تربية الأطفال في رحاب الإسلام


تربية الأطفال في رحاب الإسلام

( التربية الدينية )

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آلـه و صحبه أجمعين، و على من اهتدى بهديه و سار على نهجه إلى يوم الدين و بعد،

سوف نتحدث في هذا الفصل عن أفضل وسائل تلقين الطفل العقيدة الصحيحة، عقيدة التوحيد، من الإيمان بالله و ملائكته و الإيمان بالقدر، و ضرورة محبة الله و رسوله

و بالشكل المبسط الذي يدركه الطفل .

و عن تهيئة الطفل لأجواء العبادة حسب طاقته … من تعليمه الوضوء و ما يستطيع حفظه من القرآن الكريمإلخ

معنى الدين:

( ورد " معنى الدين" في القرآن الكريم مصطلحاً جامعاً شاملاً، يريد به نظاماً للحياة يذعن فيه المرء لسلطة عليا لكائن ما. ثم يقبل إطاعته و اتباعه و يتقيد في حياته بحدوده و قواعده و قوانينه، و يرجو في طاعته العزة و الترقي في الدرجات، و حسـن الجزاء و يخشى في عصيانه الذلة و الخزي و سوء العقاب)(1).

هذه المعاني هي التي نريد أن نغرسها في نفوس أبنائنا فالإسلام ليس ديناً كنسياً يفصل بين الدين و الحياة، و إنما هو دين الحياة و كل ما هو من الدين يُصلح الحياة و يرقى بها، و كل ما هو يصلح للحياة فهو من الدين و عباده إذا احتسبها صاحبها.

أهمية تلقين الطفل العقيدة الصحيحة:

( لا شك أن تأسيس العقيدة السليمة منذ الصغر أمر بالغ الأهمية في منهج التربية الإسلامية، و أمر بالغ السهولة كذلك ) (2)

فالله سبحانه و تعالى قد تفضل على بني آدم بأمرين هما اصل السعادة :

أحدهما: أن كل مولود يولد على الفطرة. كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه

الثاني: أن الله تعالى قد هدى الناس هداية عامة، بما جعل فيهم بالفطرة من المعرفة و أسباب العلم، و بما أنزل إليهم من الكتب و أرسل إليهم من الرسل(3)

و لذلك اهتم الإسلام بتربية الأطفال على عقيدة التوحيد منذ الصغر، و من هنا جاء استحباب التأذين في الأذن اليمنى، و الإقامة في أذن الطفل اليسرى.

و لقد اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأطفال، فغرس في نفوسهم أسس العقيدة، فهذا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يعلمه رسول الله صلى الله عله وسلم "يا غلام إني أُعلمك كلمات. احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك، و إذا سألت فاسأل الله، و إذا استعنت فاستعن بالله، و اعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، و إن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كـتبه الله عليك، رُفعت الأقلام و جفّت الصحف"(4)

إن الإجابة السليمة الواعية عن تساؤلات الأطفال الدينية بما يتناسب مع سنهم و مستوى إدراكهم و فهمهم أمر ضروري مع اعتدال في التربية الدينية لهم و عدم تحميلهم ما لا طاقة لهم به و كذا الاقتداء بأخلاق سيد الخلق في سلوكه و تعامله مع الأطفال.

{ جوانب من البناء العقدي عند الطفل المسلم }

I) الإيمان بالله جل و علا:

إن أهم واجبات المربي، حماية الفطرة من الانحراف و صيانة العقيدة من الشرك. و تبدأ عملية تعليم الطفل، الايمان بالله، من خلال غـرس محبة الله تعالـى في نفس الطفل، و يكون ذلك بإشعار الطفل، بفضل الله العظيم عليـه، إذ خلق له عينين

و أذنين و لسـاناً و شفتين، و خلق له الطعام اللذيذ… و كل ما يحبه هذا الصغير، فلا يملك الطفل إلا أن ينشأ على محبة خالقه جل و علا.

