الشيخ محمد النبهان


المولد والنشأة

معالمه البشرية

مظهر محمّديٌّ، وشخصيّة فذّة، تنجذب إليها الشخصيات، وطلعة لا تحتوى تمتلك المهج، من رآه على بعد فقد هابه، ومن نظر إليه ذكر الله تعالى واطمأنّ وانتهضت همته . فهو رضي الله عنه خلق في أحسن تقويم، قامة ربعة، وللطول أبين، بارع الحسن أزهر، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، أكحل العين أحور، خفيف الحاجبين، كأن حدقتي عينيه مبسمان، له لحية بيضاء منوّرة، لا كثّة ولا مفرّقة، شاخص الرأس والصدر، رقيق الأدم قليل شعر الجلد، في كتفه الأيسر شامة لا يفارق وجهه السرور وإشراق النور، إذا أقبل فكأنه كوكب درّيٌّ، وإذا مشى فكأنه يتحدر من صبب، مشيـــة رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في القوم من يظهر عليه إن جلس أو وقف أو سار، تنبعث منه رائحة مسكية، وكلُّ صفاته هذه من موافقات الوراثة المحمدية.

نسـبه

هو سيّدنا الشيخ محمّد بن أحمد بن نبهان ـــ ومنه عرف بالنّبهان والنّبهاني ونبهان ــ بن خضر، وبـــــه يدعى قومه بالخضيرات ويرجع نسبهم إلى القبائل الزبيدية، وهم أربع شعب: أكبرهم: حسين الملقب بــ (الحوت) والثاني: حسن، والثالث: أحمد الملقـب بـــ (غانم) لكرمه، ورابعهم: نبهان .

أما من جهة أمّه فوالدته فاطمة بنت محمود بن عبد العزيز بن خشمان بن أحمد بن محمود بن أحمد الطحان بن عبد الله الفارماني بن عبد الرحمن بن محمد السائح بن رمضان بن عبد الهادي بن خليل بن نوح بن خضر الصياري اليمني بن أحمد العواكلي بن شكري الغنام بن محمود بن مصطفى بن يونس بن أحمد الركاني بن إسماعيل بن محمد الوالي بن محمود الحجازي بن مهدي الواعظ بن محمد شمس الدين بن عز الدين القاضي بن محمد بن الإمام موسى بن الإمام إبراهيم المرتضى بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن سيدنا الإمام الحسين عليه السلام بن سيدنا علي كرم الله وجهه، وأمه سيدة نساء العالمين السيدة فاطمة الزهراء البتول بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان رضي الله عنه يعتز بانتسابه ويقول: ((سيدتنا فاطمة أمي، وآل البيت أخوالي)).

منازل عشيرته في شرق مدينة حلب باتجاه الرقة وجده " نبهان " يسكن قرية تسمى "الصفة"، أما منازل أخواله ففي جنوب شرقي حلب . مولـده

ولد غصن الكمال ـــ كما صرح هو عن نفسه رضي الله عنه ـــ في الثامن من ربيع الأول سنة 1318 هـ الموافق للخامس من تموز سنة 1900م في محلة (باب النيرب) بمدينة (حلب) من بلاد الشام، ولم يكن حمله متعباً لوالدته، قال رضي الله عنه: ((قالت لي أمي رحمها الله: أنت خفيف خفيف يا ابني، ما لاقيتُ ثقلاً فيك أبداً )).

وباب النيرب: أحد الأبواب العشرة القديمة لمدينة حلب وهي: باب الله، باب النيرب، باب النصر، باب الفرج، باب الأحمر، باب قنسرين، باب أنطاكية، باب جنين، باب المقام، وباب الحديد .

وباب النيرب: حيٌّ شعبي كبير في جنوب مدينة حلب، يتفرع إلى أزقّة ضيّقة ومساكن مزدحمة، كانت في وقت إقامة سيدنا فيها يكسو الربيع سطوحها بحلّة خضراء لكونها من طين، تجمـع قاطنيها ببقيّة أهل حلب صفات العروبة الشرف والكرم والشجاعة، وتميزهم صلابة وجلادة، فهم معروفون بشدّة بأسهم، وسرعة ثورتهم، وموسومون بقوّة لهجتهم، وطريقة تحدّثهم، وكثرة نزاعاتهم، تغلبهم الطبيعة القبلية، لأن أكثرهم من أبناء القبائل ووجهائهم، ومنهم والد السيد النبهان رضي الله عنه شيخ الخضيرات .

نشـأته

في ذلك الحيّ درج رضي الله عنه ونشأ، وفي أسرة تتمتّع بوجاهة وغنى نما غصنـــه وتلألأ، فوالده أحمد الليرات(سمي بذلك لكثرة الذهب عنده) مع أنه أمّي لا يقرأ ولا يكتب كان زعيم قومه ومرجعهم، صاحب ثــروة طائلة، بيته للحاضر والبادي، والناس عليه بين رائح أو غاد، لأخذ المشورات والفصل في الخصـومات، فلهذه الأمور مع ما أضفى عليه أبواه من حب وحنان ـــ أثرٌ كبـــير في تنمية عوده وإشراقة بدايته، إذ هو صبيّ مدلل ومرفّه، ظهر أثر النعمة على هيأته، إذا تجوّل في دروب الحي تشخص إليه أعين من يراه، ومع أنه كثير الحركة والنشاط واللعب إلا أن ألعابه وحركاته بريئة ومهذبة، وفي جميع أحواله تحفُّ به عناية الله وترعاه.

وكان في بعض أوقاته رضي الله عنه يذهب إلى خيمة (كركوظ عيواظ) مسرح شعبي يجتذب الناشئة للتسلية، ويدار من تحت الخيمة لتظهر على جوانبها خيالات بأشخاص وهيئات مختلفة، يدور الحوار فيها بين كركوظ الصغير وعيواظ الكبير، أما الذي يحرك ويسكن الدمى من تحت الخيمة فشخص يدعى (أبو يوسف) لا غيره، وحين عرف رضي الله عنه من الذي يحركها ويسكـنّها خلص إلى فهم دقيق وتوحيد عميق أن أبا يوسف لا أحد معه في الخيمة، وأن خيمة الوجود ما فيها إلا أبو يوسف، لا يعني أبا يوسف الذي كان في خيمة المسرح، وإنما الله سبحانه، في خيمة الوجود وحده، لا إله إلا الله، المحرك والمسكن، أحد أحد، ليس معه أحد، والمخلوقات إذا سحب منها السر ليست إلا دمىً أو جلدات معلقة، قال رضي الله عنه: ((آه عرفنا ما في الخيمة غير أبي يوسف، وهي خيمة الوجود، ما فيها غير الله هو الذي أمرنا وهو الذي نهانا)) فذلك هو توحيد الفطرة الذي ملأ قلبه في الصغر.ومع أن اللعب بالقلل والأكعاب وطائرات الورق قد استأثرت ببعض وقته لكنها تزامنت مع دخوله في الكتــّاب، مما زهّده في تلك اللعب فتركها بين الخامسة والسادسة من عمره، وكان انتماؤه إلى الكتــّاب بدافع من ذاته لم يدفعه إليه أو يلزمه به أحد، مما جعله أحرص أقرانه وأسبقهم إلى حلقة الشيخ، يقف في عتمة الفجر على باب المسجد قبل أن يفتح، ويتلقى بدون تغيب أو انقطاع، ويتمنى أن لا يكون في الأسبوع يوم جمعة لئلا يتأخر عن التلقي والقراءة، وحفظ قبل كل شيء دعاءً يبدأ به جزء (ألف باء) يقرؤه شيخ الحلقة ويترنّم: (يا فتاح يا رزاق يا عليــم، يا كريم يا رحيم يا الله، ربّ يسّر ولا تعسّر..). وما إن أتمّ على الشيخ أربعة أجزاء ـــ عمّ وتبارك وقد سمع والذاريات ـــ أكمل بنفسه قراءة الأجزاء الستة والعشرين، وأسمعها لمعلمه، فختم القرآن الكريم قراءة وتجويدا في فترة هي دون السنة،

ثم تعلم بعدها القراءة والكتابة وقواعد الحساب.

ولما أن بلغ السابعة أصبح مفتاح المســـجد القريب بيده يفتــح ويقفل وينظّف ويخدم، مواظب على الصلاة منذ نعومة أظفاره.

ومن صغره يحب الرسول صلى الله عليه وسلم ويحبُّ الأولياء، قال رضي الله عنه: ((أنا رأس مالي من صغري محبة الرسولr ومحبّة الأولياء)) . .كما يحبّ المنسوبين لآل البيت النبوي، فإذا رأى متوّجا بعمامة خضراء اعتقده وليّا لله تعالى، يجذب قلبه ولا يحطُّ نظره حتى تغيب عنه رؤيته .

وأصحابه قلةٌ قال رضي الله عنه : ((أصحابي قليلون، وأكثر أيامي أمشي وحدي، وإذا مشيت مع أحد فمع الأكبر مني، وما خطر لي يوماً أن أمشي مع أصغر مني، وأنا أصلي من صغري، وما حكم عليّ رفاقي أبداً بل أنا حاكم عليهم )). .كما أنه شجاع لا يخاف يراهن على وصوله وحيداً في العتمة والبرد والمطر إلى البستان الفلاني ليضع فيه علامةً..فإن اختلف مع صديق في مسألة أخذ بيده إلى شيخ علم ليحكم بينهما، معتقداً ــ بنقاء فطرته ـــ أن شيخ العلم لا يتكلم إلا الحق والصدق، قال t : ((كنت أعتقد العالم عبارة عن ملك يمشي على وجه الأرض )).. تلك هي أيام الصبا .ثم دخل المدرسة الابتدائية، وتلقى بعض دروسه فيها باللغة التركية على زمن العثمانيين.

ومن الغريب أن تسمع عن فتى تزوج قبل بلوغه، إذ أسرع أبواه بتزويجه وهو في الثانية عشرة من عمره بالسيّدة مريم قاسم الخضيرات وهي أقل منه بسنتين، فقد كان أبوه حريصا على تزويجه لأن الذرية جاءته على كبر السن، وليس من الزواج الأول.

ومنذ حداثة سنه يتعشق الكمالات الإنسانية، ويتلذذ بمكارم الأخلاق المحمّدية، صادق، عفيف أديب، شديد الحياء، جدّه جدٌّ، وهزله جدٌّ، لم تنخدش فطرته بعيب، ولم تتغبــّر جوهرته بصبوة، قال رضي الله عنه: ((كان عندي إيمان فطري، فطرتي ما انخدشت)) . لسان حاله :

ومذ كنت طفلا فالمعالي تطلُّبي وتأنف نفسي كل ما هوواضع

وعُرف الفتى بشجاعة نادرة، طويت على قوّة في الجسم، وسرعة في الجري، ومهارة في المصارعة، ودقّة في الرماية، وفروسية عجيبة، وتفوق في ترويض الخيل وتطبيعها، قال رضي الله عنه: ((وكنت لا يسبقني أحد بسرعة الجري، ولا يرميني أحد في المصارعة إلاّ نادراً، وفي ركوب الخيل قليل من هو مثلي، وفي ضرب النيشان أرمي إبرة )) . وألزم نفسه بتدريب عنيف يشبه لعب الحبشة أو كمن يتهيأ لقتال في سوح الجهاد .

قال رضي الله عنه : من صغري أحمل فرداً (أي مسدساً) أخاف على حالي، ولا أحد يقدر أن يلحق بي، ربما الخيّال لا يلحقني! وما جاءني يوم اعتديت فيه على أحد ولا أعرف الاعتداء أبداً . .

وفي بعض ملاطفته لزوجه كان يسابقها، ويسمح لها أن تسبقه ـــ مراعاةً لصغر سنها ـــ فتلومه زوجة أبيه قائلةً: إذا سمحت لها أن تغلبك فسوف تبقى معها مغلوباً ما حييت! إلاّ أنّ الواقع أثبت خلاف ما أوصت به.

92 Views

عن dahsha

تعليقات

  1. naseem قال:

    قال رضي الله عنه : ((لم يكن في الكلتاوية جامع، بل مسجد صغير، وأنا إلى جنبه في حجرة وحدي وليس فيه غيري، وشهرتها مأوى الخمارين والسرّاق والمقامرين، ثم ذهبت سنة وجاءت أخرى..فإذا بها مأوى الأمراء والعلماء والأكابر، بل مأوى السعداء من الصغار والكبار، ووجدتُ لكم فيها كيراً مثل كير المدينة تماماً، تنفي الكذاب الخائن الغشاش وتخرجه منها ولو بعد أربعين سنة، فلا يبقى فيها غير السعداء)) .

    ظهر رضي الله عنه للناس نبأً مهماً، يتذاكرون أطواره ويتابعون أخباره، فانتشر أمره واشتهر، وأقبل عليه أهل البادية والحضر، وسار t في خطين رئيسين:

    الأول : يربّي فيه تلاميذه، فابتدأ رضي الله عنه بحلقات علم في المسجد، وأمّــر على كل حلقة واحداً من أصحابه، فكانت دروساً في الشريعة وعلومها والعربية وفنونها .

    والثاني : مــــــع كل الناس، يتعارضهم في المساجد والأسواق والمحلات والطرق، يذاكرهم بالله ورسوله، يعود المرضى والسجناء، ويستجيب الدعوات، ويتفقد الفقراء والأرحام والأيتام، ويقضي معظم وقته بالمذاكرة والخدمة، غايته ــــ بعد أن عرف الله حقيقةً ــــ أن يُعرّف عليه من العباد، ما وجد إليه سبيلاً .

    وشمل كل أطياف المجتمع ذكوراً وإناثاً، ومن جميع الأعمار والمهن والصنائع .

    ولكي تكون توجيهاته ومواعظه وفق أحوال الناس ومراتبهم بادرt بتوزيع دروسه و مذاكراته، فجعل في كل أسبوع :

    درساً للعلماء: بين المغرب والعشاء من كل ثلاثاء.( يحضره أكابر العلماء من حلب وغيرها، وفيه: شيخه في العلم الشيخ نجيب سراج، والشيخ أسعد العبجي، والشيخ عبد العزيز عيون السود، والشيخ محمد لطفي، والشيخ أديب حسون، والشيخ محمد عبد الله الشامي، والشيخ عمر الملا حفجي، والشيخ علاء الدين علايا، والشيخ نزار لبنية، والشيخ محمد صندل.. وغير هؤلاء .)

    درسين للنســـاء: في صبيحتي السبت والأربعاء .

    درسين للتــــجــــــار: بعد عصري الجمعة والأحد .

    درساً لعـــــامّة الناس: مساء الجمعة بين المغرب والعشاء .

    درساً لأهل محلته ( باب النيرب ) بعد ظهر الاثنين.

    درساً لطلبــــــة العـــــــلوم الشرعية مــــع أساتذتهم: عصر الاثنين.

    مذاكرة للمتقدمين من طلبة العلوم الشرعية: بين الفجر والشمس من يوم الأحد .

    درساً للأطباء والمهندسين، يحضره بعض الحكام والمحامين .

    وآخر لطلبـــــــــــــة الجامعــــــــــــــة والثــــــــانويـــــــة .

    ودرساً خاصاً للمدرّسات والمعلّمات ضحوة الجمعة.

    مع مذاكرة يومية لعامة الناس والقرويين والفلاحين، ما فرغ من دروسه السابقة .

    وخص يوم الخميس لزيارة القرى، ويوم الجمعة ــــ بعد فرضها ــــ لحلقة الذّكر .

    ولم تكن دروسه رضي الله عنه على نمط واحد، وإنما بمستوى وحاجة كل مجموعة، يعلمهم الوجهة إلى الله تعالى والإتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم، والصدق والإخلاص في العلم والعمل وإتقان الصنعة والمهنة، وحسن المعاملة والأدب مع جميع المخلوقات والتبري من الحول والقوة إلى حول الله وقوته، ونسبة النعمة إلى المنعم، ويحثهم على الكمالات من شرف وشجاعة، وكرم ونزاهة، وأدب وأمانة، ويحل لهم إشكالاتهم، ويعينهم في أمور دينهم ودنياهم، فتجده شريك كل ذي همّ في همّه، ليرده إلى فطرته وإنسانيته، ويوصله إلى عبديته.

    ولا نغفل أهمية الجلسات الخاصة، التي يقتطعها t من وقت راحته لتربية السالكين، يشخّص لكل واحد داءه ويرشده إلى دوائه، فيجعله ــــ بفضل الله ــــ خيط نور في أشعة الهداية المحمّديّة .

    كل هذه الأمور ــــ وغيرها ــــ كان جامع الكلتاوية مركزها، وبذلك أصبح المسجد يؤدي دوره كما هو في صدر الإسلام .

    وكجزء من منهج دعوته طرأ توجه آخر، اعتمد فيه رضي الله عنه الزراعة وتربية الأغنام، واستأجر عدداً من القرى، وأقام عليها وكلاء وفلاّحين، فآل إليه توجيه أهلها وإرشادهم، وأما الناتج فيأخذ منه القوت ويتصدق بالفضل، وأوّل قرية عمّها الخير (الجابرية) فأصبحت به مركز هدى وصلاح، بعد أن كانت مأوى اللصوص وقطّاع الطريق .ثمّ لحقت بها قرى التويم، والسكرية، ومسكنة، وأبو ظهور، وتل حاصل، وتل عرن، والحاضر والمعادي، والمليحية، والشويحة، والشيحية، وعين المبارك، وأمّ الكراميل، والشيخ عيسى، وتل سلطان، والقيصومة، والباب، وهوير العيس، وجزراية، وتل سلمو، والصعيبية، والزيارة، ودلامة، والواسطة، والكرم والبويدر وأمّ العصافير، ورأس العين..

    وبهمة رجل الدنيا والآخرة يعمّر رضي الله عنه القلوب والأرض والمساجد، حتى طارت شهرته في الآفاق والتف حوله خلق كثير، وازدحم عليه الورّاد من كل صوب وحدب، جلُّهم المشايخ وطلبة العلم، لاسيّما العراق وتركيا ومصر والكويت، ليرتشفوا من معينه الطاهر العذب، جذبهم إليه شخصيته الفذة، وتخلُّقه بما يدعو إليه، وأبهرتهم تلك الحقائق والفتوحات والأذواق، التي منّ الله تعالى بها عليه، حتى غدت به جميع أيام الكلتاوية أعياداً ومناسبات، يجتمع فيها الناس من كل فجّ، بين سالك ومتبرك، ومتطلع، ومتعلم، وذي فاقة، فيحظى كلٌ بقصده ومراده .

    المبادئ العامة

    · إنها دعوة بالإسلام وللإسلام دون تسمية ثانية هدفها صحوة إسلامية عامّة ووعي صحيح موصول بالله ورسوله، بعيد عن المداخل الطائفية والحزبية والإثارات الخلافية، وهي مظهر كمال للصوفية الصادقة والسلفية الصادقة في آن واحد .

    · امتداد للخط العام الوسط غير المتطرف أو المتعصب أو المتحزب من أهل السنّة والجماعة، تنشد دستورية هذا الدين في جميع نُظُم الحياة وأطوارها، وهي بهذا المعنى تغيير في النفس والأسرة والمجتمع .

    · اعتمادها على كتاب الله تعالى وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم وفقــه المذاهب المعتبرة، دون تمييز لمذهب على آخر

    · حُبٌّ لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والأولياء أجمعين، وتتبُّع لسيرهم وآثارهم .

    · تأسيس المساجد ومعاهد العلوم الشرعية والجمعيات الخيرية، للنهوض بالمسلمين، وتحقيق آمالهم .

    · تصحيح عادات الناس وتقاليدهم المخالفة للشرع الحنيف .

    · اهتمام بالفرد المسلم وبيته، ضمن تربية صوفية، تجمع كل المشارب والطرق، وفــــق مفاهيم العبدية لله تعالى، والإتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وتزكية النفس .

