعارف عن بعضها الآخر شرطٌ ضروريٌ لبعض الجماعات، وذلك لكي يكتسب المنتفعون منهم أهميةً وشرعيةً لمكانتهم الاجتماعية العالية
.
3.
الموضوعية والنسبية: إن المعيار الوحيد للمعرفة هو تحسينُ الأوضاع الإنسانية، فالمعرفةُ القائمةُ على السياقات الاجتماعية جاءت لحلّ مشكلة الإنسان(15
).
4.
رأسُ المال الثقافي Cultural Capital: يعرّفه بوردو على أنه: الدورُ الّذي تلعبه الثقافةُ المسيطرة أو السائدة في مجتمع ما، في إعادة إنتاج أو ترسيخ بُنية التفاوت الطبقيّ السّائد في ذلك المجتمع
.

ومن أشهر ممثلي النظرية المعرفية:
1.
مايكل يونج
M. Young:
الذي أعلن مولد علم اجتماع المعرفة التربوية عام 1971، في كتابه: (علمُ اجتماع التربية الجديد). وهو يرى بأن علم اجتماع التربية التقليدي كلّه باء بالفشل؛ لأن الباحثين أخذوا المشكلات مأخذ التسليم على أنها مشكلاتُ التربية الجديرة بالدراسة، من غير أن يحاولوا فحص قيمة تلك المشكلات نفسها، لتبيّن أهميتها بالنسبة للتربية. فالمدخلُ الحقيقي للإصلاح هو خلقُ المواقف المشكلة، وأن تضع المعرفةُ التربويةُ نفسها موضع الشّك والتساؤل، فيتغيّر الجدلُ حول قضايا التربية، وتتولّدُ نظرياتٌ خصبة، وبحوثٌ جديدةٌ في مجال البرامج الدراسية(16
).

2. برونر J. Bruner:
الذي تزعّم حركة العودة إلى الأساسيات Back – to Basic – Movement. إثر محاولات إصلاح التعليم، بعد أزمة سبوتنيك عام 1957م. وكان كتابُهُ الشهير (العملية التربوية) The Process of Education. بمثابة إنجيل إصلاح المنهج في التعليم الابتدائي والثانوي
.
ولبُّ نظرية برونر هو الدعوةُ إلى تجديد البُنية الأساسية للتعليم، مع المحافظة على الحواجز بين كل مادة وأخرى. وهو يعتمدُ على مُسلّمة مُؤدّاها: أن كل الأنشطة العقلية في أي موقع من ميادين المعرفة هي واحدة، مهما تضخّمت المعرفةُ أو تقلّصت(17
).

3. بيير بوردو:
إن المقولة الرئيسية التي بنى عليها بوردو نظريته، هي أن الثقافة وسطٌ يتم به، ومن خلاله عملية إعادة إنتاج بُنية التفاوت الطبقي. ويستند بوردو في إثبات هذه المقولة وتحليلها إلى نظريتين، هما(18
):
مفهومُ رأس المال الثقافي
The Cultural Capital.
مفهوم الخصائص النفسية
The Habitus.

فالثقافة عند بوردو تفرضُ مبادئ بناء الواقع الاجتماعي الجديد، كما أنها –كأنساق رمزية- هي بمثابة رأس مال قابل للتحول إلى رأس مال اقتصادي أو اجتماعي أو أيّ شكل آخر من رؤوس الأموال المختلفة(19).

4. ومن ممثلي النظرية المعرفية في علم الاجتماع التربوي كلٌّ من:
فلود Floud، وهالسي Halsey، ومارتن
Martin.

تعقيب

إن النظرية التفاعلية الرمزية، لا تقدّم مفهوماً شاملاً للشخصية، فأصحابُ النظرية وعلى رأسهم بلومر يقرّون بأن هذه النظرية يجب ألا تُشغل نفسها بموضوع الشخصية كما ينشغل بها علم النفس. وهذا سبب واضحٌ، ومبررٌ جوهري على قلة الاستفادة من هذه النظرية في الميدان التربوي، على الرغم من وجود بعض الأبحاث القليلة المنشورة هنا وهناك.
كما أن التفاعلية الرمزية أغفلت الجوانب الواسعة للبُنية الاجتماعية؛ لذلك نجدها لا تستطيع قول أي شئ عن ظواهر اجتماعية كالقوّة والصراع والتغيّر، وأن صياغتها النظرية مُغرقةٌ في الغموض، وأنها تقدم صورة ناقصة عن الفرد
.

أما فيما يتعلّق بالنظرية الاجتماعية في علم الاجتماع، فيمكن القول بأنها المجالُ السائدُ حالياً في علم الاجتماع التربوي، وقد انفردت باسم: (علم الاجتماع التربوي الجديد)؛ لأنها جمعت بين أسلوب البحث الدقيق، باستخدام أسلوب الملاحظة، والملاحظة بالمشاركة داخل الغرفة الصفية، وبين أسلوب البحث الاجتماعي الواسع، الذي اشتمل على قضايا واسعة كالقهر، والصراع، والتغيّر، والحراك الاجتماعي، ودور التربية في ذلك.
ولعل الدراسة التي قامت بها نيلّ كيدّي Nell Keddie. في إحدى المدارس الإنجليزية، بعنوان: “معرفة الفصل المدرسي” من بين الدراسات القليلة التي أُجريت في إطار هذا الاهتمام بالمعرفة التي توجد لدى المعلمين حول تلاميذهم، وهي نموذج لاهتمامات علم اجتماع التربية الجديد
.

الهوامش

(1) فادية عمر الجولاني.(1997)، علم الاجتماع التربوي، مركز الاسكندرية للكتاب. ص215
(2)
إيان كريب. (1999)، النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس، ترجمة محمد حسين غلوم، عالم المعرفة، ع (244)، الكويت. ص130
(3)
إيان كريب. (1999)، المرجع السابق. ص131
(4)
حمدي علي أحمد. (1995)، مقدمة في علم اجتماع التربية، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية. ص180
(5)
علي عبد الرزاق جلبي. (1993)، الاتجاهات الأساسية في نظرية علم الاجتماع، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية. ص237
(6)
فادية الجولاني. (1997)، مرجع سابق. ص216
(7)
إيان كريب. (1999)، مرجع سابق. ص132
(8)
فادية الجولاني. (1997)، مرجع سابق. ص218
(9)
علي عبد الرزاق جلبي. (1993)، مرجع سابق. ص238
(10)
إيان كريب. (1999)، مرجع سابق. ص135
(11)
جورج غورفيتش. (1981)، الأطر الاجتماعية للمعرفة، ترجمة خليل أحمد خليل، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت. ص23
(12)
فاطمة بدوي. (1988)، علم اجتماع المعرفة، منشورات جروس برس. ص69
(13)
عبد السميع سيد أحمد. (1993)، دراسات في علم الاجتماع التربوي، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية. ص43
(14)
علي السيد الشخيبي. (2002)، علم اجتماع التربية المعاصر، دار الفكر العربي، القاهرة. ص67
(15)
عبد السميع سيد أحمد. (1993)، مرجع سابق. ص44-47
(16)
عبد السميع سيد أحمد. (1993)، المرجع السابق. ص43
(17)
عبد السميع سيد أحمد. (1993)، المرجع السابق. ص56
(18)
حسن البلاوي، التربية وبُنية التفاوت الاجتماعي الطبقي: دراسة في فكر بيير بوردو. 125
(19)
حسن البلاوي، المرجع السابق. ص127

د. محمد عوض الترتوري

http://www.almualem.net/maga/a1043.html

140 Views

عن

إلى الأعلى