القياس – عبداللّه العروي


القياس – عبداللّه العروي

أجمع المناطقة المسلمون، تبعا لمن سبقهم في هذا الميدان، أن المقصود من المنطق هو إقرار نوع من الحجة يولد اليقين في النفس، على زعمهم، إلا أنهم وجدوا صعوبة، على الأقل بادىء الامر، في الاصطلاح على أسم واحد. كان الفقهاء واللغويون والمتكلمون قد اهتدوا، قبل أن يترجم المسند الارسطي، الى نوع من الاستدلال نعتوه بالقياس، والاصل فيه بديهي وهو أن حكم الشيء حكم أشباهه. فلما ترجم المنطق اليوناني ظهر أن القياس قد يكتسي اشكالاً مختلفة: «القياسات برهانية وجدلية وتقريرية وخطابية وشعرية (510)». من القياسات اذن ما يطابق ما اسماه أرسطوا التمثيل، ومنه ما يساوي ما سماه الاستقراء، ومنه ما قد يبدو على شكل أطلق عيه اسم السلجسموس دون ان يعدله في البيان وشعور القارىء أو السامع بضرورة الانقياد وترك المجادلة، اذ يوجد في هذا النوع من الليل ما لايوجد في القياس وان اتخذ هذا الأخير صورته الظاهرة ان ابن حزم لايترجم السلجسموس ويكتفي بوصفه وتميزه عن أشكال الحجج الأخرى، ويعود الفضل في تخصيص كلمة برهان لهذا النوع من الأقيسة لابن رشد. فأصبح من المسلمات بعده أن الحكماء يعتمدون البرهان، وأن المتكلمين والأصوليين يعتمدون القياس (التمثيلي أو الاستقرائي)، والأدباء والخطباء المجاز. وعاد من أهم النقاط الدالة على اتجاه هذا المفكر الاسلامي أو ذاك موقفه من مسألة البرهان والقياس: ما الفرق بينهما؟ أيهما أعلق بالحق؟ أيهما يورث اليقين؟

يقول المناطقة ان ما يميز الحجة البرهانية، في شكلها الثلاثي، أي بحدودها الثلاثة، بمقدمتها وقرينتها وجامعتها (في عبارة ابن حزم)، هو أنها تؤدي بالضرورة الى اليقين، لا الى مجرد الظن، فتلزم العقل بالتسليم وتنفي عنه التردد والشك لكن اليقين، ليس مفهوماً منطقياً، مثله مثل الشك والظن والترجيح. يصح ان يعتبر وسيلة، اشارة، لذلك المفهوم المنطقي، فيبقى أن نحدد بالضبط ما هو ذلك الشيء المضمن في البرهان والذي يترتب عنه اليقين. ما يجعل البرهان برهاناً منتجاً لليقين، ليس الشكل إذ كل قياس قابل ليفرغ في شكل برهاني ومع ذلك لا ينتج يقيناً. يعدّ المناطقة أنفسهم أشكالاً برهانية غير منتجة كثيرة. غير منتجة بالنسبة لأي شيء؟ لزم اذن النظر في مادة البرهان، فأدّى ذلك النظر الى التمييز بين الأنواع التي يتجسد فيها الشكل البرهاني. والأنواع هي تلك المتعلقة بالمقادير الخاصة بعالم الرياضيات، وتلك التمعلقة بصفات واجب الوجود، وتلك المتعلقة بالاعراض. وعند التدرج من مستوى الى آخر تختلف الميزة التي تجعل من البرهان برهاناً.

يشرح ابن سينا بوضوح برهان اللمّ، وبرهان الأن الأول له أساس (علة) في الخارج فيقنع العقل، والثاني له أساس في النفس فقط هو سبب التصديق، ويختم قائلاً: أن اللمية هي العلة والأنية هي الثبوت. يعني البرهان هنا القياس الثلاثي. يبدو اذن ان الشكل واحد وأن كلا البرهانين يبعث اليقين في النفس، لكن الأول ينطبق على قسم من الوجود الخارجى وجود العينات الملموسة، فإنه يحتمل الجواب على السؤال (لم) وبذلك ينتمي الى نوع، والآخر ينطبق فقط على التصورات، بلا سند في الخارج، فيتحمل فقط تقرير (أن) وينتمي الى نوع مخالف. قد نعتقد، حسب هذا الشرح، أن البرهان اللمّي هو المتعلق بعالم المادة، فتكون العلّة قوة مادية محسوسة، والبرهان الأنّي هو الخاص بالتصديقات، فيكون الدافع هنا نفسانياً صرفاً، لكن هذا التأويل لايلبث أن يتصادم مع الاتجاه العام لفلسفة ابن سينا، الأقرب إلى الصحة هو أن الخارج هنا لايعني العالم المادي بل العلوي، وأن البرهان اللمّي هو في الحقيقة والعمق استنباطي تحليلي. الأفضل والأسلم أن نربطه بعالم المُثل الذي هو أوسع وأعم من عالم الرياضيات _في مثل هذا العالم الوجود واجبٌ ضروري، وكل مشابهة أو مساواة هي معادلة بالمعنى الكامل. ولهذا السبب ينحل القياس في البرهان كما تذوب الأنّية في اللّمية.