    · العناية بكل شرائح المجتمع، والعمل على بناء أسر شرعية، بعيدة عن مزالق الجهل والجاهلية ونزوات المدنية التي لا ترتدع بعيب أو حرام .

    · وأمّهات الفضائل ــ من شرف وشجاعة، وكرم ونزاهة، وصدق وأدب وإخلاص ــ من أهمّ الأسس التي تقوم عليها، مع تعميق في معاني الغيرة على الدين والعرض .

    · والتودد للمسلمين ومعاونتهم ركن دعوته الركين .

    · إخماد الفتن .

    · إبداء النصح للحكّام .

    · إحياء المناسبات الإسلامية، كالمولد النبوي الشريف، والإسراء والمعراج، والهجرة، اعتزازاً بصاحب الذكرى واعتباراً بمآثره صلى الله عليه وسلم.

    عليه من المهابة تاج قدر

    يموج وضاءةً، ويدرّ حسناً

    يعمّ جليسه كرماً وبشراً

    ويجذب بالحنان لباب قوم

    بطيّ حديثه نغمات هدي

    كأنك حينما تصغي إليه

    يهيمن في الرعية والرعاة

    ويطفح حسنه بتجليات

    ويتبع بشره بمبشّرات

    بذكر الله تضرع هائمات

    تردّ لميتنا نفس الحياة

    تتابع بالصلاة على الصلاة

    فهو مهيمنٌ حاكم على المجلس، تلجم هيبته الأفواه، فتنكسف أبصار من حوله أدباً، ولا أظن أحداً حضر عنده وتمكن أن يُشبع منه بصره، ولا دخل عليه شيخ علم أو طريق أو محدّث إلاّ سلّم له واعترف بفضله، وربما استحيا أن تطلق عليه كلمة ( الشيخ ) في حضرته، هذا مع شدّة تواضعه رضي الله عنه وهو يـــــــوزّع كلمات الترحيب والأنظار، حتى ليظن كل جليس أنه وحده المقصود في المجلس أو المذاكرة!.

    فنظره تلقيح للقلوب وعافية للأرواح، يكلمك حاله قبل قاله، فإذا نطق لا تدري أيهما أسبق إلى روعك، فيُنهض همتك، ويجذب لباب قلبك، ويغرز سهم محبته فيك، ينسيك حديثه ما سوى الله ورسوله وينقلك إلى خالقك وبارئك، فتشعر ــــ من يقين الإيمان الذي أنت فيه ــــ كأنّك في حضرة شهود، لذلك لا تجد أحدا لديه إلاّ وهو مشدود إليه مأخوذ بين يديه

    يتصرف رضي الله عنه في المجلس والجلاّس، ليعطي جوابا لهذا دون أن يسمعه ذاك! ويتغير وجهه رضي الله عنه في الجلسة الواحدة، بحيث لو أخذ له مصور عدة صور لوجد اختلافاً بسبب ما يظهر عليه من إشراقات وتجليات!

    وهو جميل الكلام، فصيح اللسان، جهوري الصوت، دقيق التحقيق، عميق الغور في الفهوم والمدلولات قوي الحجّة والبيان، ينطبع حديثه في الجنان، تتغذى بكلماته المهج، وتنعم بنسيج إلهامه القلوب، وتستأنس بيتيم يواقيته النفوس الزكية، وإنّ درساً واحداً من دروسه لا تستوفى فهومه وعلومه، وربما أطلق المعنى أو التحقيق في مسألة فترك جليسه متلذذاً بها زمناً، عجباً لسرعة ردّه وبداهته، وكأن الجواب حاضر على شفتيه يطرّز مواعظه بالآية والحديث والمثل والشعر والقصة، وكلماته ميزان الذهب .

    يتحدّث عن عوالم الأرض والسماء والجن والملائكة والبرزخ على سواء كأنه ساكن فيها أو ناظرٌ إليها يشير إشارة جغرافي على الخارطة، وذلك بما أعطاه الله تعالى من بصـيرة وكشف، فلا تُحس ــــ وأنت تستمع إليه ــــ ببُعد أو حجاب بينه وبين العوالم، كما أنه رضي الله عنه لا يملّ طول الدرس والمذاكرة، إذا وجد همماً عالية وقلوباً واعية يكثر في حديثه من الإثارة والتساؤلات، ويُجيب عليها، ويفتح أبواب التحدث وإبداء الرأي والمشورة لجلسائه، وربما بإيراد الخبر والحكاية الموجزة والنكتة. .

    ( كان رضي الله عنه وقور الحركة، كثير الإطراق، شديد الصمت، لا تلمح في قوله ولا فعله رنة الزهو ولا لذة الشهرة، إذا داخلته ودخلت إلى عالمه تكشف لك عن موهبة إلهية تستتر عادة بين الحياء والحشمة، وجــذوة نورانية تتوارى غالبا خلف التضرع والتواضع، ثم هو مع ذلك صحيح الفهم لما يسمع ويقرأ، سليـم الفكر فيمـا يرى وفيما يشير، دقيق الحس فلا يهوى الجدل، سليم الصدر لا يحمل على أحد، رقيق القلب لا يقسو نفّاح اليد لا يبخل ولا يدخر، إذا نظرته أحببته، وإذا خالطته ازددت له حبا حتى إذا ما فارقته تملكك الحنين والشوق إلى لقائه مرة أخرى .

    إذا رأيته يذكر الله تعالى بدا لك من وجله ما تعرف منه مدى إيمانه، وإذا تطلــعت على سماحـة يـــده ورحابة صدره وزهده ظهر لك من ذلك مدى تقواه .

    وإذا جالسته وسمعت منه تحيرت في مدى علمه وحدود معرفته، فإذا أحصيت النابهين من طلابه ومريديه وسبرت غور أنفسهم وعقولهم تكشف لك أن وراء ذلك معلما ومربّيا كريما، وشــيخا يعرف أين يضع الحبّة، وكيف يسقيـهـا حتى تــزهــو وتزدهر .

    لا تسمع منه يوما حـديث المتبجح عن كرامة، ولا نظرة المزهو بالخوارق، ولكنك لا تجلس إليه إلاّ ويتجلى لك بصيص من كشفه، ووميـض من مشاهداته، إذا تكلم نطق بالحكمة، وإذا تحدث جرت كلماته خلف فراسة صادقة وحماسة ناطقة، ففي سيرتـــه عبرة لكل سالك، وفي سريرته زاد لكل مهاجر، إذا رأيت وجهه ذكرت الله تعالى، وإذا سمعت كلامه ذكــرت الآخرة، وإذا تقصيت خلالـه وشمائله عرفت كيف يكون أولياء الله تعالى .)

    هكذا رأيناه رضي الله عنه وأرضاه .

    ملامح طريقته وطرق دعوته

    قال رضي الله عنه : الطريق طريقان لا ثالث لهما، افهموا أنتم يا أهل الطريق ويا أهل السير، إمّا شاذلي وإما غزالي، فالشاذلية طريقة المحبة وهذه لأهل العناية، وأما الغزالية فهي المجاهدة والرياضة والمكاشفة والأعمال الشاقة بأنواعها، الشاذلي ما عليه خطر لأنه لا يعرف إلاّ المحبة قلبه مأخوذ، فإذا كلّمته نباتة أو حيوان أو جماد؟ لا ينظر ولا يلتفت أبداً، نهاية طريق أهل المجاهدة بداية طريق أهل المحبة قال تعالى: }والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا { [سورة العنكبوت 69] المجاهدة توصل إلى الطريق، والذي يصل إليه صاحب المجاهدة بالأعمال الشاقة والسنين الطوال يناله صاحب المحبة في لحظة. يكون لدى المرشد اثنان أحدهما يشتغل بالمجاهدات وآخر مشغول قلبه بالمحبة فان الثاني يسبق الأول بأعمال القلب من المحبة والتعلق بآلاف السنين فصاحب المحبة طيار وصاحب المجاهدة سيار. الغزالية: المجاهدة والرياضة والمكاشفة، صاحب المكاشفة نوراني تكلمه الجمادات والحيوانات والنباتات وكل شيء حتى ثوبه يخبره كل شيء ويحكي معه، فإذا وقع معكم فلا تخافوا! أنتم عملتم عملاً خيراً إخلاصاً للحق فيبين لكم حتى يزيدكم ويقوّي الضعيف، أما القوي فليس بحاجة إلى كرامة، الكرامة : هي الاستقامة، الاستقامة: عين الكرامة، سألنا شخص : أي الطريقين أسلم وأقوى وأحكم؟ قلنا: الشاذلي أقرب بالفعل وأحكم، ما عليه خطر، في الغزالية عليه خطر، إذا فُتح عليه يخاف عليه، إيّاكم من الطريقة الغزالية أهل المجاهدة والرياضة، إلاّ الّذي له مرجع فلا يخاف لو انطبقت عليه السماء والأرض بالابتلاءات لا يخاف ولا يبالي فلها تصريف، المصيبة كل المصيبة إذا سلك الطريقة الغزالية لوحده وجاءه الفتح ربما يُــجــنُّ أو ينقطع عقله أو يصيبه شيء، وهذا أكيد، إياكم أن يعمل أحد المجاهدات بدون مرجع، وأن يكون مرجعاً قوياً عفيفاً نزيهاً صادقاً تهابه الشياطين بكل أنواعها، وإذا ما تهابه الشياطين يأخذونه هو ومرجعه! أما من عقلكم فلا، كثير ناس يأكلون بالميزان أكلهم ونومهم وشربهم وكلامهم ولبسهم.. لا مانع، شرط أساسي بإذن المرجع، وأعلى منه بأمر المرجع، وحتى الإذن فيه من المكر الإلهي، أما الأمر فلا مكر فيه أبداً، إذا أمره لا يخاف، والمرجع هو وارث رسول الله صلى الله عليه وسلم نتبعه في كل الأمور وفي كل الشؤون، لا نشتهي إلاّ ما يشتهيه، نصير عينه هناك نتخلق ونتهيأ للرسول صلى الله عليه وسلم لأن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم لا أحد يعرفه، يخمنونه شخصاً عادياً، لا! ليس شخصاً عادياً، هو خليفة الله في الأرض، لكن علينا بالسبب الأول قال الله تعالى ] وأتُوا البُيُوت من أبوابها [ [سورة البقرة 189] الرسول r باب الله، وباب الرسول هو المرجع العارف بالله وليس المدّعي، لأن المدّعين في العالم كثيرون وإنما نعني العارف بالله الصادق التابع الممحوّ في محبوبه بتاتاً ولا وجود له البتة.

    وأنا لا أقول إن الطريق غزالية وشاذلية، بل أقول بحسب المشرب، فربما يكون المريد غزالياً ومشربه شاذلي، أو شاذلياً ومشربه غزالي، وهنا فائدة المرشد العارف الّذي يعرف مشارب المريدين، يأمر واحداً بالصوم، وثانياً بالّذكر، وآخر بالخدمة والمجاهدة، وآخر بالتفكر، وبالخلوة.. بحسب مشرب المريد واستعداده، جاء إلى رسول الله r عشرة أشخاص بسؤال عن أفضل الأعمال فأعطى كل واحد جواباً غير الثاني، ليكمل النقص الّذي عنده، هذا هو الحكيم .

    أحب جميع الطرق، وكلها موصلة إلى الله، ولكن طريقتي محمّدية بحتة، عنوانها (الإتباع) وتحمّل الأذى من الناس وعن الناس، وعدم الدعاء على أحد. طريقتي مبنية على ركنين: في البداية تحمّل الأذى من الناس، وفي النهاية تحمّل الأذى عن الناس، طريقتنا محمّدية، طريقتنا الإتباع، كالصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومن طرقه التي ورثها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يؤاخي بين اثنين أو اثنتين يتناصحان ويتذاكران في الله، ولا يرضى إذا اختلف أحدهما مع آخر في مسألة أو أخطأ معه قاطعه فالاتفاق في تسعة وتسعين بالمائة لا يقضي عليه خطأ لا يعدل واحدا منها! ولا أن تفرق المادة بينهما، وهذه مسألة لا ينجو منها إلا قليل.

    ومع كثرة أوراده رضي الله عنه فترة سيره وسلوكه فليس في طريقته إلزام ببيعة، ولم يهتم بتوزيع الأوراد على أتباعه كما هو مألوف عند شيوخ الطرق، قال رضي الله عنه : أنا لا أقول لواحد قل ألف مرة سبحان الله، ألفي مرة الحمد الله، ثلاثة آلاف مرة أستغفر الله ولكني أقول: احفظ سمعك وبصرك ولسانك وأنا أضمن لك الوصول إلى الله !! وزاد في قول آخر التهجد .

    ولم ينشغل رضي الله عنه بكثرة الأتباع والمريدين، بل بنوعيتهم، فالمنسوب إليه هو الصادق، المتـّبع النزيه الذاتي، الّذي لا يتنزل لفعل المخالفة، المهتم بأمر نفسه وبيته وخدمة مجتمعه، على المنهج الّذي رسمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين، وليس في طريقته خلفاء أو وكلاء،

    قال رضي الله عنه : أنا ما خلّفتُ ولا وكّلتُ . ومن أجازه رضي الله عنه من أتباعه ما تجاوز حلقة الذّكر والنصيحة!!

    وإذا كان بعض المتصوفة يجمع المال من المريدين والمحسوبين!! فإنه رضي الله عنه الصوفي الذي يفرّق المال فيهم ولغيرهم، بل يستدين ويقضي حوائجهم، ولا يتحدث بإحسانه إليهم، وعلى ما هو عليه من علوّ الهمّة يريد أن يربي الشخصية الذّاتية في الرجال والنساء على السواء، ويوصل كلاً إلى المعرفة الإلهية والكمال الإنساني .

    ومشاورة أصحابه في بعض الأمور التي تهم المسلمين خصلة متميزة في تعامله معهم.

    يقول رضي الله عنه : الّذي يقرّه المريدون هو مراد الشيخ .

    وإنّ الرجل الذي تتصاغر لديه الجبابرة، وتُسلّم له الأكابر، وتلتهب عنده أكباد المحبين ـــ لم يترك لنفسه وقت فراغ، فكله لله بالله، والخدمة والمذاكرة شغله وديدنه، ولديه طرق لا تُحصى ولا تُستقصى، يردّ بها إلى الله تعالى كل ملحد أو متشكك، إلاّ أنّه لا ينسب لنفسه شيئاً بل } ذلك فضلُ الله يُؤتيه من يشاءُ{[الجمعة 4 ] } وما توفيقي إلاّ بالله { [ هود 88 ] ، ولا يرى نفسه موطن إفادة، بل مجرى للفوائد، فالمفيد الحقيقي والناصح هو الله سبحانه، يفيد وينصح بالله لله .

    ومن باب } وأمّا بنعمة ربّك فحدّث { [ الضحى 11 ] يقول رضي الله عنه : نحن عندنا الكيمياء التي تحوّل الشقي إلى سعيد، والعدوّ إلى صديق، والبعيد إلى قريب .

    يعرض رضي الله عنه بضاعته، دون أن ينتقص بضاعة غيره إلاّ نادراً، فيستهوي القلوب ويجذبها، ليصبّ المعاني في أطهر الكؤوس والأواني .

    ولا يجابه بالنصح، بل يتلطف بالمنصوح تلطُّف الجواهري بالجوهرة، كي يمسح ما علق بها من غبار، فيستعمل القصة الموحية والإشارة المفهمة، ولا يقرّع تصريحاً أو تلويحاً، وينفذ إلى قلب منصوحه من الباب الّذي يحبه، يكلم التاجر بالتجارة، والمزارع بالزراعة، والغنّام بالغنم، والزعيم بالزعامة، والشجاع بالشجاعة، والطبيب بالطب، والعالم بالعلم، والقاضي بالقضاء، حتى إذا أصغى إليه الطبيب قال: هذا أحسن الأطباء، وإذا أنصت إليه القاضي قال: لا يصلح للقضاء غيره! وإذا لحظه الجندي قال: إنه القائد الفذّ، وإذا قصده السالك وجد غاية الطلب، فهو عالم بالمراتب كلها .

    قال رضي الله عنه : لو أن كنّاساً كنّس ورشّ وأتقن فهذا يصل إلى الله تعالى، لأن الوصول إليه عزّ وجلّ لا بالصنعة ولا بالصفة بل بإتقان العمل (( إن الله يحب المتقن عمله )) (المعجم الأوسط للطبراني، برقم (897) 1/ 275 .بلفظ آخر) فهكذا شأنه t مع كل صاحب صنعة أو مهنة أو وظيفة، يعلمّه فيها الصدق والإخلاص لله تعالى، فيدهش عقله ويأخذ بمجامع صدره حناناً إلى الله تعالى ورسوله r شأنه شأن الطبيب الحاذق، الذي يحقن الإبرة في العضلة ليصل بمفعولها إلى العضو العليل، وشتان بينه وبين من يُجابه بالنصح، فيغرز الإبرة في القلب ويقتل عليله، اللّهمّ إلاّ إذا سئل على انفراد ــ وظهر له صدق السائل ــ أو كانت حالة المنصوح توجب المصارحة فيقول له: افعل أو لا تفعل، قال رضي الله عنه : أنا لا أمدح ولا أذمّ، أنا أبين، وهذه مرتبة القرآن والحديث، تبيان لا مدح ولا ذمّ .

    حضر عنده مرة شخص يلبس خاتما من ذهب فقال واحد في المجلس: سيدي، إن فلاناً يلبس خاتما من ذهب فلو قلت له ليخلعه، فأجابه t : ((واحد مثلك يقول له! أما أنا فلن أقول له)) وإذا بصاحب الخاتم يخلع الخاتم من يده ويقول: سيدي والله كرامة لحضرتك لن ألبسه بعد.

    وقال t : جاء عن رسول الله r : (( كلّموا الناس على قدر عقولهم، على قدر فهومهم، ونزّلوا الناس منازلهم )) (صحيح مسلم، 1/ 6 ، سنن أبي داود، برقم (4842) 4/ 261.1) أي في نفوسهم، فمن كان يحب التصدّر فأعطه الصدر بنية أخذه، فيعطيك قلبه فتأخذ بيده إلى الله وتعرّفه به ( ولو كان أمير القرباط )( وإياكم أن تنصحوا بالصراحة الواضحة لكل الناس، بل تنزّلوا لهم إلى مراتبهم، ليعطوكم قلوبهم، خشخشوا لهم بما يحبون كالأطفال تستجلبوا قلوبهم بالألعاب، فإذا أعطوكم قلوبهم فذاك وقت النصيحة بلطف، وعلى قدر استعداد المنصوح وتسليمه لك، وإيّاك أن تخدع بالمتديّن وهو حبّاب الدنيا، فإنّ ديانته صورة، وحب الدنيا هو الذي استولى على قلبه، فهذا لا تأمن له وتنغش بديانته، بل أعطه حق محبته لدنياه، ثمّ ائته من طريقها إلى أن يعطيك شيئاً من قلبه، فتلوح له بالنصيحة تلويحاً لا تصريحاً .

    فبهذه الكلمات وضع رضي الله عنه ميزان التناصح والتذكير .

    وله ميزان آخر في كيفية الإجابة على أسئلة الناس يعتمد النسبة بين السؤال والسائل، قال رضي الله عنه : النسبة بين السؤال والسائل، هل هذا السؤال من السائل؟ أم من عند غيره؟ لابدّ أن تكون نسبة بين السائل والسؤال والداء والدواء، كثير يأتوننا بسؤال واحد، فنعطي جواباً لعمرو غير بكر ولبكر غير عمرو والسؤال واحد، السائل بدوي أو فلاّح قل له: كُل عيشاً، لأنه معتاد عليه، لا تقل له كُل شوربة .

    كثير يسألون ولا نسبة بين السؤال والسائل ــــ كمن جاءنا يسأل عن اسم حصان جبريل عليه السلام ـــــ فطالما هو غير هاضم للسؤال، فكيف يهضم الجواب؟. فالإجابة تقتضي أمرين، الأوّل: النسبة بين السائل والسؤال؟ الثاني: الإجابة على حسب السائل لا على حسب السؤال .