( و يبتعد المربي عن تلقين الأطفال اسم الله من خلال الأحداث الأليمة، ذلك أن للخبرات الأليمة أثرها في تشكيك المؤمن في عقائده و انحيازه إلى النزعة اللادينية) (5)

إضافة، لغرس المحبة لله في نفس الطفل، ينبغي كذلك غرس عظمة الله سبحانه، و تعالى في نفسه، و يكون ذلك ، من طريق لفت نظره إلى مظاهر قدرة الله و نعمه التي لا تحصى.

و مما ينبغي الاشارة إليه، أنه على المربي، أن يغرس في نفس الطفل مكانة و كرامة

الانسان عند الله، حيث سخر له ما في السموات و الأرض و ما بينهما حتى ملائكته جعلهم حفظه له في منامه و يقظته و أنزل إليه و عليه كتبه، و من مظاهر تكريم الله للإنسان، أن خلقه بيده و نفخ فيه من روحه و اسجد له ملائكته، و علمه أسماء كل شيء. و ينبغي للمربي أن يُركز على جانب الترغيب لا الترهيب حتى يتعلـق قلب الطفل بالله، و ينمو شعوره الديني على حب الله تعالى، و الاستعداد التام لطاعة أوامره.

II- تعويد الأطفال حب رسول الله صلى الله عليه وسلم:

على المربين و موجهي الأطفال، أن يغرسوا حب رسول الله عليه والصلاة و السلام في نفوس الناشئـة . فحب رسـول الله من حب الله جل و علا، و لا يكون المرء مؤمناً إلا بحب الله و رسوله. عن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله :"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده و ولده و الناس أجمعين". متفق عليه. و السبيل إلى ذلك، يكون من طريق سرد مواقف من السيره النبوية من صفاته صلىالله عليه وسلم مثل: الرحمة بالصغار و بالحيوان و بالخدم … فتتأثر نفوسهم، و تتفاعل قلوبهم بحب الرسول عليه الصلاة و السلام و حب رسالته و في ذلك المغفرة و جنات النعيم.

قال تعالى:( إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم و الله غفور رحيم) آية (31) من آل عمران.

بالاضافة إلى ذلك لا بد من إعطاء صورة واضحة للأطفال عن النبي صلى الله عليه وسلم، بدءً بنسبه الشريف، مرورا بتعبده في غار حراء ثم بعثته صلى الله عليه وسلم، ثم تبيان مكانته قبل البعثه عند قومه، و إظهار حب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم له و دفاعهم عنه و عن الدين. و لا بد من، توضيح صفاته، الخلقية، من أكل و شرب و تمشيط و قص أظفار وسواك، صدق و أمانة و تواضع و غير ذلك.

ج) الإيمان بالملائكة:

الملائكة جند الله، يأتمرون بأمره و لا يعصونه … إن في العالم مخلوقات كثيرة لا نعرفها، يعلمها خالقها جل و علا، و من بينها الملائكة… بهذه الصورة يمكن أن نتحدث عن هذا الركن الايماني الغيبي أمام الأطفال.

و نضيف اليهم: إن أعمال الملائكة نستشفها من بعض الآيات القرآنية، ومن ذلك حفظ الانسان قال تعالى ( إن كلُ نفس لما عليها حافظ) (6) و كتابة ما يعمله الانسان في هذه الحياة (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) (7)

و يحذر المربون من تثبيت صورة خاطئة في عقول الاطفال عن شكل الملائكة مثلاً.. و لا سيما أن أكثر وسائل الاعلام تصور الملائكة باشكال معينة لها أجنحة.

VIII) عدم التركيز على الخوف الشديد من النار:

إن الطفل ذو نفس مرهفة شفافة، فلا ينبغي تخويفه و لا ترويعه، لان نفسه قد تتأثر تأثراً عكسياً .

و يمكن للمربي أن يمر على قضية جهنم مراً خفيفاً رفيقاً امام الاطفال، دون التركيز المستمر على التخويف بالنار. ظناً منه أن هذه وسيلة تربوية ناجحة.