يواجهنا سؤآل: هل تعميم البرهان الرياضي الى برهان مثالي (خاص بعالم المُثُل)، برهان واجب الوجود، وتخصيص القياس الذي يولد الظن فقط، إلى عالم المجسدات، مانع أم لا من التدقيق في منطق الرياضي وتطوير الرياضيات الى ما سوى المعادلات؟ لايكفي أن نقول إن ابن رشد لايشارك في إشراقية ابن سينا. يجب علاوة على هذا إثبات أن تأويل ابن رشد للبرهان، ذلك التأويل الذي ورثه عنه كل علماء الأندلس وضمنهم ابن خلدون، يضمن الانفتاح على عالم استغلق على ابن سينا.

معلوم أن ابن حزم اعتمد على نظرية البرهان لنقد القياس بكل أشكاله وأنواعه، على اعتبار أن القياس لايفيد الا الظن وأن الظن لايغني من الحق شيئاً، وهكذا يسبح في نفس الفضاء مع الفلاسفة، الا أنه يذهب أبعد منهم إذ يقول لهم: مجال البرهان هو القواعد العاّمة المستقلة بنفسها غير المرتبطة بالجزئيات إذا استغنينا عن الاستقراء. لا سبيل إذن للانحدار من عالم القواعد العاّمة إلى الخاصيات والعينات إلا بالخبر. وهذا الخبر اللازم لنا في حياتنا العملية اليومية متاح لنا. فهو المضمن في الرسالة، في التنزيل بالمعنى اللغوي للكلمة وكذلك المعنى الفقهي، ويجب أخذه على ظاهره. وهكذا نرى ان الفهم الصحيح للبرهان هو الذي يقودنا حتماً الى التقيد بظاهر الخبر، والدليل على هذه الضرورة أن الفلاسفة أنفسهم ينتهون الى الخضوع والانصياع لقول حكيم أو إشارة فلك أو نطق ملك.

ولايختلف موقف ابن تيمية عن موقف ابن حزم مع أنه كان أكثر واقعية منه وأقل تطرفاً. يقول: «لا علم يقيني الا بالحس الباطن والظاهر والقياس التمثيلي والقياس الحدود الثلاثة أعياناً جزئية». عوض أن يعلي من قيمة البرهان ليتخلص من القياس الذي قد يؤدي الى التقول على اللّه كما فعل سلفه الأندلسي، فان ابن تيمية يميز بين أنواع القياسات، البرهاية وغيرها، ويقبل ما يخص منها الأعيان والجزئيات دون ما يهم الكليات التي، وان صحت، لاتنفع الإنسان الفرد في حياته اليومية. لذا نراه يفضل قياس المماثلة على قياس الانطواء لغموضه، ويمتدح من يقطع القياس تبعاً لخبر مأثور على من يتابعه بناءاً على خبر مدخول. فاعتراضه الأساسي على البرهان، وعلى المنطق عامّة، هو: «أنه لايفيد الا أموراً كلية مقدرة في الذهن ولا يفيد العلم بشيء موجود محقق في الخارج عكس ما قلناه في حق ابن سينا، الخارج هنا يعني بوضوح العالم المادّي، عالم البشر. فالأمور العملية لاتحتاج إلى حكم كلّي، بل الى قياس واضح، بيّن للجميع. يقول: «صورة القياس فطرية لاتحتاج الى تعلّم» يوافق ابن تيمية على أن البرهان الأرسطي غير القياس في عرف المسليمن، لكن اليقين الذي يؤدي إليه لايفيد المرء لا في شؤون دنياه ولا في أمور آخرته. لايفيد في الدنيا لأنه لايترجم الى يقين عن العينيات، فهذه إما محسوسات فتدرك مباشرة بحس الظاهر، وإما معقولات وتدرك بحس الباطن ولا دخل للبرهان في كل هذا. وأما عدم إفادتها في الآخرة فواضح إذ هذه منوطة بأوامر معينة لا دخل للعقل فيها.

تلخيصاً نقول ان نظرية البرهان عند المسلمين ارتبطت ارتباطاً مباشراً بمفهوم اليقين وارتباطاً عكسياً بمفهوم الخارج، ما نسميه اليوم بالموضع. وكلا المفهومين غامض مشترك يتحدد مضمونه بالكيفية التي يفهم بها الموجود. عند أنصار المنطق يؤدّي البرهان إلى اليقين لأنه يتعلق بموجود واجب الوجود. لكن لهذا السبب بالذات يمتنع علم الأعيان: علم خاص بالأعراض، بل يمتنع حتى توسيع الرياضيات إلى ما وراء أقليدس، أما عند أعداء المنطق، المدققين منهم، فاليقين الذي يتطلع إليه الإنسان هو الخاص بالعينيات والجزئيات، وهذه قد تعرف بالقياس والاستقراء بما يكفي الحياة العملية. هذا الموقف المتزن قد ينفتح على علم طبيعي استقرائي، إلا إن ذلك العلم يبقى في مستوى تجارب الصنّاع. وكما يحتل أصحب الصنائع مرتبة دنيا في المجتمع فكذلك يكون ذلك العلم التجريبي من الدرجة الثانية. العلم اليقيني الوحيد، الذي يحفظه العلماء (بالمعنى المحدود)، والخاص بحقائق الأعيان، هو علم الحديث، لأنه إخبارٌ على تلك الحقائق من لدن مبدعها وخالقها.

لا حاجة للقول إن هذا التأويل الثاني هو الذي ملأ الميدان المعرفي لأن الأول نفسه يمده بجداوله.

——————————

المصدر : مفهوم العقل

62 Views

عن

إلى الأعلى