    شرط أساسي أن تكون عند الطبيب فراسة، بمجرد ما يدخل المريض يشخّص له داءه، طبيب طلب الطب للطب، فجاءه المال تبعاً، وأخذ من عدا المال عزّاً، هذا الّذي نبحث عنه أينما سكن، والّذي جذبنا إليه صدقُه في الطب، نريد علم أي شيء رأيت في المريض، لا الطبيب الذي لا يعرف إلاّ العلم الّذي تعلّمه، ليكتب ( الوصفة ) ويقبض المال .

    علماؤنا في هذا الزمان مثل أطبائنا، أول ما يضع بين عينيه أجرة الفحص ، لا يبالي، شُفي المريض أو لم يُشف! وهنا غلطتان، الأولى: عند فحصه للمريض، الثانية: عندما يكتب الدواء .

    فيا عجباً الدواء من لندن أو فرنسا أو أميركا؟ هواؤنا غير هواء فرنسا، غير هواء أميركا، طبيعتهم غير طبيعتنا، أجواؤهم غير أجوائنا، عالمهم غير عالمنا، شمسهم لا تطلع إلاّ قليلاً، لابدّ من عالم ماهر في الطب، يعرف كيف يعطي قياساً بين المريض والدواء، لابدّ أن تكون نسبة بين السائل والسؤال، وبين المريض والدواء. دواؤنا في حلب، ويأتوننا بدواء من فرنسا ومن لندن ومن أميركا، هذا هو الغلط. الطبائع تختلف، هذا طبيعته حارّة، وذاك طبيعته باردة، فالطبيب الّذي يأتيه خمسة أشخاص أو ستة بداء واحد إذا أعطاهم دواءً واحداً فهذا غلط! لاختلاف طبائعهم .

    فلا يعطي رضي الله عنه جواباً يغص به السائل أو جواباً متماثلاً لتماثل الأسئلة، وضرب على ذلك مثلاً: الخيّاط والزبائن، يأتيه واحد طويل سمين، وواحد قصير نحيف، وثالث لا هذا ولا ذاك، فكيف تكون ثيابهم واحدة؟ فلابدّ إذن من قياس دقيق .

    ويظهر أثر الفراسة، التي هي بمثابة الأشعّة، إذ بدونها لا يتمكن المسؤول ــــ عالماً كان أو طبيباًــــ من الإجابة بدقة بحسب حالة السائل أو المريض، وهو رضي الله عنه لا يجيب بحسب حال السائل فقط، وإنّما يفاتح جلاسه بإشكالاتهم وخواطرهم دون مباشرة منهم بسؤال، قال رضي الله عنه : (أنا أقرؤكم بدون تكلف) إلاّ أنه لا يعامل أحداً إلاّ بظاهر الشرع، وربما يُسأل فلا يجيب! قال رضي الله عنه : لا أجيب السائل أحياناً فيكون السكوت هو الجواب. ومراعاةً لأحوال السائلين يجيب على أسئلتهم الفقهية من المذاهب الأربعة، وقد تكون له إجابة دون تقيُّد بمذهب .فما من سؤال إلاّ ولديه جوابه ـــ بعد فحص سريع بنور الله تعالى ـــ ينتقي به العقار المناسب من صيدلية الكتاب والسنّة .

    ومن طرقه رضي الله عنه الإحسان إلى المسيء وقتل عداوة العدو وإزالتها بالإحسان إليه، قال رضي الله عنه : ((الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يحب قتل الكافر ــــ أي لذاته ــــ وإنما قتل كفر الكافر، ونحن سائرون على هذه القدم، لا نريد قتل الأعداء، بل نريد قتل عداوتهم، وكيف يكون ذلك؟ يسيء إلينا ونحسن إليه، إذ ذاك يقول: أنا كنت مخطئاً والحق مع الشــــيخ، هكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى يومي هذا ما لي عداوة مع أحد لذاته أبداً، حتى مع إبليس، ولولا أنّ الله تعالى قال: } إنّ الشّيطان لكُم عدُوٌّ فاتّخذُوهُ عدُوّاً { [فاطر6] لما اتخذته عدواً، لكنّي أعادي مبدأه، الذي يخالف القرآن الكريم، فالذي يخالف القرآن يخالف حقيقته، فإذا رجع إلى حقيقته صرت وإياه أخوين. أنا لا أريد أن أنتصر على أحد في العالم، وإنما أريد أن أردّه إلى الله، الّذي لا يصاحب أهل الله يرى نفسه: أنا وأنا.. أكبر فرعون!

    والله ما لي غرض، ولا لي حاجة مع أحد في الوجود والحمد لله رب العالمين، ولكنّي بحاجة إلى خدمتكم ( سيد القوم خادمهم ) الخدمة لا في الجسم فقط } وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه { [سورةالحديد7].

    إذا خدمنا أهل النور يسري نورهم إلينا، لا أنبسط لكوني أعطيت أو أطعمت، بل أنبسط لأن الله جعلني خادماً لهذه القضية. فأنا خادم، وأعتز بكلمة خادم، إفهموني رجلاً خادماً، ظاهري وباطني كله واحد، أدلكم على حقيقتكم، ارجعوا إلى حقيقتكم، سيروا على الصراط المستقيم .

    والله لا أبغض أحداً لا أوربيين ولا شيوعيين ولا بعثيين، ولا خبيثين ولا شريرين، ولا قطّاعي طريق، أنا أعدّ حالي كالطبيب، لا تفهموا النبهاني عصبيّاً، لا أطيق العصبية، ولا أبغض أحداً، فمن الناس من يقول: أبغض جمال عبد الناصر ومنهم من يقول: أبغض الشيوعيين، ما أنا بذاك، أنا رجل خادم، أقامني الله تعالى لخدمة البشر سواءٌ كان يهودياً، أو نصرانياً، أو مجوسياً، أو كافراً، أو مشركاً، أو شرّاب خمر، أو قطّاع طريق، أو مبغضاً لرسول الله r " إيش بدّي منّه؟ " الواجب عليّ أن أخدمه حتى أردّه لحقيقته، فإذا رجع إلى حقيقته صار رفيقي وصاحبي ومن أحســــــن الناس لا لي بل لغيري، وأنا أعتقد أنّ (هيلاسي لاسي)/ رئيس الحبشة، معروف بحربه على المسلمين آنذاك /)، إذا يقعد معي عشرة دقائق ينقلب. فلا يحقد ولا يتحامل، ويتعامل مع بني الإنسان حتى مع المحتالين والكذابين على أنهم خلق الله وعيال الله، وكثيراً ما يردد }هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الّذين من دونه { [سورة لقمان 11] وإن شخصاً سأله قائلاً: سيّدي، أما تعرفني كذاباً فكيف تصدّقني؟ قال t : أعرفك ولكنني قلت: لعلّه صدق هذه المرة! .

    ولا ييأس رضي الله عنه من أحد ولا يحكم على فاسق أو فاجر أو مجرم بالشقاوة، فربما لاطفه فتاب وكان من الصالحين، قال رضي الله عنه : لكل إنسان في كل أربع وعشرين ساعة أربعة وعشرون ألف نفس، وكل نفس له برزخ خاص، وبين كل نفس ونفس حاجز لا يختلط بآخر، ولا يُحكم على نفس بآخر، بل ربما كان نفسٌ إيماناً ونفسٌ كفراً، نفس ولاية ونفس معرفة، وهلمّ جرّا، فلا يُحكم على نفس بالآخر البتّة، والله واسع عليم فالعارف حينما يعطيه الحق السعة، يسع عدوه وصديقه والكافر والمؤمن، فإذا رأيت أحداً أقبل على أهل الله فلا تحكم له بأنه وصل، لأنك لا تعلم النفس الثاني، وإذا رأيت أحداً أعرض عن أهل الله فلا تحكم عليه بالقطيعة لأنك لا تعلم النفس الثاني.. صاحب النور يرى الأشياء ويرى الناس بالله، ولكن الحق يعطيه الرحمة قبل ذلك، فينظر الناس بالرحمة ويؤوّل لهم ولأعمالهم، وأقل التأويل أن يرى قلوب الخلائق بين إصبعين من أصابع الرحمن، فلعل ذلك العاصي أو الفاسق بعد نفس يكون ولياً، كذلك لا يجزم لصلاح صوري، فإن الخاتمة مجهولة، كان الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم يقول (( لا ومقلب القلوب)).

    وبهذا الخُلُق العظيم يدعو الناس و يذاكرهم، أمين على أسرار الناس، يستر ولا يفضح، يقول رضي الله عنه كل من يرضى بالفضيحة لابدّ أن يفضحه الله تعالى ولو بعد حين . لا يتعصب، ولا يحب الأشخاص ولا يبغضهم لذواتهم، قال رضي الله عنه : ((لا نحب ولا نبغض الأشخاص بل للحق والباطل، نحبهم للحق، ونبغضهم للباطل، وما جئنا إلا للسعادة)).

    ولا يحب أحداً أن يخبره عن نفسه أو غيره بسوء قال رضي الله عنه : لا يخبرني أحدكم عن نفسه أو غيره بسوء أبداً . معتمداً خلُقاً محمّدياً، (( لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر )) سنن أبي داود، برقم (4860) 4/ 256 ، سنن الترمذي، برقم (3896) 5/ 710. قال أبو عيسى هذا حديث غريب من هذا الوجه.)، فيسع الجميع بالرحمة والشفقة، ويعاملهم بحسن الظن وسلامة القلب ويتجاوز أخطاءهم لكنه لا يهمل تأديبهم بالنصح والتذكير والإعراض أحياناً قال رضي الله عنه : الّذي يزيد المحب : الإعراض عنه، الإعراض من الكمالات، وعليه فهو إعراض صوري وليس إعراضاً حقيقياً، الإعراض يسيـّره في قلبه، لأنه عنده أهلية، وبالظاهر إعراض الشيخ عبارة عن وضع (بنزين) للمريد ليسير لأن هناك عقبة حتى يقطعها ( والّذي يريد أن يترك فليترك! ) هذا يبقى يحاسب نفسه حتى يصير كله نوراً، الإعراض لا أحد يعرفه، أول ما عمله الله سبحانه وتعالى مع سيدنا محمد r قطع عنه الوحي قال : ] والضُّحى.واللّيل إذا سجى.ما ودّعك ربُّك وما قلى [ [سورة الضحى1-3] الله سبحانه وتعالى قطع الوحي عن سيدنا محمد r ليعلمنا كيف نسير ، كما سار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الإعراض رأيناه في السير، الحق له فيه حكمة بالغة يعرفها أهل الله، وغير أهل الله لا يعرفها أحد، حكمة بالغة..حتى بدأ الناس يتكلمون فتحوا ألسنتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: بغضه! قلاه! ] ما ودّعك ربُّك وما قلى [ سألني واحد: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كاد يرمي نفسه من أعلى شاهق: أيجوز هذا؟ قلت : هذا تحكيه الروح وليس الجسم، واحد من أهل الله يقول : رميت بنفسي مرةً من مكان عال جداً، وما أصابه شيء أبداً! هذه بالروح، أما صاحب النفس فيتكسر تكسيراً تاماً، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عمل هذا من قبل أن يطّلع أن الحق قطع الوحي لحكمة بالغة، من أجل أن يقولوا عنه بغضه أو تركه..حتى قالوها، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لما نزل الوحي بعد القطع قوي كامل وكان مستعداً الاستعداد التام، تلقى الوحي من الحضرة الإلهية تاماً كاملاً من كل الوجوه، كعطشان كثيراً في يوم صيف حار وجاءه ماء بارد : فكيف يشربه؟ تتنعم كل ذرة من ذراته! ] وأمّا بنعمة ربّك فحدّث [ [سورة الضحى 11 ] وهكذا : سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان يقولها من الروح، والّذي يقولها من النفس ويرمي حاله يتكسر تكسيراً تاماً، وهذه موجودة مع أهل الله، هذه القضية ذاقها أهل الله… المحبون يتكلمون بالإعراض، هذا ما وجد في الوجود،

    إلاّ إذا كان المحب كذاباً اللهم هذا صحيح؛ لأنه هو أساساً ما أقبل على الشيخ حتى يعرض عنه، الشيخ إعراضه حتى يبين له أنه معرض، الشيخ أحنُّ بل الشيخ وارث الرسول صلى الله عليه وسلم وكل وارث عنده خاتم النبوة على كتفه الأيسر والله قال عن سيدنا محمدصلى الله عليه وسلم ] وما أرسلناك إلاّ رحمةً لّلعالمين [ [سورة الأنبياء 107 ] وليس للمؤمنين فقط، والحق يقول ] باطنُهُ فيه الرّحمةُ [ [سورة الحديد 13 ] هذه لابدّ أن يذوقها الإنسان)).

    تلك بعض مزايا دعوته، وهو رضي الله عنه يتأذى بأذية أصحابه ويفرح لفرحهم ويدعو الله سبحانه وتعالى لهم بالحفظ، ويقول رضي الله عنه : أنا طلبي من الله أن يحفظ إخواني . يزرع في قلوبهم المحبة، ويغرس فيهم الاتباع مقروناً بحسن الظن بالله وآمال الخير والنجاح والتفاؤل وصدق التوكل على الله !

    يدعو إلى الله تعالى بالكمال الّذي كمّله الله تعالى به، وبالحال الّذي تخلّق به وبما ورثه عن

    حبيبه صلى الله عليه وسلم يأمر بالمعروف بالمعروف، وينهى عن المنكر بالمعروف، وهو عون المحتاجين، وكهف الســالكين، والشيء الذي غرسه في قلوب أتباعه مظنّة كل واحد منهم أن الشيخ رضي الله عنه يحبّه أكثر من جميع أتباعه .

    وأولى اهتمامه رضي الله عنه لأمور، أولها: الوجهة إلى الله تعالى، الثاني: العمل بالشريعة، الثالث: الإنسانية، الرابع: مخالفة المدنية الماجنة، الخامس: بناء الشخصية.

    أما بقية اهتماماته t فتجدها في القسم الخامس (موائد العناية ).

    أولاً: الوجهة إلى الله تعالى

    قال رسول الله رضي الله عنه : (( من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله هم دنياه وآخرته، ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله به في أيّ واد هلك! )). سنن ابن ماجه، برقم (257) 1/ 95 .ولفظه من جعل الهموم هما واحدا هم آخرته كفاه الله هم دنياه ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك.)

    قال سيدنا النبهان رضي الله عنه : ((إن لكل إنسان همة قوية أو ضعيفة، وهذه الهمة تابعة ومنقادة إلى الهمّ، فلكل إنسان هم، فطالب الدنيا همّه الدنيا وهمته تابعة ومنقادة لهمّه،، وطالب الوظيفة همّه الوظيفة وهمّته تابعة لهمّه، والعاشق للزوجة والأولاد وحبّاب المال همّه الوصول لمحبوبه وهمّته تابعة لهمّه كما أنّ طالب الجنان والحور والقصور همّه الحصول عليها وهمّته تابعة لهمّه.

    وطالب الله همّه الحق، وهمّته تابعة لهمّه، وشتّان بين الهموم، فإذا قويت العلائق من زوجة ومال وولد وكرسي وغيره فمعناها أن الهمّة ضعيفة، فإذا وجّهت الهمّة للعلائق وضعتها بغير محلها، ويجب على صاحب الهمّة قطع العلائق ليتجه بهمّته إلى خالقه، وذاك إذا صرفها عن قلبه وتوجه بها لربه، أما لو اشتغل بالدنيا بجسمه فقط لا بقلبه فذاك صاحب همة ومتوجه لخالقه أيضاً، فليس الوصول إلى الله بكثرة الصوم والصلاة ولا بكثرة العلم والعبادة، لا والله، بل بتحقيق العلم بتحقيق العبادة، فبدلاً ما اصلّي مائتي ركعة اصلّي ركعتين ـــ ما عدا المفروضات ـــ بخشوع وخضوع مع الله، وأشهد هو الّذي يتولاني وهو الّذي وفّقني لهذه الصلاة ولهذا الخشوع .

    الدين لا بكثرة صوم ولا صلاة وذكر، ولكن بالوجهة الصادقة إلى الله، الّذي يقوّي الرابطة هو الصدق، أي صدق الطلب .

    من الناس من يقطع بساعة ما لم يقطعه أهل الذكر والعبادة والزهد في خمسين عاماً، وذلك من سلّم نفسه وما يملك فباعها بكاملها بلحظة .

    فالموضوع يحتاج إلى صدق، بأن لا تجد في القلب غير المحبوب من وسخ وأموال وزوجة وعيال ومراتب ولا جنة ولا ثواب ولا درجات .

    صاحب الهمّة يوجه همته بداية أمره على نفسه، حتى ينظفها من الأوساخ والعفونات ينظفها من المعاصي والمكروهات، من المباحات، من ميولها وعاداتها، حتى تتطهر وتكمل، فإذا طهرت نفسه توجه بهمّته إلى الناس دالاًّ على الله، فتنفعل الناس بهمّته العالية ويُقبلون على ربهم .

    وصاحب المرتبة الأولى، لا يُشغل نفسه بعيوب الناس، بل هو مشغول بعيوبه، لا ينظر إلى نقصهم بل إلى نقصه حتى يكمل كما ذكرنا، وهناك يؤذن له بالإرشاد وتُسمع إشاراته وتُفهم عباراته، أما لو اشتغل بتذكير الناس ووعظهم قبل تذكير نفسه ووعظها فلا يُسمع لكلامه، بل ربما خسر الجهتين، خسر نفسه فمن باب أولى أن يخسر غيره .

    صاحب الهمّة لا يرضى بالكرامات والمكاشفات، لا يرضى إلاّ به عز وجل ولا يبتغي به بديلاً . صاحب الهمّة لا يُجالس إلاّ من هو أعلى منه ليستفيد منه فيرقى، وهذا يرث المراتب العالية، أما صاحب النفس فيجالس من هو أدنى منه ليعمل عليه المشيخة، وهذا دائماً في التدني تلعب به نفسه .

    وقيمة الإنسان همّته، فأينما تعلّقت همّته كان ذلك مبلغه .

    قل: ( الله ) واركض!

    ثانيا: العمل بالشريعة

    قال رضي الله عنه : أنا من عندي خذوا : لو أن أحداً مسك السماء والعرش والفرش وطلع ومسك الوجود لا تؤمنوا به إذا خالف أدباً من آداب الشريعة، فكيف إذا خالف سنّة؟ فكيف بالّذي يخالف الفروض.؟

    الشريعة، كل من دخل منها نجا ونجح وأنجى غيره } وأتوا البيوت من أبوابها { [ البقرة 189 ] .

    الشريعة فوقنا، تأمرنا وتنهانا، ونحن تحت إمرة الشريعة، الخير كله في الشريعة } قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله { [سورة آل عمران 31] نحن نعرف الشريعة، والشريعة أمرتنا ونهتنا، غير الشريعة ما عندنا .

    أنا في الشريعة كالسمكة في الماء، إذا خرجت من الماء تموت، وأنا كذلك إذا خرجت عن الشريعة أموت، الشريعة أخذت لبّي، الشريعة طريقة حبيبي محمّد r، الشريعة فوقنا نعمل بمقتضاها والسلام .

    لابدّ أن نكون مثل كلب الصيد، إذا أرسله الصائد يرتسل، وإذا زجره ينزجر، وإذا أرسله وما ارتسل وزجره فما انزجر لا يؤكل صيده .

    إذا أتوني برجل من العرش ولا يأتمر بما أمره الله ولا ينتهي عما نهاه الله لا أعترف به وليس على شيء البتة .

    المريد في حال السير يجب عليه أن يتأدب بآداب الشريعة .

    لا شريعة دون حقيقة، الحقيقة والشريعة واحد، لكن الهمة مطلوبة أولاً .

    لا نتكلم مع الشريعة، الشريعة هي قائدنا إلى الحقيقة .