أخرج الحاكم و البيهقي عن سهل بن سعد رضي الله عنه، أن فتى من الانصار دخلته خشية الله، فكان يبكي عند ذكر النار، حتى حبسه ذلك في البيت، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه في البيت، لما دخل عليه اعتنقه النبي و خر ميتاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" جهزوا صاحبكم فإن الفرق فلذ كبده" (8) . الفرق : الخوف ، فلذ: قطع.

هـ _ الإيمان بالقدر:

و علينا أن نزرع في نفس الطفل عقيدة الايمان بالقدر منذ صغره، فيفهم أن عمره مجدود، و أن الرزق مقدر و لذلك فلا يسأل غير الله، و لا يستعين إلا بـه

و أن الناس لا يستطيعون أن يغيروا ما قدره الله سبحانه وتعالى ضراً و لا نفعا، قال تعالى قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) (8) . أما كيف يتم ذلك، فمن خلال انتهاز الفرص المناسبة . و لعل أبرز الظواهر التي نلفت نظر الأطفال في هذا المجال: ظاهرة الموت. فهم قد يتقبلونه تقبلاً معتدلاً، و ذلك في ظل أسرة لا تبدي جزعها من الموت، و تشعر الاطفال ( ببساطة ) أن من ينتهي عمره يموت.أما إن شعر الأطفال ، بطريقة ما ، أن الموت عقوبة، و ذلك من خلال التعليق على موت أحد الناس:" و الله إنه لا يستاهل هذا الموت" كما تقول بعضهن في لحظة انفعال، نسأل الله المغفرة و الهداية. و كذا إن هددت الأم طفلها بالضرب و التمويت، فيزرع في ذهنه أن الموت عقوبة، و ليس نهاية طبيعية و منتظره للجميع مما يجعلهم يجزعون منه مستقبلاً.

و نعود الأطفال البذل و العطاء و الرحمة بالفقراء، و ذلك لتتهيأ نفوسهم لدفع الزكاة، و العطف على المساكين و كلمات بسيطة ترثي فيها الأم أو الأب أو المربي، لحال المساكين مع إثارة الشفقة عليهم تجعل أنفس الأطفال تسخو بالعطاء، و تجود به، و لو بمصروفهم اليومي.

{ تعليم القرآن و اعتياد توقيره}

لقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفظ كتاب الله و تفهمه و أخذ بذلك علماء هذه الأمة.

يقول الإمام الشافعي رحمه الله:( حفظت القرآن و أنا ابن سبع سنين و حفظت الموطأ و أنا ابن عشر) (10) .

و لتعليم الأطفال القرآن الكريم أو حفظه، لا بد من تشجيعهم على ذلك بذكر فضل تلاوة القرآن و حفظه، من مثل، إن الماهر في تعلم القرآن و حفظه، سيكون مع السفرة الكرام البررة، و الذي يقرأ القرآن و يتلعثم فيه و هو عليه شاق، فله أجران، و أنه لكل من يتلو حرفاً من القرآن له حسنة، و ( الم ) ثلاثة حروف، و من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها.

و يعلم الاطفال شيئا من آداب التلاوة: ترتيل القرآن الكريم و المداومة على هذه التلاوة، ثم أن يبدأ بالاستعاذه من الشيطان الرجيم ثم يأتي بالبسملة. و أن يوقر الطفل المصحف ففيه كلام الله، لا يبحث يعبث أو يرميه الى صاحبه إذا أراد أن يناوله إياه، لأنه كلام الله تعالى الذي يجب أن نوقره و نجله.

و على المربي أن يحاول قدر الإمكان أن يعلم الاطفال الآية القرآنية و( إذا قرىء القرآن فأنصتوا لعلكم ترحمون ) (11) و مع تكرارها أمام الطفل يحفظها ويفهم المقصود منها .