    الرجل المحبوب إلى الله تعالى حقاً هو الّذي يتبع أوامر الشريعة، أنا أتحدى أن يكون عاص مسروراً، سعادتنا باتباع الشريعة، الشريعة أخذت لبي .

    لابدّ أن نكون مع الشريعة .الشريعة قانون الإنسان .

    الشريعة أمرت بكل كمال، ونهت عن كل نقص، ما جاء يوم ليس فيه الله، وما جاء يوم ليس فيه قانون إلهي .

    علامة الشخص المقرّب أنه يأتمر بالأوامر وينتهي عما نهاه الله .

    الّذي يخاف الله حق المخافة ويعمل بما أمره الله يهابه كل أحد وتهابه الملوك وغيرهم .

    الوجود قائم بالأمر والنهي وكذلك الإنسان لأنه جامع ومأمور بالخلافة على كل ما هو جامع له .

    ما أمرنا الله يوماً من الأيام بشيء يضرنا، وما نهانا عن شيء ينفعنا .

    الحيوان لا يمشي إلاّ بالعصا، ونحن المكلفون نمشي بالأوامر والنواهي الإلهية، هذه هي العصا التي تسوقنا إلى الله سبحانه وتعالى.

    الله سبحانه وتعالى أمرني وأمرك، ونهاني ونهاك، فالّذي يأتمر وينتهي من السعداء، والّذي لا يأتمر ولا ينتهي من الأشقياء .

    إذا كان للإنسان غرض شخصي ثم جاءت الشريعة بأحكامها فإن صاحب الغرض يتبع أغراضه الشخصية وهو عالم بأن الشريعة بخلاف أغراضه، إلاّ المؤمن صاحب الإيمان الذّوقي فلا تكون له أغراض شخصية، بل أغراضه في اتباع الشريعة .

    استعدوا للأمر والنهي، لا يوجد غير الشريعة، قال: اصدق، صلّ، صم، لا تكذب، لا تخن، لا تغش، لا تسرق، لا تزن.. عليكم الائتمار بالشريعة ـــ بالأمر والنهي ـــ لا تكن تابعاً لعقلك، كن تابعاً للرسول صلى الله عليه وسلم} قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني { } وما على الرسول إلاّ البلاغ { [سورة آل عمران 102] العمل الصالح هو مظهر للإيمان، الإيمان أمر معنوي يعني التصديق بالله، كثير من المسلمين لا توجد بينهم وبين الإسلام نسبة إلاّ الصورة أو الاسم فقط! أين الانقياد والاستسلام لله؟ مستسلمون للحكمة الإلهية } ولا تموتُنّ إلاّ وأنتم مسلمون { علينا أن نرجع إلى الله } وإن عدتم عدنا{ } وكان حقاً علينا نصر المؤمنين { صدق الله العظيم .

    ثالثاً: الإنسانية

    حينما نطلق كلمة إنسان أو آدميّ على أحد فهي للمعاني الخيرة فيه وللغرائز الحميدة التي يحملها، ولكونه جمع من صفات الكمال الإنساني أعلاها وأحلاها. فإذا انعكست صفاته نطلق عليه بالمفهوم العام المتداول ليس آدمياً ولا إنسانياً. إذ أن مفاهيم الإنسانية والآدمية معشوقة لدى جنس البشر، بغضّ النظر عن دينهم ومعتقدهم ولونهم وقوميتهم .

    وبالتالي نخلص إلى أن " الإنسان ليس هو الحيوان الناطق، كما زعم المناطقة " ليستوي بتعريفهم جنس البشر إنسانياً كان أم لا، إذ الآدمي والإنساني الّذي يمتلك الكمالات الإنسانية ويتعامل بها، قال الله تعالى } لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم { [سورة التين 4 ] فمن ضيع إنسانيته فهو ضائع، ومن قتلت إنسانيته فهو مقتول، يمشي بلا هدف، ويعيش فوضى } أولئك كالأنعام بل هم أضل { [سورة الأعراف 179] وكما أن جوف الإنسان يتحسس إلى الماء والغذاء، فإن قلبه وروحه وسمعه وبصره تتحسس النقص الإنساني فيه!. وهناك دافع ذاتي في كل آدمي يبحث عن الحقيقة، فإن لم يجدها عانى من التيه والحرمان، وربما أدّى به إلى الانتحار!!.

    ووظيفة الوارث المحمّدي إرجاع الآدمي إلى آدميته وإنسانيته فطرة الله التي فطر الناس عليها، قال عليه الصلاة والسلام: (( كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه )) (صحيح البخاري: برقم (1319) 1/ 465)، وقال سيدنا النبهان رضي الله عنه : ما خلق الله يهودياً ولا نصرانياً ولا مجوسياً ولا كافراً ولا مشركاً ولا شقياً، كله عارض، وجاءت الشريعة حتى تردّك إلى أصلك.

    فيذاكررضي الله عنه الإنسان بفطرة الكمال الإنسانية المودعة فيه، ليرده إليها ليبني شخصيته، ويدرك حقيقته، ويأخذ بيده إلى بارئ الإنسانية ومشرّع قوانينها، حتى يصل به إلى الكمال، فيكون عبداً لله تعالى، وخليفةً له في أرضه، وهذه قطفات من أزهار دعوته إلى الإنسانية:

    قال رضي الله عنه : الإنسان لا يمكن أن يأخذ الدين من أصله إلاّ إذا كانت إنسانيته كاملة } لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم { [سورة التين، 4] الإنسانية قبل الإسلام، والّذي ليس عنده إنسانية ليس قابلاً للإسلام، وأدنى الإنسانية: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك به، وأعلى الإنسانية: أن تعمل بدون غرض، فمن ذاتك تعلم وتعرف وتذوق، وبضمن الإنسان السرور والع

  2. naseem قال:

    منهجه ودعوته إضهار الخيارات

    إخفاء الخيارات

    بداية دعوته

    في الأربعين من عمره رضي الله عنه ألهمه الله تعالى أن يخرج لدعوة الناس وإرشادهم وخدمتهم، قال رضي الله عنه ((الحقّ حمّلنا الكمالات، قال: اخرجوا بها إلى الموجودات، دلّوهم على كمالاتي، بالكمالات التي حمّلتكم إياها)) وأمره رسول الله r أن يتحمّل من أجل الدعوة كل صعب..

    فانطلق من دائرة العزلة إلى خارجها، مخالطاً الناس على علاّتهم، غير آبه بالمغرضين والمرجفين، متحققاً بقوله تعالى } واللهُ يعصمُك من النّاس { [ المائدة 67 ] وابتدأ يتحدث قليلاً لقليل.

    وبينما هو جالس في نفر من أصحابه ذات يوم إذ دخل رجل غريب يحمل مصحفاً ولا يعرفه أحد فسلّم وجلس، ثمّ بدأ يقرأ: بسم الله الرّحمن الرّحيم } وجاء رجُلٌ مّن أقصى المدينة يسعى، قال: يا مُوسى إنّ الملأ يأتمرُون بك ليقتُلُوك فاخرُج إنّي لك من النّاصحين. فخرج منها خائفًا يترقّبُ، قال: ربّ نجّني من القوم الظّالمين. ولمّا توجّه تلقاء مدين قال: عسى ربّي أن يهديني سواء السّبيل. ولمّا ورد ماء مدين: وجد عليه أُمّةً مّن النّاس يسقُون، ووجد من دُونهمُ امرأتين تذُودان، قال: ما خطبُكُما؟ قالتا: لا نسقي حتّى يُصدر الرّعاء وأبُونا شيخٌ كبيرٌ. فسقى لهُما، ثُمّ تولّى إلى الظّلّ، فقال: ربّ إنّي لما أنزلت إليّ من خير فقيرٌ { [ القصص 20- 24 ] .

    فعند كلمة ( فقيرٌ ) تفجرت ينابيع الحكمة من قلب السيد النبهان على لسانه، فكانت فيضاً متواصلاً من بعد صلاة العشاء حتى مطلع الفجر ثمّ أمسك t إلى ظهر اليوم الثاني، ثم تابع حديثه أربعة أيام بلياليها!!

    قال رضي الله عنه : ((فكنت أتكلم، وأخالط الناس على علاّتهم، على ذنوبهم، على ما هم عليه، متجاهلاً متلطفاً بهم، لأنّهم عياله عزّ وجلّ، قال لي سيدنا عيسى عليه السلام: كيف تطيق مخالطة الناس؟ فقلت له: أنا محمدي، وأنا مأمور بذلك… ولكن أكره أن تطلق عليّ كلمة الشيخ، إذ لا أريد المشيخة، بل لأكون خادماً لعيال الله تعالى غير معتمد على أحد منهم مهما بلغ الأمر، بل عليه سبحانه، ولو أن أهل الأرض جميعاً أقبلوا عليّ ما زادوني شيئاً لنفسي بل فرحاً لهم، ولو أن أصحابي جميعاً هجروني ما نقص من فرحي به شيء، بل الرحمة الإلهية تأخذني شفقة عليهم ))

    الكلتاوية هي المنطلق

    الكلتاوية: تسمية تركية لحيّ قديم في حلب، تعني: تل الورود، أو الزهور، وقبل أن يأوي إليها رضي الله عنه هي مسجد طين بسيط متواضع، تحيط به مقبرة دارسة، موطن الأشقياء والخمّارين والمقامرين ومأوى المفسدين، والآباء يخشون على أبنائهم من المرور بها!

    وبعد أن تشرفت بقدومه رضي الله عنه تغيرت تلك الرسوم فأزهرت وأثمرت، يلحظها الناظر اليوم جنّة شامخة وارفة الظلال والجمال، تحيط بمنارة شاهقة وقبتين، حيث مرفأ الأولياء، وكهف السعداء، وصفاء الخاطر، وكل ما حولك يثير إعجابك، وربما هزّ أوتار قلبك للإنشاد..

    بالأمس كانت قبورا وحشة الساح

    ومسجد قد رثاه الحزن من زمن

    وإذ بها أصبحت للسالكين هدىً

    يؤمّها الناس من عرب ومن عجم

    كيف ارتقى الحيّ عن غبراء معتمة

    سلها، تجبك: بنى النبهان حاضرتي

    فكل ضير مضى داسته أرجله

    وإن أردت مزيدا فادن دوحتنا

    وموطناً للشقاوالخوف والراح

    عفا بكومة أحجار وألواح

    حُفّت بطيب من الفردوس فوّاح

    بالخير قد أومأت للغادي والناحي

    بالخمر والميسر المعهود يا صاح

    وأنه فجر أنواري وإصباحي

    وكل خير أتى من وارث الماحي

    تنبئك أحوالنا من غير شُرّاح

  3. naseem قال:

    الصّدق متبوع بالابتلاء

    قال رضي الله عنه : الصدق متبوع بالابتلاء، وكل عمل فيه إخلاص لله تعالى فلا بدّ أن يتبعه ابتلاء . وعلى هذه القاعدة : وبعد أن أصبح له أصحاب أجهد نفسه في توجيههم وتربيتهم فلا بدّ أن يتصدّى له الحسدة والمرجفون فيكيدوا له كيداً، فترصّد له أربعة؛ ضاقت أنفسهم بعلوّ مكانته ورفعة شأنه وسبقه، فأضمروا شراً وتآمروا على قتله، ووشوا إلى الشيخ أبي النصر رحمه الله تعالى يقولون له: إن مشيخة الطريق آلت إلى الشيخ محمّد النبهان، ولم يبق لك إلا الاسم والرسم!!

    وحين بلغه رضي الله عنه خبرهم راجع شيخه بحمص، يوضح الحقيقة قائلا : ما أنا ذلك الشخص، ولا هكذا طلبي " يعني المشيخة " والله ما مثلي ومثلُكم إلاّ مثل سيدتنا عائشة والّذين اتهموها! إن قلت لكم نعم: فلا والله ما أنا هكذا، وإن قلت لكم لا: فلن تصدقوني، وإن شاء الله يا شيخي: يريك إياها في المنام.. وكنت أعتقد أنّ الشيخ لا يعلم الغيب، ولكن الله سيريه إياها في الرؤيا . واعتذر لشيخه عن إدارة ختم الذكر، فقبل بادئ الأمر اعتذاره، ثمّ ارتحل رضي الله عنه إلى جامع الكلتاويةسنة 1347هـ.. فتفرّق الجمع، ولحق به أتباع من الطريقة الرشيدية والشيخ عبد الباسط ابن شيخه أبي النصر .

    فعاوده الشيخ أبو النصر رحمه الله تعالى في الكلتاوية مرات يقول له : يا شيخ محمّد إن الطريق ضعف وخرب، وأنا لا أريدك أن ترجع إلى الختم فحسب بل ولتخرج إلى المقاهي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر! وتكون مثل الشمعة تحرق نفسها من أجل غيرها . .

    قال رضي الله عنه : لا يا شيخي أنا عقلي صغير، وعلمي صغير، وعمري صغير، نفسي فوق الوجود، كيف تريد ياشيخي أن أكون شمعة ، تحترق لتضيء للآخرين؟ بعدها : تنطفئ الشمعة وتصير ظلمة، وإذا انطفأت تنطفئ عليّ وعليهم . .وإن من يضع كفيه على أذنيه لئلا يسمع غيبة أو نميمة لا يتنزل للخوض في قيل وقال أو يقبل بضياع نفسه على حساب غيره؟ وما هي الثمرة التي يجنيها المرء إذا ربح العالم كله وخسر نفسه؟ قال رضي الله عنه : ((الشيخ أبو النصر رحمه الله هو السبب؛ لأنه يمدحني أمام الصغار والكبار: الشيخ النبهاني.. الشيخ النبهاني.. اذهبوا إلى الشيخ النبهاني.. فدخلوا عليه بعد ذلك، وقلبوها إلى ضدية.. فأرسلتُ إليهم من يخبرهم عني: وأنا نائم لا أخاف منكم)). .

    وكيف عامل رضي الله عنه الوشاة؟ هل انتقم لنفسه؟ أم كظم غيظه وأقال العثرات؟ لقد أكرمه الله تعالى بالصبر والسعة والرحمة، فلم ينتقم لنفسه، ولم يرهم أعداءً أو حسدةً، قال رضي الله عنه : ((رأيتهم مؤدّبين لي ومهذّبين، ومخلّقين ومعلّمين، فأنا أدعو لهم خلف الصلوات الخمس بأسمائهم)) وما أحرى دعاة اليوم لأن يتخلقوا بهذه الأخلاق، فلا يعثر المسلم بأخيه أو يختلف معه على حساب الولاء للتسميات، بدلا من الولاء لله تعالى ورسوله ولسائر المؤمنين } إنّما وليُّكُمُ اللهُ ورسولُهُ والّذين آمنوا الّذين يُقيمون الصّلاة ويُؤتون الزّكاة وهُم راكعون { [ المائدة 55] .

    وكان بداية طلبه للعلم يجد في نفسه أنه أحسن من غيره! فلما تمكن في السير والسلوك وصُبّت عليه الابتلاءات صبّاً أصبح لا يرى نفسه أحسن من مخلوق على الإطلاق .

    جائزة الابتلاء

    ولم يقتصر امتحانه على أولئك الأربعة بل شمل الّذين سهر على إيوائهم وتربيتهم زمناً! قال رضي الله عنه : ((الناس الّذين كنت أخدمهم وأربيهم صاروا أعداءً لي، وأصحابي الّذين تربّوا عندي في بيتي يمرّون من جنبي ولا يرمون السلام! فأقول: الحق معهم، مع كوني لا أعمل خلاف الأولى! ولما صبرت، أعطاني الله تعالى شيئاً ما كنت أعرفه)) . .

    وما هو الشيء الّذي وهبه الله تعالى له؟ هل أعطاه سيارة بأحدث صنع؟ أم قصراً على آخر طراز؟ أم وجد كنزاً؟.. لم ينل من ذلك شيئاً؛ وليس هذا طلبه، فمن تعلق بالمعاني لن يتشوّف إلى المادة والأواني، ونال الجائزة التي لا يحظى بها إلاّ أفراد الصادقين مع الله تعالى، قال t : ((وأنا ولد أروح إلى سيدنا زكريا عليه السلام، أحكي له الحكاية مثلما أحكي لكم! فيتلقاني بالقبول بالقبول بالقبول، ويبشرني بشارات بشارات! أقول: ما بقيت أبالي بالدنيا كلها، أروح إليه بعد المغرب كل ثلاثة أيام أو أكثر، فأحكي له وأرجع وهكذا..!!)).

    وكانت بداية الفتح عليه في الخامسة والعشرين من عمره تماماً، قال رضي الله عنه : ((وفتح عليّ بذرّة من المحبة، فبقيت خمسين أو ستين يوماً لا أنام : لا ليلاً ولا نهاراً… فظنّ الأطباء أنها حالة مرضية خاصة، بعد أن عجزت عقاقيرهم أن تكحّل عينيه بسهوة، وهم لا يعرفون حقيقة ما ألمّ به، إنها لوعة حب وفتح محبة، جمعه بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يقظةً )).قال رضي الله عنه : ((حتى أتاني صاحب الرسالة سيدنا محمّد يقظةً لا مناماً ومعه سيدنا أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه فسلّمني رضي الله عنه إلى سيدنا أبي بكر وقال: يا أبا بكر هذا محمد النبهان علّمه وضع الحصاة في الفم حتى لا يكثر الكلام !! فبقي يعلّمني ويرشدني ستة أشهر، ثم تولاّني رسول الله يربيني التربية المحمدية فشيخي في الظاهر أبو النصر، وفي الباطن رسول الله وقتئذ لم يبق لي صاحب غيره صلى الله عليه وسلم يجيبني دون سؤال مني!

    وفي أول قدم وضعته في السير والسلوك آخاني مع سيدنا أبي يزيد البسطامي وقال لي :

    (أنت أبو يزيد وأبو يزيد أنت))! و آخاني مع سيّدنا عبد القادر الجيلاني ومع سيّدنا أحمد الرفاعي رضي الله عنهما، فأنا والرفاعي والجيلاني إخوان على السُّفرة المحمّدية . .

    وحضر رضي الله عنه بعدها ذكراً أقامه شيخه أبو النصر رحمه الله، فوُزّع الشاي والذّكر قائم، فقال رضي الله عنه لشيخه : هذا سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سلّم لي على شيخك وقل له : اسمي يذكر على لسان المُدّاح وأنت تقدّم الشاي؟ فقال: أنت رأيته؟ قلت: نعم، قال: هنيئاً هنيئاً لك يا ولدي أنت من أهل العناية، أنت أخذت جميع ما عندي، أنت سبقتني! وأخذت قلبي، أدعُ الله لي لا تنسني، واذكرني عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ! . .

    وقال رضي الله عنه : وكنت أجلس مع شيخي أبي النصر فيأتي رسول الله r فيعرج بي إلى حيث يشاء إلى حيث يريد وأنا جالس أقول في نفسي: لماذا يأخذني ولا يأخذ شيخي مع أنه أعلى مني؟ هكذا كنت أعتقد! ثم فهمت فيما بعد بأنني أنا المراد لا شيخي، الشيخ أبو النصر ما وجدت غرضي عنده .

    وإذا كان للسالك أن يذوق ما ذاقه رسول الله إلاّ النبوة ورسالة التشريع وأن الوحي قد انقطع عنه ثلاثة أو ستة أشهر ـــ فلابدّ لسيدنا أن يلاقي حظه من الإعراض! قال : الإعراض رأيناه في السير . لكنه يقابل الإعراض بالّذل والانكسار والإضراب! قال : وكنت لا آكل ولا أشرب ولا أنام حتى أرى حبيبي رسول الله . .

    أدب يا هو

    أدب مع الله تعالى: ظاهره وباطنه مع الله، يستحيي أن يطلب من غير الله، أو يعتمد في شيء على سواه، أو يجعل له وجوداً معه، أو حظاً لنفسه بغيره، أو إرادة بغير مراده.

    أدب مع الله تعالى: لا يخشى إلا الله، ولا يغفل عنه، ولا تأخـذه في الله لومة لائم .

    أدب مع الله تعـالى: ينفذ فيه أوامر الله ويجتنب فيه نواهيه .

    أدب مع الله تعالى: يمتحن فيه نفسه بأقدار الله تعالى بفقد زوجته أو ولده فلا يجد إلا تفويضا وتسليماً لمولاه .

    أدب مع الله تعالى: لا تتطلع نفسه إلى حظ في ولاية أو كرامة أو مشيخة أو جاه.. بل حظوظه في الله لأنه هو الله .

    أدب مع الله تعالى : يصور فيه نفسه جليسا لله تعالى يحافظ فيه على الطـهارة ولا يتجرد في حمام أو غيره .

    أدب مع رسول الله لا يباشره بكلام قال رضي الله عنه : وكنت معه صلى الله عليه وسلم مثل خط الألف على الحائط! .

    وأدب مع القرآن : ينصت إليه يتدبر ويبكي .

    وأدب مع أشياخه : لا يأكل معهم، ويحفظ ودّهم . قال رضي الله عنه : كنّا مع أشياخنا مؤدّبين لا نأكل معهم، من علّمني حرفاً كنت له عبداً ..

    وأدب مع طالب العلم: إذا دعاه قال له: يا شيخ….

    وأدب مع زوجته: لا يخاطبها باسمها! بل: يا أمّ أحمد . .

    وأدب مع أبنائه: لا يدعوهم بأسمائهم بل: يا ابني، يا ولدي .

    وأدب في الطريق : نظره على قدميه، قال رضي الله عنه : نظري على قدمي، فإذا سلّم عليّ أحد بدأته بـــ : اللهم صلّ على سيدنا محمد، كيف قلبك مع الله؟ وتركته، حتى لا يتكلم معي بأمور الدنيا . .

    وأدب مع الأرض: لا يبصق عليها ولا يتمخط .

    وأدب مع الجمادات والنباتات: يتلطّف بها، كما لو أنها كائنات حيّة، ويعطي كل ذي حق حقه، فالصابون يغسله بعد أن يغتسل به، والجورب يرتبه ويضعه في مكان يناسبه وقس على ذلك .

    وأدب مع النساء، قال رضي الله عنه : وكنت أعدّ النظر إلى النساء فوق فوق الشرك!

    والأغرب من هذا حياؤه حتى من محارمه، قالt : أختي لا أنظر إلى ما تحت عينيها!

    أدب مع الناس: لا ينادي أحداً بصريح اسمه بل بكنيته، ولا من وراء جدار!

    أدب مع الناس: لا يكشف سترا، ولا يتتبع عورة، ولا ينتقد ولا يسيء الظن ولا ينمّ ولا يغتاب ولا يرى لنفسه فضلا أو منّة على أحد، فإن ظهر له من أحد عيب أو نقص قال: (( الحمد لله الذي عافاني)) ويعتبر بتقصير المقصر ويقول : المقصر أو المسيء يقول لنا : هكذا أنا فلا تكن مثلي . ويلحظ المؤدب فيستفيد من أدبه، وغير المؤدب فيؤدب ـــ بالاعتبار ـــ به نفسه ولا ينسب لنفسه شيئا بل : } ذلك فضلُ الله يُؤتيه من يشاءُ واللهُ ذو الفضل العظيم { [الجمعة 4] فــ (أدب يا هو) تشمل عنده الأدب في كل شيء ومع كل شيء، بل هو على مجمل آدابه يقول عن نفسه رضي الله عنه : هذه اللحية تحت كل شعرة منها أدب محمّدي .

  4. naseem قال:

    .تلوين بتمكين

    وجمع رضي الله عنه في سيره وسلوكه بين معان متضاربة ظاهراً متلازمة باطناً، فالبسط والسرور والرضا والطمأنينة بمقابلة الحزن الدائم، وهي مسألة ذوقية، فكيف يسوّغ هذا التناقض وكيف يُفهم؟! هاك بعض أقواله ابتداءً قال رضي الله عنه : لا أرضى أن يكون نفس مثل نفس، وإنما كل نفس أعلى من الأول، لا أرضى بالعالي إلاّ بالأعلى.. لماذا يفوز صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم برسول الله؟! والله لأزاحمنّهم عليه بالرُّكب! . .

    فأثمر عنده الفأل الحسن وعلوّ الهمة والموافقة لله ورسوله حالة البسط والسرور والرضا والطمأنينة، وأورثه التعطّش المستمر والتعشّق للمزيد مقام الحزن، وذلك مقام المتمكن الأمكن في السلوك أو ما يطلق عليه عند أهل الله "التلوين في التمكين" قال رضي الله عنه : تأتي على السالك مرتبة التلوين، ثم يرقى منها إلى التمكين، وهناك مرتبة لا يصلها ولا ينالها إلاّ الأفراد، وهي التلوين في التمكين، أي متمكناً في التلوين الإلهي كقول بعضهم : دليلي فيك تلويني . أما التلوين الأول الّذي يأتي قبل التمكين فهو حال يمكث عليه زمناً، فإما أن يرجع عنه وإما أن يرقى منه إلى التمكين، وعليه أكثر القوم الأفراد، وهم العارفون .

    المتلون المتمكن: يقول في الساعة أمراً ثم يقول ضدّه في تلك الساعة وهو متمكن .

    الفجر المرتقب

    إنه الأمل المرتقب والجرس الذي يضرب على قلوب الناس، والدهشة التي تملأ عقول الأولياء والعلماء، مذ اشتهر عنه رؤية الرسول في اليقظة والأخذ عنه مشافهة، فرجل هذا شأنه لابدّ أن ينتشر ذكره، ويظهر أمره، ويترقب الناس رؤيته والتعرف على شخصيته، قال رضي الله عنه : الناس يرقبونني على الطريق ليروا صورتي، فأمر من بينهم ونظري على قدمي لا أرى نساء ولا رجالا، فإن بدأني أحد بتحيّة بادرتُ بالصلاة على سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلم ورددت بأحسن وسألته: كيف قلبك مع الله؟ ومشيت.. والمرشدون الكمّل يأتون من البلاد البعيدة ليتعرّفوا على الشيخ النبهاني ومن يكون الشــيخ النبــهاني؟ إنه عبد من عبيد الله!

    وشيوخ حلب يحترمونني، لماذا؟ فهمت ذلك من الشيخ نجيب سراج رحمه الله : لأن والدي غني، والمال بيدي والزعامة لي، فتركت المال والزعامة، وأقبلت على الله ورسوله وعلى الجوع والعراء، من هنا فالمشايخ يحترمونني، صغيرهم وكبيرهم يعتقد أنني أجتمع بالرسول r يقظةً..

    جاءني الشيخ أسعد العبجي مرةً وهو معتقد ومحب، فقال: يا شيخ محمد، قلت له : نعم، قال: أودّ أن أرى الرسول عليه الصلاة والسلام! قلت : أبالمنام أم باليقظة؟ قال: أيهما كان، وكان عنده أربعمائة ذهبة فقلت له: تأتيني بالأربعمائة ذهبة نعطيها للفقراء؟ قال: لنرى الرسول عليه الصلاة والسلام قبلها! قلت: تريد أن تكسب! قال: أرى قبل أن أعطي..!

    وسألني الشيخ ياسين سريو المؤقت في جامع حلب الكبير رحمه الله تعالى قال: يا شيخ محمّد، أنت وصلت إلى هذه المرتبة بواسطة شيخك؟ فقلت: أتبرأ من ذلك، وبعد خروجه التقى بنفر في المسجد وقال لهم : إذا بلغ هذا الشاب الأربعين من عمره سيكون له شأن عظيم، ولتسمعُنّ منه العجب العجاب! .

    الفتح الأكبر

    وحكم على قلبه حب سيدنا محمّد فعاش سنوات القلب حزين والعين تدمع

    وبلغ ــــ بصدق حاله ونقاء قلبه وصفاء سريرته وجلاء بصيرته وشدّة وجده ـــ مكانةً عظيمة، قال : ما أخذ قلبي غير حبيبي محمد ما عبّأ دماغي غير حبيبي محمدمحمّد محمّد، لو تعرفون محمّداً وكنت أجلس معه صلى الله عليه وسلم لا أريد مفارقته ولا يريد مفارقتي، وكنت أحبه ولكنّه صلى الله عليه وسلم يحبّني أكثر، وكان يمشي معي في الطريق، ويعلّمني كل شيء، وكنت أنظر في المرآة : فلا أرى صورة نفسي بل صـورة حبيبي محمّد ذرّة مني وذرّة منه حتى صرنا شيئاً واحداً، فأوصلني إلى الحضرة الإلهية، شهدته بكل ذراتي، فلمّا وصلت هناك بدأت الابتلاءات تأتيني من كلّ جانب وهجمت عليّ، من المريدين والمشايخ وأهل العلم والأصدقاء والأهل والأحباب، هذا يقول ساحر وذاك يقول دجّال.. وكان لي صاحب يكتب لي من بلده: يا شيخ محمد، موتي وحياتي بين شفتيك! ، فالتقيت به في بيروت.. فإذا به يقول: أنت قليل حياء قليل أدب ما تستحي! ، والله سمعتها منه بأذني في بيروت، هو ما له خبر؛ عندما سألوه: أأنت تكلمت بهذا الكلام؟ قال: أنا؟ والله ما لي خبر! وآخر كان كالميت بين يدي! يراني بينه وبين شيخه في المدرسة ـــ يقظةً ـــ وقت الابتلاء قال لي: (أنت إش شايف حالك؟) قلت له: ((والله ما أعرف إش شايف حالي)) قال لي: أنت خادم! قلت له: عند من؟ قال: عندي، قلت من أجل ماذا؟ قال: تغسل الأغراض.. ابتلاءات تعبئ الدماغ.. وعرّفني الحق عز وجل أن المحرك والمسكن لأولئك هو جل جلاله، وأنه هو المبتلي لا هذا ولا ذاك، وأن ابتلاءه محبة لي، فلم يبق عندي غضب على أحد! وكنت أرحمهم وأدعو لهم إذ وجدتهم معرّفين لي في الحضرة الإلهية، والذي رأيته ما من صاحب إلاّ الله، لا زوجة ولا ولد ولا مريد ولا تلميذ ولا صديق ولا حميم، فلا محبوب ولا صاحب إلاّ الله ورسـوله، ولا ســير بدون ابتـلاء . .فخلص رضي الله عنه إلى تقوى السوى، وفرغ فؤاده من غير الله تعالى فراغ قلب أمّ موسى عليه السلام من غير موسى، وارتحل من ( أشهد ) التي تعني الإقرار والإعتراف لله بالوحدانية إلى ( أشهد ) القلبية التي تعني شهود الحق بالحق، يشهد بأن الوجود المطلق لله وحده، ويستشهد بوجود الله تعالى على وجود مخلوقاته، بل هو في آفاق توحيده يقول رضي الله عنه : ما رأيت شيئاً اسمه شيء، ما في الوجود إلاّ واجب الوجود، المحرك والمسكّن في الوجود هو الله، أحد أحد، ليس معه أحد، كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان.. أطلعني الله تعالى سنة ألف وثلاثمائة وتسع وأربعين هجرية على المخلوقات فإذا بها لا انفصال لها عن الله ولا اتصال لها بالله عز وجل، بل هي معه كالظل والشاخص . فذلك هو التوحيد والشهود الّذي أضاءت له به عوالم الغيب، ليرى ويسمع من العجائب والغرائب ويكون غريباً وعجيباً في الناس، بمقدار عظمة شخصيته، وبقدر ما سمع أو رأى أو علم، مصداقاً لمعاني وأذواق الحديث القدسي، الّذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: (( قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به، وبصره الّذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، وإن سألني لأجيبنّه، وإن استعاذني لأعيذنّه )).

    وقُل رّبّ زدني علماً

    وحين أعطى كليته للعلم فتح الله عليه خزائن علمه ومعرفته، قال : درستُ العلم على أشياخي حتى انتهيت منهم، فلم أشبع، وقدّر الله أن التقيت برجل، هو مجدّد المائة، فاستوفيت ما كان عنده من علم، فلم أشبع، فالتقيتُ بآخر، هو مجدّد الألف، فأخذتُ ما كان عنده من علم، فلم أرتو ولم أشبع إلاّ من العلم الّذي أخذته من حبيبي رسول الله فإن كان عندنا رملة من علم فهي من رماله صلى الله عليه وسلم وإذا كان عندنا واحد بالمائة من علمه عليه الصلاة والسلام فإن المائة جميعها له } ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم { [ الجمعة 4 ] .

    كنت مقيماً في جامع الحموي فتجلى لي الحق عزّ وجلّ وأنا نائم في النهار فقال لي: يا محمد إني أحبك، والدليل أني أحبك أعطيتك العلم! الّذي ما عنده علم لا يعرف يبيع، ولا يعرف يشتري، ولا يعرف يتزوج.. وأطنب الحق عزّ وجل!!!

  5. naseem قال:

    رياضة السُّلوك

    سار رضي الله عنه في طريق مفاده: خلّ نفسك وتعال، وليس خلّ عقلك وتعال، إنماالمطلوب ترك رعونات النفس وأهوائها وحظوظها حتى تتزكى، ولازم حالة يترقى فيها بمراتب الإحسان، مخلّفا وراء ظهره كل ما فيه جاهلية أو عصبية، ولم يعط لعادة من العادات طريقاً لأن تتحكم فيه، ونفسه تتشهى لأن تشبع من خبز شعير حار فيأبى عليها، ويرسل له أهله طبيخا أو لحما فيتصدق به أو يردّه، ويتحرى الحلال ولا يحضر دعوة أو وليمة ويقلل الطعام لقمة فلقمة، ويكتفي فترة خلوته بوجبة واحدة في اليوم والليلة وربما طوى اليومين والثلاثة على لقيمات يقمن صلبه، حتى ضعف جسمه ونحل، قال رضي الله عنه : بقيت مدة طويلة لا أعرف الشبع كيف يكون، وأشتهي أن أشبع ولو من خبز شعير يابس أسود إلا أنني في بسط وسرور، وضعف جسمي ونحل حتى صرت هيكلاً عظمياً، إذا أقعد تقعد العظام على الأرض . .حدثنا الشيخ عبد الرحمن حوت قال: زرنا سيدنا النبهان وكنا خمسة صائمين فقلنا له :

    يا شيخ محمّد نريد أن نفطر عندك، فلم يكن عنده وقتئذ غير بندورة واحدة، فرمها وأضاف لها ماءً وملحا وخبزا ثم طبخ فأفطرنا عنده والطعام كما هو لم ينقص منه شيء .

    وافتقر كثيرا قال رضي الله عنه : كل من يحب الرسول صلى الله عليه وسلم لابدّ أن يفتقر ذقناها لدرجة حق الإدام ما عندنا . أي ثمن الإدام، وهذه من موافقات الوراثة، قال رضي الله عنه : كل ما ذاقه الرسول يذوقه السالك إلاّ النبوة ورسالة التشريع!. يُفهم من قوله: أن المحب الصادق لابدّ أن يفتقر في جزء من حياته اقتداءً برسول الله r ومصداقاً لقوله عليه الصلاة والسلام: (( إن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه))

    واحتاج مرة إلى ثمن الخبز، فلم يكن عندهّ! فقال: يا رب : ابعث لي برغوتاً صغيراً. فوردته رسالة من صاحب له بمصر، ما أن فتحها حتى وجده فيها فابتاع به خبزاً وفلفلاً وأطفأ سغبه!

    قال رضي الله عنه : كنت مرة في الطريق فاشتهت نفسي العنب، وليس عندي ثمنه! فلحق بي شيخ اسمه محمد مقيد قال: يا شيخي، فالتفت وقلت: ما بك؟ فإذا بيده عنقود عنب! قلت: لا! فأقسم بالله: إنه لك!!. .

    ملك كسرى تُغني عنه كسرةٌ وعن البحر اجتزاءُ بالوشل

    قال رضي الله عنه : أنا كنت ابن غنى، ـــ والمال بيدي ـــ فتركت المال وتوجهت إلى الله، صرت آكل الشيء البسيط، وما بقي معي قرش سوري! ما عندي أكل، لا لحم ولا شحم ولا برغل ولا رز ولا عنب ولا جبس ولا شاي..!! هذا كله ما كنت أعرفه أبداً، وانشقت ( ساكويتي ) فما عندي ثمن (الساكوية) فرقعتها ولبستها! لكنني مسرور أكثر من الملوك! والحق عز وجل وهبني هذا السرور من صغري . .

    وعرض عليه ذو مال قرضاً، فأبى وقال: أنا أستدين من نفسي . أي بالصبر والتوكل والاكتفاء بالضرورة، فما كان ليقترض أو يقبل مالا من أحد أبداً، وهكذا خالف نفسه وفطمها عن الطيبات إلا بقدر ما يجري به الدم والنفس، فزاد ذلك في جلاء بصيرته.. وكتب على جدران خلوته حديثين : الأول : (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )) والثاني: (( كفى بالمرء إثما أن يحدّث بكل ما سمع )) ، وكلمات لسيدنا أحمد الرفاعي رضي الله عنه : العمر قصير، والناقد بصير، وإلى الله المصير . .فاغتنم الوقت، ووضع الحصاة تحت لسانه زمناً قال رضي الله عنه : بقيت مدة ـــ وأنا في السير ـــ أضع الحصاة في فمي واستفدت منها كثيراً، لا أتكلم إلاّ بما يجب عليّ، وإذا كانت الكلمة الواحدة كافية لا أتكلم اثنتين، فطالما الواحدة تكفي لا نزيد عليها ثانية! وإذا سألني أحد أقول له : كيف قلبك مع الله؟ فيسكت! جاءنا هذا من النور، الّذي يعطينا تمييزاً لما نقول . فهو لا يخالط الناس ولا يكلّمهم إلاّ ضرورةً حتى عبّروا عنـه بـــ ( الأبله ) و( الأخرس ) إذا نطق فلسانه وراء قلبه يتدبر الكلمة، ويعدل من النافع إلى الأنفع ومن الحسن إلى الأحسن، فأورثت فيه حالة الفرار إلى الله والاغتراب منالخلق اشتغالا بالأعلى وأنساً بالمحبوب فذاق حلاوة الاطمئنان وارتشف كأس المحبة والعرفان، وعلى حالته هذه لا يشتغل بنصح الناس وتذكيرهم وبقي سنتين في مرتبة قوله تعالى } من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربُّك بظلاّم للعبيد{ [ فصلت 46] .

    قال رضي الله عنه : أنا كنت في السلوك لا آمر بمعروف ولا أنهى عن منكر! وإذا سألني أحد لا أردّ! حتى تمكنت من نفسي . .

    لذلك يطرق باب خلوته أولياء وعلماء فلا يفتح لهم، قالرضي الله عنه : من الناس علماء أولياء أكابر يطرقون عليّ الباب ويلتمسون أن أجيب أسئلتهم فأكلّمهم من شبّاك صغير .. وطلب منّي الشيخ عيسى البيانوني المطالعة معه في كتاب إحياء علوم الدين، فقلت : بشرط أن نعمل بما في الكتاب، فانصرف! .

    وهكذا هجر الخلق وهم مقبلون عليه، وترك الدنيا وهي خضرة نضرة لديه، فمنذ أن لحق t بركب العلم والسلوك لم يأخذ من مال أبيه إلاّ ما يدفع به الضرورة أو يسدّ الرّمق وربما لا يأخذ، ولم يفاتح والده بشراء دار مع حاجته الشّديدة إليه، وعزّ على الوالد أن يرى فلذّة كبده على هذه الحالة من الزهد والفقر وهو من أغنى الناس في حلب، فأشفق عليه وعلى عياله وقال له : أنت زاهد فهل زوجتك وأبناؤك مثلك؟ تعال يا ولدي أهبك ما تريد من مال، وأسجّل لك ما تحب من أرض أو دار.. فلم يجد من ولده إلاّ الرّفض! فأمضى سنين عجافاً ملجئاً نفسه إلى الفاقة، واضعاً القدم على القدم في الاتّباع، يتنقل ـــ بأهله ـــ من باب النيرب، إلى ملحق صغير في جامع الإسماعيلية، ثم إلى باب الأحمر، ثمّ إلى مستأجر في حارة الباشا، ومنه إلى مستأجر في الكلتاوية.