و هنالك سور قصيرة، من المناسب أن يحفظها الطفل مثل، سورة الفاتحة، لإخلاص ، الكوثر ، العصر، الفيل ، النصر، المسد، سورة القدر و النصر، و ذلك حسب طاقة الطفل و سنه في هذه المرحلة ، مع التفسير المبسط و سبب النزول على شكل قصة مبسطة كذلك.

و علينا ألا ننسى أثر القدوة الطيبة في استجابة الطفل، فالمربي الذي يوقر القرآن و يجله و يحسن الاستماع اليه سيكون له أكبر الاثر في نفس الطفل و عظيم تقديره لكلام الله.

و كذا بالنسبة للرزق: جميل بالمربية أن تتعمد أمام طفلها حمد الله تعالى على ما أعطى من الرزق، فذلك يرسخ في ذهنه أن المال مال الله و الخير كله منه. و إن قال لها مستنكراً، لا إن المال من مكان كذا، كمكان عمل والده فهي الفرصة لأن تغرس في نفسه أنه لا بد من اتخاذ الأسباب المؤدية إلى النتائج بحسب السّنة الجارية… و من ثم يحس بوجوده الذاتي و يعمل دون أن يفتن بنفسه ولا بعمله، و دون أن يفتن بالاسباب.

إن اتخاذ الاسباب مع الإيمان بالقدر، يجعل من المسلم إنساناً مقداماً لا يخش إلا الله، كريماً لا يخاف على نفسه الفقر، صبوراً لا يهلع أمام كل مصيبة ما دامت مقررة.

{ تهيئة الطفل المسلم لاجواء العبادة}

يبدأ تعليم الأطفال العبادات ، من سن التمييز، عندما يصبح باستطاعة الطفل أن يأكل و يشرب وحده، أن يخلع و يلبس ثيابه لوحده. فبالإمكان أن يعلم آداب قضاء الحاجة، و الوضوء حسب قدرته، و يحسن أن نعلمه فضل الوضوء، و أنه يمحو الآثام عند غسل كل عضو من الأعضاء فإذا توضأ و أحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده و أن المسلم طاهر نظيف.

قد يتعلم الطفل الجريء الآذان و إذا اراد أن يتوجه نحو القبلة ، نعلمه الإتجاه الصحيح في الصلاة و السبب في ذلك.

و يتبع المربي افضل السبل و أرقها لتحبيب الصغار في الصلاة . و من وسائل الترغيب، أن نفهم الأطفال بأننا نصلي ليحنا الله و أن المصلين لهم الجنة، و أن نحاول جاهدين أن يكون العمل ذاتياً و العبادة نابعة من نفس الطفل.

و في الصيام: نلجأ إلى التدرج في تعويده الصيام مع إعلام الطفل أن هذا ليس هو الصيام المكلف به، و إنما هو لأجل التدريب، و ذلك حتى لا يحجم الأطفال في الأسر المسلمة عن الطعام و الشراب في شهر رمضان كله فتتضرر أجسامهم إذا كانوا ضعاف البنية صغار السن لا يطيقون الصيام . أما إذا كانوا يطيقونه فلا بأس من تدريبه عليه.

و للحج موسم سنوي يحسن بالمربية انتهاز هذا الموسم و الحديث عن هذه الفريضة، عن قصة يناء البيت العريق من أجل توحيد الله بالعبادة. و إذا حج أحج الأقارب أو الجيران نصحبه لزيارته

1- أبو الأعلى المودودي(المصطلحات الأربعة في القرآن ص26)

2 – منهج التربية الإسلامية محمد قطب 2/164

3 – الفتاوى لابن تيمية 14/283-294

4 – رواه الترمزي و قال حديث حسن صحيح.

5 – تطور الشعور الديني عند الطفل و المراهق. د/عبد المنعم المليجي 4/61

6- سورة الطارق آية 4

7- سورة ق آية 18

8- أخرجه الحاكم و البيهقي

9- سورة التوبة آية 51

10- طبقات الحفاظ للسيوطي ص 154

11- الأعراف آية 204

إعداد / روضة الهدى

67 Views

عن

إلى الأعلى