    قال رضي الله عنه : أنا كنت في الدنيا ابن الدنيا، وابن غنى، لا من آحاد الناس، وكان المال كله بيدي وأنا أكبر أخوتي وكنت أعمل الوليمة الواحدة لثلاثمائة أو أربعمائة شخص، وأعطي للشاباش) ليرات ذهب، كل هذه الأشياء عندي، وكنت أظنها وهماً في وهم، ومن النعمة علي أن رأيتها وهماً؛ لكي أعرض عنها، أما الآن فما عندي شيء اسمه وهم، بل كلها حقائق

  6. naseem قال:

    أوراده وأذكاره رضي الله عنه

    قال الله تعالى في كتابه العزيز : } يا أيُّها الّذين آمنوا اذكُروا اللّه ذكراً كثيراً

    وسبّحوهُ بُكرةً وأصيلاً هُو الّذي يُصلّي عليكُم وملائكتُهُ ليُخرجكُم من الظُّلُمات إلى النّور وكان بالمُؤمنين رحيماً { [ الأحزاب 41 ـــــ 43]، وقال أيضاً : } فاذكُروني أذكُركُم واشكُروا لي ولا تكفُرون { [ البقرة 152]

    ولما كان الذكر مفتاح خزائن قلوب الذاكرين، ومعراج أرواح السالكين، فإن له t أذكاراً وأوراداً أهمها:

    الأول : قوله : الله شاهدي، الله ناظري، الله معي . : إحدى عشرة مرة، مفرّقةً على اليوم والليلة مع التدبّر والتفكّر في معانيها .

    الثاني : التهجد : وأقله ركعتان في الثلث الأخير من الليل، مع ساعة من التضرع والبكاء والتسابيح والمناجاة .

    فمن التسابيح :

    سبحان الأبدي الأبد

    سبحان الواحد الأحد

    سبحان الفرد الصمد

    سبحان الذي لم يتخذ صاحبة ولاولد

    سبحان الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد

    سبحان من رفع السماء بغيرعمد

    سبحان من بسط الأرضين على ماء جمد

    سبحان من خلق الخلائق كلها فأحصاهاعددا

    سبحان من قسم الرزاق بين عباده فلم ينس من فضله ورزقه أحدا

    لاإله إلاالله

    ومن المناجاة قوله:

    يا عزيز أنت العزيز وأنا الذليل فــــــمن للذليل سواك؟ لا اله إلا الله

    يا قادر أنت القادر وأنا العاجز فمن للعاجز سواك؟ لا اله إلا الله

    يا قوي أنت القوي وأنا الضعيف فمن للضعيف سواك؟ لا اله إلا الله

    يا غني أنت الغني وأنا الفقير فمن للفقير سواك؟ لا اله إلا الله .

    يا عالم أنت العالم وأنا الجاهل فمن للجاهل سواك؟ لا اله إلا الله .

    يا باقي أنت الباقي وأنا الفاني فمن للفاني سواك؟ لا إله إلا الله.

    يا حي أنت الحي وأنا الميت فمن للميت سواك؟ لا اله إلا الله .

    الثالث : قوله ـــــ بين سُنّة الفجر والفريضة ـــــ : يا حي يا قيوم ( أربعين مرة ) .و : سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، أستغفر الله ( مائة مرة ) .الرابع : قوله ـــــ عند النوم وبعد اليقظة ( صباحاً ومساءاً ) ـــ ثلاث مرات:

    بسم الله ما شاء الله، لا يسوق الخير إلا الله

    بسم الله ما شاء الله، لا يصرف السوء إلا الله

    بسم الله ما شاء الله، ما كان من نعمة فمن الله

    بسم الله ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله

    الخامس : ذكر اسم الجلالة ( الله الله ) : من بعد صلاة الفجر حتى مطلع الشمس .

    السادس : الورد بعد الصلوات الخمس :

    أ ـــــ أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه ( ثلاثاً ).

    ب ـــــ اللهمّ أنت السلام، ومنك السلام، وإليك يعود السلام، تباركت وتعاليت يا مـــالك الملك يا ذا الجلال والإكرام .

    ج ـــــ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ( ثلاثاً ) .

    د ـــــ جزى الله عنا سيدنا ونبينا محمداً r وشيخنا ومربينا ما هو أهله ( ثلاثاً ) .

    هـ ـــــ اللهمّ صلّ على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه وسلّم .

    و ــــــ اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ولا تجعلنا يا مولانا من الغافلين .

    ز ـــــ آية الكرسي : } اللهُ لا إله إلاّ هُو الحيُّ القيّومُ لا تأخُذُهُ سنةٌ ولا نومٌ لهُ ما في السّماوات وما في الأرض من ذا الّذي يشفعُ عندهُ إلاّ بإذنه يعلمُ ما بين أيديهم وما خلفهُم ولا يُحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء وسع كُرسيُّهُ السّماوات والأرض ولا يؤودُهُ حفظُهُما وهو العليُّ العـظيمُ { [البقرة 255]

    ح ـــــ } آمن الرّسولُ بما أُنزل إليه من ربّه والمؤمنون، كُلٌّ آمن بالله وملائكته وكُتُبه ورُسُله لا نُفرّقُ بين أحد من رُسُله وقالوا سمعنا وأطعنا غُفرانك ربّنا وإليك المصيرُ . لا يُكلّفُ اللهُ نفســاً إلا وُسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربّنا لا تُؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربّنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملتهُ على الّذين من قبلنا ربّنا ولا تُحمّلنا ما لا طاقة لنا به واعفُ عنّا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصُرنا على القوم الكافرين { [البقرة 285 ـــــ 286] .

    ط ــ } شهد اللهُ أنّهُ لا إله إلاّ هُو والملائكةُ وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلاّ هُو العزيزُ الحكيمُ . إنّ الدّين عند الله الإسلام { [آل عمران 18 ـــــ 19] .

    ي ــــ } قُل اللّهُمّ مالك المُلك تؤتي المُلك من تشاءُ وتنزعُ المُلك ممّن تشاءُ وتُعزُّ من تشاءُ وتُذلُّ من تشاءُ بيدك الخيرُ إنّك على كُلّ شيء قديرٌ . تولجُ الليل في النّهار وتولجُ النّهار في الليل وتُخرجُ الحيّ من الميّت وتُخرجُ الميّت من الحيّ وترزُقُ من تشاءُ بغير حساب { [آل عمران 26 ـــــ 27] .

    ك ــــــ سورة الإخلاص ل ــــــ سورة الفلق م ــــــ سورة الناس ن ــــــ سورة الفاتحة

    س ــــــ سبحان الله (33 مرة )، الحمد لله (33 مرة )، الله أكبر ( 34 مرة ) .

    ع ــــــ الدعاء : وهو في الغالب من صيغ الدعاء المذكورة في نهاية حلقة ذكر الجمعة السابع : وقت الفراغ : يصلي ركعتين ثم يقول :

    أ. أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ( 25 مرة ) .

    ب. اللهمّ صلّ على سيّدنا محمّد، عبدك ونبيّك ورسولك وحبيبك، النبيّ الأميّ، وعلى آله وصحبه وسلّم ( 25 مرة ) .

    ذكر اسم الجلالة : الله الله .

    الثامن : يقرأ بعد فرض الجمعة : سورة الفاتحة والإخلاص والمعوذتين ( سبعاً سبعاً )، يختمها بدعاء : اللهمّ يا غني ويا حميد، يا مبدئ ويا معيد، يا رؤوف ويا ودود، أغننا بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمّن سواك، اللهمّ أغننا بالعلم، وزيّنا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى وجمّلنا بالعافية، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم .

    التاسع : الصلاة العظيمية : بعد العشاء من ليلة الجمعة :اللهمّ إني أسألك بنور وجه الله العظيم، الذي ملأ أركان عرش الله العظيم، وقامت به عوالم الله العظيم، أن تصلي على مولانا محمّد ذي القدر العظيم، وعلى آل نبي الله العظيم، بقدر عظمة ذات الله العظيم، في كل لمحة ونفس عدد ما في علم الله العظيم، صلاة دائمة بدوام الله العظيم، تعظيماً لحقّك يا مولانا يا محمّد يا ذا الخلق العظيم، وسلّم عليه وعلى آله مثل ذلك، واجمع بيني وبينه كما جمعت بين الروح والجسد، ظاهراً وباطناً، يقظةً ومناماً، واجعله يا ربّ روحاً لذاتي من جميع الوجوه في الدنيا قبل الآخرة يا عظيم .

    العاشر : الصلوات الإدريسية* وهي أربع عشرة صلاة، ووقتها بعد العشاء من ليلة الجمعة أيضاً، مدونة في كتاب (مجموعة الأحزاب الإدريسية) فمن أراد الاستزادة فلينظرها هناك.

  7. naseem قال:

    خلوةٌ واغتراب

    سالك طريق القوم ـــ أهل الله ـــ باحثٌ عن الحقيقة، وحين يجد الناس بمنأى عنها يتخذ من العزلة حميةً ومن الخلوة سلّماً، متأسّياً بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، يستأنس بالله تعالى، ويتدبر ما وراء هذا الكون من قدرة وعظمة، مهتما بخويصة نفسه وإعداد شخصيته والوصول إلى غايته.

    وعلى هذا النهج كانت عزلته رضي الله عنه فاعتكف في مسجد الكلتاوية في حجرة صغيرة من طين فهي له البيت والخلوة والمدرسة، حدثنا إمام المسجد آنذاك، الشيخ بشير حداد رحمه الله تعالى، قال: بينما كنت في الكلتاوية إذ أقبل رجل في الثلاثين من عمره يبحث عن إقامة له فيها، وليس معه إلا حزمة كتب وحصير قديم، وكانت هناك غرفة طين صغيرة فسكنها ــ لكنها أدخلت في بناء الجامع بعد تجديده وموقعها الآن عن يمين الداخل إلى حضرة الزيارة ــ ديدنه العلم والذكر، لا يختلط بالناس، ولا يسمح لأحد بالدخول عليه إلا نادرا، طعامه قليل ولباسه بسيط لكنه نظيف، فمذ نظرته أخذ قلبي وظننته من الأكابر… كانt ينظر إلى ساحة المسجد ويقول: ((إني لأرى هناك مدرسة دينية وطلبة علم بعمائم بيضاء)) … ودخل عليه مرة الولي الشهير بحلب الشيخ ياسين سريو المؤقت، ولما خرج قال: لئن بلغ هذا الشاب الأربعين لتسمعن منه العجب العجاب!

    قال رضي الله عنه : فررت ـــ أول أمري ـــ من الليرات وجئت إلى هنا جاهلاً، ولولا أن الحق عزّ وجلّ يفهمني ما فهمت، وكل الّذي عندي من الله لا من عند زيد ولا عمرو . ولم يكن عنده في الخلوة أمتعة غير كتبه وحاجات مسافر منها، حصيرة مكسّرة وفراش بسيط، فلا مروحة ولا مدفأة! وثوبه واحدٌ في الحرّ والقرّ إذا تهرأ يرقعه بيده، لكنه يتميز بالنظافة، حتى صار حاله حديث الناس! معتقداً بعضُهم أن فيه مسّاً من الجن!

    قال رضي الله عنه : كنت هنا وحدي في الخلوة معتزلاً، فجاءني يوماً شخص معه كتاب ينتقد فيه أبا يزيد البسطامي! : لماذا يقول بالعزلة؟ قلت له : وماذا في العزلة؟ العزلة حق، وكلام أبي يزيد البسطامي حق، العزلة مثل الحمية وزناً ومعنىً، وحين تذهب لمعاينة الطبيب أيمنعك عن أكلات طول حياتك أم ما دمت في المرض؟ قال: ما دمتُ في المرض، قلت: وكذلك العزلة ما دمت في المرض. .

    إيــــه.. لقد تغيّر ذلك الفتى المدلّل الذي يرتدي أجمل الثياب وأحسنها إلى زاهد متبتل، شأنه شأن سيّدنا مصعب بن عمير رضي الله عنه قبل الإسلام وبعده، إلاّ أن سيّدنا مصعباً أخرجته أمّه من بيتها بعد إسلامه، أما سيّدنا النبهان فقد كان قريبا من نبض قلبها، إذا رأته فكأن حالها ينطق: ربّي وربّك الله أيها الهلال!

    ووالده يحبه ويجله، ولا يجلس أحياناً مدة بقاء ولده في البيت! فيقول له: اجلس يا أبي . فيجيبه: والله يا ابني أودّ أن أبقى واقفاً حتى تذهب!

    وبداهةً فلا بدّ لكلّ غاية من وجهة تناسبها وهمّة تنهض بتبعاتها، لذلك أجهز على العلائق والعوائق لا همّ له إلا الله تعالى، مستهدفاً تنفيذ أوامره والتعرّف على حضرته، متحقّقاً بالعبدية، لا لنيل وظيفة أو مشيخة أو جاه أو رتبة أو كشف أو كرامات، فغايته دونها جميع الغايات، ومراده من الله هو الله سبحانه قال رضي الله عنه : صاحب الهمّة لا يرضى بالكرامات ولا بالجنان ومراتبها، لا يرضى إلا بالله تعالى لا يبتغي به بديلاً . .

    فهو رضي الله عنه مريد لله تعالى يتعشّق وجهه، ويتطلع إلى فناء بمحبته وإرادته، وكثيراً ما يردد قوله تعالى } منكُم من يُريدُ الدُّنيا ومنكُم من يُريدُ الآخرة { [ آل عمران 152 ] ويتساءل : فأين من يريد المولى تعالى؟ ويردد شعراً :

    كل من تلقاه : يشكو دهره ليت شعري : هذه الدنيا لمن

    ويجيب في كل مرة: لمن أعرض عنها . .

    ثم صار يقول فيما بعد: لا لمن أعرض عنها، وإنما لمن أخذها بحق وأعطاها بحق . .)) وهذا يدل على دوام ترقيهt في العلم والفهم والذوق.

    صدق عجيب

    قال رضي الله عنه : أنا صادق من صغري، تهابني الإنس والجن، لماذا؟ لكوني صادقاً، وهي ليست خصوصية لي! بل وكل صادق منكم تهابه الإنس والجن، سيري كله صدق وإخلاص، ولو كذب هذا اللسان لقطعته! . فالصدق والصراحة ديدنه فطرةً وسجيّةً .

    قال رضي الله عنه : إن أحد مشايخنا الّذي كنا نقرأ عليه التوحيد والمنطق قال: ((يا شيخ محمد، ما أجمل وجهك لو قصّرت لحيتك قليلاً! ـــ وكانt لا يقصّر ــ فضحكتُ لكوني أحبه، ولم يكن أحد يجرؤ أن يتحدث معي بهذا الكلام!

    وبعد مدة : كنت تحت القلعة فرأيته، فقلت له : يا شيخي لو أطلت لحيتك قليلاً .

    قال: يا شيخ محمد أنا أنزعج! قلت : أنا أطبق شريعة وأنت تنهاني عنها، وأنا آمرك بالشريعة فلماذا تنزعج؟قال: كم هي الساعة الآن؟

    وكانت الساعة السادسة إلاّ نصف أو ربع دقيقة لا أعرف، فتأخرت عن الإجابة، ثم قلت: السادسة

    قال: لماذا تأخرت؟قلت: ما كانت الساعة ستاً .قال: قل : تقريباً .

    قلت له : لا أريد أن أكذب من أجل حضرتك..قال: أود أن أحكي لك حكاية .قلت: تفضل .

    قال: أنظر إلى عوام الناس: هذا يكذب وذاك يخون، وهذا يغش وذاك يغتاب ـ ـ فلا أقدر على مصاحبتهم وأنظر إلى الصوفية: لا يكذبون ولا يؤوّلون، وهذه لا أقدر عليها كذلك!! )). .

    زاد الطريق

    لا بدّ لكل مسافر من زاد وراحلة .فأما الزاد فهو التقوى قال تعالى } وتزودوا فإن خير الزاد التقوى { [ البقرة 197] .

    وأما الراحلة هنا فهي الاعتقاد قال رضي الله عنه : ((مطيتنا العظمى إلى الله هي الاعتقاد)) ..

    ولأجل هذا جعل رضي الله عنه الشريعة طريقته، والأمر والنهي ميزانه في كل لحظة من لحظات الترقي التي رافقت سيره وسلوكه، وحرص على متابعة رسول الله في الأقوال والأفعال والأحوال والأخلاق والنيات فلم يؤجل مسألة تقتضي الامتثال إلى الغد بل دأب على تنفيذ ما علم من يومه، يؤدي الفرض والسّنّة على السواء، ويعمل بعزائم الأمور والأورع والأنفع، ويتقي الشبه والرخص، ويأخذ من المباح بمقدار الضرورة، ولا يتنزل لفعل خلاف الأولى فضلا عن المحرم والمكروه ويقول t : نحن عندنا خلاف الأولى : كبيرة . ولا يستهين بشيء يعمّه لفظ الاتباع مهما كان في أعين الناس صغيراً أو يسيراً، ولا يجد سنــّة ماضية عن رسول الله إلا أحياها .

    يكره الذنب ويخشى المخالفة ويتساءل : هل يقدر عاقل أن يعمل مخالفة؟ هل يقدر عاقل أن يكذب أو يغش أو يخون؟ . ويجيب : العاقل لا يعمل مخالفة ، ويردّد : الله شاهدي، الله ناظري، الله معي، الله يشهد باطني، الله ينظر ظاهري، وهو معي في الظاهر والباطن، فكيف أعمل المخالفة وأنا عبده؟ } وهُو معكُم أين ما كُنتُم { [ سورة الحديد 4 ] .

    وأضاف رضي الله عنه : ومما منّ الله تعالى به عليّ أن رزقني اتباع حبيبي محمّد صلى الله عليه وسلم ، في أقواله وأفعاله وأحواله وأخلاقه. اتبعته r في الصغيرة والكبيرة، ومن كثرة اتباعي إذا سألني أحد : هل الرسول صلى الله عليه وسلم يتختم؟ أرفع يدي وأقول: نعم بخنصر اليمنى، وكنّا نقرأ درسا فجاء حديث معناه : (( أن الله يكره العمامة الصمّاء )) فرفعت عمامتي وأنا في الدرس فأخرجت لها عذبة، سيري من أوله إلى آخره في الإتباع، لا أبالي من أحد، ولا أحب البدع، وإذا عرفت عن أحد بدعةً لا أحبه أبداً ولا آخذ عنه !

    وهو غزير البكاء كثير الدعاء بـــ يا ربّ قلبي قلبي، يا ربّ طهّر قلبي، يا ربّ احفظني وإلاّ تحفظن أقع . وخلف كل فريضة : اللهمّ ارزقنا اتباع سيّدنا محمّد r في الأقوال والأفعال والأحوال والأخلاق واجعله يا ربّنا روحاً لذاتنا من جميع الوجوه في الدنيا قبل الآخرة يا عظيم.

  8. naseem قال:

    في طريق الشاذلية

    وما أن استنفد رضي الله عنه علوم شيخه أبي النصر وأسراره، حتى قام بجولة في بلاد الشام، يبحث عن مرشد أعلى أو كما سمّاه هو حامل مرتبة الفرد الذاتي، أو صاحب الوراثة المحمدية . ليكمل عليه سيره ــــ في الظاهر ــــ وتجوّل في مدن سوريا، فكلما التقى بشيخ قال له: هوّن عليك ابحث عن أعلى مني!. ومن العجب حقاً أن تجد إنساناً في مركز دائرة الكمال يبحث داخلها وخارجها ليتعرف على الفرد الذاتي أو حامل مرتبة الوراثة المحمدية، فإذا به يعود من حيث بدأ، ليجد نفسه ميم تلك الدائرة وقطبها المحب المحبوب والمريد المراد الّذي لا ينفك عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم !

    وحصل له لقاء بالشيخ محمد الهاشمي الشاذلي في مجمع للعلماء في دمشق، فألحّ عليه بعضهم بأخذ الطريقة الشاذلية عنه، قال رضي الله عنه : أوّل يوم دخلنا بالطريق: كنا في دوما عند شيخ الأولياء الشيخ محمود أبي الشيخ الهاشمي، قال الهاشمي: أريد أن أعطيك طريقاً، قلت: لا أريد طريقاً، فألحّوا عليّ، قلنا: خير إن شاء الله ـــ والطريق الشاذلي له ثلاث مراتب ـــ فقطعت المراتب الثلاث في نصف ساعة أو أقلّ أو أكثر! فطار عقله؛ لأن بعضهم يقضي حياته في أول أو ثاني مرتبة! فصرت أبين للشيخ المراتب وكيف يكون السير.. فعلم أن ذلك عناية من الله تعالى لي.

    وأشاررضي الله عنه إلى قول الهاشمي فيه فقال: كان لي شيخ في دمشق يقول: ما قطعناه في سنوات، قطعه الشيخ محمّـد النبهان في ساعات . .

    وألحّ عليه إلحاحاً شديداً لأن يكون شيخ طريق وجاءه إلى الكلتاوية مرات.. فلم يستجب له! وقال له: ما خُلقتُ لهذا . .وهو رضي الله عنه لم يتخذ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيلة، بل يعتقده غاية داخلة في المغيا، تداخُل الوضوء في الصلاة، فكما أن الصلاة لا تصح إلاّ بالوضوء فإن العبدية لله تعالى لا تتحقق إلاّ برسول الله صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام : (( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به )) وقال أيضاً : (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين )).

    وخلافاً لما درج عليه السالكون، من جعل أشياخهم واسطةً بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ريثما يكتمل حالهم بالفتح، فإنه الواسطة لأشياخه، يرى رسول الله عليه الصلاة والسلام يقظةً فيقول له عليه الصلاة والسلام : قل لشيخك : افعل كذا أو لا تفعل!! . .

    وربما يرد على الّذهن سؤال لماذا سلوكه على شيوخ الصوفية مع كونه يجتمع برسول الله r يقظة ويأخذ عنه مشافهةً ؟ والجواب في جملة أمور :.

    الأول : لتكون شهادات شيوخه مبعث اطمئنان لدى المريدين والتلاميذ فيما بعد

    الثاني: إن كثيراً من المريدين يبقى مع شيخ لا ينتفع من سلوكه عليه، إلاّ أنه لا يتحول عنه تعصُّباً وتحزُّباً

    الثالث: أنه لم يجد شيخاً يملأ دماغه، فهو يفتش هنا وهناك ليتعرف على صاحب الوراثة المحمّدية، مع أن قلبه ممتلئ برسول الله صلى الله عليه وسلم .

    الرابع: حتى لا يدّعي هذه الرؤية من لا قدم له في السير والسلوك على المشايخ، مع أن الله تعالى قادر أن يمنحها من يشاء من عباده بسبب أو بغيره .

    الخامس: أنه أجيز من شيوخه بالتربية في الطريقتين النقشبندية والشاذلية، فلم يلتفت ولم تطمئن نفسه إلاّ لأمر من سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم فشتان بين من يأخذ من الأصل ومن يأخذ من الفرع، وحين يكون الأمر محمّدياً تكون الرعاية أكبر والعناية أكثر وأثرها أقوى وأعظم، وهو ما سنتعرف عليه في ظهور أمره رضي الله عنه وانتشار دعوته .

    ميزات سيره وسلوكه

    1. الصدق مع الله تعالى والتجرد القلبي للهدف، بقوّة الطلب، وإقدام المتفائل المتيقن من الوصول بلا تشكّك أو تردّد أو تقلّب أو تلفّت.

    2. علو الهمة، والأخذ بجميع الأسباب الممكنة بدءً بالتوكل على الله تعالى الّذي يعتبره t أقوى الأسباب .

    3. الفوريــّة في الامتثال، ومباشرة التغيير إلى الأحسن والأنفع والأكمل، وعدم التدرج أو التبـــاطؤ في ما يجب أو يُراد فعله أو تركه.

    4. الذاتيــّة مع الله تعالى، والنزاهة عن الأغراض الدنيوية والأخروية، لأن العباد على ثلاثة أصناف: منهم من يعبده رغبا، ومنهم من يعبده رهبا، ومنهم من يعبده محبة، وهورضي الله عنه من الصنف الثالث.

    5. الجديــّة في العلم والعمل، والموازنة بين النظر والتطبيق، والأخذ بعزائم الأمور، من غير كسل أو ملل ومن غير ضعف أو برود أو كلل .

    6. تحقيق العمل وتحقيق العبادة، لا بكثرة العمل وكثرة العبادة، بل بالصدق والإخلاص وإتقان العمل وحسن المعاملة بالنية الصادقة لله تعالى والحضور بين يدي الله ونسبة النعمة إلى المنعم عز وجل .

    7. الإنسانية وأقلُّها أن يحب الإنسان لغيره ما يحب لنفسه .

    8. الحديــّة في تنفيذ الأوامر واجتناب النواهي، واعتماد موازين الشرع ومعاييره، دون تنازل أو مجاملة على حساب العقيدة والمنهج .

    9. المحبة والإتباع التام لحضرة المصطفى عليه الصلاة والسلام .

    10. مداخلة العلم بالسـلوك، والانقطاع التام إلى الله تعالى، والإعراض عن الخلق بالعزلة والخلـوة ابتداءً، لئلا يشتغل بالأدنى عن الأعلى قبل وصـول الهدف، وحتى يصل إلى مرتبة الكمال الذي يؤثر فيها بمن حوله ولا يتأثر بالظرف والتيار والبيئة وما يقول الناس .

    11. موافقة الله تعالى فيما يريد.

    12. التحكم بالنفس والطباع والعادات والعواطف والهوى، والأخذ من المباحات بمقدار الضرورة .

    13. نبذُ العصبيّة للمذهب والطريقة والشيخ والقبيلة، والوقــــــوف مع الحقّ أينما دار .

    14. الاشتغال بالأعلى، وتقديم الأهم على المهــــــم، وعدم التفريط في الوقت .

    15. الانفصال التام عن العادات أو الأعراف المخالفة، وعن التقليد الأعمى والبدع والتسميات والأُطُر السياسية والمدنية الماجنة التي لا ترتدع عن عيب أو حرام .

    16. الالتزام التام بكمالات الإسلام من كرم وشرف وشجاعة وصدق وأدب ونزاهة…

    17. تزكية النفس والترقي بها إلى العبدية لله تعالى وتقوى السوى والمعرفة الإلهية ومرتبة الشهود .

    18. الصبر على الابتلاء، وتحمل الأذى من الناس والإحسان إلى المسيء .

    نفحة من باب الأحمر

    وفي جامع باب الأحمر، ظهررضي الله عنه لأول مرّة بعد مدّة أمضاها في وحشة، فأحاط به جمع غفير بين سالك وتائب ومتبرك، وفي ختم الذكر الذي يقيمه يحضر قارئٌ للقــرآن الكريم حسن الصوت، رقيق القلب يبكي ويُبكي سيدنا وكلّ من معه، ويفترش بعضهم الأرض من غلبة الحال عليهم، فيخيّل لمن يمرّ بين القلعة والجامع أنّ القوم مجتمعون على جنازة، لما هم عليه من ذكر وضراعة! قال رضي الله عنه :

    ((يجيئنا الوارد فشيخنا ورفقاؤنا وجماعتنا يصرخون، وأنا لا أتحرك)) أي لا يصرخ في الذكر، لأنهt كان قوي الروح والقلب على تحمل الوارد النوراني فلا يصرخ ولا يهتز، كما أوضح ذلك فيما بعد.

    فلقيه يوماً في أسواق المدينة رجل فقال له: يا شيخي، هؤلاء صوتهم تحت القلعة من البكاء! قال رضي الله عنه : ((وماذا في البكاء؟ ورسول الله r يقول : (( فإن لم تبكوا فتباكوا )).

    قال: وهل نحن مثل الرسول صلى الله عليه وسلم؟ قال رضي الله عنه : لئن أمكنني الله تعالى لأضعن القدم محل القدم في الاتباع له صلى الله عليه وسلم )) فاندهش الرجل وانصرف!

    وفي البيت الذي ولد فيه رضي الله عنه وعلى الحالة التي كان عليها بعض أصحاب رسول الله : ((تعالوا نؤمن ساعة)) بقي سنوات يلتقي بخمسين إلى سبعين من أصحابه في الختم، لا يهجعون الليل! يصلون على سيدنا رسول الله مائة مرة، ويتحدثون بكلام أهل الله، وقبل أن يودّع الليل أرجاء حلب بساعة أو ساعتين يأخذهم رضي الله عنه إلى جامع الكلتاوية لأداء الصلاة.. فإذا بزغت الشمس ناموا قليلاً ثم ينهض كل واحد لبيته أو عمله .

    حديث لخادمه

    لا يلمس الناس الصدق والإخلاص في رجل إلا وتسابقوا في التقرب منه وإبداء المحبة والخدمة له وكان السبق هنا، لشخص من أبناء محلته يدعى الحاج علي القصاب) زرناه في بيته ـــ ونحن ثلاثة ـــ فإذا هو في التسـعين من عمره، قد طفح نـور وجهه وغشيته السكينة والوقار، قلنا : يا شيخ بلغنا أنّك خدمت سيّدنا النبهان، فهلاّ حدّثتنا عن أيامه الأولى؟ وكان رحمه الله تعالى واحداً ممن رأيناهم إذا حدّثوا عنه بكوا فقال ودموعه تنساب إلى شفتين يحركهما ببطء: كنت أرقب سيدنا وصاحبه معروفاً الدواليبي، وهما طالبان في الخسروية، فلا أراهما إلا ملكين، فلما أقام رضي الله عنه في جامع باب الأحمر، تشـرّفتُ بخدمته، وأنا أمتهن آنذاك القصابة، وكنت أبيع الذبيحة وأنتهي منها ظهرا، ثم أشتري لسيدنارضي الله عنه ما أوصاني به، وأخرج معه إلى مزرعة الكرم، وأبقى معه، فالسيد يدخل غرفته بعد العشاء، أما أنا فلا أنام الليل كله، حتى إذا خرج قبل الفجر وصلى الصبح اقتديت به، ثم نزلت إلى حلب، لا أعرف النوم زمنا طويلا، كيف؟ لا أدري!

    ثم منّ الله تعالى عليّ ببركة تلك الخدمة بترك مهنة الذبح والسلخ التي تورث القلب قسوة وجلادة، وطعامه آنذاك التمر المقلي أو البيض المقلي، أو ما تيسّر من فلفل وزيت وزعتر وكسر الخبز ، ولم يتجاوز ما فرضته الخسروية له من مصروف، وهي ليرة ذهب واحدة في السنة أكلا وشربا ولبسا.

    قلنا : أما تحدّثنا عن شيء من كراماته؟ قال: عن أيهـا أتحدّث؟ فحركاته و سكناته وأحواله وأقواله وأفعاله وأخلاقه كلها كرامات، كرامته : استقامته.

    كانت لنا بغلة نركبها سوية إلى مزرعة الكرم) فخرجنا ليلة إلى بستان له هناك ـــ وخاله حارس فيه ـــ فما أن وصلنا حتى فاجأنا خاله بإطلاق نار، ظنّاً منه بأنّنا لصوص، فصرخ رضي الله عنه : لا يا خالي قتلتني! . وتناثر الرصاص عن صدره دون أذى! فذلك هو بداية أمره . .

  9. naseem قال:

    في طريق القوم أهل الله

    لم يمض على انتقاله إلى الخسروية إلاّ بضعة أشهر، حتى قدم من مدينة حمص إلى حلب الشيخ أبو النصر محمّد سليم خلف النقشبندي رحمه الله، وكان مشهورا بالولاية وصاحب حال مؤثر، فالتقى به أكثر علماء حلب وطلبتهم فأخذوا عنه الطريقة، وكان يلازمه في حلب إذا مدة إقامته فيها، ويسافر إليه في حمص كلما سنحت الفرصة له، فأصبح موضع عناية الشيخ واهتمامه لما رأى فيه من شخصية وتطلعات، إذ كانت له على التجرّد لله قوّة، وعلى مخالفة النفس عزيــمة، وعلى ملازمة الأذكار همة عظيمة، فبداية أمره يعتكف رمضان كله، ويقضي معظم وقته بالأوراد، فيشفق عليه شيخه ويقول: مهلاً.. ارفق بنفسك.

    ويتحدث رضي الله عنه عن حالته مع شيخه أبي النصر ويقول: كنت أدخل الدرس وأخرج لا أتكلم مع أحد أبداً، فيقول لي أصحابي: بالله يا شيخ محمد البيت الّذي كنا فيه مع الشيخ كيف سقفه؟! لا أنظر إلى سقف ولا يميناً ولا شمالاً.. وأطبــّق أكثر مما يقول الشيخ! التطبيق الأتم والأكمل، وكنت أعرف مراد الشيخ، فالذي يبغضه أبغضه، والذي يحبه أحبه، أعرفه فطريـاً وبدون تكلف . .وأدرك الشيخ مكانة تلميذه وانجذب إليه وتوجه له توجُّه سيدنا يعقوب إلى سيدنا يوسف عليهما السلام، وأحبّه محبّة أثارت غيرة شديدة وحسداً لدى جماعة من رفاقه في الطريق، فأطلقوا عليــه اسم " ابن الجديدة " قال رضي الله عنه : ((حتى صاروا يقولون: جاء ابن الجديدة! سمّوني: ابن الجديدة! قلت لأحدهم: لماذا تسمّوني ابن الجديدة؟ قال: لأنك عندما تأتي الشيخ لا يعرف غيرك!! قلت له: أكان الشيخ مخطئاً أم مصيباً؟ قال: والله مصيب!! )). .

    وأضاف رضي الله عنه: ((كنا أربعة أو خمسة في حمص عند شيخنا الّذي يربينا رحمه الله تعالى، والشيخ يحبني كثيراً، وأثناء رواحنا من ختم إلى ختم بين الفجر والشمس إذا بكلب يأتي إليّ ويعضُّني ـــ إلاّ أنه لم يصب لحمي! ـــ فقال واحد حسود: انظر للكلب ما عرف غيرك! فأجابه شيخنا رحمه الله ـــ وأنا أسمع ـــ : إنّ هذا الكلب ليس من حيّنا، بل أجنبي غريب، جاء خاصةً ليتبارك به! ولم يجد أهلاً للتبرك به غيره!!! )) .

    ثم غلبت عليه وحشة من الخلق، لا يتجوّل في المدينة وأسواقها، ولا يخرج إلى أهله إلا ليلاً، وإذا رأى أحد أصحابه تخبأ عنه في أزقة الحي! فقاطعهم إلاّ واحداً، قال رضي الله عنه : ((اتخذتُ أخاً في الله تعالى هو الشيخ معروف الدواليبي، كان لي مرآة؛ الذي في قلبي في قلبه، أأتمر بأمره ويأتمر بأمري، يوميّاً نتحاسب ويوميّاً نترقى، نحاسب أنفسنا نحاسب بصرنا وسمعنا وألسنتنا ومشينا وأين نقعد وأين نأكل)) وما بين المغرب والعشاء وقت للمحاسبة بينهما.

    وتجاوزت محاسبتهما الأقـوال والأفعال إلى الأفكار والفهوم والخواطر، قال رضي الله عنه: ((يقول البعض مشايخنا لهم دفتران دفتر في الليل وآخر في النهار، وزدنا عليهم أننا نحاسب خواطرنا كذلك، رأيت الخير كل الخير في سيري إلى الله بمحاسبة النفس، أحاسبها الحساب العسير لا اليسير "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا" )).

    وبلغ تحكّمه حتى بالمخيّلة! قال رضي الله عنه : ((جلست مرة ساعتين أفكر بخاطر سوء فما حصل))!

    وكان رضي الله عنه في حال وحدته يتفكر ويتساءل ويناجي الله تعالى، فيُلهم الإجابة! قال رضي الله عنه: ((كنت مرة ـــ منذ زمن ـــ قاعداً وحدي وأنا ولد أخاطب الله تعالى.. قلت: يا رب، أنت تقول } إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين { [سورة البقرة 222] يعمل ذنباً بل ذنوباً وتعطيه المحبة أيضاً؟ قال: نعم عبدي، أنا أبيّن لك! قلت: بيّن يا ربي، قال: هذا غلب أربعة: غلب الشيطان الكبير الأهبل، والشيطان الأبيض، والشيطان النمنوم ـــ الّذي خُلق بين شيطان الجن والإنس ـــ وغلب نفسه: أفلا يسمّى محبوباً؟ قلت: يا ربي والله صحيح!.. أخذتها عن ذوق من ذراتي)).

    ولم يكن في هذه الفترة ليتلقى أمراً أو نهياً من أحد في التزامه طاعة الله ورسوله وشيخه، قالt : ((أنا لا أعتقد أن أحداً أمرني أو نهاني من يوم دخلت العلم، ولا نفسي طالبتني بشيء من المخالفات، لأنني أحاسب نفسي، وهذه من نعم الله تعالى عليّ.. الّذاتي لا يحتاج لأحد أن يأمره أو ينهاه )).

    ومن طريف ما بلغنا عنه أنه كان يسأل الشيخ (معروف الدواليبي) : ((ماذا تريد أن تكون؟)) فيجيبه: رئيساً للدولة! ويسأله صاحبه: وأنت ماذا تريد؟ فيجيبه رضي الله عنه: ((عبداً لله تعالى)).ـ شاء الله تعالى أن يوصل كلا إلى غايته فتسلّم الشيخ معروف الدواليبي رئاسة الحكومة سنة 1962م لكنها سرعان ما زالت أوائل سنة 1963م وبعد سنوات قليلة ذهب إلى السعودية، وشغل بعض وقته هناك رئيسا لمنظمة المؤتمر الإسلامي، واتخذه الملك فيصل مستشارا، وظل في هذا المنصب إلى عهد الملك فهد، وفيه توفي سنة

    فطرح حب الرئاسة وحب النفس ليحيا حياةً يتلذذ فيها بالعبدية لله عز وجل، قال رضي الله عنه: ((آخر ما يخرج من قلوب الصدّيقين حب الرئاسة وحب النفس)) وجعل نصب عينيه سُلّما من أربع درجات: العلم والعمل والإخلاص والتبرّي من الحول والقوّة إلى حول الله وقوّته.

    ورافق أخذه للعلوم الشرعية قراءة في كتب الصوفية ابتداءً (بالرسالة القشيرية) ثم ( إحياء علوم الدين) و(مجموعة رسائل القصور العوالي) للإمام الغزالي فــ (البرهان المؤيد) و ( حالة أهل الحقيقة مع الله ) لسيّدنا أحمد الرفاعي رضي الله عنهم أجمعين.

    وكلّما تفحّص رضي الله عنه كتب القوم ونظر في سيرة رجل من أهل الله الأكابر ساءل رضي الله عنه نفسه: أيمكنه أن يكون مثل هذا؟

    وتفقّه على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه فأحسّ بنفسه للشافعيّ تعصُّبا على بقيّة الأئمة وفقههم ـــ وهذا التعصب قلّما ينجو منه طالب علم ـــ فبادر يحاسب نفسه ويعاتبها: لماذا يا نفسي تفضّلين هذا الإمام على ذاك؟ وهذا المذهب على غيره؟.. حتى طرد ذلك التعصُّب .

    وولع رضي الله عنه بالسيرة النبوية ولعا شديداً، وواكب حفظ القرآن ومراجعته، وأحبّ العلوم كلها إلا الكلام والفلسفة، فلم يجد لهما في قلبه هوىً، ثم أنه رغب في السفر إلى بغداد سنة 1344 هـ 1926م ليدرس على مشايخ العراق قبل أن يكمل دراسته في الخسروية، فجاء يودّع شيخه نجيب سراج رحمه الله فقال له: يا شيخي، علم الكلام هذا أنا لا أحبه! ، فأجابه رحمه الله تعالى: هو ما وجد أصلاً من أجل الاعتقاد بل من أجل الردّ على الخصم، فقال رضي الله عنه: لقد أرحتني يا شيخي فجزاك الله عني خيراً. لكنه عدل عن رغبته في السفر، ليقوم مقام والده في التجارة فترة غيابه للحج.

    ولم تقتصر دراسته ــــ كعادة بعض طلبة العلم ــــ على حفظ المتون، يرددونها بلا فهم، ويلتقمونها بلا مضغ، بل يعتبر حفظ المتون بلا شروح طريقة عقيمة، لذلك فهو يدقق ويفهم ويكتب على حواشي ما يقرأ هوامش وتعليقات .

    وكان ما وهبه الله تعالى من وعي وفطنة ربما يضيف لشيخه معنىً في مسألة أو تحقيقاً في قضية، قال : ((كنا نقرأ درساً في معجزاته صلى الله عليه وسلم فذكر الشيخ تسبيح الحصى والطعام بكفّه صلى الله عليه وسلم ، فقلت له: يا شيخي، إن المعجزة ليست في التسبيح بل في سماعه، لأن التسبيح واقع، شئنا أم أبينا، قال الله تعالى: } تسبّح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم { [الاسراء 44] فالمعجزة في سماع التسبيح لا في التسبيح، فسكت رحمه الله وقال: الحق معك)).

    ومرة أخرى سمع شيخه نجيب سراج رحمه الله تعالى يقول: إن أعلى المراتب هي الرضا، فاستدرك عليهt قائلاً: شيخي، الله يرضى عليك! يقول سيدنا عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه : لا زلت أرتع في ميادين الرضا حتى بلغتُ مكانةً لا توهبُ

    وهذه المكانة هي الذاتية والعبدية، فأقره فضيلة الشيخ نجيب رحمه الله .

    ومن أخباره في الخسروية أن طالباً من صف آخر قد أساء بكلام بحضرة أستاذه، وحين تأكد من فعله دخل عليه رضي الله عنه وضربه! فأثار مدير المدرسة الشيخ أبا الفضل الطيّار، لأنّ تأديب الطلبة منوطٌ بالإدارة، فاستدعاه وقال: أحضرتكم مدير ثان هنا؟ فأجابه رضي الله عنه بأدب رفيع: شيخي، لا تحك معي هكذا، إني أحبك. فدخل عليه الشيخ أسعد العبجي رحمه الله تعالى وصار يعرّفه بمكانة تلميذه محمد النبهان وأنه من طراز خاص، فأعقبها صحبة وصداقة بينه وبين أبي الفضل رحمه الله تعالى! قال رضي الله عنه : ((كنت أحبُّه لأنه كان يزرّ فتحة عنق قميصه)).

    وربّما يقال: إن زرّ فتحة العنق لا يستدعي الحب أو البغض، لكنّ الفتى الذي يتعشّق الكمالات المحمّدية لا يودّ أن يلحظ العلماء غير مرآة تعكس سنن الكمال، مهما كانت تلك السُنّة صغيرة أو بسيطة في أعين الناس.

    وطرأ عنده تعصُّب لطريقته، مثلما طرأ عليه من قبلُ لمذهبه، قال رضي الله عنه : ((كان مذهبي شافعياً وطريقتي نقشبنديةً، وعندي همّة عالية، أجادل الكبير والصغير، فإذا رجعت إلى غرفتي: أقول لنفسي: ماذا تريدين؟ ولماذا تجادلين؟ فأبكي وأبكي، حتى منّ الله تعالى عليّ بإزالة ذلك الجدل والتعصب)).

    ثمّ عهد إليه شيخه بإدارة ختم الذكر النقشبندي وإيواء المريدين وتربيتهم، في جامع باب الأحمر بمدينة حلب، فامتثل..

  10. naseem قال:

    هاتف من العناية الإلهية

    في مقهى إلى الغرب من باب الفرج يقضي رضي الله عنه بعض أمسياته، والمقهى آنذاك منتدى الأقارب والأصحاب، خال من اختلاط النساء بالرجال.

    قال رضي الله عنه: قعدنا قبل المغرب في مقهى (الشاه بندر) أنا ورفيقي (علي أبو اصطيف) وأنا أصلّي، ولا أمشي إلا مع من هو أكبر مني، لكن القيادة لي دائماً، فنظرت في الساعة فلم يبق للمغرب إلاّ خمس دقائق، فقمت فقال: إلى أين؟قلت: إلى الصلاة .قال: الآن وقت الصلاة؟

    قلت: الآن وقت قهوة؟ أنا عندي مقاهي الدنيا كلها لا تعدل ذرة من الصلاة .

    قال: أترجع؟ قلت : نعم سأرجع.. فجئت جامع (الملاّ خانة ـــ المولوية) فصليت، ثم سرت في طريق العودة إلى المقهى، وأنا أستغفر الله، إذ كان لي بعد المغرب ورد اسـتغفار ســبعين مرّة، وصلاة على النبي سبعين مرة، ولا إله إلا الله سبعين مرة، وإذا أنا بيدين قويتـين لا أراهما تمسكان بي وتفتلاني من المغرب إلى المشرق، وصوت قوي من داخلي أسمعه بكل ذراتي: أين رائح؟ أين رائح؟ من القهـوة للجامـع سلّمنا لك، أما من الجامع إلى القهوة فلا!! وما رأيت أحداً حولي ولا من بعيد! جاءني النور فأحاطني من رأسي إلى قدمي، وما بقي في دماغي عالم ولا دنيا ولا أعرف شيئاً! كأن واحداً فتلني من باب الفرج إلى باب النيرب بقوة أربعين حصاناً..

    وبينما أنا ماش إلى البيت: جاءني أبو مرة (الشيطان)في الطريق فقال لي: أين قولك لصاحبك نعم سأرجع؟ ألست صادقاً؟ ألست أميناً؟ ألم تعط وعداً وأنت لا تخلف الوعد..؟ لكنّ واردي قوي فلم يقف أمامه شيء!

    وصلت إلى البيت، وبعد قليل أُذّن للعشاء فصلّيت، وإذا بالباب يطرق فعرفت أنه صاحبي، وخرجتُ فإذا هو: عليٌّ، فأراد أن يحكي فقلت: اسكت لا تحك أنا أحكي! صار معي كذا وكذا.. فسكت كأنك صببت عليه ماءً بارداً ( والنعمين منه!)..

    فلم يعد رضي الله عنه إلى المقهى بعدها، وتُذكّرُنا حالته بسيدنا إبراهيم بن أدهم وما كان عليه من إمارة وغنى ودلال، وحب للخيل والصيد والتجوال، فسمع هاتفاً ـــ وهو على جواده يقول له ـــ يا إبراهيم ما خُلقت لهذا . ثلاثاً..! فنزل عن جواده، وتعرّف على راع فبادله الملابس، وتبرأ مما كان عليه وهام.

    وكذلك فعل سيدنا النبهان إذ تبرأ من التجارة والإمارة، مخلفاً الدنيا والاشتغال بالأدنى ومجالس باب النيرب وراء الوراء، متوجها بهمته إلى الله عازماً على طلب العلم.. دون تأثر بصاحب أو جليس أو أمر من قريب أو غريب، وتلك مناسبة بينه وبين سيدنا إبراهيم بن أدهم أشار إليها رضي الله عنه قائلاً: الشيخ إبراهيم بن أدهم وجواده، أنا محمد بن أحمد النبهان جرت معي، هذه اسمها عناية، قبل أن أدخل العلم بشيء قليل، قبل أن أدخل العلم بأشهر.

    ثمّ كانت ليلة النصف من شعبان، والناس ـــ على فطرتهم ـــ يترقبون تلك الليلة المباركة ليجتمعوا في المساجد يجهرون بسورة (يس) ويعيدونها، ويتضرعون عقب كل تلاوة بدعاء (إلهي بالتجلي الأعظم في ليلة النصف من شهر شعبان المعظم التي يفـرق فيها كل أمر حكيـم ويبرم..) وهي ليلة عظيمة اعتاد الناس قيامها وصيام نهارها فحضر حفلها فاجتذبه إلى الله ورسوله حنان واحتواه نحيب، وهكذا ربنا يستجيب لتكون الليلة فرقاناً، تأخذ به إلى ما كان يبحث عنه ويحس بفقده، وعزم رضي الله عنه على طلب العلم والتفرغ له.

    ففزع والده وجزع حين علم بعزمه دخول مدارس الشرع لأنه أكبر إخوته والعمل كله بعهدته، فيقول لولده: أمعقول يا ابني أن يظهر من بيت الزطّ مؤذّن؟! وهو مثل عند أهل حلب أصله أن الزط لا يتوجهون إلى عمل ذي شأن كالأذان.. فكيف بطلب العلم! ، فتوسط لدى فضيلة الشيخ نجيب سراج رحمه الله لعله يقنع ولده بالتراجع عن عزيمته، قال رضي الله عنه: ((قال لي الشيخ نجيب رحمه الله: يا ابني، إرضاء والدك فرض والعلم فرض، احضر للعلم كل يوم ساعة.. قلت : لا تكفيني!

    قال: اجعل النهار نصفين بين العلم والتجارة ، قلت : جبستان لا تحملان في كف، وإني أريد العلم .وحين أدرك الشيخ صدق إرادتي قال: أودُّ أن أعلمك علماً ، قلت: تفضّل .

    قال: قل كل يوم: اللهم ارزقني العلم النافع. ثلاث مرات، يرض والدُك، ويُفتحُ عليك فتوح العارفين .قلت: على راسي، هذه أتمكن منها!!

    ثم أرسلت صاحبي إلى مفتي حلب آنذاك الشيخ أحمد الكردي رحمه الله) فسأله لأجلي وجعل السؤال عن نفسه، فقال: والدي غنيّ، أمّي لا يقرأ ولا يكتب، وأنا أكبر أولاده، وأشتغل بتجارته، وأرغب في طلب العلم، لكنه لا يرضى! فقال له: أطلب العلم رضي أبوك أو لم يرض… فوجدته أشجع الشجعان )).

    خطوة على المفترق

    جاءت خطوته التالية ـــ وهي الانتقال إلى طلب العلم والطريق ـــ نتيجة حيرته وتأمّلاته، وثمرةً لإشراقة بدايتـه ومقدّماته، مع أن الحالة الأولى ليست منفصلة عمّا بعدها، بل هي بمثابة الأرضية الصلبة والقاعدة المتينة لمستقبل حياته وتطلعاته، إذ هو فتى حلب كرمــاً وشرفاً وشجاعةً، وصدقاً وأمانةً وفروسيةً، وهو ملتزم بالصلاة، ولوع بكتاب الله، ملازم لجملة أذكار وأوراد، متعلم بما يحمل على الاستقامة قبل أن يدخل مدارس العلم، وسالك قبل أن يتعهده شيخ أو ينتمي إلى طريق، والرؤيا عنده صادقة كاليقظة لصفاء قلبه، لكنّ خطوته هذه ضرورة يحتمها تلازم العلم والسلوك التام.

    ومن عجيب التقدير الإلهي أن يُلحق البيـت الّذي أنشأه رضي الله عنه لإمارة العشيرة بعمارة مسجد القرية! بعد أن لحق صاحبه رضي الله عنه بالمساجد لطلب العلم!

  11. naseem قال:

    طلب العلم

    في مدرسة القرناصية

    في سنة 1340 هـ ـــ 1922م دخل رضي الله عنه القرناصية الشرعية المجاورة لجامع الإسماعيلية بحلب، ومع أوّل قدم وضعه في طلب العلم باشر وصيّة شيخه وواظب عليها، وجعل همّه العلم الذي يوصل إلى المعلوم سبحانه، لا العلم الذي تبتغى به الشهادة والجاه والمعاش، قال رضي الله عنه : ((أنا دخلت العلم للعلم، ولأنّ الله تعالى أمر بطلب العلم، من طلب العلم ليتعيّش به لا عيـّشه الله تعالى قال عليه الصلاة والسلام: (( طلب العلم فريضة على كل مسلم )) وضمّ إلى هذا المبدأ السامي غاية الأدب والحياء، مع كونه جادّاً حازماً متفائلاً، لا يطرق الكسل جنبه ولا يجنح للجدل والهزل والفضول لسانه، ولا يقلُّ نظره في كتبه عن ست ساعات يومياً زيادةً على ما يلقى عليه في المدرسة .ووالده الذي فقد المعول عليه في الكسب والعمل حين رأى ما رأى من صدق ولده وإقباله بكليته على الله ورسوله تركه لله تعالى ولم يلزمه بشيء مذ دخل المدرسة الشرعية، وهذه حالة قلّما يلتفت إليها آباء طلبة العلم . وبعد أن أمضى في القرناصية سنةً حمله الشوق إلى الحجاز لزيارة حضرة سيد الخلق محمّد صلى الله عليه وسلم وأداء فريضة الحج فجاء يخبر أباه، فقال الوالد: بلغني.. ولكن متى سيكون السفر؟ قال رضي الله عنه : صباح الغد . قال: أفّ! ولم لم تخبرني من قبل؟قال رضي الله عنه: لأنك ستمنعني، وتقول: لا زلت شاباً .

    وكان رضي الله عنه إذا عزم على أمر فيه مرضاة الله تعالى لا يتراجع، لأجل ذلك يقول له والده: أنت كردي! فتحقق له ما أراد وحجّ ــــ على الإبل ــــ حجّـته الأولى سنة 1341هـ 1923م .

    في الخسروية الشرعية

    وبعد عودته رضي الله عنه من الحجاز سنة 1342 هـ ـــ 1923م انتقل من القرناصية وألقى رحله في الخسروية الشرعية، ومدرسوها آنذاك كبار علماء حلب.

    ودخل مرة فوجدهم يقيمون حلقة ذكر ويبكون، فسألهم: لماذا تبكون؟ قالوا: محبّون.. قال رضي الله عنه: والله هذا شيء جميل، علّموني هذا الحب!! فذكر له ديوان ابن الفارض رحمه الله قال رضي الله عنه((فقرأته فلم أجد فيه ما يقولون، وعلمت أن هذا ليس طريق الحب، وما أدركت الحب إلاّ عن طريق الإتباع لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام )) .

    في الأزهر الشريف

    وبعد أن أمضى سبع سنوات بين القرناصية والخسروية فاز في جميعها بالأولية، غادر إلى مصر سنة 1346 هـ. وفي الأزهر الشريف حرص رضي الله عنه ألاّ يأخذ العلم من غير أهله، ونعني بهم المتقين المحبين لأهل الله أما غير هؤلاء فلا يأخذ عنهم، فمع ما كان عليه الأزهر من مكانة عالية، وشهرة علمية سامية، تمد جسورها وتنشر نورها على أرجاء المعمورة، فإنّ بعض من يتصدّر حلقات العلم والتدريس لم يكن بمستوىً يُحمد، وحين يلحظ الطالب الغيور حالة كهذه يجد نفسه مضطرّاً لتقويمها بالممكن، أو يلجأ إلى ترك حلقة ذلك الشيخ .

    وكانت له دروس عند واحد لا يمنع من حلقته بادياً أو حاضراً، ولا يبالي بإعادة الدرس وصقله يظهر التأثر والحرص، ويكرر العبارات والشّرح، ويضيف كلمــات: الحاصل، المقصد، يا سيدنا الشيخ، ويورد أرقاما 2، 5، 10 فيضيع الوقت سدىً! فلم يصطبر على التفريط والإضاعة بل عارض الشيخ وحاسبه مع كونه تلميذاً عنده! قال رضي الله عنه قلت له: الحاصل، المقصد، يا سيدنا الشيخ! ما هو حاصلك أنت؟ وما هي نتيجتك؟ أين المحاسبة يا سيدنا الشيخ، وما هو حاصلك مع الحضرة الإلهية؟ وما هي الثمرة؟ . فلم يجبه بحرف!

    ومرّة أخرى لحظ شيخًا في الأزهر يقدح بالشيخ محيي الدين بن عربي) فماذا يفعل من يحسن الظن بعامة الناس فضلاً عن خاصتهم؟ لقد عاجله بردّ وتأديب مناسب، ولم يجد ذلك الشيخ ما يعتذر به إلا أن قال: يا شيخ محمّد، إن المجتهد إذا اجتهد وأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، وإنني أخطأت فأرجو المعذرة!!(1)

    وفي مصر لا يفترق عنه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قال رضي الله عنه : ولما كنت في مصر أسير ويسير معي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أردت أن أنفك عنه لا أقدر، و آخاني مع سيدنا الحسين رضي الله عنه لله درّه ما أجمله! ..

    ورافق طيلة بقائه بمصر الشيخ نجم الدين بن محمد أمين الكردي الأربلي ابن شيخ الطريقة النقشبندية هناك، وأمضى رضي الله عنه سنة في حلقات الشيخ محمّد بخيت المطيعي ــ شيخ الأزهر آنذاك ــ والشيخ يوسف الدجوي، والشيخ سلامة العزّامي، والعزّامي والدجوي أحب شيوخه إلى قلبه وأكثر من أخذ عنهم واستفاد، ورجع رضي الله عنه إلى حلب، واستقرّ في جامع الكلتاوية سنة 1347 هـ الموافق : 1929 م

    ولكن يا ترى: هل شبع من طلب العلم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(( منهومان لا يشبعان صاحب علم وصاحب دنيا، ولا يستويان، فأما صاحب العلم فيزداد من رضا الرحمن ثم قرأ: إنما يخشى الله من عباده العلماء [سورة فاطر28] وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان ثم قرأ: إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى [سورة العلق 6 ـــ 7] ، فطالب العلم لا يرتوي مهما نهل، أو كلما ازداد علماً ازداد شغفاً إلى مزيد، فما أن وطئت قدماه رضي الله عنه أرض حلب حتى بادر إلى حلقة شيخه من قبل أسعد العبجي رحمه الله والعبجي وما أدراك ما العبجي! لا بعلمي الفقه وأصوله مدار اختصاصه فحسب بل في العلوم الشرعية والعربية بجملتها. فلازمه فترة تزيد على ثماني سنوات، حتى استوفى ما يحتاج إليه من علوم عقلية ونقلية مع كونه لم يترك المطالعة والمراجعة، وأجازه شيخه بكل ما أخذ عنه واستفاد، وكان يقول عن تلميذه: هو حجة في الفقه الشافعي . .

    ثم إنه رضي الله عنه انتقل من الكلتاوية وأقام في جامع الإسماعيلية المجاور لقلعة حلب، وشغل الإمامة وكالةً عن صاحبه الشيخ عبد الله سلطان فترة غيابه في الأزهر، ولم يخطب طيلة حياته إلاّ مرّات لم تتجاوز عدد الأصابع، تميّزت بقوة الحال والانفعال، فضاق المسجد بالمصلين، فجاءه مدير الأوقاف يستميله بحجّة ترميم المسجد، فلم يردّ عليه، وأرسل الوزير مبعوثاً يطالبه أن تكون الخطب على الوجه الــّذي يخدم سياسة الدّولة آنذاك، فقال له: إنّ رابطتنا بالله ورسوله، وخطبتنا: قال الله تعالى وقال الرسول صلى الله عليه وسلم . وبعد أن أمضى سنتين رجع إلى الكلتاوية .

    (1)الشيخ محي الدين بن عربي طعن عليه بعض الناس ووثقه من معاصريه ومن بعهدهم علماء عظماء كثيرون وليس هذا موضع البحث في ذلك ولعل الله ييسر بيان ذلك فيما بعد.

إلى الأعلى